الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 330

ثم طلب عليّاً وبعثه إليهم، ودعا له، وشّيعه إلى مسجد الأحزاب، وأنفذ معه جماعة منهم أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار الليل وكمن النهار حتى استقبل الوادي من فمه، فلم يشك عمرو بن العاص أنّه يأخذهم، فقال لأبي بكر: هذه أرض سباع وذئاب وهي أشد علينا من بني سليم، والمصلحة أن نعلوَ الوادي، -وأراد إفساد الحالة -، وقال: قل ذلك لأمير المؤمنين عليه‌السلام فقال له أبو بكر، فلم يلتفت عليه‌السلام إليه، ثم قال لعمر فقال له، فلم يجبه أمير المؤمنين عليه‌السلام، وكبس على القوم الفجر فأخذهم، فأنزل الله تعالى (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) واستقبله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فنزل أمير المؤمنين عليٌّ وقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: لولا أن أشفق أن يقول فيك طوائف من أُمتي ما قالت النصارى في المسيح، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمرّ بملأ منهم إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك، إركب فإن الله ورسوله عنك راضيان.

أورد الشيخ محمد حسن المظفر في كتاب دلائل الصدق: ج 2 ص 156، عن الشيخ الحلي (قدس سره)، هذه.

وأخرج ابن المغازلي الحديث النبوي الشريف بحق الإمام عليٍّ عليه‌السلام في المناقب: ص 237 بالرقم 285 وبإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: لما قدم عليّ بن أبي طالب بفتح خيبر قال له النبي صلى الله عليه وآله:[يا عليُّ لولا أن تقول طائفة من أُمتي فيك ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك مقالاً، لا تمرّ بملأ من المسلمين إلّا أخذوا التراب من تحت رجليك، وفضل طهورك، يستشفعون بهما، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك وأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي، وأنت تبرىء ذمتي، وتستر عورتي، وتقاتل على سنتي، وأنت غداً في الآخرة أقرب الخلق مني، وأنت على الحوض خليفتي، وإنَّ شيعتك على منابر من نور مُبيضّة وجوههم حولي، أشفع لهم ويكونون في الجنّة جيراني، وإنّ حربك حربي، وسلمك سلمي، وسريرتك سريرتي، وعلانيّتك علانيتي وإنّ ولدك ولدي، وأنت تقضي دَيْني وأنت تنجز وعدي، وإنَّ الحق على لسانك وفي قلبك ومعك وبين يديك ونصْب عينيك، الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، لا يرد عليّ الحوض مبغض لك، ولا يغيب عنه محبٌّ لك]. فخرَّ عليٌّ ساجداً وقال: [الحمد لله الذي مَنّ عليّ بالإسلام، وعلّمني القرآن، وحببّني إلى خير البريّة، وأعزّ الخليقة، وأكرم أهل السماوات والأرض على ربّه، وخاتم النبيين وسّيد المرسلين وصفوة الله في جميع العالمين إحساناً من الله العليّ إليّ، وتفضلاً منه عليَّ].


الصفحة 331

فقالب له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: [لولا أنت يا عليُّ ما عُرف المؤمنون بعدي لقد جعل الله جلّ وعلا نسل كل نبي من صلبه، وجعل نسلي من صلبك يا عليُّ فأنت أعزُّ الخلق وأكرمهم علّي وأعزهم عندي،ومحبّك أكرم من يرد عليّ من أمتي].

وأورد الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المنتخب من الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ص 264 ط1 مؤسسة البعثة، قال: ونزلت سورة (العاديات)، وجيوش الإسلام لم تصل إلى المدينة بعد، وفي ذات اليوم صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس الغداة وقرأ (وَالْعَادِيَاتِ)،فلمّا فرغ من صلاته قال أصحابه: هذه سور لم نعرفها، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [نعم إنَّ عليّاً ظفر بأعداء الله وبشّرني بذلك جبرائيل عليه‌السلام في هذه الليلة]، فقدم عليٌّ بعد أيام بالغنائم والأسرى.


الصفحة 332

سورة التكاثر

(ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم)

سورة التكاثر الآية 8

روى الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، المعروف بأبي نعيم الإصبهاني، في كتاب ما نزل من القرآن في عليّ عليه‌السلام: ص 285 ط1، الحديث 79 قال: حدّثنا محمد بن عمر بن سالم [الحافظ الجعابي]، قال حدّثنا عبد الله بن محمد بن زياد، قال:حدّثنا جعفر بن علي بن نجيح، قال: حدّثنا حسن بن حسين، عن أبي حفص الصائغ، [عمرو بن راشد]: عن جعفر بن محمّد عليهما السلام في قوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [عن ولاية عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام].

روى الشيخ سليمان ابن الشيخ إبراهيم القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودَّة: ص 111 - 112. عن الحاكم البيهقي - الشافعي بسنده عن إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب، قال: كنّا يوماً بين يدي عليّ بن موسى الرضا رضي‌الله‌عنهما قال له بعض الفقهاء: إنَّ النعيم في هذه الآية هو الماء البارد.

فقال له - بارتفاع صوته – [وكذا فسّرتموه أنتم وجعلتموه على ضروب فقالت طائفة هو الماء البارد، وقال آخرون: هو النوم، وقال غيرهم: هو الطعام الطيّب، ولقد حدّثني أبي عن أبيه جعفر بن محمّد أنّ أقوالكم هذه ذكرت عنده فغضب وقال: إنّ الله لا يسأل عباده عمّا تفضَّل عليهم به ولا يمنُّ بذلك عليهم، وهو مستقبح من المخلوقين، كيف يضاف إلى الخالق جلَّت عظمته ما لا يُرضى للمخلوقين، ولكن النعيم حبُّنا أهل البيت ومولاتنا، يسأل الله عنه بعد التوحيد لله ونبوّة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنَّ العبد إذا وافى بذلك، أدّاه إلى نعيم الجنّة الذي لا يزول].

وقال أبي موسى: لقد حدّثني أبي جعفر. عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب رضي‌الله‌عنهم قال:[قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يا عليُّ إنّ أوّل ما يسأل عنه العبد بعد موته: شهادة ألا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله وأنّك ولي المؤمنين بما جعله الله وجعلته لك، فمن أقرَّ بذلك وكان معتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له].

وأخرج القندوزي أيضاً، عن الحافظ أبي نعيم، وبإسناده المذكور عن ابن عباس رضي‌الله‌عنهما، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الآية قال: صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الآية، قال صلى الله عليه [وآله] وسلم:[عن ولاية عليّ بن أبي طالب].

روى الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان: ج 10 ص 535 قال: وروي أنَّ أبا حنيفة سأل الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن تفسير هذه الآية قال الإمام:


الصفحة 333

ما النعيم عندك يا نُعمان، قال: القوت من الطعام والماء البارد، فقال: [لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها وشربة شربتها ليطولنَّ وقوفك بين يديه]، قال: فما النعيم جعلت فداك، قال:[نحن أهل البيت: النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، وبنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، وبنا ألَّف الله بين قلوبهم وجعلهم إخواناً بعد أن كانوا أعداء، وبنا هداهم الله للإسلام وهي النعمة التي لا تنقطع، والله سائلهم عن حقّ النعيم الذي أنعم الله به عليهم وهو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعترته].

روى الحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل: ج 2 ص 553 ط3 مجمع إحياء الثقافة الإسلامية في الحديث-1160- قال: حدّثونا عن أبي بكر [محمد بن الحسين بن صالح] السبيعي، حدّثنا علي بن العبّاس المقانعي، حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسين، حدّثنا حسن بن حسين، حدّثنا أبو حفص الصائغ [عمر بن راشد]: عن جعفر بن محمّد في قوله تعالى:(ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [نحن النعيم]، وقرأ: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)(1).

وروى الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 553، قال في الحديث 1162: [قال فرات] حدّثني علي بن محمد بن مخلد الجعفي، حدّثنا إبراهيم بن سليمان، حدّثنا عبيد بن عبد الرحمان التيمي، حدّثنا أبو حفص الصائغ، قال: قال عبد الله بن الحسن [في قوله تعالى]: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) [قال: يعني] عن ولايتنا والله يا أبا حفص.

روى الحافظ أبو نعيم الإصبهاني في كتاب خصائص الوحي المبين: ص 95 ط1، وص 147 ط 2 قال: حدّثنا محمد بن عمر بن سالم قال:حدّثنا عبد الله بن محمد بن زياد، قال: حدّثنا جعفر بن علي بن نجيح، قال: حدّثنا حسن بن حسين، عن أبي حفص الصائغ: عن جعفر بن محمّد عليهما السلام، في قوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [عن ولاية عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام].

روى السيد هاشم البحراني في تفسيره، تفسير البرهان: ج 4 ص 502 ط2 عند تفسيره لسورة التكاثر، بأسانيد عن محمد بن العباس بن الماهيار، قال:[قال] محمد بن العباس: حدّثني علي بن أحمد بن حاتم، عن حسن بن عبد الواحد، عن القاسم بن الضحاك، عن أبي حفص الصائغ: عن الإمام جعفر بن محمّد أنّه قال [في قوله تعالى]: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) والله ما هو الطعام والشراب ولكن ولايتنا أهل البيت.] وأيضاً قال محمد بن العباس بن الماهيار: حدّثنا أحمد بن محمد الوّراق عن جعفر بن علي بن نجيح، عن حسن بن حسين، عن أبي حفص الصائغ: عن جعفر بن محمّد في قوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [نحن النعيم].

____________________

1- سورة الأحزاب: الآية 37.


الصفحة 334

وأيضاً قال محمد بن العباس: حدّثنا أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن نجيح اليماني قال: قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام: ما معنى قوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم)، قال: [النعيم الذي أنعم الله به عليكم من ولايتنا وحبّ محمّد وآله] وعنه، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد عن الحسن بن القاسم عن محمد بن عبد الله بن صالح، عن مفضل بن صالح، عن سعد بن عبد الله، عن أصبغ بن نُباتة: عن عليّ عليه‌السلام قال [في قوله تعالى:] (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [نحن النعيم]. وعنه، عن أحمد بن القاسم، عن أحمد بن محمد خالد، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي الحسن موسى [بن جعفر عليه‌السلام] في قوله عزّ وجلّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [نحن نعيم المؤمن وعلقم الكافر].

وعنه قال: حدّثنا علي بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن إسماعيل بن بشّار عن علي بن عبد الله بن غالب: عن أبي خالد الكابلي، قال: دخلت على محمّد بن عليّ عليه‌السلام فقدَّم طعاماً لم آكل أطيب منه فقال لي:[يا أبا خالد كيف رأيت طعامنا؟] قلت: جعلت فداك ما أطيبه، غير أنّي ذكرت أية في كتاب الله. فغضب، فقال: [وما هي؟] قلت: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) فقال: [والله لا تسأل عن هذا الطعام أبداً] ثم ضحك حتى افتر ضاحكاً وبدت أضراسه وقال: [أتدري ما النعيم؟] قلت: لا قال:[نحن النعيم].

روى الشيخ الطوسي في أماليه: ج 1 ص 278 ط الغري قال أخبرنا أبو عمر قال: حدّثنا أحمد [بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة]: هو عمر بن راشد أبو سليمان:عن جعفر بن محمّد عليهما السلام في قوله [تعالى]: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال:[نحن النعيم].

وفي قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً) قال: [نحن الحبل].

روى فرات الكوفي في تفسيره: ص 229 بإسناده لأبي حفص الصائغ، قال سمعت جعفر بن محمّد عليه‌السلام في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: [نحن النعيم]، وقرأ: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ).

وروى فرات الكوفي في تفسيره: ص 230 في تفسيره الآية الشريفة، قال: حدّثني علي بن محمد بن مخلد الجعفي، حدّثنا إبراهيم بن سليمان، حدّثنا عبيد بن عبد الرحمان التيمي، حدّثنا أبو حفص الصائغ، قال: قال عبد الله بن الحسن [في قوله تعالى]: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) [قال يعني] عن ولايتنا والله يا أبا حفص.


الصفحة 335

روى العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي عليه الرحمة في تفسيره، الميزان: ج 3، ص 353 ط5، مطبعة إسماعيليان، قال وفي تفسير القميّ بإسناده عن جميل، عن أبي عبد الله عليه‌السلام، قال: قلت له: (لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) قال: تسأل هذه الأمّة عمّا أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته.

وفي الكافي بإسناده عن أبي خالد الكابليّ قال: دخلت على أبي جعفر عليه‌السلام فدعا بالغذاء فأكلت معه طعاماً ما أكلت طعاماً أطيب منه قطّ ولا ألطف. فلمّا فرغنا من الطعام قال: [يا أبا خالد كيف رأيت طعامك؟ أو قال: طعامنا؟]، قلت: جعلت فداك ما أكلت طعاماً أطيب منه قطّ ولا أنظف ولكن ذكرت الآية التي في كتاب الله عزّ وجلّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) فقال أبو جعفر عليه‌السلام:[إنّما يسألكم عمّا أنتم عليه من الحق].

وفيه بإسناده عن أبي حمزة قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه‌السلام جماعة فدعا بطعام مالنا عهد بمثله لذاذة وطيباً وأُتينا بتمر تنظر فيه أوجهنا من صفائه وحسنه فقال رجل: لتسألن عن هذا النعيم الّذي تنعّمتم به عند ابن رسول الله، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام:[إنَّ الله عزّ وجلّ أكرم وأجلّ أن يطعم طعاماً فيسوّغكموه ثمّ يسألكم عنه إنّما يسألكم عمّا أنعم عليكم بمحمّد وآل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم].

أقول: وهذا المعنى مرويّ عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام بطرق أُخرى وعبارات مختلفة وفي بعضها أنّ النعيم ولايتنا أهل البيت، ويؤل المعنى إلى ما قدّمناه من عموم النعيم لكلّ نعمة أنعم الله بها بما أنّها نعمة.

بيان ذلك أنَّ هذه النعم لو سئل عن شيء منها فليست يسأل عنها بما أنّها لحم أو خبز أو تمر أو ماء بارد أو أنّها سمع أو بصر أو يد أو رجل مثلاً وإنّما يسأل عنها بما أنّها نعمة خلقها الله للإنسان وأوقعها في طريق كماله والحصول على التقرّب العبوديّ كما تقدّمت الإشارة إليه وندبه إلى أن يستعملها شكراً لا كفراً. فالمسؤل عنها هي النعمة بما أنّها نعمة، ومن المعلوم أنّ الدالّ على نعيميّة النعيم وكيفيّة استعماله شكراً والمبيّن لذلك كلّه هو الدين الذي جاء به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونصب لبيانه الأئمّة من أهل بيته فالسؤال عن النعيم مرجعه السؤال عن العمل بالدين في كلّ حركة وسكون، ومن المعلوم أيضا أنّ السؤال عن النعيم الّذي هو الدين سؤال عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة من بعده الّذين افترض الله طاعتهم وأوجب اتّباعهم في السلوك إلى الله الذي طريقه استعمال النعم كما بيّنه الرسول والأئمّة.

وإلى كون السؤال عن النعيم سؤالاً عن الدين، يشير ما في رواية أبي خالد من قوله:[إنّما يسألكم عمّا أنتم عليه من الحق].


الصفحة 336

وإلى كونه سؤالاً عن النعيم الّذي هو النبيّ وأهل بيته يشير ما في روايتي جميل وأبي حمزة السابقتين من قوله:[يسأل هذه الأمّة عمّا أنعم الله عليها برسوله ثمّ بأهل بيته]. أو ما في معناه، وفي بعض الروايات: [النعيم هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنعم الله به على أهل العالم فاستنقذهم من الضلالة.]، وفي بعضها أنَّ النعيم ولايتنا أهل البيت، والمآل واحد ومن ولاية أهل البيت افتراض طاعتهم واتّباعهم فيما يسلكونه من طريق العبوديّة.

أورد الحافظ رجب البرسي في الدرّ الثمين: ص 208 ط 1، دار المجتبى، قال في بيان منزلة الإمام عليّ عليه‌السلام:

ثم جعله النبأ العظيم، فقال: (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)(1) يعني ابن أبي طالب عليه‌السلام، (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)(2) من بعدك، فقوم يعبدونه، وقوم يجحدونه، وقوم يتّبعونه (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)(3) ردعاً وتهديداً، (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ)(4) عند الموت مكانه وفي القبر برهانه ويوم القيامة شأنه ومكانه.

____________________

1- سورة النبأ: الآيتان 1و2.

2- سورة النبأ: الآيتان 1و2.

3- سورة النبأ: الآية 3.

4- سورة التكاثر: الآية 5.


الصفحة 337

سورة العصر

(وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)

سورة العصر1 - 3

روى الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ المتوفّي: عام -310 هـ - في كتابة الولاية بإسناده عن زيد بن أرقم في سبب نزول الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) سورة المائدة، الآية 3 قال: لما نزل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بغدير خم في رجوعه من حجّة الوداع، وكان وقت الضحى وحرّ شديد، أمر بالدوحات فقّمت ونادى الصلاة جامعه، فأجتمعنا فخطب خطبة ًبالغة، ثم قال: إنّ الله تعالى أنزل إليّ: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). وقد أمرني جبرئيل عن ربّي أن أقوم في هذا المشهد، وأعلم كل أبيض وأسود: أنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربّي لعلمي بقلّة المتّقين وكثرة المؤذين لي واللائمين، لكثرة ملازمتي لعليّ وشدّة إقبالي عليه. حتى سمّوني أُذناً. فقال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ)(1) ولو شئت أن أسمّيهم وأدلّ عليهم لفعلت ولكنّي بسترهم قد تكرمت، فلم يرض الله إلّا بتبليغي فيه.

فاعلموا معاشر الناس ذلك، فانّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماماً، وفرض طاعته على كلّ أحد، ماض حكمه، جائر قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدّقه، أسمعوا وأطيعوا، فإنّ الله مولاكم وعليٌّ [عليه‌السلام] إمامكم، ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة، لاحلال إلّا ما أحلّه الله ورسوله، ولا حرام إلّا ما حرّم الله ورسوله وهم. فما من علم إلّا وقد أحصاه الله فيَّ ونقلته إليه؟ فلا تضلّوا عنه ولاتستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحقّ ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتماً على الله من يفعل ذلك أن يعذّبه عذاباً نكراً أبد آلابدين فهو أفضل الناس بعدي مانزل الرزق وبقى الخلق، ملعونٌ من خالفه. قولي عن جبريل عن الله، فلتنظر نفسٌ ما قدّمت لغد.

افهموا محكم القرآن ولاتتبعوا متشابهه، ولن يفسّر ذلك إلّا من أنا آخذ بيده، وشايل بعضده، ومعلمكم:

____________________

1- سورة التوبة: الآية 61.


الصفحة 338

أنّ من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، وموالاته من الله عزّ وجل أنزلها عَلَيَّ، ألا وقد أدّيت ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقد أوضحت، لا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لاحد غيره. ثم رفعه إلى السماء حتّى صارت رجله مع ركبة النبي صلى الله وآله وسلم وقال: معاشر الناس، هذا أخي ووصيّي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربّي.

وفي وراية: أللّهم وال من ولاه وعاد من عاده، والعن من أنكره وأغضب على من جحد حقّه. اللّهم، إنّك أنزلت عند تبيين ذلك في عليّ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامه، فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إنّ إبليس أخرج آدم عليه‌السلام من الجنّة مع كونه صفوة الله، بالحسد فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزلّ أقدامكم، في عليّ نزلت سورة (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) معاشر الناس آمَنُوا بالله ورسوله والنّور الذي أنزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردّها على أدبارها ونلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت. النّور من الله فيَّ،ثم في عليّ، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.

معاشر الناس، سيكون من بعدي أئمّةٌ يدعون إلى النار ويوم القيامه لا ينصرون، وإنّ الله وأنا برئيان منهم، إنّهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكاً إغتصاباً، فعندها يفرغ لكم أيّها الثقلان ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران وللحديث راجع كتاب إحقاق الحقّ: ج 2 ص 419 إلى 420 عن ضياء العالمين، نقلاً من كتاب شواهد التنزيل: لابن رويش الأندونيسي ص 8 – 10.

روى الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق المعروف بأبي نعيم الاصبهاني في كتابه، ما نزل من القرآن في عليّ عليه‌السلام، في الحديث: 78 ص 281 ط1، قال: حدّثنا أحمد بن محمد الصبيح، قال: حدّثنا حجاج بن يوسف [بن قتيبة] قال: حدّثنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي عن الضحّاك: [عن ابن عباس] في قوله تعالى:(وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) يعني أبا جهل لعنه الله (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) قال: [هو] عليّ عليه‌السلام.

روى الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه الغدير: ج 2 ص 78 الطبعة الأولى المميّزة - مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، قال جلال الدين السيوطي في الدرّ المنثور: ج 6 ص 392 .


الصفحة 339

أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) يعني أبا جهل بن هشام، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ذكر عليّاً وسلمان.

روى السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان: ج 30 من المجلد 20 ص 358 الطبعة الخامسة، مطبعة إسماعيليان، قال: في تفيسر القميّ بإسناده عن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، فقال: استثنى أهل صفوته من خلقه.

أقول: وطبّق في ذيل الرواية الإيمان على الإيمان بولاية عليٍّ عليه‌السلام، والتواصي بالحقّ على توصيتهم ذرّياتهم وأخلافهم بها.

وفي الدرّ المنثور: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) يعني أبا جهل بن هشام (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ذكر عليّاً وسلمان.

روى الحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل: ج 2 ص 557 ط 3، في الحديث 1164 قال بإسناده، عن عمرو بن عبد الله،عن أبي أُمامة، قال: حدَّثني أُبي بن كعب، قال: قرأت على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) أبو جهل بن هشام (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) عليُّ بن أبي طالب.

وروى الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 557، في الحديث 1165 بإسناده عن أبي أُمامة [صُدي بن عجلان]، عن أبي بن كعب قال: قرأت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) فقلت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ما تفسيرها فقال: [(وَالْعَصْرِ) قسمٌ من الله، أقسم ربّكم بآخر النّهار، (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) [هو] أبو جهل بن هشام، (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) هو عليٌّ].

وكذلك روى الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 558 في الحديث 1166 بإسناده عن الزبير بن عدي، عن الضحاك: عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) قال: يعني أبا جهل، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) عليٌّ وسلمان وعبد الله بن مسعود رضي‌الله‌عنهم.

وروى الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 559 ط 3 في الحديث 1167 بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله الله عزّ وجلّ: [(وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) أبو جهل بن هشام، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)] عليٌّ وشيعته.


الصفحة 340

وروى الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 560 ط 3 في الحديث 1168 قال: [حدّثنا عقيل بن الحسين و حدّثنا علي بن الحسين بن قيدة الغسائي - أو النسائي -حدّثنا محمد بن عبيد الله أبو بكر ابن مؤمن]، حدّثنا الحسين الحمصيّ -بمكّة -، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: جمع الله هذه الخصال كلّها في عليٍّ (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) كان والله أوّل المؤمنين إيماناً، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وكان أوّل من صلّى وعبد الله من أهل الأرض مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) يعني بالقرآن وتعلّم القرآن من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان من ابناء سبع وعشرين سنة، (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) يعني وأوصى محمّد عليّاً بالصبر عن الدنيا، وأوصاه بحفظ فاطمة، وبجمع القرآن بعد موته، وبقضاء دينه، وبغسله بعد موته، وأن يبني حول قبره حائطاً، لئلا تؤذيه النساء بجلوسهنَّ على قبره، وأوصاه بحفظ الحسن والحسين، فذلك قوله: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

وروى علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمّة: ج 1 ص 320 في العنوان: ما نزل من القرآن في شأن عليٍّ. بنقله عن ابن مردويه في كتاب [مناقب عليٍّ عليه‌السلام] و عن ابن عباس، قال: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر) يعني أبا جهل (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) عليٌّ وسلمان.

وعن ابن عباس في قوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) قال: إنّها نزلت في عليّ عليه‌السلام.


الصفحة 341

سورة الكوثر

بسم الله الرحمن الرحيم

(انَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)

سورة الكوثر مكيّة وهي ثلاث آيات

ذكر العلّامة الطباطبائي في تفسيره، الميزان: ج 20 ص 370 ط إسماعيليان، قم قال: وقد استفاضت الروايات أنّ السورة إنّما نزلت فيمن عابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالبتر بعدما مات ابناه القاسم وعبد الله، وبذلك يندفع ما قيل: إنّ مراد الشانئ بقوله: (أبتر) المنقطع عن قومه أو المنقطع عن الخير فردّ الله عليه بأنّه هو المنقطع من كلّ خير.

ولما في قوله: (انَّا أَعْطَيْنَاكَ) من الإمتنان عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله جيء بلفظ المتكلّم مع الغير الدالّ على العظمة، ولما فيه من تطييب نفسه الشريفة أُكّدت الجملة بإنَّ وعبّر بلفظ الإعطاء الظاهر في التمليك.

والجملة لا تخلوا من دلالة على أنّ ولد فاطمة عليها السلام ذرّيّته صلى‌الله‌عليه‌وآله وهذا في نفسه من ملاحم القرآن الكريم فقد كثّر الله تعالى نسله بعده كثرة لا يعادلهم فيها أيّ نسل آخر مع ما نزل عليهم من النوائب وأفني جموعهم من المقاتل الذريعة.

وما يلي، نقلاً عن كتاب شواهد التنزيل: لابن رويش 267 والشيخ الطبرسي في تفسيره، مجمع البيان: ج 9 - 10: ص 539 - 550 ط دار إحياء التراث العربي -بيروت-: في ذكره الكوثر أقوالاً:

قيل: هو كثرة النسل والذريّة وقد ظهرت الكثرة في نسله من ولد فاطمة عليها السلام، حتّى لا يحصى عددهم واتصل إلى يوم القيامة مددهم.

ثم قال في تفسير معنى (شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ): معناه أنّ مبغضك هو المنقطع عن الخير، وهو العاص بن وائل، وقيل معناه: أنّه لا ولد له على الحقيقة. وأنّ من ينسب إليه ليس بولد له، قال مجاهد: الأبتر الذي لا عقب له. وهو جوابٌ لقول قريش: إنّ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله لا عقب له، يموت فنستريح منه ويُدرَس دينه. إذ لا يقوم مقامه من يدعو إليه. فينقطع أمره.

ثم قال: وفي هذه السورة دلالات على صدق نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله وصحة نبوّته أحدها: أنّه أخبر عمّا في نفوس أعداءه وما جرى على ألسنتهم ولم يكن بلغه ذلك فكان على ما أخبر، وثانيها: أنّه قال: (أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) فانظر كيف انتشر دينه، وعلا أمره، وكثرت ذريّته حتى صار نسبه أكثر من كل نسب ولم يكن شيء من ذلك في تلك الحال.


الصفحة 342

الشوكاني في تفسيره، فتح القدير: ج 5 ص 504 ط عالم الكتب - بيروت - قال أحاديث دلّت على معنى الكوثر بأنّه الحوض. ثم قال في الأخير: وأخرج الطّبراني وابن مردويه عن أبي أيّوب قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مشى المشركون بعضهم إلى بعض فقالوا: إنّ هذا الصابئ قد بتر الليلة. فأنزل الله: (انَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) إلى آخر السورة.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله ثم أمّ كلثوم، ثم فاطمه، ثم رقية، فمات القاسم وهو أوّل ميّت من أهله وولده بمكّة، ثم مات عبد الله، فقال العاص بن وائل السهمي قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

النيسابوري في تفسيره، غرائب القرآن: ج 3 ص 175 بهامش جامع البيان: أورد عدّة أقوال في تسمية الكوثر:

القول الثالث: أنّ الكوثر أولاده لأنّ هذه السورة نزلت على من زعم أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله الأبتر، والمعنى: أنّه يعطيه بفاطمة نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوءٌ منهم، ولم يبق من بني أميّة أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر لاحدّ ولا حصر لهم. منهم الباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، والتقي، والنقي، والزكي.

وقال في ص 180 في تفسير معنى الأبتر: قال عامّة أهل التفسير كابن عباس، ومقاتل والكلبي: إنّ العاص بن وائل وجمعاً من صناديد قريش يقولون أنَّ محمّداً أبتر، لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره، واسترحنا منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، فأنزل الله تعالى هذه السورة كما مرّ.

والشنء: البغض، والشانىء: المبغض، والبتر في اللغة: إستئصال القطع. الأبتر: المقطوع الذنب. فأستعير للذي لا عقب له ولمن انقطع خبره وذكره.

فبيّن الله تعالى بهذه الصيغة المفيدة للحصر أنّ أُولئك الكفرة هم الذي ينقطع نسلهم وذكرهم، وأنّ نسل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ثابت باق إلى يوم القيامه، كما أخبر بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله كل حسب ونسب لينقطع، إلّا حسبي ونسبي وأنّ دين الله لا يزال يعلو ويزيد، والكفر يقهر، إلى أن يبلغ الدين مشارق الأرض ومغاربها.

قال بعض أهل العلم: إنّ الكفّار لما شتموه بأنّه أبتر، أجاب الله عنه بغير واسطة فقال: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) وهذا سنّة الأحباب إذا سمعوا من يشتم حبيبهم تولّوا بأنفسهم جوابه.


الصفحة 343

الشبلنجي في كتابه نور الأبصار: ص 52ط دار الفكر قال: نقل الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن سنان مرفوعاً إلى أنس بن مالك قال: كنت عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فغشيه الوحي، فلمّا أفاق قال لي: [يا أنس أتدري ما جاءني به جبرئيل من صاحب العرش عزّ وجلّ] قلت بأبي أنت وأمّي ما جاءك به جبرئيل؟ قال: صلى‌الله‌عليه‌وآله [قال لي: إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تزوّج فاطمة من عليًّ] فانطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم، فلمّا أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله: [الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع سلطانه، المهروب إليه من عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزّهم بأحكامه، وأعزّهم بدينه، وأكرمهم بنبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. إنّ الله عزّ وجل جعل المصاهرة نسباً لاحقاً وأمراً مفترضاً، وحكماً عادلاً. وخيراً جامعاً، وشج به الأرحام، وألزمها الأنام، فقال عزّ وجلّ: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً)(1).

وأمر الله تعالى يجري إلى قضاءه وقضاءه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب (يمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(2) ثمّ إنّ الله تعالى أمرني أن أزوّج فاطمة من عليِّ وأُشهدكم أنيّ زوّجت فاطمة من عليٍّ على أربعمائة مثقال فضّة إن رضي بذلك على السنّة القائمة والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما، وبارك لهما، وأطاب نسلهما. وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة وأمن الأمّة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم].

قال وكان عليٌّ عليه‌السلام غائباً في حاجة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد بعثه فيها، ثم أمر لنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بطبق فيه تمرٌ فوضع بين أيدينا فقال: [انتهبوا] فبينما نحن كذلك إذ أقبل عليٌّ فتبسّم إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:[يا عليُّ إنّ الله أمرني أن أزوّجك فاطمة، وإنّى قد زوّجتكما على أربعمائة مثقال فضّة]، فقال عليٌّ عليه‌السلام:[رضيت يا رسول الله]، ثم إنّ علياًّ خرّ ساجداً شكراً لله فلمّا رفع رأسه قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله:[بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيّب]. قال أنس: والله لقد أخرج منهما الكثير الطيّب.

____________________

1- سورة الفرقان: الآية 54.

2- سورة الرعد: الآية 39.


الصفحة 344

نقل ابن شهر آشوب رشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب برواية ابن مردويه كما في مناقب ابن شهر آشوب: ج3 ص 351:

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعليّ: [زوّجتك ابنتي فاطمة على ما زوّجك الرحمن وقد رضيت بما رضي الله لها، فدونك أهلك، فإنّك أحقّ بها منّي وفي خبر: فنعم الأخ أنت، ونعم الختن أنت، ونعم الصّاحب أنت وكفاك برضا الله رضاً، فخرّ عليٌّ ساجداً شكراً لله تعالى وهو يقول: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ)(1) الآية. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: آمين فلمّا رفع رأسه قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: بارك عليكما، وأسعد جدكما، وجمع بينكما، وأخرج منكما الكثير الطيّب]. ثم أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بطبق بسر وأمر بنهبه، ودخل حجرة النساء، وأمر بضرب الدفّ.

وفيه، ص 354 نقلاً عن تأريخ الخطيب البغدادي، وكتاب ابن مردويه وابن المؤذّن وابن شيرويه الدّيلمي بأِسانيدهم عن علي بن الجعد، عن ابن بسطام، عن شعبة بن الحجاج، وعن علوان، عن شعبة، عن ابن حمزة الضّبعي، عن ابن عباس وجابر أنّه، لما كانت الليله التي زُفّت فاطمة إلى عليٍّ كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أمامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك من خلفهما، يسبحون الله ويقدّسون حتى مطلع الفجر.

وفيه ص 355 أيضا عن كتاب مردويه، فضائل أمير المؤمنين: أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله سأل ماءً فأخذ منه جرعة ً فتمضمض بها، ثم مجّها في القعب ثم صبّها على رأسها ثم قال: [أقبلي] فلمّا أقبلت نضح بين ثدييها ثم قال [أدبري] فلمّا أدبرت نضح بين كتفيها، ثم دعا لها بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله:[اللّهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ، فأحّبهما وبارك في ذرّيتهما واجعل عليهما منك حافظاً وأنّى أُعيذهما بك وذريّتهما من الشيطان الرجيم].

وروي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: مرحباً ببحرين يلتقيان، ونجمين يقتربان، ثم خرج إلى الباب يقول: [طهرّكما وطهّر نسلكما، أنا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما، استودعكما الله واستخلفه عليكما]. وباتت عنده أسماء بنت عميس أسبوعاً بوصية خديجة إليها، فدعا لها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في دنياها وآخرتها، ثم أتاهما صلى‌الله‌عليه‌وآله في صبيحتهما وقال:[السّلام عليكم. أدخل رحمكم الله؟] ففتحت أسماء الباب وكانا نائمين تحت كساء فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: على حالكما: فادخل رجليه بين رجليه بين أرجلهما، فأخبر الله عن أورادهما (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ)(2) الآية فسأل عليّاً:

____________________

1- سورة النمل: الآية 19.

2- سورة السجدة : الآية 19.


الصفحة 345

[كيف وجدت أهلك]؟ قال:[نعم العون على طاعة الله] وسأل فاطمة فقالت: [خير بعل]، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: [اللّهم اجمع شملهما وألّف بين قلوبهما، واجعلهما وذريّتهما من ورثة جنّة النعيم وارزقهما ذريّة طاهرة طيّبة مباركة واجعل في ذريّتهما البركة، واجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما يرضيك] ثم أمر بخروج أسماء وقال:[جزاك الله خيراً].

وروي أنّه كان بين تزويج أمير المؤمنين وفاطمة في السماء إلى تزويجها في الأرض أربعون يوماً وزوّجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من عليّ أوّل يوم من ذي الحجة وروي أنّه كان يوم السادس منه، وقيل غير ذلك.

روى عزّ الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي في كتابه، شرح نهج البلاغة: الجزء 6 ص365- طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات -بيروت قال، عن العاص - أبو عمرو بن العاص - بن وائل، أحد المستهزئين برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، والمكاشفين له بالعداوة والأذى، وفيه وفي أصحابه أنزل قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)(1) ويلقّب العاص بن وائل في الاسلام بالأبتر، لانّه قال لقريش: سيموت هذا الأبتر غداً فينقطع ذكره، يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانّه لم يكن له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولدٌ ذكرٌ يعقب منه، فأنزل الله سبحانه: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

وروى أيضا في نفس الصفحة، قال: وروى الواقدي أيضا وغيره من أهل الحديث أنّ عمرو بن العاص هجا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هجاء كثيراً، كان يعلّمه صبيان مكّة، فينشدونه ويصيحون برسول الله إذا مرّ بهم، رافعين أصواتهم بذلك الهجاء، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يصلّي بالحجر: [اللّهم إنّ عمرو بن العاص هجائي، ولست بشاعر، فالعنه بعدد ما هجاني].

وروى ابن أبي الحديد في كتابه، شرح نهج البلاغه: الجزء 14 ص 269، قال: قالوا فكان عمرو يسمّى الشانيء ابن الشانيء(2) لانّ أباه كان إذا مرَّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكّة يقول له والله إنّي لأشنئوك، وفيه أنزل الله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) قالوا: فكتب أبو طالب إلى النجاشي يحرضه فيه على إكرام جعفر - بن أبي طالب- وأصحابه والإعراض عمّا يقوله عمرو فيه وفيهم، ومن جملته:

____________________

1- سورة الحجر: الآية 95.

2- الشانيء: المبغض.


الصفحة 346
ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر        وعمرو    وأعداء    النبي   الأقارب
وهل  نال  إحسان  النجاشي  iiجعفراً:        وأصحابه  أمْ  عاق عن ذاك iiشاغب؟

قالوا: وروي عن عليّ عليه‌السلام أنّه قال: لي أبي: يا بنيّ الزم ابن عمّك، فإنّك تسلم به من كلِّ بأس عاجل وآجل، ثم قال لي:

إنّ  الوثيقة في لزوم محمّد        فاشدُدْ بصحبته على أَيْدِيكا

ومن شعر - أبو طالب - المناسب لهذا المعني قوله:

إنّ   عليّا  ً  وجعفراً  ثقتي        عند   ملمّ   الزَّمانِ  iiوالنُّوَبِ
لاتخذلا، وانصرا ابن عمّكما        أخي  لأُمّي  من  بينهم iiوأبيِ
والله   لا   أخذل  النبيّ  iiولا        يخذُلُه  من  بَنيّ  ذو  iiحسبِ

روى الحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل: ج 2 ص 564 ط3 مجمع إحياء الثقافة الاسلاميّة قال في الحديث1170.

وأخبرنا الوالد عن أبي حفص بن شاهين في التفسير، حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد، أخبرنا أحمد بن الحسن، حدّثنا أبي حدّثنا الحصين، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن عليّ، عن آبائه عن عليّ عليهم‌السلام، قال

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [أراني جبرئيل منازلي ومنازل أهل بيتي على الكوثر].

وقال الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 564 في الحديث 1171 وبه حدّثنا حصين، عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌: [أريت الكوثر في الجنّة، قلت: منازلي ومنازل أهل بيتي].

وقال الحسكاني في الشواهد: ج 2 ص 564 في الحديث 1172 حدّثني الماوردي، حدّثنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن جعفر الاصبهاني، حدّثنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدّثنا روح بن الفرج، حدّثنا يوسف بن عدي، حدّثنا حمّاد بن المختار، عن عطيّة العوفي، عن أنس بن مالك، قال: دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال:[قد أعطيت الكوثر]، قلت: وما الكوثر؟ قال:[نهرٌ في الجنّة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، لا يشرب أحدٌ منه فيظمأ، ولا يتوضّأ منه أحد أبداً فيشعث، لا يشربه إنسانٌ خفر ذمتي، ولا [من] قتل أهل بيتي].


الصفحة 347

أورد الفخر الرازي، أبو حاتم عبد الرحمان بن محمد بن إدريس في تفسيره: ج 32 ص 124 عند استعراضه لتفاسير معنى الكوثر، يقول: الكوثر أولاده قالوا: لأنَّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه عليه‌السلام بعدم الأولاد فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان فانظر، كم قتل من أهل البيت ثم العالم ممتليء منهم ولم يبق من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأبه ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم‌السلام والنفس الزكيّة وأمثالهم.

وأورد السيد البحراني في تفسيره، البرهان: ج 4 ص 513 بروايته عن محمد بن العباس بن الماهيار، في الحديث 5 من تفسير سورة الكوثر، قال: عن أحمد بن محمد [بن سعيد]، عن حصين بن مخارق، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن عليٍّ عليه‌السلام عن، أبيه: عليّ عليه‌السلام قال: قال رسول الله:[أراني جبرائيل منازلي في الجنّة ومنازل أهل بيتي على الكوثر].

روى التابعي سُليم بن قيس الهلالي في كتابه، كتاب سليم بن قيس الهلالي: ص 278 ط 2، قال:[عن خطبة أمير المؤمنين عليه‌السلام بتكذيب ابن العاص] فقام عليٌّ عليه‌السلام فقال: [العجب لطغاة أهل الشام حيث يقبلون قول عمرو ويصدّقونه وقد بلغ من حديثه وكذبه وقلّة ورعه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد لعنه سبعين لعنة ولعن صاحبه الذي يدعو إليه في غير موطن، وذلك أنّه هجا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بقصيدة سبعين بيتاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أللّهم إنّي لا أقول الشعر ولا أحلّه، فالْعنه أنت وملائكتك بكلّ بيت لعنةً تترى على عقبه إلى يوم القيامة].

ثم لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قام فقال: إنَّ محمّداً قد صار أبتر لا عقب له، وإنّي لأشنأ الناس له وأقوَلهم فيه سوءً فأنزل الله فيه: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) يعني أبتر من الإيمان ومن كلّ خير.


الصفحة 348

الخاتمة

(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٦١﴾ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(1).

(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(2)

له الحمد وله الشكر على ما أنعم بالتوفيق لإتمام الجزء الخامس من كتابنا [النّور المبين فيما نزل من القرآن في إمام المتّقين]

وما توفيقي إلّا بالله

محمّد فخر الدين

25 شوال 1432

الموافق 24/9/2011

____________________

1- سورة الأنعام: الآيتان 161-162.

2- سورة الأعراف: الآية 43.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة