الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

الصفحة 205

قالوا: لماّ قدم صهيب من نجران وفيهم الأسقف والعاقب وأبو حبش والسيّد وقيس وعبد المسيح وابن عبد المسيح الحرث وهو غلام -وقال شهر بن حوشب- وهم أربعون أحباراً حتّى وقفوا على اليهود في بيت المدارس فصاحوا بهم: يا ابن سوريا يا كعب بن الأشرف أنزلوا يا أخوة القرود والخنازير، فنزلوا إليهم فقالوا لهم: هذا الرجل عندكم منذ كذا وكذا سنة، أحضروا الممتحنة غداً.

فلمّا صلّى النبيّ صلّى الله عليه (وآله) الصبح قاموا فركبوا بين يديه ثمّ تقدّمهم الأسقف فقال: يا أبا القاسم، موسى، من أبوه؟ قال عمران، قال: يوسف، من أبوه؟ قال يعقوب، قال: فأنت من أبوك؟

قال: أبي عبد الله بن عبد المطّلب، فسكت رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم فانقضَّ عليه جبرئيل عليه‌السلام وقال: (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) فتلاها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فرأى الأسقف مغشياً عليه، ثمّ رفع رأسه إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم،

فقال: أتزعم أنَّ الله جلّ وعلا أوحى إليك أنّ عيسى خلق من تراب؟ ما نجد هذا فيما أوحي إليك ولا نجده فيما أوحي إلينا، ولا يجده هؤلاء اليهود فيما أوحي إليهم فأوحى الله تبارك وتعالى إلى النبيّ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فقالوا: أنصفتنا يا أبا القاسم فمتى نباهلك؟ فقال: بالغداة، إن شاء الله تعالى.

وانصرف النصارى وانصرفت اليهود وهي تقول: والله لا نبالي أيّهما أهلك الله الحنفيّة أو النصرانيّة. فلمّا صارت النصارى إلى بيوتها قالوا: والله إنّكم لتعلمون أنّه نبيّ ولئن باهلناه إنّا لنخشى أن نهلك ولكن استقيلوه لعلّه يقيلنا.


 

الصفحة 206

 

وغدا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من الصبح وغدا معه بعليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم فلمّا صلّى الصبح انصرف فاستقبل الناس بوجهه ثمّ برك باركاً وجاء بعليّ فأقامه بين يديه وجاء بفاطمة فأقامها بين كتفيه وجاء بحسن فأقامه عن يمينه وجاء بالحسين فأقامه عن يساره. فأقبلوا (النصارى) يستترون بالخشب والمسجد فرقاً أن يبدأهم بالمباهلة إذا رآهم حتّى بركوا بين يديه ثمّ صاحوا: يا أبا القاسم أقلنا أقالك الله عثرتك، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: نعم: ولم يسأل (أحد) النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً قطّ إلّا أعطاه فقال: قد أقلتكم.

فلمّا ولّوا قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: [أما والّذي بعثني بالحقّ، لو باهلتهم ما بقى على وجه الأرض نصرانيّ ولا نصرانيّة، إلّا أهلكهم الله تعالى].

وفي حديث شهر بن حوشب: أنّ العاقب وثب فقال أذكركم الله أن تلاعنوا هذا الرجل فو الله لئن كان كاذباً ما لكم من ملاعنته خير، ولئن كان صادقاً لا يحول الحول ومنكم نافع ضرمه، فصالحوه ورجعوا.

ورواه أيضاً الحاكم الحسكاني من كتابه شواهد التنزيل (1) قال:

أخبرنا جماعة منهم أبو الحسن أحمد بن محمّد بن سليمان بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو العباس الميكالي قال: حدّثنا عبدان الأهوازي قال: حدّثنا يحيى بن حاتم العسكري قال: حدّثنا بشر بن مهران، قال: حدّثنا محمّد بن دينار، قال: حدّثنا داود بن أبي هند. ثمّ ساق الحديث إلى آخره. وقال: ورواه عن يحيى بن حاتم أبو بكر ابن أبي داود، ثمّ ذكر له مصادر وأسانيد أخرى وكذلك رواه أيضاً ابن المغازلي في الحديث (310) من كتاب أمير المؤمنين ص 263 قال:

أخبرنا محمّد بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل الوراق أذناً، حدّثنا أبو بكر ابن أبي داود، حدّثنا يحيى بن حاتم العسكري...

وقال الثعلبي في تفسير الآية الكريمة من تفسيره: ج 1/الورق.

قال مقاتل والكلبي: لما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا له: حتّى نرجع وننظر في أمرنا نأتيك غداً.

____________________

(1) شواهد التنزيل: ج 1، ص 192، ط 3 الرقم (175).


 

الصفحة 207

 

فخلا بعضهم ببعض وقالوا للعاقب- وكان كبيرهم وذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟

فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنَّ محمّداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم. والله ما لاعن قوم قطّ نبيّاً فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم ذلك لتهلكنَّ. وإن أبيتم إلّا إلف دينكم و الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد غدا رسول الله محتضنا بالحسين وأخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ خلفها وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأمنّوا.

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزالة، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيٌّ إلى يوم القيامة.

قالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: فإن أبيتم المباهله فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم: فأبوا فقال:

إنّي أنابذكم. فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك في كل عام ألفي حلّة، ألفٌ في صفر وألفٌ في رجب.

فصالحهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على ذلك وقال: [والذي نفسي بيده أنّ العذاب قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولأضطرم الوادي عليهم ناراً، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله حتّى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى هلكوا].

وقريبا منه ذكره الشبلنجي في كتاب نور الأبصار (1)، والفخر الرازي من التفسير الكبير، والزمخشري في تفسير الكشاف، ثمّ قال الزمخشري: فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهله إلّا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء؟

قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه (اللدود) مع أحبّته وأعزّته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة.

____________________

(1) نور الأبصار: ص 100.


 

الصفحة 208

 

وخص الأبناء والنساء لانّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى يقتل، ومن ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الضغائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق.

وقدّمهم في الذكر على الأنفس، لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بانّهم مقدّمون على الأنفس!؟ مفدون بها.

وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء، وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لانّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك.

ورواه الترمذي في صحيحة، ورواه أبو مؤيّد الموفّق بن أحمد في كتاب فضائل عليّ.

 ورواه أيضاً أبو نعيم في الحلية عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقّاص، ورواه الحمويني في كتاب فرائد السمطين، وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان فقال: ما يمنعك أن تسبَّ أبا تراب قال: أمَّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلى الله عايه وسلم فلن أسبّه- لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم- سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول حين خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ: [يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي؟ وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً فأتى به أرمد العين فبصق في عينه، ودفع الراية إليه ففتح الله على يده، ولما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِلْ) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي].

وفي حلية الأولياء لأبي نعيم بإسناده عن عامر بن أبي وقّاص عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: [اللّهم هؤلاء أهل بيتي].


 

الصفحة 209

 

وفي حلية الأولياء أيضاً، بإسناده -أبو نعيم- عن الشعبي عن جابر قال: قدم على النبيّ صلّى الله عليه وآله، العاقب والطيّب فدعا هما إلى الإسلام فقالا: أسلمنا يا محمّد فقال: [كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام. قالا: فهات إلينا، قال: حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير]، قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فوعداه على أن يغادياه بالغداة فغدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأخذ بيد عليّ والحسن والحسين وفاطمة فأرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرّا له، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: [والذي بعثني بالحقّ لو فعلا لأمطر الله عليهما الوادي ناراً].

قال جابر: فيهم نزلت (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)، قال جابر: (وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) رسول الله وعلي (أَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين (وَنِسَاءَنَا) فاطمة.

ونورد هنا ما أخرج البيهقي في الدلائل - دلائل النبوّة - من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جدّه: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه سورة النمل (طس): [بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب. من محمّد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، إن أسلمتم فإنّي أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب. أمّا بعد: فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله، من ولاية العباد. فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد أُوذنتم بالحرب، والسلام]، فلمّا قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب النبيّ صلّى الله عليه وآله فقرأه، فقال له الأسقف: ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذريّة إسماعيل (اسمعيل) من النبوّة فما يُؤْمَن أن يكون هذا الرجل؟ ليس لي في النبوّة رأي، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه، وجهدت لك، فبعث الأسقف إلى واحدٍ بعد واحد من أهل نجران فكلّهم قالوا مثل قول شرحبيل. فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبّار بن فيض، فيأتون بخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.


 

الصفحة 210

 

فانطلق الوفد حتّى أتوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فسألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتّى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم [ما عندي فيه شيءٌ يومي هذا، فأقيموا حتّى أخبركم بما يقال في عيسى، صبح الغد]؛ فأنزل الله هذه الآية: (إنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَ‌ابٍ... إلى قوله: فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فأبوا أن يقرّوا بذلك.

فلمّا أصبح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنه، وله يومئذ عدّة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: إنّي أرى أمراً مقبلاً، إن كان هذا الرجل نبيّاً مرسلاً فلاعنّاه لا يبقى على وجه الأرض منّا شعر ولا ظفر إلّا هلك. فقالا له: ما رأيك؟

فقال رأيي أن أحكّمه فإنّي أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً، فقالا له: أنت وذاك، فتلقّى شرحبيل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: إنّي قد رأيت خيراً من ملاعنتك، قال: [وما هو]؟ قال أحكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فرجع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية.

وفيه أخرج ابن جرير عن علياء بن أحمر اليشكري، قال: لما نزلت الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) الآية أرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شابٌّ من اليهود: ويحكم أليس عهدتم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا فانتهوا.

وقال إبن طاووس في كتاب سعد السعود: رأيت في كتاب تفسير ما نزل من القرآن في النبيّ وأهل بيته، تأليف محمّد بن العباس بن مروان: أنّه روى خبر المباهلة من أحد وخمسين طريقاً عمّن سمّاهم من الصحابة وغيرهم، وعدّ منهم الحسن بن علي عليهما‌السلام، وعثمان بن عفّان وسعد بن أبي وقّاص وبكر بن سمال وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس وأبا رافع مولى النبيّ وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب وأنس بن مالك.


 

الصفحة 211

 

وأورد الشّوكاني في تفسيره فتح القدير(1) ما يلي: وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، عن جابر قال: قدم على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم العاقب والسيّد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلمنا يا محمّد فقال: [كذبتما، إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام. قالا: فهات، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: حبّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير]. قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأخذ بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين ثمّ أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرّا له، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: [والّذي بعثني بالحقّ، لو فعلا لأمطر الله عليهما الوادي ناراً]. قال جابر: فنزلت (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) الآية. قال جابر: (وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلي عليه‌السلام، (أَبْنَاءَنَا): الحسن والحسين، (وَنِسَاءَنَا): فاطمة عليه‌السلام.

ورواه أيضاً الحاكم من وجه آخر عن جابر وصححه، وفيه أنّهم قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هل لك نلاعنك؟

وأخرج مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقّاص قال: لما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا) دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً. فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم [اللّهم هؤلاء أهلي].

وذكر ابن كثير، في تفسيره: ج 1 ص 376 ثمّ قال تعالى آمراَ رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يباهل من عاند الحقّ من أمر عيسى بعد ظهور البيان: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) أي نحضرهم في حال المباهله (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي: نلتعن (فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: منّا ومنكم.

وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أوّل السورة إلى هنا في وفد نجران: أنّ النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجوّن في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوّة والإلهّية، فأنزل الله صدر(2) من هذه السورة ردّاً عليهم. كما ذكره الإمام محمّد بن إسحاق ابن يسار وغيره.

____________________

(1) فتح القدير: ج 1 ص 347.

(2) هكذا في الأصل، والصواب: صدر هذه السورة.


 

الصفحة 212

 

قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة (1) وغيره: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وفد نصارى نجران ستّون راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيّد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوَيس بن الحارث وزيد، وقيس، ويزيد وابناه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنَّسن، وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثةٍ منهم، وهم: العاقب. وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلّا عن رأيه، والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وصاحب مدارستهم، وكان رجلاً من العرب من بني بكر بن وائل ولكنّه تنصّر، فعظّمته الروم وملوكها وشرّفوه وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمون من صلابته في دينهم.

وقد كان يعرف أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وصفته وشأنه ممّا علمه من الكتب المتقدّمة، ولكن حمله ذلك على الاستمرار في النصرانيّة لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.

قال ابن إسحاق: وحدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير قال: قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلّى العصر، عليهم ثياب الحبرات، حبب وأردية في جمال رجال بني الحرث بن كعب، قال: يقول من رآهم من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما رأينا بعدهم وفداً مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: دعوهم.

 فصلّوا إلى المشرق، قال: فكلّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح والسيّد الأيهم، وهم من النصرانيّة على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة. تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيراً. وكذلك قول النصرانيّة، فهم يحتجّون في قولهم: هو الله، بأنّه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً، وذلك كلّه بأمر الله وليجعله الله آيةً للناس. ويحتجّون على قولهم بأنّه ابن الله، ويقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلّم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله. ويحتجّون على قولهم بأنّه ثالث ثلاثة، بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون لو كان واحداً ما قال إلّا فعلت وأمرت وخلقت وقضيت. ولكنّه هو وعيسى ومريم. تعالى الله وتقدّس وتنزّه عمّا يقول الظالمون والحاسدون علواً كبيراً، وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن.

____________________

(1) سيرة ابن هاشم: ج 1 ص 584.


 

الصفحة 213

 

فلمّا كلّمه الحبران قال لهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: [أسلما قالا: قد أسلمنا، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّكما لم تسلما. قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: كذبتما، يمنعكما من الإسلام إدّعاؤكما لله ولداً وعبادتكم الصليب، وأكلكما الخنزير]. قالا: فمن أبوه يا محمّد؟ (يعني عيسى) فصمت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عنهما فلم يجيبهما. فأنزل الله في ذلك قولهم واختلاف أمرهم من صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. ثمّ تكلّم ابن إسحاق على تفسيرها، إلى أن قال: فلمّا أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردّوا ذلك عليه. دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثمّ نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه فانصرفوا عنه. ثمّ خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أنّ محمّداً نبيّ مرسلٌ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قومٌ نبيّاً قطُّ فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنّه للاستئصال منكم إن فعلتم. فإن كنتم قد أبيتم إلّا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل ثمّ انصرفوا إلى بلادكم فأتوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألّا نلاعنك، و نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أمر الله لأنّكم عندنا رضا ً، قال محمّد بن جعفر: فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم [ائتوني العشيّة أبعث معكم القوي الأمين]، قال: فكان عمر بن الخطّاب يقول: ما أحببت الأمارة قطّ حتّى إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجراً، فلمّا صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الظهر سلّم، ثمّ نظر عن يمينه وعن يساره فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتّى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه فقال: أخرج معهم فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة.


 

الصفحة 214

 

ثمَّ ذكر ابن كثير ما رواه البخاري في هذا الموضوع. وما رواه البيهقي في (دلائل النبوّة) (1) وقال: فإنّ فيه فوائد كثيرة وفيه، غرابةٌ وفيه مناسبةٌ لهذا المقام، قال: قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل، قالا: حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار، حدّثنا يونس بن بكير، عن سلمه بن يشوع، عن أبيه عن جدّه، قال يونس، وكان نصرانياً فأسلم: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: [باسم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، من محمّد النبيّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإنّي أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب والسلام]، فلمّا أتى الأسقف الكتاب وقرأه فظع به وذعره ذعراً شديداً. (إلى أن بعثوا وفوداً إلى المدينة)... وهي رواية طويلة جدّاً.

ثم ذكر -ابن كثير - رواية ابن مردويه فقال: وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا أحمد بن داود المكّي، حدّثنا بشر بن مهران، حدّثنا محمّد بن دينار، عن داود ابن أبي هندٍ، عن الشعبي عن جابر قال: قدم على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم العاقب والطيّب فدعهما إلى الملاعنه. فواعده على أن يلاعناه الغداة. قال: فغدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخذ بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين، ثمّ أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرّا له بالخراج، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: [والذي بعثني بالحقّ لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً]. قال جابر: وفيهم نزلت. (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) قال جابر: (وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعليّ بن أبي طالب (أَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين (وَنِسَاءَنَا) فاطمة.

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه، عن عليِّ بن عيسى، عن أحمد بن محمّد الأزهري، عن عليِّ بن حجر، عن عليِّ بن مسهر، عن داود بن أبي هند، به بمعناه. ثمّ قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.

____________________

(1) دلائل النبوّة: ج 5 ص 385 دار الكتب العلميّة - بيروت.


 

الصفحة 215

 

وممن أورد المباهلة، الزمخشري:

قال في تفسيره (الكشّاف) (1) مفسّراً قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ) من النصارى (فِيهِ) في عيسى (مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي من البيّنات الموجبة للعلم. (فَقُلْ تَعَالَوْا) هلمّوا، والمراد المجيء بالرأي والعزم، كما نقول: نفكّر في هذه المسالة: (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) أي يدع كلّ مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة. إلى أن قال:

وروي إنَّهم لما دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتّى نرجع وننظر، فلمّا تخالفوا قالوا للعاقب، وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يامعشر النصاري أنّ محمّداً نبيّ مرسل، وقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيّاً قطُّ فعاش كبيرهم، ولانبت صغيرهم، ولئن قد فعلتم لتهلكنّ، فإن أبيتم إلّا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول الله وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ خلفها، وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: [إذا دعوت فأمّنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيٌّ إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لانباهلك وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: فإنّي أنابذكم. فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقةٌ. ولكن نصالحك على أن لا تغرونا ولا تخيفنا، ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك كل عام ألفي حلّة: ألف في صفر وألف في رجب. وثلاثين درعاً عاديّةً من حديد، فصالحهم على ذلك، وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم والذي نفسي بيده، أنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردةً وخنازير، ولا ضطرم عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على رؤؤس الشجر ولما حال الحول على النصارى حتّى يهلكوا].

وصاحب الكشّاف، وهو الذي ربّما خطّأ أئمّة القراءة في قراءتهم: حيث يقول في ذيل تفسير الآية: وفيه دليل -لا شيء أقوى منه- على فضل أصحاب الكساء عليهم‌السلام، وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، لانّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف: أنّهم أجابوا إلى ذلك. وجاء في تفسير الطبري: ج 3 ص 297-299 ط دار الكتب العلميّة - بيروت.

عن ابن عباس في قوله تعالى (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (2).

____________________

(1) الكشّاف: ج 1 ص 268 ط. قم.

(2) آل عمران: الآية 62.


 

الصفحة 216

 

إنّ الذي قلنا في عيسى هو الحقّ (وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا اللَّـهُ) الآية. فلمّا فصل -جلّ ثناؤه- بين نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين الوفد من نصارى نجران بالقضاء الفاصل والحكم العادل، أمره إن هم تولّوا عمّا دعاهم إليه من الإقرار بوحدانيّة الله، وأنّه لا ولد له ولا صاحبة، وأنّ عيسى عبده ورسوله.

وأبوا إلّا الجدل والخصومة. أن يدعوهم إلى الملاعنة، ففعل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلمّا فعل ذلك رسول الله إنخزلوا فامتنعوا من الملاعنة، ودعوا إلى المصالحة. كالذي حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا جرير، عن أبي مغيرة، عن عامر قال: فأمر - يعني النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بملاعنتهم - يعني بملاعنة أهل نجران- بقوله (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ).

فتواعدوا أن يلاعنوه، وواعدوه الغد. فانطلقوا إلى السيد والعاقب وكانا أعقلهم، فتابعاهم فانطلوا إلى رجل منهم عاقل. فذكروا له ما فارقوا عليه برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: ما صنعتم؟ وندّمهم وقال لهم: إن كان نبيّاً ثمّ دعا عليكم لا يغضبُه الله فيكم أبداً، ولئن كان ملكاً فظهر عليكم لا يستبقينّكم أبداً، وقالوا: فما لنا وقد واعدناه؟ فقال لهم: إذا غدوتم اليه فعرض عليكم الّذي فارقتموه عليه فقولوا: نعوذ بالله، فإن دعاكم أيضاً فقولوا له: نعوذ بالله: ولعلّه أن يعفيكم من ذلك، فلمّا غدوا، غدا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم محتضناً حسناً آخذاً بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه. فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالامس، فقالوا: نعوذ بالله، ثمّ دعاهم، فقالوا: نعوذ بالله مراراً. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: [فإن أبيتم فأسلموا ولكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين، فإن أبيتم فاعطوا الجزية عن يدً وأنتم صاغرون كما قال الله عزّ وجلّ. قالوا: ما نملك إلّا أنفسنا! قال: فإن أبيتم فإنّي أنبذ إليكم على سواء كما قال الله عزّ وجلّ.

قالوا: مالنا طاقةً بحرب العرب، ولكن نؤدّي الجزية. قال فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلّة. ألفاً في رجب وألفاً في صفر، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد آتاني البشير بهلكة أهل نجران. حتّى الطير على الشجر - أو العصافير على الشجر- لو تمّوا على الملاعنة].

وقال: حدّثنا ابن حميد. قال حدّثنا عيسى بن فرقد عن أبي الجارود، عن زيد بن علي في قوله تعالى: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ...) الآية.

قال: كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين.


 

الصفحة 217

 

وقال حدّثنا محمّد بن الحسين. قال حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال حدّثنا أسباط عن السُدّي (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) الآية.

فأخذ يعني النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد الحسن والحسين وفاطمة. وقال لعلّي: [أتبعنا] فخرج معهم، فلم يخرج يومئذ النصارى، وقالوا: إنّا نخاف أن يكون هذا هو النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وليس دعوة النبيّ كغيرها، فتخلّفوا عنه يومئذ فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لو خرجوا لاحترقوا فصالحوه على صلح: على أنّ له عليهم ثمانين ألفاً. فما عجزت الدراهم ففي العُرُوض، الحُلّة بأربعين. وعلى أنَّ له عليهم ثلاثاً وثلاثين درعاً وثلاثاً وثلاثين بعيراً، وأربعة وثلاثين فرساً غازية، كلّ سنة. وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ضامن لها حتّى نؤدّيها إليهم.

وقال: حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثنا ابن زيد قال: قيل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لو لاعنت القوم، بمن كنت تأتي حين قلت: أبناءنا وأبناءكم؟ قال: (الحسن والحسين). وقال: حدّثني محمّد بن سنان.

قال: حدّثنا أبو بكر الحنفي، قال: حدّثنا المنذر بن ثعلبة، قال: حدّثنا علباء بن أحمد الشكري، قال: لما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ) الآية. أرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم: فقال شابٌّ من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردةً وخنازير؟ لا تلاعنوا، فانتهوا.

وننقل فيما يلي ما أورده العلّامة السيد محمّد بن محمّد الحائري البحراني: قال في كتابه (خلفاء الرسول) (1) في قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) وذلك لظهور الولاية المسندة إلى الله سبحانه في الولاية العامّة المطلقة، وظهور تساوي المتعاطفات، في المعنى والحكم.

____________________

(1) خلفاء الرسول: ص 107.


 

الصفحة 218

 

وجه الدلاله: إتفّق المسلمون أجمعون على أنَّ هذه الآية الكريمة نزلت في وفد نصارى نجران. وأجمعوا أيضاً على أنّ المراد من لفظة (أَنفُسَنَا) غير الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وذلك لأن الإنسان لايدعو نفسه حقيقة، كما لا يكلّف نفسه حقيقة، فلا بدّ من تعدّد الدّاعي والمدعو وعدم اتحادهما. وتسالموا أيضاً على أنّ ذلك الغير هو عليّ بن أبي طالب ليس غير، فتكون الآية دالّة بوضوح على أنّ نفس عليّ نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا يجوز على هذا التقرير أن تكون نفس عليّ عين نفس الرسول لبداهة بطلانه.

بل المراد أنَّ نفس عليٍّ من نفس الرسول ونظيره، وما لهذا المعنى من ألفاظ وذلك يقتضي تساويهما في جميع الصفات على وجه العموم ليصبح التماثل. نترك الأخذ بهذا العموم في وصف النبوّة، لأنَّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم كان نبيّاً. وعليّ ليس بنبيّ على الاجماع والضرورة من الدين، وكذلك نترك الاخذ به في حقّ الفضل، لقيام الضرورة على أنّ النبيّ أفضل من عليٍّ. فيبقى الباقي تحت العموم، فهما مثلان في ما عدا هذين الأمرين بلا امتراء. فمن ذلك ما ثبت باجماع المسلمين أنَّ النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم أفضل من سائر الأنبياء بلا استثناء فيجب أن يكون نفس عليّ مثله.

ورواه أيضاً أحمد بن حنبل في الحديث 27 من باب فضائل الحسن والحسين عليهما‌السلام من كتاب الفضائل قال: حدّثني حسن - هو ابن موسى-، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن قال: جاء راهبا نجران إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال لهما رسول الله: أسلما تسلما فقالا: قد أسلمنا قبلك. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: كذبتما، منعكما من الإسلام ثلاث: سجودكما للصليب وقولكما: اتّخذ الله ولداً وشربكما الخمر، فقالا: فما تقول في عيسى؟ قال: فسكت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ونزل القرآن (ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ‌ الْحَكِيمِ)... إلى قوله (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) قال: فدعاهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الملاعنة. قال: فجاء بالحسن والحسين وفاطمة وأهله وولده قال: فلّما خرجا من عنده قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، قال: فرجعا فقالا: نقرّ بالجزية ولا نلاعنك، قال: فأقرّ بالجزية. ورواه بسنده، عنه الواحدي في تفسير الآية الكريمة من كتاب أسباب النزول (1).

وكذلك أخرج أبو الحسن الواحدي - المتوفّى سنة 468 في تفسيره للآية الكريمة من تفسيره الوسيط(2). قال:

____________________

(1) أسباب النزول: ص 74 ط 1.

(2) تفسيره الوسيط: ج 1 ص 444 طبعة دار الكتب العلميّة في بيروت.


 

الصفحة 219

 فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمه تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول: [إذا دعوت فأمنّوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألو الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تبتهلو ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة! ثمّ قبلوا الجزية وانصرفوا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي نفسي بيده أنّ العذاب قد تدلّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على الشجر، ولما حوّل الحول على النصارى حتّى هلكوا].

وأخرج الشيخ شهاب الدين السيويي ألاياتلوغي في تفسيره المخطوط: عيون التفاسير المعروف بـ (تفسير الشيخ) الصفحة الثانية /الورقة 67 قال:

(فَقُلْ تَعَالَوْا) أي: هلموا (نَدْعُ أَبْنَاءَنَا) أي حسناً وحسيناً (وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا) أي: فاطمة (وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا) أي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعليّاً زوج فاطمة رضي‌الله‌عنهما، (وَأَنفُسَكُمْ) يعني: لنجتمع نحن وأنتم في موضع واحد.

فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد خرج محتضناً الحسين أخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفه (رض) وهو يقول: [إذا أنا دعوت فأمّنوا].

وكذلك فإنّ الحافظ عبيد الله بن عبد الله الحاكم الحسكاني قد أورد من كتاب شواهد التنزيل(1)، قال:

____________________

(1) شواهد التنزيل: ج 1 ص 183 ط 3 الحديث 170.


 

الصفحة 220

 

حدّثني الحاكم الوالد -رحمه الله-، عن أبي حفص ابن شاهين في تفسيره، قال: حدّثنا موسى بن القاسم قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن هاشم قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أبو عبد الله محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي، عن عتبة بن جبيرة، عن حصين بن عبد الرحمان بن عمرو بن سعد بن معاذ قال:

قدم وفد نجران العاقب والسيّد، فقالا: يا محمّد، إنَّك تذكر صاحبنا؟ فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: [ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى ابن مريم، فقال النبيّ: هو عبد الله ورسوله. قالا: فأرنا فيمن خلق الله مثله وفيما رأيت وسمعت.

فأعرض النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عنهما يومئذ، ونزل (عليه) جبرئيل (بقوله تعالى): (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) (1) الآية.

فعادا وقالا: يا محمّد هل سمعت بمثل صاحبنا قطّ؟، قال: نعم. قالا: من هو؟ قال: آدم، ثمّ قرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إِنَّ مَثَلَ عِيـسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) الآية. قالا: فإنَّه ليس كما تقول، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ)(2).

فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد عليّ ومعه فاطمة وحسن وحسين فقال: هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا. فهمّا أن يفعلا.

 ثمّ إنَّ السيّد قال للعاقب: ما تصنع بملاعنته؟ لئن كان كاذباً ما تصنع بملاعنته، ولئن كان صادقاً لنهلكنّ!! فصالحوه على الجزية.

 فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يومئذ: والذي نفسي بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحد].

السيد هاشم في كتابه غاية المرام (3) أخرج هذا الحديث ورواه عن 19 طريقاً في الباب الثالث من المقصد 2 من غاية المرام.

وجاء في تفسير الجلالين: ج 1 ص 283 بهامش الفتوحات الإلهية قال:

____________________

(1) الآية: 59 من سورة آل عمران.

(2) الآية: 61 سورة آل عمران

(3) كتاب: غاية المرام ص 300.


 

الصفحة 221

 

وقد دعا - يعني، رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم - وفد نجران لذلك لما حاجّوه فيه، فقالوا: حتّى تنظر في أمرنا ثمّ نأتيك، ثمّ قال ذو رأيهم: لقد عرفتم نبوّته، وأنّه ما باهل قوم نبيّاً إلّا هلكوا، فوادعوا الرجل وانصرفوا.

فأتوه وقد خرج (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعليّ، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم: [إذا دعوت فامّنوا].

فأبوا - النصارى - أن يلاعنوا، وصالحوه على الجزية.

وأخرج أبو جعفر محمّد بن جعفر الطبري في تفسيره، جامع البيان في تفسير القرآن: ج 3 ص 213 قال:

حدّثني محمّد بن سنان، بإسناده المذكور، عن غلباء بن أحمد اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ) الآية الكريمة.

أرسل رسول اللهصلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود: ويلكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسُخوا قردة وخنازير، لا تلاعنوا فتنتهوا.

وكذلك أيضاً أورد الحديث 171 الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (1) قال:

حدّثنا محمّد بن أبي سعيد المقرئ قال: حدّثني أبو حامد أحمد بن الخليل - ببلخ - قال: حدّثنا أبو الأشعث قال: حدّثنا يزيد بن زريع، عن الكلبي، عن أبي صالح: عن ابن عباس (في) قوله (تعالى): (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ) فبلغنا - والله أعلم - أنَّ وفد نجران قدموا على نبي الله وهو بالمدينة ومعهم السيّد والعاقب وأبو حنس وأبو الحارث - واسمه عبد المسيح - وهو رأسهم وهو الأسقف. وهو يومئذ سادة أهل نجران، فقالوا: يا محمّد لم تذكر صاحبنا؟ - وساق نحوه إلى قوله: ونزل جبرئيل فقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ) - إلى قوله - (لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وساق نحوه إلى قوله: قالوا نلاعنك.

____________________

(1) شواهد التنزيل: ج 1 ص 185 ط 3.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة