الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 153

 

حدّثنا محمّد بن عمر (قال: حدّثنا عليّ بن عباس، قال: حدّثنا عليّ بن حفص بن عمر) قال: حدّثنا القاسم وعبد الله ابنا الحسين بن زيد، عن أبيهما عن جعفر بن محمّد عن أبيه مثله.

وجاء في الغدير للشيخ الأميني: ج 2 ص 70 عن الآية الكريمة قال:

أخرج الحافظ أبو نعيم في فضائل الصحابة بإسناده: أنَّها نزلت في عليّ، وهو المعنيُّ بقوله: المؤمنين. وروى الخطيب البغدادي في مناقبه ص 186 قال:

عن جابر بن عبد الله الأنصاري في قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) هو عليّ بن أبي طالب وهو رأس المؤمنين

وروى أيضاً الحاكم الحسكاني في شواهد التنـزيل: ج 1 ص 358 ط 3، في الرقم 308 قال:

أخبرنا أبو الحسن الأهوازي، أخبرنا أبو بكر محمّد بن عمر القاضي قال: حدّثنا عليّ بن عباس قال: حدّثنا عليّ بن حفص بن عمر القيسي قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن زيد عن أبيه:

عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (في قوله تعالى): (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) قال: [نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام].

وروى الحسكاني في شواهده: ج 1 ص 358 ط 1، في الرقم 309 قال:

وبه وقرأته قال: حدّثنا القيسي قال: حدّثنا القاسم وعبد الله ابنا الحسين بن زيد عن أبيهما، عن جعفر عن أبيه (في قوله تعالى): (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) قال: [نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام].

ويحيى بن البطريق، روى الحديثين في الفصل 14 من كتاب خصائص الوحي المبين ص 111 ط 1، وفي ط 2 ص 175 قال:

حدّثنا محمّد بن عمر بن سالم، قال: حدّثنا عليّ بن الوليد بن جابر، قال: حدّثنا عليّ بن حفص بن عمر العبسي قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن زيد، عن أبيه: عن جعفر بن محمّد (عن أبيه) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ). قال: [نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام].


 

الصفحة 154

 

(و) حدّثنا محمّد بن عمر (قال: حدّثنا عليّ بن عباس، قال: حدّثنا عليّ بن حفص بن عمر) قال: حدّثنا القاسم وعبد الله ابنا الحسين بن زيد عن أبيهما عن جعفر بن محمّد، عن أبيه مثله.

وأخرجه علّامة الهند عبد الله بسمل في مناقبه أرجح المطالب ص 88.

وكذلك أخرجه المير محمّد صالح الكشفي الترمذي الحنفي في مناقبه عن المحدّث الحنبلي - المناقب للكشفي / الباب الاوّل.


الصفحة 155

 

سورة التوبة

سورة التوبة الآية 3

(وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّـهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ)

هذه الآية الكريمة الّتي أنزلها الله على سيّد الأنبياء والمرسلين لتبليغ ما ورد فيها وإعلام المقصودين بها من المشركين، وتأدية مانهى الله سبحانه وتعالى حيث لايحقُّ بالتبليغ عن الله إلّا النبيّ أو أحد من أهل بيته. حيث أنَّ الولاية لله وللرسول وللإمام عليّ، وأبرز دليل على لزوم من يتولّى الأمر بعد النبيّ هو نائبه في التبليغ.

فقد روى ابن كثير في تاريخه: ج 7 ص 357، وأحمد بن حنبل في مسنده: ج 1 ص  3 والكنجي - في الكفاية ص 125 والبداية والنهاية: ج 5 ص 44،47 ط إحياء التراث وغيرها من المصادر، أنّها أوردت أن لايبلّغ عن الله إلّا النبيّ (ص) أو أحد من أهل بيته.

فأخرج السيوطي في الدرّ المنثور: ج 3 ص  210 ط قم، عن أبي رافع، قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله أبا بكر ببراءة إلى الموسم، فأتى جبريل عليه السلام فقال: [إنّه لن يؤدِّيها عنك إلّا أنت أو رجل منك] فبعث عليّا رضي الله عنه على إثره حتّى لحقه بين مكّة والمدينة فأخذها، فقرأها على الناس في الموسم.

وأخرج الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنـزيل: ج 1 ص  366 ط 3، في الحديث الرقم 317 قال:

حدّثني الأستاذ أبو طاهر الزيادي قال: أخبرنا أبو طاهر المحمد آبادي قال: حدّثني أبو قلابة الرقاشي قال: حدّثنا عبد الصمد وموسى بن إسماعيل قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن سِماك بن حرب، عن أنس بن مالك:

أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث سورة براءة مع أبي بكر ثمّ أرسل (إليه) فأخذها (منه) ودفعها إلى عليّ وقال: [لايؤدّي عنِّي إلّا أنا أو رجل من أهل بيتي ].

وأخرج الحافظ الحسكاني في شواهد التنـزيل: ج 1 ص  359 ط 3، في الرقم 310 قال:


 

الصفحة 156

 

أخبرنا أبو عبد الرحمان محمّد بن أحمد القاضي بقراءتي عليه في داري من أصله، قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن جعفر بن النجّار بالكوفة، قال: أخبرنا أبو العبّاس إسحاق بن محمّد بن مروان بن زياد القطّان قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا إسحاق بن يزيد، عن حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين قال: [إنَّ لعليّ إسماً في كتاب الله لا يعلمه الناس.

قلت: وماهو؟ قال: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ) عليٌّ، والله هو الأذان يوم الحج الأكبر].

ورواه عن حكيم، قيس بن الربيع وحسين الأشقر وأبو الجارود، ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري، عن زين العابدين مثله، والأخبار متظاهرة بأنَّ هذا المبلّغ هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

أخرج الفقيه الشافعي جلال الدين السيوطي في تفسيره: الدرّ المنثور عند تفسيره لسورة التوبة، قال:

عن ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد، قال: قال لي عليّ بن الحسين رضي الله عنه: [إنَّ لعليّ في كتاب الله إسما ولكن لايعرفونه. قلت: ماهو؟ قال: ألم تسمع قول الله: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ) هو والله الأذان].

وأورد الحسكاني في الشواهد -عند الرقم 265، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي قال: حدّثنا أبو أحمد البصري قال: حدّثنا المغيرة بن محمّد قال: حدّثنا عبد الغفّار بن محمّد قال: حدّثنا مصعب بن سلام عن عبد الأعلى الثعلبي عن محمّد بن الحنفيّة عن عليّ قال: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظَّالِمِينَ): [فأنا ذلك المؤذّن].

وروى البخاري في صحيحه: ج 5 ص 37 عن أبي هريرة أنّه قال:

(فأذَّنَ عليٌّ في أهل منى يوم النحر، ببراءة (يعني بأنَّ الله برئ من المشركين ورسوله) وأنْ لا يحجَّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).


 

الصفحة 157

 

وأخرج خطيب خوارزم في كتابه (المناقب) عند ذكر مناقب الإمام عليّ عليه السلام ص 24 قال:

وبسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ بن أبي طالب: [أنت الذي أنزل الله فيك: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ)].

وأخرج خطيب خوارزم في المناقب ص 223 حديث المناشدة الذي ناشد فيه الإمام عليّ عليه السلام. الخمسة الذين كانوا معه في الشورى (الذين جعلهم عمر بن الخطاب قُبيْل موته) حيث ناشدهم الإمام علي عليه السلام - وكما هو مثبت في كتب الرواة والحفّاظ - وفيه قوله عليه السلام:

[فأنشدكم بالله: هل فيكم أحدٌ أمره رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - بأن يأخذ براءة من أبي بكر. فقال له أبو بكر: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟

فقال له: (إنَّه لايؤدِّي عنّي إلّا عليّ). غيري

قالوا: أللّهم لا.

وهذه المناشدة للإمام عليّ (ع) قد رواها الكثيرون وإن حصل بعض الاختلاف في اللفظ لكنّ المعنى واحد. ومنهم في المناقب لابن المغازلي ص 112، فرائد السمطين للحمويني ص 58، وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة ص 75،93، والحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال: ج 1 ص 205 وابن عبد الله البر في الاستيعاب (لهامش الاصابة) ج 3 ص 35.

وأخرج الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنـزيل: ج 1 ص  361 ط 3 في الرقم 311 قال: أخبرنا الحاكم الوالد أبو محمّد رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حفص عمر بن أحمد -ببغداد-قال: حدّثنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا الحسن بن علي، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسّيب عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان بين نبيّ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين قبائل من العرب عهد، فأمر الله نبيَّه أن ينبذ إلى كلّ ذي عهد عهده إلّا أقام الصلاة المكتوبة والزكاة المفروضة، فبعث عليّ بن أبي طالب بتسع آيات متواليات من أوّل براءة، وأمره رسول الله أن ينادي بهنَّ يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، وأن يبرئ ذمّة رسول الله من أهل كلّ عهد، فقام عليّ بن أبي طالب يوم النحر عند الجمرة الكبرى فنادى بهؤلاء الآيات.


 

الصفحة 158

 

وروى الحافظ أبو نعيم الاصبهاني بسنده عن الزهري في كتابه: ما نزل من القرآن في عليّ، وكما رواه عنه ابن بطريق في الفصل (10) من كتاب الوحي المبين ص 89 ط 1 قال:

حدّثنا محمّد بن المظفّر -إملاءً-قال: حدّثنا جعفر بن الصقر، قال: حدّثنا حميد بن داوود بن إسحاق بن إبراهيم الرملي قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عطاء، قال: حدّثني الوليد بن محمّد، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: أرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله أبا بكر بـ (بَرَاءَة) يقرؤها على أهل مكّة فنـزل جبرئيل عليه السلام على محمّد صلّى الله عليه وآله فقال: يامحمّد لايبلغ عن الله إلّا أنت أو رجل منك. فلحقه عليّ عليه السلام فأخذها منه.

وممن روى الحديث أبو بكر بن أبي شيبة المتوفّى عام 235 في الحديث 72 من فضائل عليّ عليه السلام من كتاب الفضائل تحت الرقم 12184 من كتاب المصنّف: ج 7/الورق 161/4 وفي ط 1: ج 12 ص 84 ط.الهند، قال:

حدّثنا عفّان، قال: حدّثنا حماّد بن سلمة، عن سماك عن أنس:

أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث ببراءة (مع) أبي بكر إلى (أهل) مكّة، فدعاه فبعث عليا فقال: [لايبلّغها إلّا رجلٌ من أهل بيتي].

ورواه أيضاً أبو سعيد أحمد بن محمّد بن زياد المعروف بابن الأعرابي في كتاب معجم الشيوخ ج 2/الورق 155/ أ/ و 220/ب/ قال:

و حدّثنا علي (بن سهل) أنبأنا عفّان، أنبأنا حمّاد بن سلمة، عن سماك، عن أنس، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بعث ببراءة مع أبي بكر الصديق إلى أهل مكّة فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: ردُّوه - فردّوه فقال أبو بكر رضي الله عنه:

مالي أنزلَ فيَّ شيء؟ قال: [لا ولكنِّي أمرت أن لايبلّغها إلّا أنا أو رجل منِّي]. فدفعها إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

ورواه القطيعي في الحديث (69 و 212) من باب فضائل أمير المؤمنين من كتاب الفضائل لأحمد بن حنبل: ص 43، 146، ط 1 قال:


 

الصفحة 159

 

حدّثنا الفضل، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الخزاعي، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن سِماك بن حرب: عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة، فلمّا بلغ ذا الحليفة بعث إليه فردّه وقال: [لايذهب بها إلّا رجل من أهل بيتي]. فبعث عليّا عليه السلام.

وكذلك رواه ابن عساكر بأسانيد في الحديث 878 وما بعده من ترجمة عليّ عليه السَّلام من تاريخ دمشق: ج 2 ص  376-388 ط وصرّح فيه برجوع أبي بكر.

ورواه أيضاً الترمذي، في تفسير آية البراءة في كتاب التفسير تحت الرقم: (5085) من سننه ج 4 ص  339 ط دار الفكر قال:

حدّثنا بندار، أخبرنا عفّان بن مسلم وعبد الصمد، قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة، عن سِماك بن حرب:

عن أنس بن مالك قال: بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بـ (براءة) مع أبي بكر ثم دعاه فقال: [لاينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلّا رجل من أهلي]. فدعا عليّاً فأعطاه إيّاها.

ورواه عنه ابن كثير في تفسير سورة براءة من تفسيره: ج 2 ص  322 ط. بيروت.

ورواه أيضاً أبو الأباطيل الحسين بن إبراهيم الجوزقاني المتوفّى سنة 543 في أباطيله ج 1 ص 272، قال:

أخبرنا عبد الملك بن مكّي، أخبرنا عليّ بن الحسن، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد بن جعفر، قال: حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمّحي قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الخزاعي قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن سِماك بن حرب، عن أنس بن مالك:

أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث ببراءة مع أبي بكر الصدّيق إلى أهل مكّة فلمّا بلغ ذا الحليفة بعث (إليه) فردّه وقال: [لايؤدّي عنّي إلاّ رجل منّي].

وروى الحسين بن الحكم الحبري في كتابه: ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم السلام،ص 58 حدّثنا عليّ بن محمّد، قال: حدّثني الحسين بن الحكم الحبري، قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) الآية: 1 نزلت في مشركي العرب غير بني ضمرة


 

الصفحة 160

 

وقوله (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)

والمؤذِّن يومئذ عن الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: عليّ بن أبي طالب عليه السلام، أذّن بأربع: لايدخل الجنّة إلّا مؤمن. ولا يطوفنَّ بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه أجلٌ فأجله إلى مدّته، ولكم أن تسيحوا في الأرض أربعة أشهر.

وروى الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنـزيل: ج 1 ص  362 ط 3 في الرقم 312 قال:

أخبرنا الشيخ جدّي أبو نصر رحمه الله حدّثنا أبو عمر المزكّي قال حدّثنا أبو خليفة البصري قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الخزاعي قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن سِماك بن حرب، عن أنس بن مالك:

أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة فلماّ بلغ ذا الحليفة بعث إليه فردَّه وقال: [لايذهب به إلاّ رجل من أهل بيتي] فبعث علياً.

رواه جماعة عن حمّاد بن سلمة كذلك.

وجاء في تفسير القمي (أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين القمي). قال:

في قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ) حدّثني أبي عن محمّد بن الفضل عن ابن أبي عمير عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لماّ فتح مكّة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة، وكان سنّة من العرب في الحج أنّه من دخل مكّة وطاف البيت في ثيابه لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدّقون بها ولايلبسونها بعد الطواف فكان من وافى مكّة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يردَّه، ومن لم يجده عاريةً ولا كرى ولم يكن له إلاّ ثوب واحد، طاف بالبيت عرياناً.

وفي تفسير العيّاشي عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام أنَّ رسول الله بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس فنـزل جبرئيل فقال: [لايبلّغ عنك إلّا عليّ] فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً وأمر أن يركب ناقته العضباء وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأها على الناس بمكّة فقال أبو بكر: أسخطٌ؟ فقال: [لا إلّا أنّه أنزل عليه أنَّه لايبلّغ إلاّ رجل منك].


 

الصفحة 161

 

فلمّا قدم على مكّة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج الأكبر قام ثمّ قال: إنّي رسول رسول الله إليكم فقرأها عليهم (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ). عشرين من ذي الحجّة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأوّل. وعشراً من شهر ربيع الآخر، وقال: لايطوف بالبيت عريان ولا عريانه ولا مشرك بعد هذا العام، ومن كان له عهد عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فمدّته إلى هذه الأربعة أشهر.

وفي تفسير العيّاشي والمجمع عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: [خطب عليّ عليه السلام بالنّاس وأخترط سيفه وقال: لايطوفنَّ بالبيت عريان، ولا يحجَّنّ بالبيت مشرك، ومن كانت له مدّة فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له مدّة فمدّته أربعة أشهر وكان يخطب يوم النحر، وكانت عشرون من ذي الحجّة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر، وقال: يوم النحر يوم الحجّ الأكبر].

وجاء في تفسير الميزان للسيد محمّد حسين الطباطبائي عليه الرحمه ج 10 ص 168 قال:

وفي تفسير المنار عن الترمذيّ عن ابن عباس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث أبا بكر -إلى أن قال-: فقام عليٌّ أيّام التشريق فنادى: ذمّة الله وذمّة رسوله بريئة من كلّ مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجَّنَّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنَّ بالبيت عريان ولايدخل الجنّة إلّا كلّ مؤمن فكان عليٌّ ينادي بها فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى بها.

وفيه أيضاً عن أحمد والنسائيّ من طريق محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله عليه وآله وسلّم إلى مكّة ببراءة فكنَّا ننادي أن لا يدخل الجنّة إلاّ كلّ نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عهد فعهده إلى مدّته، ولا يحجَّ بعد العام مشرك فكنت أنادي حتّى صحل صوتي.


 

الصفحة 162

 

أقول: قد عرفت أنّ الّذي وقع في الروايات على كثرتها من قصّة بعث عليّ وعزل أبي بكر من كلمة الوحي الّذي نزل به جبرئيل على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هو قوله: [لايؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك] وكذا ماذكره النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين أجاب أبا بكر لماّ سأله عن سبب عزله، إنّما هو متن ما أوحى إليه الله سبحانه، أو قوله - وهو في معناه-: [لايؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي].

 وكيفما كان فهو كلام مطلق يشمل تأدية براءة وكلّ حكم إلهيّ احتاج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أن يؤدّيه عنه مؤدِّ غيره، ولا دليل لا من متون الروايات ولا غيرها يدلّ على اختصاص ذلك ببراءة، وقد اتّضح أنّ المنع من طواف البيت عرياناً والمنع عن حجّ المشركين بعد ذلك العام وكذا تأجيل من له عهد إلى مدّة أو من غير مدّة كلّ ذلك أحكام إلهيّة نزل بها القرآن فما معنى إرجاع أمرها إلى أبي بكر أو نداء أبي هريرة بها وحده أو ندائه ببراءة وسائر الأحكام المذكوره في الجمع إذا بحّ عليّ عليه السلام حتّى يصحل (1) صوته من كثرة النداء؟ ولو جاز لأبي بي هريرة أن يقوم بها والحال هذه فلم لم يجز لأبي بكر ذلك؟

نعم أبدع بعض المفسّرين كابن كثير وأترابه هنا وجهاً وجّهوا به ماتتضمّنه هذه الروايات إنتصاراً لها وهو أنَّ قوله: [لايؤدّي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي] مخصوص بتأدية براءة فقط من غير أن يشمل سائر الأحكام الّتي كان ينادي بها علي عليه السلام وأنَّ تعيينه صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً بتبليغ آيات براءة أهل الجمع إنّما هو لما كان من عادة العرب أن لاينقض العهد إلّا عاقده أو رجل من أهل بيته ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يأخذ براءة - وفيها نقض ما للمشركين من عهد - من أبي بكر ويسلّمها إلى عليّ ليستحفظ بذلك السنَّة العربيّة فيؤدِّيها عنه بعض أهل بيته.

قالوا: وهذا معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لماّ سأله أبو بكر قائلاً: يارسول الله هل نزل فيَّ شيء؟ قال: [لا ولكن لايؤدّي عنّي إلّا أنا أو رجل منّي] ومعناه أنّي إنّما عزلتك ونصبت عليّاً لذلك لئلّا أنقض هذه السنَّة العربيّة الجارية.

____________________

(1) يقال صَحِل صوت فلان صحلاً - على زنة علم وبابها-: بخّ وخشن فهو صَحِل وأصحل.


 

الصفحة 163

 

ولذلك لم ينفصل أبو بكر من شأنه فقد كان قلّده إمارة الحاجّ وكان لأبي بكر مؤذّنون يؤذّنون بهذه الأحكام كأبي هريرة وغيره من الرجال الّذين لم يذكر أسماؤهم في الروايات، وكان عليّ أحد من عنده لهذا الشأن، ولذا ورد في بعضها: أنّه خطب بمنى ولماّ فرغ من خطبته التفت إلى عليّ وقال: قم ياعليّ وأدِّ رسالة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهذا ماذكروه ووجّهوا به الروايات.

والباحث الناقدْ إذا راجع هذه الآيات والروايات ثمّ تأمّل ماجرت من المشاجرات الكلاميّة بين الفريقين: أهل السنّة والشيعة في باب الأفضليّة لم يرتَب في أنّهم خلطوا بين البحث التفسيريّ الّذي شأنه تحصيل مداليل الآيات القرآنيّة، والبحث الروائيّ الّذي شأنه نقد معاني الأحاديث وتمييز غثّها من سمينها، وبين البحث الكلاميّ الناظر في أنّ أبا بكر أفضل من عليّ أو علياًّ أفضل من أبي بكر، وفي أنّ إمارة الحاجّ أفضل أو الرسالة في تبليغ آيات براءة؛ ولمن كان إمارة الحجّ إذ ذاك لأبي بكر أو لعليّ؟ أمّا البحث الكلاميّ فلسنا نشتغل به في هذا المقام فهو خارج عن غرضنا، وأمّا البحث الروائيّ أو التفسيريّ فيما يرتبط به الآيات إلى أسباب نزولها ممّا يتعلّق بمعاني الآيات فالّذي ينبغي أن يقال بالنظر إليه أنّهم أخطأوا في هذا التوجيه.

فليت شعري من أين تسلّموا أنّ هذه الجملة الّتي نزل بها جبرئيل: (إنّه لايؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) مقيّدة بنقض العهد لا يدلّ على أزيد من ذلك، ولا دليل عليه من نقل أو عقل فالجملة ظاهرة أتّم ظهور في أنّ ماكان على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يؤدّيه لايجوز أن يؤدّيه إلّا هو أو رجل منه سواء، كان نقض عهد من جانب الله كما في مورد براءة أو حكما آخر إلهيّاً على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يؤدّيه ويبلّغه.

وهذا غير ما كان من أقسام الرسالة منه صلّى الله عليه وآله وسلّم ممّا ليس عليه أن يؤدّيه بنفسه الشريفة كالكتب الّتي أرسل بها إلى الملوك والأمم والأقوام في الدعوة إلى الإسلام وكذا سائر الرسالات الّتي كان يبعث بها رجالاً من المؤمنين إلى الناس في أمور يرجع إلى دينهم والإمارات والولايات ونحو ذلك.


 

الصفحة 164

 

ففرق جليّ بين هذه الأمور وبين براءة ونظائرها فانّ ما تتضمّنه آيات براءة وأمثال النهي عن الطواف عرياناً، والنهي عن حجّ المشركين بعد العام أحكام إلهيّة ابتدائيّة لم تبلّغ بعد ولم تؤدَّ إلى من يجب أن تبلِّغه، وهم المشركون بمكّة والحجّاج منهم، ولارسالة من الله في ذلك إلّا لرسوله وأمّا سائر الموارد الّتي كان يكتفي النبيّ (ص) ببعث الرسل للتبيلغ فقد كانت ممّا فرغ (ص) فيها من أصل التبيلغ والتأدية، بتبليغه من وسعه تبليغه ممّن حضر كالدعوة إلى الإسلام وسائر شرائع الدين، وكان يقول:

(ليبلّغ الشاهد منكم الغائب) ثمَّ إذا مسّت الحاجة إلى تبليغه بعض من لاوثوق عادة ببلوغ الحكم إليه أو لا أثر لمجرّد البلوغ إلاّ أن يعتني لشأنه بكتاب أو رسول توسّل عند ذلك إلى رسالة أو كتاب كما في دعوة الملوك.

وليتأمَّل الباحث المنصف قوله: [لايؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك] فقد قيل: (لايؤدّي عنك إلّا أنت) ولم يقل: (لايؤدّي إلاّ أنت أو رجل منك) حتّى يفيد اشتراك الرسالة، ولم يقل: (لايؤدّي منك إلاّ رجل منك) حتّى يشمل سائر الرسالات الّتي كان (ص) يقلّدها كلّ من كان من صالحي المؤمنين فإنّما مفاد قوله: (لايؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) أنّ الأمور الرساليّة الّتي يجب عليك نفسك أن تقوم بها لايقوم بها غيرك عوضاً منك إلّا رجل منك أي لايخلفك فيما عليك كالتأدية الابتدائيّة إلّا رجل منك.

ثمّ ليت شعري ما الّذي دعاهم إلى أن أهملوا كلمة الوحي الّتي هي قول الله نزل به جبرئيل على النبيّ (ص): [لايؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك] وذكروا مكانها أنّه (كانت السنّة الجارية عند العرب أن لاينقض العهد إلّا عاقده أو رجل من أهل بيته) تلك السنّة العربيّة التي لاخبر عنها في أيّامهم ومغازيهم ولا أثر إلاّ ماذكره ابن كثير ونسبه إلى العلماء عند البحث عن آيات براءة!.

ثمّ لو كانت سنّةٌ عربيّة جاهليّة على هذه النعت فما وزنها في الإسلام وما هي قيمتها عند النبيّ (ص) وقد كان ينسخ كلّ يوم سنّة جاهليّة وينقض كلّ حين عادة قوميّة، ولم تكن من جملة الأخلاق الكريمة أو السنن والعادات النافعة بل سليقة قبائليّة تشبه سلائق الأشراف وقد قال (ص) يوم فتح مكّة عند الكعبة على ما رواه أصحاب السير: [ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعي فهو تحت قدميّ هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاجّ].


 

الصفحة 165

 

ثمّ لو كانت سنّة عربيّة غير مذمومة فهل كان رسول الله (ص) ذهل عنها ونسيها حين أسلم الآيات إلى أبي بكر وأرسله، وخرج هو إلى مكّة حتّى إذا كان في بعض الطريق ذكر (ص) مانسيه أو ذكّره بعض من عنده بما أهمله وذهل عنه من أمر كان من الواجب مراعاته؟ وهو (ص) المثل الأعلى في مكارم الأخلاق واعتبار ما يجب أن يعتبر من الحزم وحسن التدبير، وكيف جاز لهؤلاء المذكّرين أن يغفلوا عن ذلك وليس من الأمور الّتي يغفل عنها وتخفى عادة فإنّما الذهول عنه كغفلة المقاتل عن سلاحه؟

وهل كان ذلك بوحي من الله إليه أنّه يجب له أن لا يلغي هذه السنّة العربيّة الكريمة، وأنَّ ذلك أحد الأحكام الشرعيّة في الباب وأنّه يحرم على وليّ أمر المسلمين أن ينقض عهداً إلّا بنفسه أو بيد أحد من أهل بيته؟ وما معنى هذ الحكم؟

أو أنّه حكم أخلاقيّ اضطرّ إلى اعتباره لما أنّ المشركين ما كانوا يقبلون هذا النقض إلاّ بأن يسمعوه من النبيّ (ص) نفسه أو من أحد من أهل بيته؟ وقد كانت السيطرة يومئذ له (ص) عليهم، والزمام بيده دونهم، والإبلاغ إبلاغ.

أو أنَّ المؤمنين المخاطبين بقوله: (عَاهَدتُّم) وقوله (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ) وقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْركِينَ) ما كانوا يعتبرون هذا النقض نقضاً دون أن يسمعوه منه صلّى الله عليه وآله وسلّم أو من واحد من أهل بيته وإن علموا بالنقض إذا سمعوا الآيات من أبي بكر؟

ولو كان كذلك فكيف قبله واعتبره نقضاً من سمعه من أبي هريرة الّذي كان ينادي به حتّى صحل صوته؟ وهل كان أبو هريرة أقرب إلى عليّ وأمسّ به من أبي بكر إلى رسول الله (ص). فالحقّ أنّ هذه الروايات الحاكية لنداء أبي هريرة وغيره غير سديدة لا ينبغى الركون إليها.

قال صاحب المنار في تفسيره: جملة الروايات تدلّ على أنَّ النبيّ (ص) جعل أبا بكر أميراً على الحجّ سنة تسع، وأمره أن يبلّغ المشركين الّذين يحضرون الحجّ أنّهم يمنعون منه بعد ذلك العام ثمّ أردفه بعليّ ليبلّغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأنّ العهود الموقّتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمّنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلّق بها من أوّل سورة براءة.

 وهي أربعون أو ثلاث وثلاثون آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردّد بين ثلاثين وأربعين فتعبير بالأعشار مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان.

 وذلك لانّ من عادة العرب أنّ العهود ونبذها إنّما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأنَّ علياً كان مختصّاً بذلك مع بقاء إمارة الحجّ لأبي بكر الّذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته. انتهى.


 

الصفحة 166

 وقال أيضاً: إنَّ بعض الشعية يكبّرون هذه المزيّة لعليّ عليه السلام كعادتهم ويضيفون إليها ما لاتصحّ به رواية، ولاتؤيّده دراية فيستدلّون بها على تفضيله على أبي بكر رضي الله عنهما وكونه أحقّ بالخلافة منه، ويزعمون أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عزل أبا بكر من تبليغ سورة براءة لأنَّ جبرئيل أمره بذلك، وأنّه لايبلّغ عنه إلاّ هو أو رجل منه ولايخصّون هذا النفي بتبليغ نبذ العهود ومايتعلّق به بل يجعلونه عامّاً لأمر الدّين كلّه.

مع استفاضة الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة كالجهاد في حمايته والدفاع عنه، وكونه فريضة لافضيلة فقط ومنها قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حجّة الوداع على مسمع الألوف من الناس: [ألا فليبلّغ الشاهد الغائب].

وهو مكرّر في الصحيحين وغيرهما، وفي بعض الروايات عن ابن عبّاس: فو الّذي نفسي بيده إنّها لوصيّته إلى أُمّته [فليبلّغ الشاهد الغائب] الخ، وحديث: [بلّغوا عنّي ولو آية] رواه البخاريّ في صحيحه والترمذيّ، ولولا ذلك لما انتشر الإسلام ذلك الانتشار السريع في العالم.

بل زعم بعضهم -كما قيل-أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم عزل أبا بكر من إمارة الحجّ وولّاها عليّاً، وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عمليّة عرفها الخاصّ والعامّ.

والحقّ أنَّ عليّاً كرّم الله وجهه كان مكلّفاً بتبليغ أمر خاصّ، وكان في تلك الحجّة تابعاً لأبي بكر في إمارته العامّة في إقامة ركن الإسلام الاجتماعيّ العامّ حتّى كان أبو بكر يعيّن له الوقت الّذي يبلّغ ذلك فيه فيقول: ياعليّ قم فبلّغ رسالة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كما تقدّم التصريح به في الروايات الصحيحة كما أمر بعض الصحابة بمساعدته على هذا التبليغ كما تقدَّم في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما.

ثمّ ساق الكلام واستدلَّ بإمارة أبي بكر في تلك الحجّة- وضمَّ إليها صلاته موضع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قبيل وفاته - على تقدّمه وأفضليّته من جميع الصحابة على من سواه انتهى.


 

الصفحة 167

 

أمّا قوله: مع إستفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة إلى أخر ماقال فيكشف عن أنّه لم يحصّل معنى كلمة الوحي [لايؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك] حقّ التحصيل، ولم يفرِّق بين قولنا (لايؤدّي منك إلّا رجل منك) وبين قوله: (لايؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) فزعم أنَّ الكلام بإطلاقه يمنع عن كلّ تبليغ دينيّ يتصدّاه غير النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أو رجل منه فدفع ذلك باستفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة وقيَّد به إطلاق قوله: (لايؤدّي عنك) الخ فجعله خاصّاً بتبليغ نبذ العهد بعد تحويل الحكم الإلهيّ إلى سنّة عربيّة جاهليّة.

وقد ساقه اشتباه معنى الكلمة إلى أن زعم أنّ إبقاء الكلام على إطلاقه منشاؤه الغفلة عن أمر هو كالضروريّ عند عامّة المسلمين أعنى وجوب التبليغ العامّ حتّى استدلّ على ذلك بما في الصحيحين وغيرهما من قوله (ص): [فليبلّغ الشاهد الغائب] وقد عرفت ما هو حقّ المعنى لكلمة الوحي.

وأمّا قوله: (بل زعم بعضهم كما قيل أنّه عزل أبا بكر من إمارة الحجّ وولّاها عليّاً وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عمليّة عرفها العامّ والخاصّ) فليس ذلك زعماً من البعض ولا بهتاناً كما بهته بل رواية روتها الشيعة وقد أوردناها في ضمن الروايات المتقدّمة.

وليس التوغّل في مسألة الإمارة ممّا يهمّنا في تفهّم معنى قوله: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) فإمارة الحاجّ سواء صحَّت لأبي بكر أو لعليّ، دلّت على فضل أو لم تدلّ إنّما هي من شعب الولاية الإسلاميّة العامّة الّتي شأنها التصرّف في أمور المجتمع الإسلاميّ الحيويّة، وإجراء الأحكام والشرائع الدينيّة، ولا حكومة لها على المعارف الإلهيّة وموادّ الوحي النازلة من السّماء في أمر الدين.

إنّما هي ولاية رسول الله (ص) ينصب يوماً أبا بكر أو عليّاً لإمارة الحاجّ ويؤمّر يوماً أُسامة على أبي بكر وعامّة الصحابة في جيشه، ويولّي يوماً ابن أُمّ مكتوم على المدينة وفيها من هو أفضل منه، ويولّي هذا مكّة بعد فتحها، وذاك اليمن، وذلك أمر الصدقات، وقد استعمل صلّى الله عليه وآله وسلّم أبا دجانة الساعديّ أو سباع بن عرفطة الغفاريّ على ما في سيرة ابن هشام على المدينة عام حجّة الوداع وفيها أبو بكر لم يخرج إلى الحجّ على ما رواه البخاريّ ومسلم وأبو داود والنسائيّ وغيرهم وإنّما تدلّ على إذعانه صلّى الله عليه وآله وسلّم بصلاحيّة من نصبه لأمر لتصدّيه وإدارة رحاه.


 

الصفحة 168

 

وأمّا الوحي السماويّ بما يشتمل عليه من المعارف والشرائع فليس للنبيّ (ص) ولا لمن دونه صنع فيه، ولا تأثير فيه ممّا له من الولاية العامّة على أمور المجتمع الإسلاميّ بإطلاق أو تقييد أو إمضاء أو نسخ أو غير ذلك، ولا تحكم عليه سنَّة قوميّة أو عادة جارية حتّى توجب تطبيقه على ما يوافقها أو قيام العصبة مقام الإنسان فيما يهمّه من أمر.

والخلط بين البابين يوجب نزول المعارف الإلهيّة من أوج علوّها وكرامتها إلى حضيض الأفكار الاجتماعيّة الّتي لا حكومة فيها إلّا للرسوم والعادات والاصطلاحات، فيعود الانسان يفسّر حقائق المعارف بما يسعه الأفكار العامّيّة ويستعظم ما استعظمه المجتمع دون ما عظّمه الله، ويستصغر ما استصغره النّاس حتّى يقول القائل في معنى كلمة الوحي: إنّه عادة عربيّة محترمة.

وأنت إذا تأمّلت هذه القصّة – أخذ آيات براءة من أبي بكر وإعطاءها عليّاً على ما تقصّها الروايات - وجدت فيها من مساهلة الرواة وتوسّعهم في حفظ القصّة بمالها من الخصوصيّات - إن لم يستند إلى غرض أخر-أمراً عجيباً ففي بعضها -وهو الأكثر-أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث أبا بكر بالآيات ثمَّ بعث عليّاً وأمره أن يأخذها منه ويتلوها على الناس فرجع أبو بكر... الخ، وفي بعضها أنّه بعث أبا بكر بإمارة الحجّ ثمَّ بعث عليّاً بعده بآيات براءة، وفي بعضها: أنّ أبا بكر أمره بالتبليغ وأمر بعض الصحابة أن يشاركه في النداء حتّى آل الأمر إلى مثل مارواه الطبريّ وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم. أقبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحجّ ثمّ قال: إنّه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أُحبّ أن أحجَّ حتّى لايكون ذلك فأرسل أبا بكر وعليّاً فطافا في الناس بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يبيعون بها وبالموسم كلّه فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات:

عشرون من آخر ذي الحجّة إلى عشر تخلوا من ربيع الأوّل ثمَّ عهد لهم وآذن الناس كلّهم بالقتال إلى أن يموتوا.


 

الصفحة 169

 

وإذا كان هذا هو الحال فما معنى قوله: (بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عمليّة عرفها العامّ والخاصّ)؟ فإن كان يعني: عرفها العامّ والخاصّ في عصر النبيّ (ص) ممّن شاهد الأمر أو سمع ذلك ممّن شاهده ووصفه فماذا ينفعنا ذلك؟

وإن كان يعني: أنّ العامّ والخاصّ ممّن يلي عهد النبيّ (ص) أو يلي من يليه عرفا ذلك ولم يشكّ أحد في ذلك فهذا حال الروايات المنقولة عنهم لايجتمع على كلمة.

منها ما يحكي أنَّ عليّاً اختصَّ بتأدية براءة وأُخرى تدلّ على أنَّ أبا بكر شاركه فيه، وأخرى تدّل على أنَّ أبا هريرة شاركه في التأدية ورجال آخرون لم يسمّوا في الروايات.

ومنها مايدلّ على أنّ الآيات كانت تسع آيات، وأُخرى عشراً، وأخرى ستّ عشرة، وأخرى ثلاثين، وأخرى ثلاثاً وثلاثين، وأخرى سبعاً وثلاثين، وأخرى أربعين، وأُخرى سورة براءة.

ومنها مايدلّ على أنّ أبا بكر ذهب لوجهه أميراً على الحاجّ، وأخرى على أنّه رجع حتّى أوَّله بعضهم كابن كثير أنّه رجع بعد إتمام الحجّ، وآخرون أنّه رجع ليسأل النبيّ (ص) عن سبب عزله، وفي رواية أنس الآتية أنّه صلّى الله عليه وآله بعث أبا بكر ببراءة ثمّ دعاه فأخذها منه.

ومنها مايدلّ على أنّ الحجّة وقعت في ذي الحجّة وأنّ يوم الحجّ الأكبر تمام أيّام تلك الحجّة أو يوم عرفة أو يوم النحر أو اليوم التالي ليوم النحر أو غير ذلك وأخرى أنّ أبا بكر حجّ في تلك السنة في ذي القعدة.

ومنها مايدلّ على أنّ أشهر السياحة تأخذ من شوَّال، وأُخرى من ذي القعدة، وأخرى من عاشر ذي الحجّة، وأخرى من الحادي عشر من ذي الحجّة وغير ذلك.

 ومنها ما يدلّ على أنّ الأشهر الحرم هي ذو العقدة وذو الحجّة والمحرّم من تلك السنة، وأُخرى على أنّها أشهر السياحة تبتدىء من يوم التبليغ أو يوم النـزول.

فهذا حال اختلاف الروايات، ومع ذلك كيف يستقيم دعوى أنّه أمر عرفه العامّ والخاصّ، وبعض المحتملات السابقة وإن كان قولاً من مفسّري السلف إلاّ أنّ المفسّرين يعاملون أقوالهم معاملة الروايات الموقوفة.


 

الصفحة 170

 

وأمّا قوله: والحقّ أنّ علياً كان مكلّفاً بتبليغ أمر خاصّ وكان في تلك الحجّة تابعاً لأبي بكر في إمارته إلى آخر ما قال فلا ريب أنّ الّذي بعث به النبيّ (ص) عليّاً من الأحكام كان أمراً خاصّاً وهو تلاوة آيات براءة وسائر ما يلحق بها من الأمور الأربعة المتقدّمة غير أنّ الكلام في أنّ كلمة الوحي: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) لا تختصّ في دلالتها بتأدية آيات براءة على ما تقدّم بيانه فلا ينبغي الخلط بين ما يدلّ عليه الكلمة وبين ما أُمر به عليٍّ في خصوص تلك السفرة.

وأمّا قوله: وكان في تلك الحجّة تابعاً.... (الخ) فأمر استفاده من كلام أبي هريرة وما يشبهه، وقد عرفت الكلام فيه.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذيّ وحسّنه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس (رضي) قال: بعث النبيّ (ص) ببراءة مع أبي بكر (رض) ثمّ دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلّا رجل من أهلي فدعا عليّاً فأعطاه إيّاه.

أقول: ذكر صاحب المنار في بعض كلامه: أنّ قوله (ص): [أو رجل منّي] في رواية السدّي قد فسّرتها الروايات الأخرى عند الطبريّ وغيره بقوله (ص): [أو رجل من أهل بيتي] وهذا النصّ الصريح يبطل تأويل كلمة (منّي) بأنّ معناها أنَّ نفس عليٍّ كنفس رسول الله (ص) وأنَّه مثله وأنَّه أفضل من كلّ أصحابه -انتهى-.

والّذي أشار إليه من الروايات هو ما رواه قبلاً بقوله: وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أنّ النبيّ (ص) بعث ببراءة مع أبي بكر فلمّا بلغ ذا الحليفة قال: لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي فبعث بها مع عليّ.

وهذه بعينها -على ما لا يخفى - هي الرواية السابقة الّتي أوردناها عن أنس، وقد وقع فيها [أو رجل من أهلي] وإن اختلف لفظا الروايتين بما عملت فيهما يد النقل بالمعنى.

وأوّل ما في كلامه: أنّ اللفظ: (أو رجل منّي) لم يقع إلّا في رواية واحدة موقوفة هي رواية السدّي الّتي استضعفها قبيل ذلك بل الأصل في ذلك كلمة الوحي الّتي أثبتتها معظم الروايات الصحيحة على بلوغ كثرتها، والروايات الأُخر المشتملة على قوله: (من أهل بيتي) وهو يستكثرها إنّما هي رواية أنس -على ما عثرنا عليها-وقد وقع في بعض ألفاظها قوله (من أهلي) مكان (من أهل بيتي).


 

الصفحة 171

 

والثاني: أنّ الرواية -كما اتّضح لك-منقولة بالمعنى، ومع ذلك لا يصلح ما وقع فيها من بعض الألفاظ لتفسير ما اتّفقت عليه معظم الروايات الصحيحة الواردة من طرق الفريقين من لفظ الوحي المنقول فيها.

على أنّ قوله: (من أهل بيتي) في هذه لو صلح لتفسير ما وقع في سائر الروايات من لفظ (رجل منك) أو (رجل منّي) لكان الواقع في رواية أبي سعيد الخدريّ السابقة من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (يا عليّ إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو أنت) مفسّراً لما في رواية أنس: (إلاّ رجل من أهل بيتي) أو (إلّا رجل من أهلي) وما في سائر الروايات: (إلاّ رجل منك) أو (إلّا رجل منّي).

فيعود هذه الألفاظ كناية عن شخص عليّ عليه السلام، بل الكناية بما لها من المعنى مشيرة إلى أنّه من نفس النبيّ (ص) ومن أهله ومن أهل بيته جميعاً، وهذا عين ما فرَّ منه وزيادة.

والثالث: أنّ استفادة كونه عليه السلام بمنـزلة نفسه صلّى الله عليه وآله وسلّم ليست بمستندة إلى مجرّد قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (رجل منّي) كما حسبه فإنّ مجرّد قول القائل: فلان منّي لا يدلّ على تنـزيله منـزلته في جميع شؤون وجوده ومماثلته إيّاه، وإنّما يدلّ على نوع من الاتّصال والاتّباع كما في قول إبراهيم عليه السلام: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي) سورة إبراهيم: الآية 36 إلّا بنوع من القرينة الدالّة على عناية كلاميّة كقوله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).

بل إنّما استفيد ذلك من قوله: (رجل منّي) أو (رجل منك) بمعونة قوله: (لا يؤدّي عنك إلاّ أنت) على البيان الّذي تقدّم وعلى هذا فلو كان هناك قوله: (لا يؤدّي عنّي إلاّ رجل من أهلي أو رجل من أهل بيتي) لاستفيد منه عين ما استفيد من قوله:(لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك) وقوله: (لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي) مضافاً (1) إلى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم عدّه منه في خطابه أبا بكر وهو أيضاً منه بالاتّباع.

____________________

(1) وفي رواية الحاكم الآتيه عن مصعب بن عبد الرحمان عن أبيه عنه صلى الله عليه وآله فيما قاله لأهل الطائف: (والذي نفسي بيده لتقيمنَّ الصلاة ولتؤتنَّ الزكاة أو لابعثنّ عليكم رجلاً منّي أو كنفسي) فرأي الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر فأخذ بيد عليّ فقال: (هذا)، دلالة على هذا الفهم من جهة ما فيها من الترديد.


 

الصفحة 172

 

والرابع: أنّه أهمل في البحث الروايات الصحيحة المستفيضة أو المتواترة الّتي تدلّ على أنّ أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هم: عليٌّ وفاطمة والحسنان على ما تقدّم في أخبار آية المباهلة وسيجيء معظمها في أخبار آية التطهير إن شاء الله تعالى.

ولا رجل في أهل بيته صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ عليّ عليه السلام فيؤول الأمر إلى كون اللفظ كناية عن عليّ عليه السلام فيرجع إلى ما تقدّم من الوجه.

وأمّا ما احتمله من المعنى فهو أنّ المراد بأهل بيته عامّة أقربائه من بني هاشم أو بنو هاشم ونساؤه فينـزّل اللفظ منـزلة عاديّة من غير أن يحمل شيئاً من المزيّة، والمعنى لا يؤدّي نبذ العهد عنّي إلاّ رجل من بني هاشم، والقوم يرجعون غالباً في مفاهيم أمثال هذه الألفاظ إلى ما يعطيه العرف اللغويّ في ذلك من غير توجّه إلى ما اعتبره الشرع، وقد تقدَّم نظير ذلك في معنى الابن والبنت حيث حسبوا أنّ كون ابن البنت إبناً للرجل وعدمه مرجعه إلى بحث لغويّ يعيّن كون الإبن يصدق بحسب الوضع اللغويّ على ابن البنت مثلاً أو لا يصدق عليه، وجميع ذلك يرجع إلى الخلط بين الأبحاث اللفظيّة والأبحاث المعنويّة، وكذا الخلط بين الأنظار الاجتماعيّة والأنظار الدينيّة السماويّة على ما تقدّمت الإشارة إليه.

وأعجب من الجميع قوله: وهذا النصّ الصريح يبطل تأويل كلمة (منّي) فإنّ مراده بدلالة السياق أنَّ كلمة (من أهل بيتي) نصّ صريح من أنّ المراد برجل منّي رجل من بني هاشم ولا ندري أيّ نصوصيّة أو صراحة لكلمة (أهل البيت) في بني هاشم بعد ما تكاثرت الروايات أنَّ أهل بيت النبي (ص) هم عليّ وفاطمة والحسنان عليهم السلام ثمّ قوله: (أهل بيتي) بمعنى بني هاشم أنَّ المراد بكلمة (منّي) هو ذلك!!

وفي تفسير العيّاشي عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) قال: عشرين من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشراً من ربيع الآخر.

وجاء في الميزان ج 9 ص 184 قال:


 

الصفحة 173

 

وفي تفسير العيّاشي عن حكيم بن جبير عن عليّ بن الحسين عليه السلام في قوله تعالى (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ) قال: [الأذان أمير المؤمنين عليه السلام].

أقول: وروي هذا المعنى أيضاً عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام، وعن جابر عن جعفر بن محمّد وأبي جعفر عليهما السلام، ورواه القميّ عن أبيه عن فضالة عن أبان بن عثمان عن حكيم بن جبير عن عليّ بن الحسين عليه السلام قال: وفي حديث آخر قال: [كنت أنا الأذان في الناس]، ورواه الصدوق أيضاً بإسناده عن حكيم عنه عليه السلام ورواه في الدرّ المنثور عن ابن أبي حاتم عن حكيم بن حميد عن عليّ بن الحسين عليه السلام وقال (السيد هاشم البحراني) في تفسير البرهان: قال السدّي وأبو مالك وابن عبّاس وزين العابدين: [الأذان هو عليّ بن أبي طالب فأدّي به].

أخرج الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنـزيل: ج 1 ص 364 في الرقم 315 قال:

حدّثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ - قراءة وأملاه - قال: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمّد بن عقبة الشيباني - بالكوفة - قال: حدّثنا الحسين بن الحكم الحبري قال: حدّثنا عفّان.

 قال: وأخبرنا أبو علي السجستاني قال: أخبرنا أبو علي الرفاء، قال: أخبرنا عليّ بن عبد العزيز - بمكّة - قال: حدّثنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن سماك، عن أنس:

أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث براءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة، فلمّا أن قفا[ه] دعاه فبعث عليّاً، وقال: [لا يبلّغها إلاّ رجل من أهلي].

(وساقاه) لفظاً واحداً إلاّ ما غيّرت.

قال الحاكم: تفرّد به حمّاد عن سماك، وعنه ضويمرة.

وجاء في الرقم 318 من شواهد التنـزيل ج 1 ص 366 ط 3 -للحاكم الحسكاني-قال:

أخبرنا أبو عبد الله الجرجاني قال: أخبرنا أبو طاهر السلمي قال: أخبرنا جدّي أبو بكر، قال: حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا حمّاد، عن سماك عن أنس:

أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلمّا بلغ ذاالحليفة قال: [لا يؤذّن بها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي]، فبعث بها عليّاً.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة