الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 240

عن ابن عباس وقيل نلتعن فنقول لعن الله الكاذب (فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) منّا وفي هذه الآية دلالة على أنَّهم علموا أنَّ الحقّ مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لانّهم امتنعوا عن المباهلة وأقرّوا بالذّل والخزي لقبول الجزية فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال، ولو لم يكن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم متيقناً بنزول العقوبة بعدوّه دونه لما أدخل أولاده وخواصّ أهله في ذلك مع شدّة إشفاقه عليهم.

سورة آل عمران الآية 68

(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمنوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)

أورد أبو العباس القلقشندي الشافعي في موسوعته(1):

رسالة الإمام علي عليه‌السلام إلى معاوية بن أبي سفيان مندداً فيها لمعاوية وذاكراً فيها بعض خصائص فضيلته ومنزلته وما يقابلها من رذائل معاوية وآثامه وسوء فعاله وما هم عليه آل أبي سفيان، ومما جاء في الرسالة: [ وكتاب الله يجمع لنا ماشذّ عنّا وهو قوله سبحانه وتعالى ]: (وَأُولُو الْأَرْ‌حَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّـهِ).

وقوله تعالى:

(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمنوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ).

[فنحن مرَّة أولى بالقرابة وتارة أولى بالطاعة].

وجاء في شرح نهج البلاغة لـعبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي: ج 3 ص 447 طبعة بيروت، رسالة الإمام علي عليه‌السلام.

وقد أورد هذه الرسالة للإمام علي عليه‌السلام، شهاب الدين النويري في نهاية الأدب: ج 7، ص 233.

وكذلك أيضاً فقد أوردها أبو محمّد أحمد بن أعثم الكوفي في كتابه، الفتوح: ج 2 ص 961.

____________________

(1) الموسومة الكبيرة - صبح الأعشى - في ج 1 ص 229.


 

الصفحة 241

 

ولهؤلاء الذين أوردوا رسالة الإمام عليّ عليه‌السلام، إختلاف ببعض الألفاظ أو الجمل لكنَّ المضمون واحد.

وروى الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق المعروف بأبي نعيم الاصبهاني في حلية الأولياء (1) من ترجمة أمير المؤمنين الإمام علي عليه‌السلام قال:

حدّثنا: محمّد بن عمر بن غالب، حدّثنا: محمّد بن أحمد بن أبي خيثمة قال: حدّثنا: عباد بن يعقوب، حدّثنا موسى بن عثمان الحضرمي، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: [ما أنزل الله آية فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلّا عليٌّ رأسها وأميرها].

وقد أخرج نور الدين علي بن إبراهيم الحلبي الشافعي في سيرته المسمّاة (إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون) عن ابن عباس، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: [عليّ منّي مثل رأسي من بدني](1).

وهذا نظير الحديث النبويّ الشريف الذي رواه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (3) عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول:

[ كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله يُسبّح الله ذلك النّور ويقدّسه قبل أن يُخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله آدم َركز ذلك النّور في صلبه فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقنا في صلب عبد المطّلب فجزء أنا وجزء عليّ ].

سورة آل عمران الآية 103

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)

روى الحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل (4) قال:

____________________

(1) حلية الأولياء: ج 1 ص 65.

(2) السيرة الحلبيّة: ج 1 ص 34.

(3) كفاية الطالب: ص 176.

(4) شواهد التنزيل: ج 1 ص 201 الحديث 179.


 

الصفحة 242

 

حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم الفارسي قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي، قال: حدّثنا حمزة بن محمّد العلوي، قال: أخبرنا علي بن إبراهيم (عن أبيه)، عن عليٍّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن عليٍّ بن موسى الرضا، (عن أبيه )، عن آبائه عن عليٍّ عليهم‌السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: [من أحبَّ أن يركب سفينة النجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين فليوال عليّاً وليأتمّ بالهداة من ولده ].

وروى الشيخ الصدوق الحديث في آخر المجلس 5 من كتابه أمالي الشيخ الصدوق ص 17 [فليوال عليّاً بعدي وليعاد عدوّة وليأتمَّ بالهداة من ولده ].

وكذلك روى السيد البحراني في الباب 36 من كتابه غاية المرام ص 242 بأربع طرق.

وكذلك روى فرات بن إبراهيم في تفسير الآية الكريمة في الحديث 39 وتواليه من تفسيره ص 14.

وروى الحافظ الحسكاني في الحديث 180 من شواهد التنزيل: ج 1 ص 202.

قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الصوفي قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى بن أحمد الجلودي قال: حدّثني محمّد بن سهل، قال: حدّثنا عبد العزيز بن عمرو، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين العرني قال: حدّثنا يحيى بن علي الربعي، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّد قال: [نحن حبل الله الّذي قال الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا) الآية، فالمتمسّك بولاية عليّ بن أبي طالب المستمسك بالبرّ فمن تمسَّك به كان مؤمناً، ومن تركه كان خارجاً من الإيمان ].

وأورد الحافظ الحاكم الحسكاني الحديث 181 من ص 202 من شواهده ج 1.

قال: وأخبرونا عن أبي بكر محمّد بن الحسين بن صالح السبيعي - في تفسيره - قال: حدّثنا علي بن العباس المقانعي قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن حسين قال: حدّثنا حسن بن حسين قال: حدّثنا يحيى بن علي، به سواء إلى (قوله) (وَلَا تَفَرَّقُوا) وولاية علي، من استمسك به كان مؤمناً، ومن تركه خرج من الإيمان.


 

الصفحة 243

 

وروى الحافظ الحسكاني الحديث 182 في شواهد التنزيل: ج 1 ص 202 قال:

وبه حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا أبو حفص الصائغ:

عن جعفر بن محمّد في قوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا).

قال: [نحن حبل الله].

وروى هذا الحديث أيضاً الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق المعروف بأبي نعيم الاصبهاني عند تفسيره لآية الكريمة في كتابه (ما نزل من القرآن في عليّ). وكذا فقد رواه عنه ابن البطريق في الفصل (15) من كتاب خصائص الوحي المبين: ص 183 ط 2 قال:

حدّثنا محمّد بن عمر بن سالم، قال: حدّثنا أحمد بن زياد بن عجلان: قال: حدّثنا جعفر بن علي بن نجيح، قال: حدّثنا حسن بن حسين العرني، قال: حدّثنا أبو حفص الصائغ قال: سمعت جعفر بن محمّد يقول في قوله عزّ وجلّ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) قال: [نحن حبل الله].

ورواه الشيخ الطوسي في الحديث 51 من الجزء العاشر من أماليه: ج 1، ص 278 قال:

أخبرنا أبو عمر، قال: حدّثنا أحمد (بن محمّد بن سعيد بن عقدة) قال: حدّثنا جعفر بن علي نجيح الكندي قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا أبو حفص الصائغ - قال أبو عباس: هو عمر بن راشد أبو سليمان: عن جعفر بن محمّد عليهما‌السلام في قوله (تعالى): (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) وفي قوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) قال: [نحن حبل الله].

ورواه أيضاً الثعلبي من تفسير الآية الكريمة من تفسير (الكشف والبيان): ج 1/الورق/ قال:

وأخبرني عبد الله بن محمّد بن عبد الله، حدّثنا عثمان بن الحسن، حدّثنا جعفر بن محمّد بن أحمد، حدّثنا حسن بن حسين، حدّثني يحيى بن علي الربعي عن أبان بن تغلب:

عن جعفر بن محمّد عليهما‌السلام قال: [نحن حبل الله الّذي قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)].


 

الصفحة 244

 

وأورد السيد البحراني في كتابه غاية المرام ص 242 نقلاً عن كتاب (المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة ) لأبي عبد الرحمان عبد الله بن أحمد بن حنبل - إمام الحنابلة -، رواية عن ابن المبارك بن مسرور، وبإسناده عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: كنَّا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذ جاء أعرابيّ فقال يا رسول الله سمعتك تقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ) فما الحبل المتين الذي نعتصم به؟

فضرب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم - يده في يد عليّ وقال:

[تمسّكوا بهذه، فهذا هو الحبل المتين ].

وروى العلّامة القميّ في سفينة البحار: ج 1 ص 193 عن الزمخشري صاحب التفسير بإسناده عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

قال: [فاطمة مهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمّة من ولدها أمناء ربّي، حبل ممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلّف عنهم هوى ].

وأخرج الكثير من الحفّاظ والرواة والمفسِّرين أحاديثاً تصب في هذا المعني، ومنهم سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودّة ص (118-119)، وابن حجر الهيثمي الشافعي في كتابه الصواعق المحرقة ص 93 والعالم الحنفي محمّد الصبّان المصري (1) والشبلنجي الشافعي في كتاب نور الأبصار، والسمهودي في آخر التنبيه الثالث من الذكر 3 من القسم الثاني من جواهر العقدين 2/الورق 89/ب /.

وكذلك إنّ السيد الفيروز آبادي قد أورد في كتابه فضائل الخمسة: ج 2 ص 77 طبعة بيروت، والآلوسي في تفسيره، روح المعاني: ج 4 ص 16.

وقد أورد الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 1 ص 204 من الحديث 183 قال:

____________________

(1) إسعاف الراغبين: بهامش نور الأبصار: ص 118 طبعة دار الفكر.


 

الصفحة 245

 

حدّثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ جملة، قال: حدّثني عبد العزيز ين نصر الأموي، قال: حدّثنا سليمان بن أحمد الحمصي، قال: حدّثنا أبو عمارة البغدادي، قال: حدّثنا عمر بن خليفة أخو هوذة، قال: حدّثنا عبد الرحمان بن أبي بكر المليكي قال: حدّثنا محمّد بن شهاب الزهري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قال لي جبرئيل: قال الله تعالى: [ولاية عليّ بن أبي طالب حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي].

وأخرج الإمام أحمد بن حنبل كما ورد في (إسعاف الراغبين) بهامش نور الأبصار ص 119 وذلك من قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: [إنّي أوشك أن أدعى فأجيب وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من الأرض إلى السماء، وعترتي أهل بيتي، وأنَّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة، فانظروا بما تخلّفوني فيهما ].

وأورد الحافظ رضي الدين رجب بن محمّد بن رجب البرسي الحلي. في كتابه الدرّ الثمين، خمسمائة آية نزلت في أمير المؤمنين عليه‌السلام ص 66 قال:

ثم جعله الحبل المتين وأمر الناس بالاعتصام (به) فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) قال ابن عباس: حبل الله المتين، عليّ أمير المؤمنين عليه‌السلام ولا تفرّقوا عنه. وورد هذا المضمون في بحار الأنوار: ج 36 ص 18، وكذلك في كشف الغمّة: ج 1 ص 317.

وروى ابن حجر الهيثمي في كتابه الصواعق المحرقة ص 151 قال:

الآية الخامسة في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق عليه‌السلام انّه قال: [نحن حبل الله الذي قال فيه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)].

وروى السيوطي في تفسيره الدرّ المنثور: ج 5 ص 382 قال: عند تفسيره للآية في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا). وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: [ إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي وأنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض].


 

الصفحة 246

 

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم، فذكر قريباً ممّا تقدّم عنه، وفي آخره! [ فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تعلّموهما فإنّهما أعلم منكم ].

ثمَّ قال: وأخرج ابن سعد، وأحمد، والطبراني عن أبي سعيد الخدري فذكر قريباً ممّا رواه البغوي عن زيد بن أرقم في الحسان.

سورة آل عمران الآية (106-107)

(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿١٠٦﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

لقد أخرج الحافظ رضي الدين رجب بن محمّد بن رجب البرسي الحلّي، في كتابه خمسمائة آية نزلت في أمير المؤمنين عليه‌السلام، ص 66 قال:

ثم جعل من والاه أبيض (الوجه) من نعته ومن عاداه أسود الوجه، فقال: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) بولاية عليّ عليه‌السلام (وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) ببغضه (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) كفرتم بعليّ عليه‌السلام بعدما آمنتم بولايته يوم الغدير وأعطيتموه الميثاق.

يؤيّد هذا التفسير ما أخرجه القاضي في كتاب الظلامة الفاطميّة بإسناده عن أبي ذر في قوله عزّ وجلّ: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) في حديث الآيات قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم [تحشر أمّتي على خمس رايات يوم القيامة، راية مع عجل هذه الأمّة فأقول ما فعلتم بالثقلين؟ فيقولون: أمّا الأكبر فمزّقناه وحرّفناه، وأمّا الأصغر فأبغضناه وعاديناه، فأقول ردّوا ظماءً مظمئين مسوّدة وجوهكم.

ثمَّ ترد عَليَّ راية فرعون هذه الأمّة فاسألهم ما فعلتم بالثقلين بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه وعصيناه وأمّا الأصغر فقتلناه وعاديناه، فأقول ردّوا ظماء مظمئين مسوّدة وجوهكم.

ثمَّ ترد عَليَّ رايات سامري هذه الأمّة فأقول ما فعلتم بالثقلين بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فخالفناه وعصيناه وأمّا الأصغر فقتلناه وعاديناه، فأقول ردوا ظماء مظمئين مسوّدة وجوهكم.


 

الصفحة 247

 

ثمَّ ترد عَليَّ راية ذي الثدية معها رؤوس الخوارج وآخرهم، فأقوم فآخذ بيده فترجف قدماه وتسوّد وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما فعلتم بالثقلين فيقولون: أمّا الأكبر فمزّقناه وأمّا الأصغر فقتلناه، فأقول ردّوا ظماء مظمئين مسوّدة وجوهكم.

ثمَّ ترد عَليَّ راية إمام المتّقين وخاتم الوصيّين وسيّد المؤمنين فأسألهم ما فعلتم بالثقلين بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فأطعناه واتّبعناه وأمّا الأصغر فوازرناه ونصرناه حتّى أهرقت دماؤنا، فأقول: ردُّوا رواءً مرويّين مبيّضة وجوهكم.

ثمَّ بشَّر شيعته والموفين بعهده عليه‌السلام فقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ) قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يا عليّ شيعتك بيض الوجوه يوم القيامة لا يمسّهم سوء، مغفور لهم ذنوبهم على ما بهم من عيوب وذنوب، وأنت قائد الغرّ المحجّلين إلى الجنّة ].

ثمَّ جعل اتّباع عليّ عليه‌السلام رضوانه واتّباع أعدائه سخطه فقال: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ)(1) وهو حب عليّ عليه‌السلام (كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللهِ)(2).

روى العلّامة الزمخشري المعتزلي في تفسيره الكشّاف، عند قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) قال:

وعن أبي أمامة: هم الخوارج [الّذين خرجوا بالسيف على عليّ ابن أبي طالب ]

ولما رآهم (أبو أمامة) على درج دمشق دمعت عيناه ثمّ قال: كلاب النّار، هؤلاء شرّ قتلى تحت أديم السّماء.

وخير قتلى تحت أديم السماء الّذين قتلهم هؤلاء [وهم أصحاب عليّ بن أبي طالب].

فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟

قال: بل سمعت من رسول الله غير مرّة.

____________________

(1) سورة آل عمران: الآية 162.

(2) سورة آل عمران: الآية 162.


 

الصفحة 248

 

وأراد بقوله سمعت من رسول الله غير مرّة، بأنَّ أصحاب عليّ (عليه‌السلام) والّذين قتلهم الخوارج كانوا هم الّذين ابيضت وجوههم، وأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الذي قال أكثر من مرّة أنَّ الخوارج هم الّذين اسوّدت وجوههم.

وروى العلّامة محمّد بن يوسف بن محمّد البلخي؛ عن عبد الله بن زيد عن أبيه، أنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:

[من أحبّ أهل بيتي بورك في أجله، وأن يمتع بما خوله الله، فيخلِّفني في أهل بيتي خلافة حسنة، فمن لم يخلّفني فيهم بتُر عمره وورد عليّ يوم القيامة مسودّاً وجهه ](1)

وجاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي المجلد الأوّل ط دارإحياء التراث العربي بيروت، ص 485.

قال الشيخ الطبرسي فيمن عناهم الله (اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ): أنَّهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمّة، (فـ) عن عليٍّ عليه‌السلام ومثله عن قتادة، أنّهم الذين كفروا بالارتداد ويروى عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: [ والّذي نفسي بيده ليردّن عليّ الحوض ممن صحبني أقوام حتّى إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولنَّ: أصحابي أصحابي أصحابي فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعد إيمانهم، ارتدّوا على أعقابهم القهقرى]ٍ، ذكره الثعلبي في تفسيره فقال أبو أمامة الباهلي هم الخوارج، ويروى عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم [أنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة.] والألف في أكفرتم أصله الاستفهام والمراد به هنا التقريع أي لمَ كفرتم وقيل المراد التقرير أي قد كفرتم (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون).

سورة آل عمران الآية 112

(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ)

أورد الحافظ رجب بن محمّد رجب البرسي الحلي، في كتابه الموسوم خمسمائة آية نزلت في أمير المؤمنين، في ص 69 في بيان عن الآية 112 قال:

____________________

(1) مناقب البلخي: ص 8.


 

الصفحة 249

 

ثمَّ جعل من خالفه (أي علي) عليه‌السلام مضروباً عليه بالذلة فقال: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ). قال ابن عباس: الذين جحدوا آل محمّد عليهم‌السلام حقَّهم (إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ) قال ابن عباس: حبل من الله القرآن، وحبل من الناس عليّ عليه‌السلام.

وقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لما رجع من أحد [يا عليّ أنت أوّل هذه الامّة إيماناً بالله ورسوله وأوّلهم هجرة إلى الله ورسوله وآخرهم عهداً برسوله، لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق. ]

روى السيد هاشم البحراني في كتاب غاية المرام (1) قال:

عن محمّد بن إبراهيم النعماني في: كتاب الغيبة من طريق النصاب قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقمر الطبراني - وهو من النصاب – (بإسناده المذكور) عن مولى عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

وفد على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أهل اليمن فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم:

[جاءكم أهل اليمن يلبسون لبسيساً، فلمّا دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: قوم رقيقة قلوبهم، راسخ إيمانهم، منهم المنصور، يخرج في سبعين ألفاً ينصر خَلَفي وخَلَف وصييّ حمايل سيوفهم المسك.

فقالوا يا رسول الله ومن وصيّك؟

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هو الذي أمركم الله بالاعتصام به فقال عزّ وجلّ:

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (2)

فقالوا: يا رسول الله بيّن لنا ما هذا الحبل؟

فقال: صلّى الله عليه وآله وسلّم: هو قول الله: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ)

فالحبل من الله كتابه، والحبل من النّاس وصييّ

____________________

(1) غاية المرام: ص 242.

(2) آل عمران: الآية 103.


 

الصفحة 250

 

فقالوا: يا رسول الله ومن وصيّك؟

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هو الذي أنزل الله فيه: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ)(1)

فقالوا يا رسول الله وما جنب الله هذا.

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هو الذي يقول الله فيه:

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)(2)

فقالوا: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ أرناه، فقد اشتقنا إليه.

فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هو الذي جعله آية للمتوسمين فإن نظرتم إليه نظر من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، عرفتم أنّه وصييّ، كما عرفتم أنّي نبيّكم، فتخللوا الصفوف وتصفّحوا الوجوه، فمن أهوت إليه قلوبكم فإنّه هو، لأن الله جلّ وعزّ يقول في كتابه: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)(3) (يعني) إليه ذريّته.

ثمَّ قال (جابر بن عبد الله الأنصاري): فقام أبو عامر الأشعري في الأشعريين، وأبو غرّة الخولي في الخولانيين، وظبيان وعثمان بن قيس وعرثة الدوسي في الدوسيين ولاحق بن علاقة، فتخللوا الصفوف وتصفّحوا الوجوه، وأخذوا بيد الأصلع البطين، وقالوا: إلى هذا أهوت أفئدتنا يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنتم نخبة الله حين عرفتم وصيّ رسول الله قبل أن تعرفوه، فبم عرفتم أنّه هو؟

____________________

(1) الزمر: الآية 56.

(2) سورة الفرقان: الآية 27.

(3) سورة إبراهيم: الآية 37.


 

الصفحة 251

 

فرفعوا أصواتهم يبكون، وقالوا يا رسول الله نظرنا إلى القوم فلم نبخس، ولما رأيناه رجفت قلوبنا، ثمّ اطمأنت نفوسنا، فانجلست أكبادنا وهملت أعيننا وتبلجت صدورنا حتّى كأنّه لنا أب، ونحن عنده بنون.

فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)(1) أنتم منه بالمنزلة التي سبقت لكم بها الحسنى. وأنتم من النّار مبعدون. ]

فقال (جابر) فبقى هؤلاء القوم المسلمون حتّى شهدوا مع أمير المؤمنين الجمل، وصفِّين، فقتلوا بصفِّين - رحمهم الله- وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يبشّرهم بالجنّة وأخبرهم أنَّهم يستشهدون مع عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه.

سورة آل عمران الآية 144

(وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).

سورة آل عمران الآية 145

(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ).

سورة آل عمران الآية 146

(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).

أورد الحافظ عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 1 ص 210 في الحديث 189 قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: أخبرنا أبو بكر الجرجرائي قال: حدّثنا أبو أحمد البصري قال: حدّثني محمّد بن زكريّا الغلّابي قال: حدّثنا أيّوب بن سليمان قال: حدّثنا محمّد بن مروان، عن جعفر بن محمّد قال: قال ابن عباس:

ولقد شكر الله تعالى فعال عليّ بن أبي طالب في موضعين من القرآن:

(وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) و(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) (2)

____________________

(1) آل عمران: الآية 7.

(2) سورة آل عمران: الآية 145.

 
الصفحة 252

 

وروى ابن شهر آشوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنَّ المراد من (الشَّاكِرِينَ) عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام، كما في عنوان: (المسابقة باليقين والصبر) من كتاب مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 120 طبعة قم.

وكذلك فقد أورد الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: ج 1 ص 210 في الحديث 190 قال:

وفي التفسير العتيق، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الكوفي، عن موسى بن قيس، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة بن ناجذ السعدي، عن حذيفة بن اليمان قال:

لما التقوا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأُحد وانهزم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأقبل عليّ يضرب بسيفه بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع أبي دجانة الأنصاري حتّى كشف المشركين عن رسول الله، فأنزل الله (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) - إلى (قوله) - (وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ) عليّاً وأبا دجانة، وأنزل تبارك وتعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، والكثير عشرة آلاف، إلى (قوله): (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) عليّاً وأبا دجانة.

 وممّا يناسب المقام في جهاد الإمام علي عليه‌السلام في حياة النبيّ أو بعده، ما رواه جماعه كثيرة من الخاصّة والعامّة، وبما أورده ابن الأعرابي في معجم الشيوخ الورق/71/ب/ قال:

أنبانا محمّد بن الحسين بن أبي الحنين الكوفي، أنبانا عمرو - أظنّه ابن حماد - أنبأنا أسباط - يعني ابن نصر - عن سمّاك، عن عكرمة، عن ابن عباس (قال:)

إنّ عليّاً كان يقول في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ الله يقول: [(أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) والله لا انقلبنا (كذا) على أعقابنا بعد أن هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنَّ على ما قاتل عليه حتّى أموت، والله إنّي لأخوه ووليّه وابن عمّه ووارثه فمن أحقّ به منّى].

وروى أحمد بن حنبل في فضائل أهل البيت من كتاب فضائل الصحابة في الحديث 235 ص 160 قال:

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة