الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 264

لو سكتوا لأكلوا منها إلى أن تقوم الساعة، وهبط الأمين جبرائيل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السّلام ويقول لك: [خذ هنَّأك الله في أهل بيتك]، قال: [وما آخذ]؟ قال: فتلا جبرئيل (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) إلى قوله: (سَعْيُكُم مَّشْكُوراً).

وقال الكنجي في ص 348 من الكفاية: وقد سمعت الحافظ العلّامة أبا عمرو عثمان بن عبد الرحمان المعروف بابن الصلاح في درس التفسير في سورة هل أتى، وذكر الحديث وقال فيه: إنّ السُؤَّال كانوا ملائكة من عند ربّ العالمين، وكان ذلك امتحاناً من الله عزّ وجل لأهل بيت الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم.

وسمعت بمكّة حرسها الله تعالى من شيخ الحرم بشير التبريزي في درس التفسير: إنّ السائل الأوّل كان جبرئيل، والثاني كان ميكائيل والثالث كان إسرافيل عليهم‌السلام.

وجاء في (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد: ج 1 ص 24 ط0 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، في ذكر فضائله، قال: وأمّا القوّة والأيد، فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبة في (المعارف): ما صارع أحداً قطّ إلّا صرعه. وهو الذي قلع باب خيبر، واجتمع عليه عُصبة من الناس ليقلّبوه فلم يقلّبوه، وهو الذي اقتلع هبل(1) من أعلى الكعبة، وكان عظيما جداً، وألقاه إلى الأرض. وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه‌السلام بيده بعد عجز الجيش كلّه عنها، وأنبط الماء من تحتها.

____________________

1- هُبَل: صنم عظيم كان في الكعبة.


الصفحة 265

وأما السخاء والجود: فحاله فيه ظاهرة، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه أنزل: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً).

روى أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في [تذكرة خواص الأمّة] بروايته، عن البغوي والثعلبي، حيث ردّ على جدّه ابن الجوزي قال: والعجب من قول جدّي وإنكاره وقد قال في كتاب (المنتخب): يا علماء الشرع أعلمتم لِمَ آثر (عليّ وفاطمة) وتركا الطفلين (الحسنين) عليهما أثر الجوع؟ أتراهما خفي عنهما سرّ ذلك؟ ما ذاك إلّا لأنهما علما قوة صبر الطفلين، وأنهما غصنان من شجرة الظل عند ربّي وبعض من جملة فاطمة بضعة مني، وفرخ البط السابح.

وأورد أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤل: ص 31 عن سورة الانسان وورودها بعليّ وفاطمة والحسنين عليهم‌السلام، قال: رواه الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي وغيره من أئمة التفسير ثم قال: فكفى بهذه عبادةً، وبإطعام هذا الطعام مع شدّة حاجتهم إليه منقبةٌ، ولولا ذلك لما عظمت هذه القصة شأنا، وعلت مكانا ولما أنزل الله تعالى فيها على رسول الله قرآنا، وله قوله في هذه الأبيات كما ذكرها في ص 8 :

هُمُ   العروةُ   الوثقى  لمعتصمٍ  iiبها        مناقبُهم    جاءت   بوحيٍ   iiوإنزالِ
مناقب  في شورى وسورة هل iiأتى        وفي  سورة الأحزاب يعرفها iiالتالي
وهم  أهلُ  بيت المصطفى فوِدادُهم        على الناس مفروضٌ بحكمٍ وإسجالِ

روى الحافظ الحاكم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد، الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل: ج 2 ص 460 ط 3، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، في الحديث 1052 قال: أخبرنا أحمد بن الوليد بن أحمد -بقراءتي عليه من أصله-، قال: أخبرني أبي أبو العباس الواعظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن الفضل النحوي- ببغداد، في جانب الرصافة (إملاءً سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة) حدثنا الحسن بن علي بن زكريا البصري، حدثنا الهيثم بن عبد الله الرماني، قال: حدثني علي بن موسى الرضا، حدثني أبي موسى عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالب قال: لما مرض الحسن والحسين عادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لي: [يا (أ) بالحسن لو نذرت على ولديك لله نذرا أرجو أن ينفعهما الله به] فقلت: [علَيَّ لله نذر لئن برئ حبيباي من مرضهما لأصومنَّ ثلاثة أيام]، فقالت فاطمة: [وعليَّ لله نذر لئن برئ ولداي من مرضهما لأصومنَّ ثلاثة أيام]، وقالت جاريتهم فضّة: وعليَّ لله نذر لئن برئ سيداي من مرضهما لأصومنّ ثلاثة أيّام،


الصفحة 266

فألبس الله الغلامين العافية، فأصبحوا وليس عند آل محمّد قليل ولا كثير، فصاموا يومهم وخرج عليٌّ إلى السوق، فإذا شمعون اليهودي (في السوق) وكان له صديقاً، فقال له: [يا شمعون أعطني ثلاثة أصوع شعيرا وجزة صوف تغزله فاطمة]، فأعطاه (شمعون) ما أراد، فأخذ الشعير في ردائه والصوف تحت حضنه ودخل منزله، فأفرغ الشعير وألقى بالصوف، وقامت فاطمة إلى صاع من الشعير فطحنته وعجنته، وخبزت منه خمسة أقراص، وصلّى عليٌّ مع رسول الله المغرب ودخل منزله ليفطر فقدّمت إليه فاطمة خبز شعير وملحاً جريشاً وماء قراحاً، فلمّا دنوا ليأكلوا وقف مسكين بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من أولاد المسلمين أطعمونا أطعمكم الله من موائد الجنّة فقال عليٌّ:

فاطمُ  ذاتَ  الرشد iiواليقينْ        يا بنت خير الناس أجمعين
أما  ترين البائس iiالمسكين        جاء   إلينا   جائع   iiحزين
قد   قام   بالباب  له  حنين        يشكو   إلى  الله  iiويستكين

 

 

كل إمرئٍ بكسبه رهين
 

 

فأجابته فاطمة وهي تقول:

أمرك عندي يا بن عمّ iiطاعة        ما  بي  لؤم، لا ولا iiضراعة
فأعطه   ولا   تدعه   iiساعة        نرجو له الغياث في المجاعة
ونلحق   الأخيار  iiوالجماعة        وندخل     الجنّة    بالشفاعة

فدفعوا إليه أقراصهم، وباتوا ليلتهم لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

 فلمّا أصبحوا عمدت فاطمة إلى صاع آخر فطحنته وعجنته وخبزته خمسة أقراص وصاموا يومهم، وصلّى عليٌّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المغرب ودخل منزله ليفطر فقدّمت إليه فاطمة خبز شعير وملحا جريشاً وماءً قراحاً، فلمّا دنو ليأكلوا وقف يتيم بالباب فقال: السّلام عليكم (يا) أهل بيت محمّد، يتيم من أولاد المسلمين، استشهد والدي مع رسول الله يوم أحد، أطعمونا، أطعمكم الله على موائد الجنّة، فدفعوا إليه أقراصهم وباتوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلّا الماء القراح.

فلمّا أن كان في اليوم الثالث عمدت فاطمة إلى الصاع الثالث وطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص، وصاموا يومهم وصلّى عليٌّ مع النبي المغرب ثم دخل منزله ليفطر، فقدّمت فاطمة خبز شعير وملحا جريشاً وماء قراحاً، فلمّا دنوا ليأكلوا وقف أسير بالباب فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت النبوّة أطعمونا أطعمكم الله، فأطعموه أقراصهم، فباتوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلّا الماء القراح.


الصفحة 267

فلمّا كان اليوم الرابع عمد عليٌّ - والحسن والحسين يرعشان كما يرعش الفرخ - وفاطمة وفضّة معهم فلم يقدروا على المشي من الضعف، فأتوا رسول الله، فقال: [إلهي هؤلاء أهل بيتي يموتون جوعاً! فارحمهم يا ربّ واغفر لهم، هؤلاء أهل بيتي فاحفظهم ولا تنسهم]، فهبط جبرئيل وقال: يا محمّد إنّ الله يقرأ عليك السلام ويقول: [قد استجيبت دعائك فيهم، وشكرت لهم ورضيت عنهم واقرأ: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً) إلى قوله:- (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً)].

وروى الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 463 ط3 في الحديث 1056 قال: فرات بن إبراهيم الكوفي، حدثنا محمد بن إبراهيم بن زكريا الغطفاني، قال: حدثني أبو الحسن هاشم بن أحمد بن معاوية -مصر-، عن محمد بن بحر، عن روح بن عبد الله، قال: حدثني جعفر، عن أبيه عن جدّه، قال:

مرض الحسن والحسين مرضا شديداً فعادهما محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو بكر وعمر، فقال عمر لعليٍّ: لو نذرت لله نذراَ واجباً.

وساق الحديث بطوله إلى قوله: فقال جبرئيل يا محمّد اقرأ: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) إلى آخر الآيات.

وروى الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 465 ط 3 في الحديث 1057 عن عبد الله بن عباس، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم بن محمد الواعظ، أخبرنا عبد الله بن عمر بن أحمد الجوهري -بمرو سنة ست وستين- أخبرنا محمود بن والان حدثنا جميل بن يزيد الجنوجردي، حدثنا القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: عن ابن عباس في قول الله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ‌) قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعادهما عمومة العرب فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا فقال عليٌّ: إن برئا صمت ثلاثة أيام شكرا، فقالت فاطمة كذلك، وقالت جارية لهم نوبية يقال لها فضّة كذلك، فألبس الله الغلامين العافية وليس عند آل محمّد قليل ولا كثير، فانطلق عليٌّ إلى شمعون الخيبري -وكان يهوديا- فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير فجاء به فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلّى علي مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فأعطوه الطعام. فلمّا كان اليوم الثاني قامت إلى صاع فطحنته واختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم يتيم....الخ.


الصفحة 268

وروى الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 2 ص 472 ط 3، في الحديث 1067، وبإسناده، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) الآيات: نزلت في عليّ بن أبي طالب، أطعم عشاءه وأفطر على القراح.

روى الحسين بن الحكم الحبري في كتاب (ما نزل من القرآن في أهل البيت ع) ص 88 قال: حدثنا علي بن محمد، قال: حدثني الحبري، قال: حدثنا حسن بن حسين حدثنا حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) الآيات: نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، أَطْعَمَ عشاءه وأفطر على القراح.

وروى أحمد بن محمد العاصمي في سمط النجوم: ج 2 ص 474 في عنوان: [الآيات في شأن عليّ]، قال: ومنها قوله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) قال ابن عباس: آجر عليٌّ نفسه فسقى نخيلا بشيء من شعير ليلة حتّى أصبح،فلمّا أصبح قبض الشعير فطحن منه فجعل منه شيئا ليأكلوا يقال له الحريرة: دقيق بلا دهن فلمّا تمّ نضاجه أتى مسكين يسأل، فقال: أطعموه إيّاه، وطوو يومهم، ثمّ صنعوا الثلث الثاني، فلمّا تمّ نضاجه أتى يتيم فسأل فقال: أطعموه إيّاه، ثم صنعوا الثالث الباقي (فلما تمّ نضاجه) أتى أسير من المشركين فسأل فقال: أطعموه إيّاه فأطعموه إيّاه وطووا يومهم فنزلت.

وهذا قول الحسن وقتاده، (و) أنّ الأسير كان من المشركين.

روى الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسيره مجمع البيان: ج 29 ص 404 ط دار إحياء التراث العربي بيروت، قال: قد روى الخاص والعام أنَّ الآيات من هذه السورة وهي قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ) إلى قوله: (وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً) نزلت في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام، وجارية لهم تسمى فضة، وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح. (والقصّة طويلة)؛ جملتها أنهم قالوا: مرض الحسن والحسين عليه‌السلام فعادهما جدّهما صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووجوه العرب وقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا، فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهم الله سبحانه ونذرت فاطمة عليه‌السلام كذلك وكذلك فضة فبرءا وليس عندهم شيء، فاستقرض عليٌّ عليه‌السلام ثلاثة أصوع من شعير من يهودي، وروى أنّه أخذها ليغزل له صوفا وجاء به إلى فاطمة عليه‌السلام فطحنت صاعا منها فاختبزته وصلّى عليٌّ المغرب وقربته إليهم، فأتاهم مسكين يدعولهم وسألهم فأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء فلمّا كان اليوم الثاني أخذت صاعا فطحنته وخبزته وقدّمته إلى عليٍّ عليه‌السلام،


الصفحة 269

فاذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء فلمّا كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبزته وقدّمته إلى عليٍّ عليه‌السلام، فاذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه ولم يذوقوا إلّا الماء، فلمّا كان اليوم الرابع وقد قضوا نذورهم أتى عليّ عليه‌السلام ومعه الحسن والحسين إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبهما ضعف، فبكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ونزل جبرئيل بسورة هل أتى، وفي رواية عطاء عن ابن عباس: أنَّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام آجر نفسه ليستقي نخلا بشيء من شعير ليلة، حتى أصبح فلمّا أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له الحريرة، فلمّا تم إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني، فلمّا تم إنضاجه أتى يتيم فسأله فأطعموه، ثم عمل الثلث الثالث، فلمّا تم إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه وطووا يومهم ذلك.

ذكره الواحدي في تفسيره، وذكر علي بن إبراهيم أنّ أباه حدّثه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: كان عند فاطمة شعير فجعلوه عصيدة فلمّا أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فقال المسكين: رحمكم الله فقام عليٌّ فأعطاه ثلثها، فلم يلبث أن جاء يتيم فقال اليتيم: رحمكم الله فقام عليّ عليه‌السلام فأعطاه الثلث، ثم جاء أسير فقال الأسير: رحمكم الله فأعطاه عليّ عليه‌السلام الثلث الباقي وما ذاقوا، فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم، وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عزّ وجل، وفي هذا دلالة على أنّ السورة مدنية وقال أبو حمزة الثمالي في تفسيره، حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنها مدنية، نزلت: في عليّ وفاطمة السورة كلها.

روى الخازن الشيخ علاء الدين علي بن محمد البغدادي الشهير بالخازن المتوفّى (725) عند تفسير هذه الآيات في سورة الانسان، موضوع البحث عن (هل أتى) وبروايته عن ابن عباس: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وذلك أنّه عمل ليهودي بشيء من شعير، فقبض ذلك الشعير فطحن منه ثلثه وأصلحوا منه شيئا يأكلونه، فلمّا فرغ أتى مسكين فسأل فأعطوه ذلك، ثم عمل الثلث الثاني، فلمّا فرغ أتى يتيم فسأل فأعطوه ذلك، ثم عمل الثلث الباقي، فلمّا تم نضجه أتى أسير من المشركين فسال فأعطوه ذلك، وطووا يومهم وليلتهم فنزلت هذه الآيات.

روى الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي في المناقب ص 180، قال: إنَّ هذه السورة -سورة هل أتى- نزلت في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين.

روى المولى حيدر علي بن محمد الشرواني في كتابه (ما روته العامّة من مناقب أهل البيت) ص 79 مطبعة المنشورات الإسلامية، قال - في مناقب عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام - الخامسة عشرة: سورة (هل أتى)،


الصفحة 270

قال الزمخشري في الكشّاف: وعن ابن عبّاس: أنّ الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر عليٌّ وفاطمة وفضّة -جارية لهما- إن برئا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام، فشفيا، وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبريّ اليهوديّ ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء وأصبحوا صياماً.

فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم، فآثروه، ووقف عليهم في الثالثة أسير، ففعلوا مثل ذلك.

فلمّا أصبحوا أخذ عليٌّ بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ما أشدَّ ما يسوءني ما أرى بكم، فانطلق معهم، فرآى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها (1) وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل عليه‌السلام وقال: خذها يا محمّد، هنّاك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة(2).

قال البغوي في تفسيره: وروي عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب، ثم قال بعد ذكر القصة: وهذا قول الحسن وقتاده انتهى.

وروى نزولها فيهم صلوات الله عليهم البيضاوي في تفسيره(3)، والثعلبي على وجه مبسوط(4)  .

وذكر محي الدين بن عربي الصوفي في تفسيره ج 2 ص 741 قال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ) - في حالة احتياجهم إليه لسد خلة الجوع من يستحقّه، ويؤثرون به غيرهم على أنفسهم، كما هو المشهور عن قصّة عليّ وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام في شأن نزول الآية من الإيثار بالفطور على المستحقّين الثلاثة، والصبر على الجوع والصوم ثلاثة أيام.

روى العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي، عن تفسير (تلخيص الدرر) في تفسير سورة (هَلْ أَتَى) في الورق 391 قال: قال سهل بن عبد الله التستري: نزلت، الآية في عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وكان الحسن والحسين قد مرضا، فجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أصحابه عيادة لهم وقال لعليّ: [لو نذرت بشيء؟]،

____________________

1- بطنها بظهرها ظ.

2- تفسير الكشاف: ج 4 ص 197.

3- أنوار التنزيل: ج 2 ص 256.

4- الكشف والبيان: 278.


الصفحة 271

فنذر (عليٌّ) إن شفاهما الله تعالى أن يصوم ثلاثة أيام، وليس لهم شيء من الطعام في ذلك اليوم، فلمّا ظهر عليهما علامة الصحة أصبح صائما، وفاطمة وجارية لهما في البيت كلّهم صائمون، فاستقرض علي من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة أصوع شعير، فطحنت فاطمة منها شيئا واختبزت خمسة أقراص، فلمّا كان عند الإفطار جاء سائل وقال... فأطعموه الكل وناموا جائعين، ثم صاموا غدا... فنزل جبرئيل بهذه السورة وقيل قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ) إلى قوله: (شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً) نزلت بالمدينة.

وروى السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان: ج 29 ص 132 طبعة مؤسسة إسماعيليان، قال: وفيه- أي في الدلائل، للبيهقي- أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)، الآية نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أقول: الآية تشارك سائر آيات صدر السورة ممّا تقدّم عليها أو تأخّر عنها في سياق واحد متّصل، فنزولها فيهما عليهما السلام لا ينفكّ نزولها جميعا بالمدينة.

وفي الكشّاف: وعن ابن عبّاس أنّ الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، في ناس معه فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك (ولديك. ط)، فنذر عليّ وفاطمة وفضّة - جارية لهما- إن برءا ممّا بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام فشفيا وما معهم شيء. فاستقرض عليّ من شمعون الخيبريّ اليهوديّ ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلّا الماء وأصبحوا صياماً. فلمّا أمسوا و وضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك. فلمّا أصبحوا أخذ عليٌّ بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: [ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم]، فانطلق معهم فرآى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها(1) ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك فنزل جبرئيل وقال: خذها يا محمّد هَنَّاك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة.

أقول: (قول السيد الطباطبائي): الرواية مرويّة بغير واحد من الطرق عن عطاء عن ابن عبّاس، ونقلها البحراني في غاية المرام عن أَبي المؤيّد الموفّق بن أحمد، في كتاب فضائل أمير المؤمنين بإسناده عن مجاهد، عن ابن عبّاس، وعنه بإسناد آخر عن الضحّاك، عن ابن عبّاس، وعن الحموينيّ في كتاب فرائد السمطين بإسناده، عن مجاهد عن ابن عباس، وعن الثعلبيّ بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، ورواه في المجمع أي الطبرسي عن الواحدي في تفسيره.

____________________

1- بطنها بظهرها ظ.


الصفحة 272

وفي المجمع بإسناده عن الحاكم، بإسناده عن سعيد بن المسيب، عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: سألت النبيّ عن ثواب القرآن: فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء.

فأوّل ما نزل عليه بمكّة: فاتحة الكتاب، ثمّ إقرأ باسم ربّك، ثمّ - ن -، إلى أن قال: - وأوّل ما نزل بالمدينة سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمَّ سورة محمّد، ثمّ الرعد، ثمّ سورة الرحمان، ثمّ هل أتى،... الحديث.

وقال الطباطبائي في الميزان ج 29، ص 133: وفيه -في المجمع للطبرسي- عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره، قال: حدّثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنّها مدنيّة نزلت في عليٍّ وفاطمة السورة كلّها.

وفي تفسير القميّ: عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: كان عند فاطمة عليها السلام شعير فجعلوه عصيدة(1)- فلمّا أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين، فقال: مسكين رحمكم الله، فقام عليٌّ عليه‌السلام فأعطاه الثلث، فلم يلبث أن جاء يتيم، فقال: اليتيم رحمكم الله فقام عليٌّ عليه‌السلام فأعطاه الثلث، ثم جاء أسير فقال الأسير: رحمكم الله فأعطاه عليٌّ عليه‌السلام الثلث، وما ذاقوها فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عزَّ وجلَّ.

أقول – القول للطباطبائي-: القصّة كما ترى ملخّصة في الرواية، وروى ذلك البحراني في غاية المرام عن المفيد في الاختصاص مسنداً وعن ابن بابويه في الأمالي بإسناده عن مجاهد، عن ابن عبّاس، وبإسناده عن سلمة بن خالد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام، وعن محمد بن العباس بن ماهيار في تفسيره، بإسناده عن أبي كثير الزبيريّ، عن عبد الله بن عبّاس، وفي المناقب أنّه مروي عن الأصبغ بن نباتة.

وفي الاحتجاج عن عليّ عليه‌السلام في حديث يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطّاب: [نشدتكم بالله هل فيكم أحدٌ نزل فيه وفي وُلده (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً) إلى آخر السورة، غيري]؟ قالوا: لا.

وفي كتاب الخصال، في احتجاج عليٍّ على أبي بكر قال: أُنشدك بالله أنا صاحب الآية (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) أم أنت؟ قال: بل أنت.

____________________

1- العصيدة: شعير يلت بالسمن ويطبخ.


الصفحة 273

روى أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية القميّ في كتابه الخصال: ص 548 في محاورة الإمام عليّ عليه‌السلام مع أبي بكر حين تقمّص الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وممّا قاله في مناشدته لأبي بكر: قال عليه‌السلام: [أنشدك بالله أَ لِيَ الولاية من الله مع ولاية رسول الله في آية زكاة الخاتم أم لك، قال (أبو بكر): بل لك، قال عليه‌السلام: أنشدك بالله، أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الغدير أم أنت؟، قال: بل أنت، قال عليه‌السلام: أنشدك بالله، ألي الوزارة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمثل من هارون من موسى أم لك؟ قال: بل لك. قال عليه‌السلام : أنشدك بالله، أ بِيَ برز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبأهل بيتي وولدي في مباهلة المشركين من النصارى أم بك وبأهلك وولدك؟ قال: بكم، قال عليه‌السلام: فأنشدك بالله أَ لِيَ ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل بيتك؟ قال: بل لك ولأهل بيتك. قال عليه‌السلام: فأنشدك بالله، أنا صاحب دعوة رسول الله وأهلي وولدي يوم الكساء: أللّهم هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار، أم أنت؟ قال: بل أنت وأهلك وولدك. قال عليه‌السلام: فأنشدك بالله أنا صاحب الآية (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً) أم أنت؟ قال: بل أنت قال: عليه‌السلام فأنشدك بالله، أنت الفتى الذي نودي في السماء ((لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ))؟ قال: بل أنت قال عليه‌السلام فأنشدك بالله، أنت الذي ردّت له الشمس لوقت صلاته فصلّاها ثم توارت أم أنا]؟ قال: بل أنت.... إلى آخر المناشدات.

روى السيد مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي من كتابه (نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار) ص 124-126 قال: عن الشيخ الأكبر، أنّ عبد الله بن عباس قال: في قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً): مرض الحسن والحسين رضي‌الله‌عنهما وهما صبيّان فعادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه أبو بكر وعمر، فقال عمر لعليّ رضي‌الله‌عنه: يا أبا الحسن لو نذرت عن ابنيك نذرا أنّ الله عافاهما، قال: أصوم ثلاثة أيام شكرا لله، قالت فاطمة: وأنا أصوم ثلاثة شكرا لله، وقال الصبيان: ونحن نصوم ثلاثة أيام، وقالت جاريتهما فضّة: وأنا أصوم ثلاثة أيام.

فألبسهما الله العافية فأصبحوا صياما وليس عندهم طعام، فانطلق عليّ إلى جار له من اليهود يقال له شمعون، يعالج الصوف، فقال له: هل لك أن تعطيني جزّة من صوف تغزلها لك بنت محمّد ثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم فأعطاه فجاء بالصوف والشعير فأخبر فاطمة فقبلت وأطاعت، ثم غزلت ثلث الصوف فأخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته رضي‌الله‌عنها وخبزته خمسة أقراص، لكل واحد قرصا، وصلى عليّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المغرب، ثم أتى منزله فوضع الخِوانَ فجلسوا فأوّل لقمة كسرها عليّ عليه‌السلام ، إذا مسكين واقف على الباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمّد، أنا مسكين أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله من طعام الجنة، فوضع عليّ اللقمة من يده ثم قال:


الصفحة 274
فاطم  ذات  الرشد iiواليقين        يا بنت خير الناس أجمعين
أما  ترين البائس iiالمسكين        جاء   إلينا   جائع   iiحزين
قد   قام   بالباب  له  حنين        يشكو   إلى  الله  iiويستكين

 

 

كل إمرئٍ بكسبه رهين
 

 

فأجابته فاطمة وهي تقول:

أمرك عندي يا بن عم iiطاعة        ما  بِيَ  لؤم  لا ولا iiضراعة
فأعطه   ولا   تدعه   iiساعة        نرجو له الغياث في المجاعة
ونلحق   الأخيار  iiوالجماعة        وندخل     الجنّة    بالشفاعة

قال: فعمد إلى ما في الخوان فدفعه إلى المسكين وباتوا جياعا. وأصبحوا صياما، لم يذوقوا إلّا الماء القراح. ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعا فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، وصلى عليّ المغرب مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم أتى منزله، فلمّا وضعت الخِوان وجلس فأوّل لقمة كسرها عليّ رضي‌الله‌عنه، إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف على الباب وقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني ممّا تأكلون أطعمكم من موائد الجنة فوضع عليّ رضي‌الله‌عنه اللقمة من يده وقال:

فاطم    بنت   السيّد   iiالكريم        قد   جاءنا   الله   بذا   iiاليتيم
من يطلب اليوم رضا الرحيم        موعده    في    جنّة    النعيم

فأقبلت السيدة فاطمة رضي‌الله‌عنها وقالت:

فسوف  أعطيه ولا iiأبالي        وأُوثر   الله  على  iiعيالي
أمسو جياعا وهمو أمثالي        أصغرهم  يقتل في القتال

ثم عمدت إلى جميع ما كان في الخِوان فأعطته اليتيم، وباتوا جياعا لم يذوقوا إلّا الماء القراح وأصبحوا صياما. وعمدت فاطمة إلى باقي الصوف فغزلته، وطحنت الصاع الباقي وعجنته وخبزته خمسة أقراص، لكل واحد قرص، وصلى عليّ رضي‌الله‌عنه المغرب مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم أتى منزله، فقرّبت إليه الخِوان ثم جلس فأوّل لقمة كسرها، إذا أسير من أسارى المسلمين بالباب، فقال السلام عليكم أهل بيت محمّد، إنّ الكفار أسّرونا وقيدونا وشدّونا فلم يطعمونا، فوضع عليّ رضي‌الله‌عنه اللقمة من يده وقال:


الصفحة 275
فاطمة    بنت   النبي   iiأحمد        بنت         سيّد        iiمسوّد
هذا  أسير  جاء  ليس iiيهتدي        مكبل     في     قيد    iiالمقيد
يشكو  إلينا  الجوع  iiوالتشدد        من  يطعم اليوم يجده في iiغد
عند   العلي  الواحد  iiالموحد        ما يزرع الزارع يوما يحصد

فأقبلت فاطمة رضي‌الله‌عنها تقول:

لم يبق مّما جاء غير صاع        قد  دبرت كفي مع iiالذراع
وابناي   والله  ثلاثاً  iiجاعا        يا  ربّ لا تهلكهما iiضياعا

ثم عمدت إلى ما كان في الخوان فأعطته إيّاه، فأصبحوا مفرطين وليس عندهم شيء، وأقبل عليٌّ والحسن والحسين نحو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهما يرتعشان كالفرخين من شدة الجوع، فلمّا أبصرهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: [يا أبا الحسن أشدّ ما يسوء لي ما أدرككم، إنطلقوا بنا إلى ابنتي فاطمة]، فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع وغارت عيناها، فلمّا رآها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ضمّها إليه وقال: [واغوثاه] فهبط جبرئيل عليه‌السلام وقال: (يا محمّد، خذ ضيافة أهل بيتك) قال: [وما آخذ يا جبرئيل؟ ] قال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) إلى قوله: (وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً). (غرائب القرآن ورغائب الفرقان).

روى نظام الدين القميّ النيسابوري في تفسيره، الذي بهامش تفسير الطبري: ج 29 ص 112 قال:

ذكر الواحدي في البسيط والزمخشري في تفسير الكشّاف وكذا الاماميّة أطبقوا على أنّ السورة نزلت في أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولا سيّما هذه الآية، ثم ذكر حديث الإطعام فقال: ويروى أنَّ السائل في الليالي جبرئيل، أراد بذلك إبتلاءهم بإذن الله سبحانه.

روى السيد محمود بن عبد الله الحسيني البغدادي الشافعي في تفسيره روح المعاني، عند تفسيره لسورة هل أتى، فأورد رواية كاملة عن عطاء، عن ابن عباس، وقال في آخرها فهبط جبرئيل عليه‌السلام فقال: خذها يا محمّد هنَّأك الله تعالى في أهل بيتك.

قال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: [وما آخذ يا جبرئيل؟] فأقرأه: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ) إلى آخر السورة.

وأورد الشيخ محمد بن علي النسوي في تفسير البيان في نزول القرآن -مخطوط- الصفحة الأولى من الورق 127 قال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)


الصفحة 276

هذه الآية نزلت في شأن أهل البيت عليهم‌السلام، وذلك أنّ الحسن والحسن مرضا مرضاً شديداً، فعادهما النبي صلى الله عليه وأصحابه... وأورد الحديث كاملا...

روى الموفّق بن أحمد الخوارزمي في كتاب مناقب عليّ بن أبي طالب: ص 198 - 200 نصّ كتاب عمرو بن العاص، الذي يرد فيه على كتاب معاوية بن أبي سفيان له: وجاء فيه:

ويحك يا معاوية أما علمت أنّ أبا حسن بذل نفسه بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبات على فراشه، وهو صاحب السبق إلى الإسلام والهجرة، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: [هو منّي وأنا منه]، و [هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي] وقد قال فيه يوم غدير خم: [ألامن كنت مولاه فعليّ مولاه، أللّهم وآل من وآلاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله].


الصفحة 277

وهو الذي قال صلى‌الله‌عليه‌وآله فيه يوم الطير: [اللّهم إيتني بأحبّ خلقك إليك] فلمّا دخل إليه قال: [إليّ إليّ]، وقد قال فيه يوم بني النضير: [عليٌّ إمام البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله]، وقد قال فيه: [عليٌّ وليّكم بعدي]، وأكّد القول عليَّ وعليك وعلى جميع المسلمين وقال: [إنّي مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي]، وقد قال: [أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها].

وقد علمت يا معاوية ما أنزل الله تعالى في كتابه من الآيات المتلوّات في فضائله لا يشركه فيها أحد، كقوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ...) وقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(1) وقوله (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ)(2) وقوله تعالى: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)(3) وقد قال الله تعالى لرسوله: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(4)

أورد الشيخ الأميني عليه الرحمة الواسعة في كتابه الغدير: ج 5 ص 498 ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت أبياتا من شعر كمال الدين الشافعي في آل البيت عليهم‌السلام.

هم   العروة   الوثقى  لمعتصم  iiبها        مناقبهم    جائت    بوحي   iiوإنزالِ
مناقب في الشورى وسورة هل أتى        وفي  سورة الأحزاب يعرفها iiالتالي
وهم  أهل  بيت المصطفى فودادهم        على الناس مفروضٌ بحكم وإسجالِ
فضائلهم     تعلو    طريقة    iiمتنها        رواة   علوا   فيها   بشدّ   iiوترحال

أشار بهذه الأبيات إلى عدّة من فضائل العترة الطاهرة ممّا نزل به القرآن الكريم في سورة الشورى وهل أتى والأحزاب أمّا الشورى ففيها قوله تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً)، وأمّا هل أتى ففيها قول النازل فيهم (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً).

____________________

1- سورة المائدة: الآية 55 .

2- سورة هود: الآية 17.

3- سورة الأحزاب: الآية 23.

4- سورة الشورى: الآية 23.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة