الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 53

 

[إنّ بني أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلا جعلوا كتاب الله دخلاً وعباد الله خولاً ومال الله دولاً]. يا معاوية، إنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول - وهو على المنبر وأنا بين يديه وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد وسعد بن أبي وقّاص وسلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام - وهو يقول:[ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم] فقلنا: بلى، يارسول الله. قال: [أليس أزواجي أمّهاتكم]؟ قلنا: بلى يارسول الله. قال: [من كنت مولاه فعليٌّ مولاه - وضرب بيديه على منكب عليّ عليه‌السلام - أللّهم وال من والاه وعادي من عاداه]، [أيها الناس، أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معي أمر. وعليٌ من بعدي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ليس لهم معه أمر. ثم ابني الحسن من بعد أبيه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر. ثم ابني الحسين من بعد أخيه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ليس لهم معه أمر]، ثم عاد صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: [أيها الناس، إذا أنا استشهدت فعليٌّ أولى بكم من أنفسكم، فاذا استشهد عليٌّ فابني الحسن أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، فاذا استشهد ابني الحسن فابني الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، فاذا استشهد ابني الحسين فابني علي بن الحسين أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس لهم معه أمر].


الصفحة 54

ثم أقبل على عليّ عليه‌السلام فقال:[يا عليُّ، إنّك ستدركه فاقرأه عني السلام. فإذا استشهد فابنه محمّد أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم، وستدركه أنت يا حسين فاقرأه منّي السلام: ثم يكون في عقب محمّد رجال واحد بعد واحد وليس لهم معهم أمر]. ثم أعادها ثلاثاً ثم قال: [لا وليس منهم أحد إلّا وهو أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ليس معه أمر، كلّهم هادون مهتدون تسعة من ولد الحسين].

فقام إليه عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وهو يبكي، فقال: بابي أنت وأمّي يانبي الله أتقتل؟ قال:[نعم، أهلك شهيدا بالسم، وتقتل أنت بالسيف وتخضب لحيتك من دم رأسك، ويقتل ابني الحسن بالسم، ويقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله طاغ بن طاغ، دعي بن دعي، منافق بن منافق].

فقال معاوية: يا بن جعفر، لقد تكلّمت بعظيم ولئن كان ما تقول حقّاً لقد هلكت وهلك الثلاثة قبلي وجميع من تولّاهم من هذه الامّة، ولقد هلكت أمّة محمّد وأصحاب محمّد من المهاجرين والأنصار غيركم أهل البيت وأوليائكم وأنصاركم.

فقلت: والله إنّ الذي قلت حقٌّ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: يا حسن ويا حسين ويا بن عباس، ما يقول ابن جعفر؟ فقال ابن عباس: إنْ لا تؤمن بالذي قال فأرسل إلى الذين سمّاهم فاسألهم عن ذلك. فأرسل معاوية إلى عمر بن أبي سلمة، وإلى أُسامة بن زيد فسألهما، فشهدا أنّ الذي قال عبد الله بن جعفر قد سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما سمعه. وكان هذا بالمدينة أوّل سنة جمعت الأمّة على معاوية.

معاوية بن أبي سفيان:

روى ابن أبي الحديد في المجلد الثاني ص 313 ط الأعلمي، قال: عن الأعمش، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: [سيظهر على الناس رجل من أمّتي، عظيم السرم (1) واسع البلعوم، ياكل ولا يشبع، وزر الثقلين، يطلب الامارة يوما، فاذا أدركتموه فابقروا بطنه]، قال: وكان في يد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌قضيب قد وضع طرفه في بطن معاوية.

____________________

1- السرم: الدبر.


الصفحة 55

قلت هذا الخبر مرفوع مناسب لما قاله عليّ عليه‌السلام (في نهج البلاغة) ومؤكداً لاختيارنا أنّ المراد به معاوية.

وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج: المجلد الثاني ص 294 ط مؤسسة الأعلمي قال: وروى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلم رحمه الله تعالى، عن نصر بن عاصم الليثي، عن أبيه، قال: أتيت مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله: فقلت: ما هذا؟ قالوا: معاوية قام الساعة وأخذ بيد أبي سفيان، فخرجا من المسجد فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [لعن الله التابع والمتبوع، رب يوم لأمتي من معاوية ذي الاستاه] قالوا: يعني الكبير العجز.

وقال: وروى العلاء بن حريز القشيري أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لمعاوية:[لتتخذن يامعاوية البدعة سنّةً، والقبح حسناً، أكلك كثير، وظلمك عظيم].

ونورد ما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد - المجلد الثاني الجزء الثالث ص 131 ط مؤسسة الأعلمي بيروت- قال: فيما جاء بين محمد بن أبي بكر ومعاوية، قال نصر: وكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر، سلام على أهل طاعة الله ممن هو سلم لأهل ولاية الله. أمّا بعد فانّ الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته، خلق خلقا بلا عبث منه ولا ضعف في قوته، لا حاجه به إلى خلقهم، ولكنه خلقهم عبيدا، وجعل منهم شقيا وسعيدا، وغويا ورشيدا، ثم اختارهم على علمه، فاصطفى وانتخب منهم محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فاختصّه برسالته، واختاره لوحيه، وائتمنه على أمره، وبعثه رسولاً مصدّقاً لما بين يديه من الكتب، ودليلاً على الشرائع - فدعا إلى سبيل أمره بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أوّل من أجاب وأناب، وصدّق وآمن وأسلم وسلم أخوه وابن عمّه - عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام- فصدّقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه كل هول، وواساه بنفسه في كل خوف، فحارب حربه، وسالم سلمه فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الازل، ومقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله، وقد رايتك تساميه وأنت أنت، وهو هو السابق المبرر في خير، أوّل الناس اسلاماً، وأصدق الناس نية، وأطيب الناس ذريّة، وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم، وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل، وتجتهدان على إطفاء نور الله، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتحالفان في ذلك القبائل، على هذا مات أبوك، وعلى ذلك خلّفته، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك، من بقيّة الأحزاب ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، والشاهد لعليّ مع فضله وسابقته القديمة أنصاره الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن، ففضّلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والانصار، فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله باسيافهم، ويهريقون دمائهم دونه، يرون الفضل في اتباعه والشقاق والعصيان في خلافه،


الصفحة 56

فكيف - يالك الويل - تعدل نفسك بعليّ، وهو وارث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيه وأبو ولده، وأوّل الناس له اتباعاً، وآخرهم به عهداً، يخبره بسرّه، ويشركه في أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه، فتمتع ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف تستبين لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنّك إنّما تكايد رَبَّك الذي قد أمِنْتَ كيده، وأيست من روحه، وهو لك بالمرصاد، وأنت منه في غرور، وبالله وباهل بيت رسوله عنك الغناء. والسلام على من اتبع الهدى.

فكتب إليه معاوية: من معاوية بن أبي سفيان، إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر. سلام على أهل طاعة الله، أمّا بعد، فقد أتاني كتابك فيه ما لله أهله في قدرته وسلطانه، وما أصفى به نَبِيّه، مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف، ذكرت حقَّ ابن أبي طالب وقديم سابقته، وقرابته من نبيّ الله ونصرته له، ومواساته إيّاه، في كل خوف وهول، واحتجاجك عليَّ، وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمد إلها صرف ذلك الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كُنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا، نرى حقَّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزا علينا، فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده، وأتمّ له ما وَعَده، وأظهر دعوته، وأفلج حجّته، قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه أوّل من إبتزّه وخالفه، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثم دعواه إلى أنفسهما فابطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايعهما وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما، حتّى قبضا وانقضى أمرهما، ثم أقاما بعدهما ثالثهما عثمان بن عفّان، يهتدي بهديهما ويسير بسيرتهم، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، وبطنتما وظهرتما، وكشفتما له عداوتكما وغلّكما، حتى بلغتما مُناكما، فخذ حذرك يابن أبي بكر، فسترى وبال أمرك، وقس شبرك بفترك، تقصر عن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه، ولا تلين على قَسْرٍ قناته ولا يدرك ذو مدى اناته، أبوك مهّد له مهاده، وبنى ملكه وشاده، فان يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله، وإنْ يكن جوراً فأبوك أُسّه(1) ونحن شركاؤه، فبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا، رأينا أباك فعل مافعل، فاحتذينا مثاله، واقتدينا بفعاله، فَعِبْ أباك بما بدا لك، أو دَعْ. والسّلام على من أناب ورجع من غوايته وناب.

روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: المجلد الثالث ص 369 ط الأعلمي في حديث للإمام الحسن عليه‌السلام بحضور معاوية، و آخرين، منهم عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وغيرهم في كلام لينالوا به من الامام عليّ عليه‌السلام. فردّ عليهم واحداً بعد الآخر وابتدأ بالرد على معاوية بن أبي سفيان، قال:

فتكلّم الحسن بن عليٍّ عليه‌السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ثم قال:

____________________

1- الأس: الأساس.


الصفحة 57

 

أمّا بعد يامعاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنّك شتمتني، فحشاً ألفته، وسوءَ رأي عُرفت به، وخلقاً سيئاً ثبت عليه، وبغياً علينا، عداوة منك لمحمّد وأهله، ولكن أسمع يا معاوية، وأسمعوا فلأقولنّ فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم.

أنشدكم الله أيّها الرهط، أتعلمون أنّ الذي شتمتموه منذ اليوم، صلّى القبلتين كلتيهما، وأنت يامعاوية بهما كافر، تراهما ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية.

وأنشدكم الله هل تعلمون أنّه أوّل الناس إيمانا، وأنّك يا معاوية و أباك من المؤلّفة قلوبهم تسرون الكفر، وتظهرون الاسلام، وتُستَمَالون بالاموال.

وأنشدكم الله، ألستم تعلمون انّه [يعني عليّ] كان صاحب راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر، وأنّ راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه. ثم لقيكم يوم أحد ويوم الأحزاب، ومعه راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كلّ ذلك يفتح الله له ويُفلج حجّته، وينصر دعوته، ويصدّق حديثه، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك المواطن كلّها عنه راضٍ وعليك وعلى أبيك ساخط،


الصفحة 58

 

وأنشدك الله يا معاوية، أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فقال:[اللّهم العن الراكب والقائد والسائق]، أتنسى يامعاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لماّ همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك:

يا  صَخْرُ  لا تُسْلِمَنْ يوماً iiفَتَفْضَحَنا        بَعْدَ   الذين   ببدر   أصبحوا  iiفرقا
خالي   وعمِّي   وعمُّ   الأمِّ   iiثالثُهم        وحَنْظَلُ الخيرِ قد أهدى إلينا iiالأرَقا
لا     تَرْكَنَنَّ    إلى    أمر    iiتكلِّفُنا        والراقصاتِ   بهِ  في  مكّةَ  iiالخُرُقا
فالموتُ  أهونُ  من  قولِ العِداة iiلقد        حاد ابن حربٍ عن العُزّى إذن فَرِقا

والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت.

وأنشدكم الله أيّها الرهط، أتعلمون أنّ عليّا حرَّم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأُنزل فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّ‌مُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ)(1) وأنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أكابر الصحابة إلى بني قُريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليّاً بالراية، فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها!.

ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أنّي أعلم ما دعا به عليك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لماّ أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة فبعث إليك ابن عباس،فوجدك تأكل، ثم بعثه إليك مرّة أخرى فوجدك تأكل،فدعا عليك الرسول بجوعك ونهمك إلى أن تموت.

وأنتم أيّها الرهط: أنشدكم الله، ألا تعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها:

أوّلها: يوم لَقِيَ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خارجا من مكّة إلى الطائف، يدعو ثقيفاً إلى الدين، فوقع به وسبّه وسفَّهه وشتمه وكذّبه و توعّده، وهمّ أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله وصُرِفَ عنه.

والثانية يوم العير، إذ عرض لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌ وهي جائية من الشام، فطردها أبو سفيان، وساحل بها، فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودعا عليه، فكانت وقعه بدر لأجلها.

____________________

1- سورة المائدة: الآية 87.


الصفحة 59

 

والثالثة يوم أُحُدْ، حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أعلاه، وهو ينادي: أُعْلُ هُبَل مرارا، فلعنه رسول الله عشر مرات، ولعنه المسلمون.

والرابعة يوم جاء بالاحزاب وغطفان واليهود، فلعنه رسول الله وابتهل.

والخامسة يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدُّوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المسجد الحرام (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ)(1) ذلك يوم الحديبيّة(2) فلعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا سفيان، ولعن القادة والأتباع وقال: [ملعونون كلّهم، وليس فيهم مؤمن] فقيل: يارسول الله أفما يُرجى الاسلام لاحد منهم فكيف باللعنة؟ فقال: [لا تصيب اللعنة أحداً من الأتباع، وأمّا القادة فلا يفلح منهم أحد].

والسادسة يوم الجمل الأحمر.

والسابعة يوم وقفوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العقبة ليستنفروا ناقته، وكانوا إثني عشر رجلاً، منهم أبو سفيان.

أقول: هذا هو معاوية وهذا أبوه أبو سفيان، فمن كان هكذا؟ أفيكون حاكما للمسلمين؟ فويل للقاسية قلوبهم وويل ثم ويل لمن يعتبرونه إمامهم والخليفة عليهم ولزوم طاعته.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [يُحشر المرءُ مع من يحب].

فاطمة الزهراء سلام الله عليها:

أورد السيد علي بن شهاب الدين الهمداني في كتابه مودّة القربى: ص 57 ط لاهور،

في المودّة الخامسة، قال: عن فاطمة الزهراء، قالت:[قال رسول الله: من كنت مولاه فعليٌّ وليّه، ومن كنت إمامه فعليّ إمامه].

عدائية قريش:

لعدائيّة قريش أسباب: منها قلّة المتّقين وكثرة المؤذين لرسول الله ولأمير المؤمنين عليه‌السلام، وما أعلن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بولاية عليٍّ عليه‌السلام، حتى أمره الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّ‌سُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّ‌بِّكَ).

____________________

1- سورة الفتح: الآية 25.

2- يوم الحديبيّة أو بيعة الحديبيّة وهي بيعة الرضوان سميّت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تحتها، وبين الحديبيّة ومكّة مرحلة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل.


الصفحة 60

روى الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ المتوفّى 310 هـ في كتابه [الولاية] بإسناده عن زيد بن أرقم في سبب نزول آية الاكمال والاتمام: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(1) قال: لما نزل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغدير خمّ في رجوعه من حجّة الوداع، وكان وقت الضحى وحرٌّ شديد، أمر بالدوحات فقمت ونادى الصلاة جامعة، فأجتمعنا فخطب خطبة بالغة، ثم قال: إنّ الله تعالى أنزل إليّ: (يَا أَيُّهَا الرَّ‌سُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّ‌بِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِ‌سَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(2). وقد أمرني جبرئيل عن ربّي أن أقوم في هذا المشهد، وأُعلم كل أبيض وأسود: أنَّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيي و خليفتي والامام بعدي، فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربّي لعلمي بقلّة المتّقين وكثرة المؤذين لي واللائمين ولكثرة ملازمتي لعليّ وشدّة إقبالي عليه. حتى سمّوني أُذناً. فقال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ‌ لَّكُمْ) ولو شئت أنْ أسميهم وأدّل عليهم لفعلت ولكنّي بسترهم قد تكرّمت، فلم يرض الله الّا بتبليغي فيه.

فاعلموا معاشر الناس ذلك، فإنّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماما، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه، جائزٌ قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدّقه، أسمعوا وأطيعوا، فانّ الله مولاكم وعليّ [عليه‌السلام] إمامكم، ثم الامامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة، لا حلال إلّا ما أحلّه الله ورسوله، ولا حرام الّا ما حرّم الله ورسوله وهم. فما من علم إلّا وقد أحصاه الله فيَّ ونقلته إليه، فلا تضلّوا عنه ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، ولن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتما على الله من يفعل ذلك أن يعذّبه عذاباً نكراً أبد الآبدين، فهو أفضل الناس بعدي ما نزل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبريل عن الله: فلتنظر نفسٌ ما قدّمت لغد.

افهموا محكم القرآن ولا تتّبعوا متشابهه، ولن يفسِّر ذلك إلّا من أنا آخذٌ بيده، وشايل بعضُده، ومُعلِمُكُم:

____________________

1- سورة المائدة: الآية 3.

2- سورة المائدة: الآية 67.


الصفحة 61

أنّ من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، وموالاته من الله عزّ وجل أنزلها عليَّ. ألآ وقد أدّيت ألآ وقد بلّغت، ألآ وقد أسمعت، ألآ وقد أوضحت، لاتحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحدٍ غيره.

ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقال: معاشر الناس، هذا أخي ووصيّي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربّي(1) .

روى محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب: ص 312، ط 3 مطبعة الفارابي، بإسناده عن سعيد بن زيد قال: خرج علينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بيت زينب حتى دخل بيت أمّ سلمة، وكان يومها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يلبث أن جاء عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، فدقّ الباب دقاً خفيفاً فاستثبت رسول الله الدق، وقال: يا أم سلمة قومي فافتحي، فقلت: يا رسول الله ما الذي بلغ من خطره ما افتح له الباب وألقاه بمعاصي وقد نزلت فيَّ بالأمس آية من كتاب الله تعالى، فقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كالمغضب: إنّ طاعة رسول الله كطاعة الله، وأنّ بالباب رجلا ليس بنزق ولاخرق يحبّ الله ورسوله لم يكن يدخل حتى ينقطع الوطي، قالت: فقمت ففتحت له الباب فاخذ بعضادتي الباب حتى لم أسمع حساً استأذن ودخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:[يا أم سلمة أتعرفينه؟] قلت: نعم هذا عليّ بن أبي طالب، قال: [صدقت سجيّته سجيتي ودمه دمي، وهو عيبة علمي فأسمعي واشهدي، لو أنّ عبدا من عباد الله عزّ وجل عبد الله ألف عام وألف عام بعد ألف عام بين الركن والمقام، ثم لقى الله عزّ وجل مبغضاً لعليّ بن أبي طالب وعترتي أكبّه الله تعالى على منخره يوم القيامة في نار جهنم]

قلت: هذا حديث سنده مشهور عند أهل النقل، وفيه موعظة ووعد شديد لمبغضي عليّ عليه‌السلام وأهل البيت عليهم‌السلام والويل لمن يشنأهم ويسبّهم، وطوبى لمن يحبّهم. وقد جعل الله تعالى شكر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأجره على تبليغ رسالاته عن الله عزّ وجل المودّة لأهل بيته، قال الله تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرً‌ا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْ‌بَىٰ).

وروى الحافظ الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل: ج 1 ص 423، ط 3 مجمع إحياء الثقافة الاسلاميّة، في الحديث 372 قال:

____________________

1- إحقاق الحق: ج 2 ص 419 - 420 .


الصفحة 62

 

وقرأت في التفسير العتيق الذي عندي: حدّثنا محمد بن سهل، أبو عبد الله الكوفي، عن عثمان بن يزيد، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: [قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: إنّي سألت ربّي مواخاة عليّ ومودّته، فأعطاني ذلك ربّي.] فقال رجل من قريش: والله لصاع من تمر أحبّ إلينا مما سأل محمّد ربّه، أفلا سأل ملكا يعضده، أو ملكاً يستعين به على عدوّه، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشقّ عليه ذلك فأنزل الله تعالى عليه: (فَلَعَلَّكَ تَارِ‌كٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُ‌كَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ‌ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)(1)]

روى الحافظ الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل: ج 2 ص 455 ط 3 في الحديث 1050 قال: فرات بن إبراهيم الكوفي، حدّثنا جعفر بن محمد بن عتبة الجعفي، حدّثنا العلاء بن الحسن، حدّثنا حفص بن حفص الثغري، حدّثنا عبد الرزاق، عن سورة الأحول، عن عمّار بن ياسر، قال: كنت عند أبي ذرّ [الغفاري] في مجلس لابن عباس وعليه فسطاط وهو يُحدِّث الناس، اذ قام أبو ذرّ حتى ضرب بيده إلى عمود الفسطاط، ثم قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بإسمي، أنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، سألتكم بحقّ الله ورسوله أسمعتم رسول الله يقول(2): [ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء ذا لهجة أصدق من أبي ذرّ قالوا: أللّهم نعم. قال: أتعلمون أيّها الناس أنّ رسول الله جمعنا يوم غدير خمّ ألف وثلاثمئة رجل، وجمعنا يوم سمرات خمسمئة رجل، كل ذلك يقول: [اللّهم من كنت مولاه فإنَّ عليّا مولاه، أللّهم وال من والاه وعاد من عاداه

____________________

1- سورة هود: الآية 12.

2- وفي رواية: سألتكم بالله وبحق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.


الصفحة 63

 

فقام عمر فقال: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولا كل مؤمن ومؤمنة، فلمّا سمع ذلك معاوية بن أبي سفيان، اتّكأ على المغيرة بن شعبة وقام وهو يقول: لا نقرّ لعليّ بولاية، ولا نصدّق محمّداً في مقاله، فأنزل الله تعالى على نبيّه (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ﴿٣١﴾ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿٣٢﴾ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ﴿٣٣﴾ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ)(1) تهدداً من الله تعالى وانتهاراً؟ فقالوا: أللّهم نعم.

وروى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 456 ط 3، قال فرات، قال: حدّثني إسحاق بن محمد بن القاسم بن صالح بن خالد الهاشمي حدّثنا أبو بكر الرازي محمد بن يوسف بن يعقوب بن إبراهيم بن نبهان بن عاصم بن زيد، بن طريف مولى عليّ بن أبي طالب، حدّثنا محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل، عن أبي مريم، عن يونس بن خبّاب، عن عطية، عن حذيفة بن اليمان، قال: كنت والله جالساً بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، قد نزل بنا غدير خمّ وقد غصّ المجلس بالمهاجرين والأنصار، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، على قدميه وقال: [يا أيّها الناس إنّ الله أمرني بأمر فقال: (يَا أَيُّهَا الرَّ‌سُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّ‌بِّكَ)(2)]، ثم نادى عليّ بن أبي طالب فأقامه عن يمينه، ثم قال: [يا أيّها الناس ألم تعلموا أنّي أولى منكم بأنفسكم؟]، قالوا أللّهم بلى، قال: [من كنت مولاه فعليٌّ مولاه أللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله].

فقال حذيفة: فوالله لقد رأيت معاوية قام وتمطّى وخرج مغضباً واضعاً يمينه على عبد الله بن قيس الأشعري ويساره على المغيرة بن شعبة، ثم قام يمشي متمطئاً وهو يقول: لا نصدّق محمّداً على مقالته، ولا نقرّ لعليّ بولايته، فأنزل الله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ﴿٣١﴾ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿٣٢﴾ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ) فهمّ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يردّه فيقتله، فقال له جبريل: (لَا تُحَرِّ‌كْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)(3) فسكت عنه.

____________________

1- سورة القيامة: الآيتان 31 و32.

2- سورة المائدة: الآية 67.

3- سورة القيامة: الآية 16.


الصفحة 64

بسم الله الرحمن الرحيم

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)

سورة المائدة الآية 3

(يَا أَيُّهَا الرَّ‌سُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّ‌بِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِ‌سَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِ‌ينَ)

سورة المائدة الآية 67

نزلت هاتان الآيتان في يوم الغدير الأغر في غدير خمّ، في الجحفة بعد أداء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مناسك حجّة الوداع في العام العاشر من الهجرة يوم الخميس الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، وتعرف بحجّة البلاغ وحجّة الكمال وحجّة التمام، حيث أنزل سبحانه وتعالى آية البلاغ: (يَا أَيُّهَا الرَّ‌سُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّ‌بِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِ‌سَالَتَهُ)، ولقوله سبحانه وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)

فكان النزول لهاتين الآيتين، عند مفترق الحجاج الذين صاحبوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وكانوا قرابة مائة وعشرين ألف حاج. فدعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين ممّن تقدّم عليه وانتظر المتأخرين، وكان الحرّ الهجير، فيضع المسلم بعضاً من ملابسه على رأسه والأخر تحت رجليه فنزل عليه الأمين جبرئيل عن الله بقوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّ‌سُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّ‌بِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِ‌سَالَتَهُ)، وأمره أن يقيم عليّاً عليه‌السلام وليّاً مفترض الطاعة على كل مسلم ومسلمة، وأنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كولاية الله ورسوله، ونورد فيما يلي المصاديق والدلالات للأمر الإلهي لآيتي الكمال والتمام والبلاغ.

الدلالات المبيّنة لولاية أمير المؤمنين

1-الدلالة الأولى:

لماّ نزلت آية البلاغ على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا المسلمين بمصافقة عليّ عليه‌السلام ومبايعته بإمرة المؤمنين وولايته عليهم كولاية الله ورسوله. فقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار، ألا فلْيبلّغ الشاهد الغائب].

ثم لم يتفرّقوا حتى نزل الأمين جبرئيل عليه‌السلام بقول الله تعالى في الآية الشريفة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي].


الصفحة 65

 

فأخذ القوم يهنّئون الامام عليّ عليه‌السلام بإمرة المؤمنين، وفي مقدّمة الصحابة أبو بكر وعمر وكل يقول بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

روى الحافظ محمد بن علي بن شهر آشوب في مناقب عليّ بن أبي طالب: ج 3 ص 53، ط دار الأضواء قال: منها ما نقله المنقري بإسناده إلى عمران بن أبي بُريدة الأسلمي.

وروى يوسف بن كليب المسعودي بإسناده عن داود، عن بريدة الأسلمي، وروى عباد بن يعقوب الأسدي بإسناده عن داود السبيعي، عن أبي بريدة، أنّه دخل أبو بكر على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: [اذهبْ وسلّم على أمير المؤمنين] فقال: يا رسول الله وأنت حيّ؟ قال: [وأنا حيّ]. ثم جاء عمر فقال له مثل ذلك وفي رواية السبيعي أنّه قال عمر: ومن أمير المؤمنين؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وآله: [عليّ بن أبي طالب] قال: عن أمر الله وأمر رسوله؟ قال: [نعم].

روى السيد هاشم البحراني في كتابه غاية المرام: ص 306 في الحديث 9 من الباب 5 قال: [روى] محمد بن جرير في كتابه المناقب، أنّ النبي قال لعليّ: أُخرج فناد: [ألا من ظلم أجيراً أجرته فعليه لعنة الله، ألا من تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله، ألا من سبّ والديه فعليه لعنه الله]. فنادى بذلك، فدخل عمر وجماعة على النبي وقالوا، هل من تفسير لما نادى به عليّ؟ قال: [نعم إنّ الله يقول: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرً‌ا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْ‌بَىٰ) فمن ظلمنا فعليه لعنة الله، ويقول: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، فمن والى غيره وغير ذريتّه فعليه لعنة الله، وأشهدكم: أنا وعليّ أبوا المؤمنين فمن سبّ أحدنا فعليه لعنة الله]. فلما خرجوا، قال عمر: ما أكّد النبي لعليّ بغدير خمّ ولا غيره أشدَّ من تأكيده في يومنا هذا.

أخرج الحافظ أبو سعيد الخركوشي النيسابوري، بروايته عن البراء بن عازب، وعن أبي سعيد الخدري ما لفظه: ثم قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [هنئّوني هنّئوني أنّ الله خصّني بالنبوّة وخصّ أهل بيتي بالإمامة].

وأخرج الطبري في كتابه الولاية، بإسناده عن زيد بن أرقم قال صلى‌الله‌عليه‌وآله:

[معاشر الناس قولوا: أعطيناك على ذلك عهداً عن أنفسنا وميثاقاً بألسنتنا وصفقة نؤديّه إلى أولادنا وأهالينا لا نبغي بذلك بدلاً وأنت شهيد علينا وكفى بالله شهيداً. قولوا ما قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فإنّ الله يعلم كل صوت وخائنة كل نفس، فمن نكث فانّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه أجرا عظيما، قولوا ما يرضي الله عنكم فان تكفروا فانّ الله غنيّ عنكم].قال زيد بن أرقم فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر الله ورسوله بقلوبنا.


الصفحة 66

وكان أوّل من صافق النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّا، أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وباقي المهاجرين والأنصار، وباقي الناس إلى أن صلّى الظهر والعصر في وقت واحد، وامتد ذلك إلى أن صلّى العشائين في وقت واحد، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً.

وأورد الشيخ الأميني عليه الرحمة في كتاب الغدير، عن مناقب عليّ بن أبي طالب: لأحمد بن محمد الطبري الشهير بالخليلي، رواه من طريق شيخة محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن وفيه، فتبادر الناس إلى بيعته وقالوا: سمعنا وأطعنا لما أمرنا الله ورسوله بقلبونا وأنفسنا وألسنتنا وجميع جوارحنا ثم نكبوا على رسول الله وعلى عليّ بأيديهم وكانو أوّل من صافق رسول الله: أبو بكر وعمر وطلحة والزبير ثم باقي المهاجرين، والناس على طبقاتهم ومقدار منازلهم إلى أن صلّيت الظهر والعصر في وقت واحد والمغرب والعشاء الاخر في وقت واحد.

ولم يزالوا يتواصلون البيعة والمصافقة ثلاثاً ورسول الله كلّما بايعه بعد فوج يقول: الحمد لله الذي فضّلنا على جميع العالمين. وروى بعد حديث الغدير، ثم جلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في خيمة وجلس أمير المؤمنين عليّا عليه‌السلام في خيمة أخرى وأمر الناس بأن يهنّئوا عليّاً في خيمته. ولما فرغ من تهنئة الرجال أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمّهات المؤمنين بالذهاب إليه والتهنئة له(1).

____________________

1- روضة الصفا: 51- 173، حبيب السير: 3- 144 بتفاوت يسير.


الصفحة 67

 

2-الدلالة الثانية:

أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين لأكثر من مرّة وموضع بخلافة الامام عليّ عليه‌السلام من بعده، فروى الحافظ أبو الحسن علي بن محمد الجلابي - المعروف بابن المغازلي - في كتابه مناقب عليّ: ص 266 في الحديث رقم 313 قال بإسناده، عن أنس بن مالك، قال: انقضَّ كوكبٌ على عهد رسول الله، فقال رسول الله:[أنظروا إلى هذا الكوكب فمن انقضَّ في داره فهو الخليفة من بعدي] فنظروا فاذا هو قد انقضَّ في منزل عليّ، فأنزل الله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿١﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴿٢﴾ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)

وأيضاً روى الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 325 ط 3 طبعه مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة في الحديث 919 قال - بإسناده عن أنس بن مالك -: انقضَّ كوكب على عهد رسول الله فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [أنظروا إلى هذا الكوكب فمن انقضَّ في داره فهو الخليفة من بعدي] فنظرنا فإذا هو انقضَّ في منزل عليّ بن أبي طالب، فقال جماعة من الناس: قد غوى محمّد في حبّ عليّ، فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿١﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴿٢﴾ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)(1)

وروى أيضا الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 329 ط 3 في الحديث 923 بالإسناد إلى [الامام] جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عن أبيه: عن عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [إذا هبط نجم من السماء في دار رجل من أصحابي فانظروا من هو؟ فهو خليفتي بعدي والقائم فيكم بأمري] فلمّا كان من الغد انقضَّ نجم من السماء قد غلب ضوءه على ضوء الدنيا حتّى وقع في حجرة عليّ بن أبي طالب فهاج القوم وقالوا: والله لقد ضلّ هذا الرجل وغوى فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿١﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ).

روى القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي القاهري في كتاب شرح الأخبار: ج 2 ص 243 ط مؤسسة النشر الاسلامي، قال:

____________________

1- سورة النجم: الآيات 1 و2 و3 و4.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة