الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 244
 

15
عمران بن الحصين الخزاعي


(...ـ 52هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. الميت يعذب ببكاء الحي.
2. خير القرون قرني.
3. أكثر أهل النار النساء.
4. كل ميسر لما خلق له.
عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يكنّى أبا نجيد، أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في سنة 7هـ، وله عدّة أحاديث، وغزا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقِّه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة، واستقضاه عبد اللّه بن عامر على البصرة فأقام قاضياً يسيراً ثمّ استعفى فأعفاه.
روى عنه الحسن وابن سيرين.
وقال الذهبي: وكان ممّن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع علي «عليه السلام».
أقول: ما ذكره الذهبي شنشنة أعرفها من كلّ من يكنّ العداء لاَهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم أمير الموَمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، كيف يصف الذهبي حروب علي مع الناكثين و القاسطين والمارقين فتنة، وقد


الصفحة 245

أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها؟!! روى أبو أيّوب الاَنصاري، قال: أمرني رسول اللّه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي. (1)
روى أبو سعيد الخدري: أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول اللّه، أمرتنا بقتال هوَلاء، فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر. (2)
روى عمّار بن ياسر، قال: أمرني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. (3)
قال الخطيب في تاريخه عن خليد العصري، قال: سمعت أمير الموَمنين علياً يقول يوم النهروان: أمرني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين. (4)
والروايات المروية عنه تحكي عن تعاطفه مع علي (عليه السلام) ولعلّه لم يشارك في الحروب، لعذر كالمرض كما يظهر ممّا نقله العلاّمة المجلسي في البحار.
توفي عمران سنة 52 في البصرة.
قال الذهبي: مسنده 180 حديثاً، اتّفق الشيخان له على تسعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بتسعة. (5)
وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 98 حديثاً. (6)
فلنذكر شيئاً من روائع رواياته، ثمّ نذكر ما عزي إليه وهي تخالف الاَُصول الصحيحة.
____________
1 . الاستيعاب: 3|53.
2 . البداية و النهاية:7|317.
3 . مجمع الزوائد: 7|238.
4 . تاريخ بغداد: 8|340؛ تاريخ ابن كثير: 7|305.
5 . سير أعلام النبلاء: 2|512؛ أُسد الغابة: 4|138.
6 . المسند الجامع: 14|206ـ 281 برقم 508.


الصفحة 246

روائع رواياته:
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن مطرّف، عن عمران بن حصين، قال: تمتّعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ينزل فيه القرآن، قال رجل برأيه ما شاء. (1)
وقد رواه مسلم أيضاً بطرق أُخرى عن عمران بن حصين، ومراده من «رجل» هو عمر بن الخطاب الذي نهى عنه كما رواه أحمد في مسنده. (2)
2. أخرج أحمد في مسنده عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كان له على رجل حق، فمن أخر، كان له بكلّ يومٍ صدقة. (3)
3. أخرج أبو داود في سننه عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من حلف على يمين مصبورة (4) كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار. (5)
4. أخرج النسائي في سننه، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة، قال: صحبت عمران بن حصين، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة اللّه فذلك للّه، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية اللّه فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين.(6)
5. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين: انّ امرأة من جهينة أتت نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبيّ اللّه أصبت
____________
1 . صحيح مسلم: 4|48،باب جواز التمتّع من كتاب الحج.
2 . مسند أحمد: 4|436.
3 . مسند أحمد: 4|442.
4 . المصبورة أي الزم بها وحبس عليها.
5 . سنن أبي داود: 3|220 برقم 3242؛ مسند أحمد:4|436.
6 . سنن النسائي: 7|28ـ 29، باب كفارة النذر.


الصفحة 247

حدّاً فأقمه عليَّ، فدعا نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وليّها، فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها، ففعل فأمر بها نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكَّت عليها ثيابها ثمّ أمر بها فرجمت ثمّ صلى عليها.
فقال له عمر: تصلّي عليها يا نبيّ اللّه وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للّه تعالى؟! (1)
6. أخرج أحمد، عن أبي الرجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرَّف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعد، فقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أنعم اللّه عزّ وجلّ عليه نعمة فانّ اللّه عزّوجلّ يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه، وقال الروح ببغداد... يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. (2)
7. أخرج الدارمي في سننه، عن الحسن، عن عمران بن حصين، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مقام الرجل في الصف في سبيل اللّه أفضل من عبادة الرجل ستين سنة. (3)
8. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي مراية، عن عمران بن حصين، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا طاعة في معصية اللّه تبارك و تعالى.(4)
9. أخرج الترمذي في سننه، عن مطرِّف بن عبد اللّه عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فمضى في السّريّة، فأصاب جارية،
____________
1 . صحيح مسلم:5|130، باب من اعترف على نفسه بالزنا.
2 . مسندأحمد: 4|438.
3 . سنن الدارمي: 2|202، باب في مقام الرجل في سبيل اللّه.
4 . مسند أحمد: 4|426.


الصفحة 248

فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إذا لقينـا رسـول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرناه بما صنع عليّ، وكان المسلمون إذا رجعوا من السّفر بدأوا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسلّموا عليه، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم، فلمّا قدمتِ السّريّةُ، سلّمـوا على النبيفقام أحد الاَربعـة، فقـال: يا رسول اللّه، ألم تر انّ علي بن أبي طالب صنع كذا و كذا، فأعرض عنه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ قام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثمّقام الثالث فقال مثل مقالته: فأعرض عنه، ثمّ قام الرابع فقال مثل ما قالوا. فأقبل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والغضب يعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من عليّ، ما تريدون من عليّ، ما تريدون من عليّ؟! إنّ عليّاً منّي، وأنا منه، وهو وليُّ كلّ موَمن بعدي. (1)
10. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم بن مهران، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ اللّه يحبُّعبده الموَمن، الفقير، المتعفف، أبا العيال. (2)
ويوَيده قوله سبحانه:(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرباً فِي الاََرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أَغْنياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ الناسَ إِلحافاً وَما تُنفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة|273).
هذه شيء من روائع رواياته وكم لها من نظير، وقد عزي إليه ما لا ينطبق عليه الموازين التي استعرضناها في صدر الكتاب فلنذكر منها شيئاً

1. الميت يعذب ببكاء الحي
أخرج أحمد في مسنده عن محمد بن سيرين، قالوا: ذكروا عند عمران بن حصين «الميت يعذب ببكاء الحي»، فقالوا: كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟
____________
1 . سنن الترمذي:5|632 برقم3712؛ و مسند أحمد : 4|437.
2 . سنن ابن ماجة: 2|1380 برقم 4121.


الصفحة 249

فقال عمران قد قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). (1)
إنّ تعجّب الحاضرين أوضح دليل على أنّ الرواية مخالفة للفطرة الاِنسانية التي بني عليها الدين، وقد أثارت حفيظتهم ودفعتهم إلى القول بأنّه «كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟»وقد ذكرنا ما هو الصحيح غير مرّة .

2. خير القرون قرني
أخرج مسلم في صحيحه، عن زهدم بن مُضرّب، سمعت عمران بن حصين يحدث انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّالذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أقال رسول اللّه صبعد قرنه مرّتين أو ثلاثة، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون،ويخونون ولا يُوَتمنون، ويَنذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السِّمن. (2)
التاريخ الصحيح لا يذعن بما جاء في الرواية، فلنضرب عن عصر الخلفاء الراشدين صفحاً، ونستعرض العهد الا َُموي الذي تسلم فيه الا َُمويون منصة الخلافة ابتداءً من معاوية بن أبي سفيان فيزيد بن معاوية فمروان بن الحكم ثم أبناوَه الاَربعة، فهل يمكن أن نعدَّ هذه الحقبة من التاريخ خير القرون، وقد قتل فيها سبط النبيالحسين بن علي (عليهما السلام) ، وأُبيحت دماء أهل المدينة وأعراض نسائهم، وحوصرت مكة وهتكت حركتها بيد الحجاج بن يوسف الثقفي، واستعبد أبناء المهاجرين والاَنصار، ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي غلمان الروم؟! إلى غير ذلك من الجرائم البشعة التي يندى لها جبين الاِنسانية.
وأنت إذا أمعنت في كتب التواريخ وجدت النصف الثاني من القرن الاَوّل
____________
1 . مسند أحمد: 4|437.
2 . صحيح مسلم: 7|185ـ 186، باب فضل الصحابة ، ثمّ الذين يلونهم ثمّالذين يلونهم.


الصفحة 250

من أشرِّ القرون لا خير فيه، ولا في خلفائه وأُمرائه، والناس بأُمرائهم أشبه منهم بآبائهم.

3. أكثر أهل النار النساء
أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. (1)
أقول: لو ثبت الحديث وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اطّلع من عالم الغيب على أنّ أكثر أهل النار من النساء، لاَخذنا به ، لكنّه لم يثبت، و الواقع المشهود في تاريخ البشر هو انّ نسبة وقوع المعاصي من قِبل الرجال أكثر منه عند النساء، فثمة معاصي موبقة لا يقوم بها غالباً إلاّ الرجال كاللواط والسرقة والقتل وغيرها.
أمّا النساء فيلازمن المنازل غالباً ويقمنَ بالوظائف البيتية أو العمل في المزارع والمعامل.
أضف إلى ذلك انّ المعاناة التي تلاقيها المرأة أيّام الحمل والوضع بمثابة مطهر لها من الذنوب ولو ماتت في هذا السبيل ماتت شهيدة.
روى النسائي عن عقبة بن عامر انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «والنفساء في سبيل اللّه شهيد». (2)
ومن لاحظ الروايات الواردة في هذا المجال رأى فيها قسوة ظاهرة في حقّ النساء.
____________
1 . صحيح البخاري: 4|117، باب ماجاء في صفة الجنة.
2 . سنن النسائي: 6|37.


الصفحة 251

روى مسلم، عن عمران بن حصين، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: إنّ أقل ساكني الجنة النساء. (1)
وروى أيضاً عن أُسامة بن زيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كنت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلاّ أصحاب النار فقد أُمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء.
والقضية في كلا الجانبين قابلة للنقاش، ومعنى ذلك انّه لا يدخل غني الجنة ولا يدخل رجل النار.
وروى مسلم أيضاً عن أُسامة بن زيد بن حارثة، وسعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل انّهما حدثا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء. (2)
إنّ القرآن الكريم يذكر الاَموال والاَولاد من أسباب الفتنة، ويقول:(إِنّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم) (التغابن|15).
ولا يذكر النساء من أسبابها وإنّما يصفهنّ بقوله: (إنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن|14).
فضرر النساء على الرجال أقل بكثير من ضرر حبّ الرئاسة والجاه والمال.

4. كل ميسّر لما خلق له
أخرج البخاري في صحيحه، عن عمران بن حصين، قال: قال رجل: يا رسول اللّه، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟
____________
1 . صحيح مسلم: 8|88، باب أكثر أهل الجنة الفقراء.
2 . المصدر نفسه.


الصفحة 252

قال: كلّ يعمل لما خلق له، أو لما يسّـر له. (1)
أقول: لما كان مضمون الحديث يعادل الجبر، سأل السائل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال: إذا كان كلّإنسان مسيّر إما إلى الجنة أو إلى النار فلماذا يعمل أهل الجنة مع أنّمصيرهم إليها، (فلِمَ يعمل العاملون)؟
والسوَال جيد جداً، وأمّا الجواب فليس بمقنع ولا قالع للاشكال لولم نقل انّه دعم للاشكال، حيث جاء فيه: كلّ ميسر لما خلق له ، فأهل الجنة خلقوا للجنة فيعملون لها، وأهل النار خلقوا للنار فيعملون لها.
فعنذئذٍ تثار تساوَلات:
الاَوّل: إذا كان أهل الجنّة خلقوا للجنة فهم يدخلون الجنة شاءوا أم أبوا، فما معنى التكليف والعمل؟
الثاني: إذا كان أهل النار خلقوا للنار شاءوا أم أبوا، فما هو ذنبهم في دخلوهم النار؟
وقد حاول الشارحون دفع الاِشكال فلم يأتوا بشيء مقنع .
قال ابن حجر في شرحه للحديث: وفيه قصة لاَبي الاَسود الدوَلي مع عمران، وفيه قوله له: أ يكون ذلك ظلماً ؟ فقال: لا، كلّ شيء خَلْقُ اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل.
قال عياض: أورد عمران على أبي الاَسود شبهة القدرية من تحكمهم على اللّه ودخولهم بآرائهم في حكمه، فلما أجابه بما دلّعلى ثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حدّ لاَهل السنة، وقوله :«كلّ شيء خلق اللّه وملكه» يشير إلى أنّ المالك الاَعلى الخالق الآمر لا يُعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء، وإنّما
____________
1 . صحيح البخاري: 7|122، باب في القدر.


الصفحة 253

يعترض على المخلوق المأمور. (1)
ما نقله ابن حجر عن عياض مخالف للفطرة الاِنسانية التي بني عليها الدين، إذ لا شكّ انّه سبحانه هو الخالق وله التصرّف في ملكه كيفما يشاء هذا من جانب.
ومن جانب آخر انّه حكيم وحكمته تصدّه عن أن يختار الجانب الذي فيه تعذيب البريء والرضيع إلى غير ذلك من الاَعمال التي تعد ظلماً عند العقل وقبيحاً عند الجميع.
فهوَلاء ينظرون إلى سعة قدرته ويغضّون البصر عن حكمته ورأفته وعدله.
وما نقله من مناظرة أبي الاَسود الدوَلي مع عمران بن الحصين نقله الاِمام أحمد في مسنده وإليك نصه:
أخرج أحمد في مسنده عن أبي الاَسود الدوَلي، قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم و مضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم،وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت : بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً. وقلت: كلّ شيء خلق اللّه وملك يده، فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، فقال لي : يرحمك اللّه. إنيّ لم أرد بما سألتك إلاّ لاَحرز عقلك.
إنّ رجلين من مزينة أتيا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: يا رسول اللّه، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم و مضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل
____________
1 . فتح الباري: 11|493.


الصفحة 254

شيء قضى عليهم و مضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ:(وَنَفْسٍ وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها). (1)
إنّ أبا الاَسود الدوَلي عالم من علماء الاَُمّة تخرّج على يدي علي بن أبي طالب وله الفضل في تدوين علم النحو برعاية الاِمام (عليه السلام) .
وعمران بن الحصين صحابي جليل نهل من نمير علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد دارت المناظرة بين تابعي وصحابي، ولكن الغلبة كانت حليف أبي الاَسود الدوَلي لاَنّه إذا كان مصير كلّ إنسان محتوماً عليه ومقضيّاً به ولم يكن للاِنسان دور فيه، فما معنى حمل مسوَوليته على عاتقه. قال سبحانه: (انَّ السَّمعَ والبَصَرَ وَالفُوَادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْوَولاً) (الاِسراء|36). وقال سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسوَُولون) (الصافات|24) وقال تعالى: (وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْوَولاً) (الاَحزاب|15).
ولاَجل ذلك اعترض أبو الاَسود الدوَلي على عمران، بأنّ إنكار دور الاِنسان في مصيره يلازم كون العقاب عليه ظلماً.
فما أجاب به عمران بن الحصين: من أنّ كلّشيء خلق اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ،جواب غير مقنع، إذ لا شكّ انّ اللّه سبحانه مالك للملك والملكوت، ولا يملك إنسان شيئاً إلاّ بإذنه، ولكنّ حكمته سبحانه وعدله يصدّه عن أن يظلم عباده، وكون الدنيا وما فيها ملكاً له لا يبرّر التصرف في ملكه على خلاف العدل. أي أخذ البريء بلا جرم.
وخلاصة الكلام: انّ هنا أصلين كونه مالكاً وكونه حكيماً، فلا يتصرف في ملكه إلاّ في إطار الحكمة مع كونه قادراً على التصرف على خلافها، واللّه
____________
1 . مسند أحمد: 4|438.


الصفحة 255

سبحانه لا يسأل عما يفعل، لاَنّه حكيم لا يفعل على خلاف حكمته، ويعود السوَال عنه سوَالاً لغواً غير مجدٍ.
ثمّ إنّ الصحابي الجليل استند ـ حسب الرواية ـ إلى قصة رجلين من مزينة وهو أيضاً غير مقنع، إذ يرد عليه ما أورد على جواب المناظر.
فرفض أمثال هذه الروايات أفضل من أخذها وتأويلها.


الصفحة 256

 

16
اسامة بن زيد بن حارثة


( ... ـ 54 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد.
2. النساء أضرّ شيء على الرجال .
ابن حارثة بن شراحيل بن عبد العزّى بن امرىَ القيس، أبو زيد، ويقال: أبو حارثة.
استعمله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على جيش لغزو الشام، وفي الجيش، عمر و كبار الصحابة، وهو ابن حاضنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُم أيمن.
أمّر رسول اللّه أُسامة فطعنوا في إمارته، فقال: إنْ يطعنوا في إمارته فقد طعنُوا في إمارة أبيه، وأيم اللّه انّه كان خليقاً بالاِمارة.
ينقل الذهبي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، قال: رأيت أُسامة يصلّي عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرّ به مروان، فقال: أتصلّي عند قبر؟! وقال له قولاً قبيحاً.
فقال: يا مروان، إنّك فاحش متفحّش، وإنّي سمعت رسول اللّه، يقول: إنّ


الصفحة 257

اللّه يُبغض الفاحش المتفحّش.
حدّث عنه: أبو هريرة، وابن عباس، وأبو وائل، وأبو عثمان الهندي، وعروة ابن الزبير، وأبو سلمة وأبو سعيد المقبري، وعامر بن سعد، وأبو ظبيان، وعطاء بن أبي رباح، وابناه حسن و محمد.
وله في «مسند بَقيّ» مائة وثمانية عشر حديثاً منها في البخاري و مسلم خمسة عشر، وفي البخاري حديث و في مسلم حديثان.
قال الزهري: مات أُسامة بالجرف (1) في آخر خلافة معاوية سنة أربع وخمسين (2) ضل وبلغت أحاديثه في المسند الجامع 75 حديثاً. (3)
وقد رويت عنه روايات رائعة كما عزيت إليه أُخرى سقيمة.

روائع رواياته
1. أخرج أحمد في مسنده، عن الزبرقان،عن أُسامة بن زيد:
«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلّي الظهر بالهجير ولا يكون وراءه إلاّالصف والصفان و الناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل اللّه تعالى: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى وَقُومُوا للّهِ قانِتين) .
قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لينتهينّ رجال أو لاَحرقنّ بيوتهم. (4)
ومعنى ذلك انّ الصحابة كان يشغلهم الصفق في الاَسواق عن الحضور
____________
1 . الجرف موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
2 . أُسد الغابة: 1|64؛ طبقات ابن سعد:4|61ـ72؛ سير اعلام النبلاء:2|496.
3 . المسند الجامع: 1|99ـ141.
4 . مسند أحمد:5|206 والآية 238 من سورة البقرة.


الصفحة 258

في صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويدل عليه قوله سبحانه: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) (الجمعة|11).
2. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، قال:
كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أنَّ صبّياً لها، أو ابناً لها في الموت.
فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أنّ للّه ما أخذ وله ما أعطى، و كلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول، فقال: إنّها قد أقسمت لتأتينّها.
قال: فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وانطلقتُ معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنّها في شنَّة ففاضت عيناه.
فقال له سعد: ما هذا يا رسول اللّه؟
قال: هذه رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده، وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء. (1)
3. أخرج النسائي، عن أبي سعيد المقبري، قال: حدّثني أُسامة بن زيد، قال:
قلت: يا رسول اللّه، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب و رمضان، وهو شهر ترفع فيه الاَعمال إلى ربّ العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. (2)
____________
1 . صحيح مسلم:3|39، باب البكاء على الميت.
2 . سنن النسائي: 4|201، صوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 259

4. أخرج الترمذي في سننه عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللّه خيراً. فقد أبلغ في الثناء. (1)
وإليك ما عزيت إليه من الاَحاديث السقيمة.

1. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد
أخرج أحمد في مسنده، عن أُسامة بن زيد قال: قال لي رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : أدْخل عليَّ أصحابي، فدخلوا عليه فكشف القناع، ثمّ قال: لعن اللّه اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد. (2)
نعلق على الحديث، ونقول:
أوّلاً: إنّ اليهود هم الذين كانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق وقد اشتهروا بتلك الوَصْمة، قال سبحانه: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُوَْمِنينَ)(البقرة|91) فمن كانت شيمته قتل الاَنبياء لا يتخذُ قبورهم مساجد سواء أكانت الصلاة لاَجل التبرك بهم أو لاتخاذ قبورهم قبلة.
ثانياً: لم يكن للنصارى أنبياء حتى يقتلوهم ويتخذون قبورهم مساجد. وأمّا السيد المسيح فهو عندهم إله متجسّد وليس بنبيّ حيث قالوا: بالاَقانيم الثلاثة: إله الاَب، إله الابن ، روح القدس.
وأمّا غير المسيح لدى النصارى فليسوا بأنبياء وإنّما هم آباء التبليغ والتبشير، إلاّ أن يراد مطلق أنبياء بني إسرائيل وهو خلاف الظاهر.
____________
1 . سنن الترمذي: 4|380 برقم 2035.
2 . مسند أحمد:5|203.


الصفحة 260

2. النساء أضرّ شيء على الرجال
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء. (1)
لا يشك عاقل انّ من أسباب الفتنة هي النساء، قال سبحانه: (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن|14).
وأمّا كونهنّ أضرّ شيء على الرجال من حبّالجاه والمال والاَولاد فليس بثابت لو لم يثبت خلافه، ولذا نرى انّه سبحانه يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّما َأَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم) (الاَنفال|28) ويقول أيضاً: (إِنّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم) (التغابن|15) فيذكر الاَموال والاَولاد ولا يعطف عليها النساء وهذا دليل على أنّ ضرر الاَوّلين على الرجال أكثر من ضررهنَ.
نعم : لا ننكر بأنّ الرجال ربما يُفْتنون بالنساء فيتوغلون في الفساد من أجل كسب رضاهنَ، ولكن ليس إضرارهنَ عند المقايسة بأشد من إضرار الآخرين كما هو واضح.
وأنت إذا تفحصت فيما روي عن لفيف من الصحابة حول النساء تجد انّ الروايات تتضمن تحقير النساء وأنهنَّ محط الفتنة والضلال، وكأنّ الرواة لم يطرق أسماعهم قوله سبحانه: (إنّ المسلمينَ والمسلماتِ والموَمنينَ والموَمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ ...) (الاَحزاب | 35).
____________
1 . صحيح مسلم: 8|89، باب أكثر أهل الجنّة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء؛ صحيح البخاري:7|8، باب ما يتقى من شوَم المرأة.


الصفحة 261

 

17
ثوبان مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


(...ـ 54هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة
1. ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يد بنت هبيرة.
2. دعاء النبي غير المستجاب .
3. خروج رايات سود من المشرق.
وهو ثوبان بن بجدد، وقيل: ثوبان بن حجدر، يُكنّى أبا عبد اللّه، وهو من حمير من اليمن، أصابه سباء فاشتراه رسول اللّهفأعتقه، وقال له: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منّا، فثبت على ولاء رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، ولم يزل معه سفراً وحضراً إلى أن توفي رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فخرج إلى الشام فنزل إلى الرملة وابتنى بها داراً وابتنى بمصر داراً وبحمص داراً، وتوفي بها سنة 54 هـ وشهد فتح مصر.
روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث، روى عنه: شدّاد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وأبو سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن طلحة، وأبو الاَشعث الصنعاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو الخير اليزنيّ، وغيرهم. (1)
____________
1 . أُسد الغابة: 1|249؛ سير أعلام النبلاء:3|15 برقم 5.


الصفحة 262

وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 64 رواية. (1)
كما نقلت عنه روايات رائعة و عزيت إليه أُخرى سقيمة.

روائع أحاديثه

1. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن ميسرة، عن ثوبان، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: استقيموا تفلحوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلاّ موَمن. (2)
3. أخرج أحمد في مسنده، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل لثوبان: حدثنا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: لتكذبون عليّ سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: ما من مسلم يسجد للّه سجدة إلاّ رفعه اللّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة. (3)
3. أخرج أحمد عن أبي زرعة، عن ثوبان، قال: لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الراشي، والمرتشي، والرائش. (يعني الذي يمشي بينهما). (4)
4. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبد اللّه بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يزيد في العمر إلاّ البرّ، ولا يردّ القدر إلاّ الدّعاء، وانّ الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها. (5)
والرواية من دلائل القول بالبداء، وهو تغيير المصير بصالح الاَعمال.
5. أخرج الترمذي، عن أبي سلمة، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه «صلى
____________
1 . المسند الجامع: 3|315ـ 353.
2 . مسند أحمد: 5|280.
3 . مسند أحمد: 5|283.
4 . مسند أحمد: 5|279.
5 . سنن ابن ماجة: 1|35 برقم 90.


الصفحة 263

الله عليه وآله وسلم» : من قال حين يمسي: «رضيت باللّه ربّاً وبالاِسلام ديناً، و بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً» كان حقاً على اللّه أن يرضيه. (1)
6. أخرج الترمذي في سننه، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما أخاف على أُمّتي الاَئمّة المضلّين، قال: وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :لا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من يخذلهم حتى يأتي أمر اللّه. (2)
هذه ثلّة من رواياته الرائعة ،وقد عزيت إليه طائفة أُخرى من الروايات ممّا لا تخلو من إشكال:

1. ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدَ بنت هبيرة
أخرج النسائي في سننه، عن أبي أسماء الرحبي، انّ ثوبان مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حدَّثه، قال:
جاءت بنت هبيرة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي يدها فتخ(فقال كذا في كتاب أبي، أي خواتيم ضخام) فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تشكو إليها الذي صنع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن، فدخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والسلسلة في يدها، فقال يا فاطمة أيغرُّك أنْ يقول الناس: ابنة رسول اللّه وفي يدها سلسلة من نار، ثمّ خرج ولم يقعد.
فأرسلت فاطمة(عليها السلام) بالسلسلة إلى السوق ، فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً، وقال مرّة عبداً ـ و ذكر كلمة معناها ـ فأعتقته، فحُدِّث بذلك.
____________
1 . سنن الترمذي: 5|465 برقم 3389.
2 . سنن الترمذي: 4|504 برقم 2229.


الصفحة 264

فقال: الحمد للّه الذي أنجى فاطمة من النار. (1)
أقول: ثمة تساوَلات:
أوّلاً: انّ الخواتيم التي كانت في يد بنت هبيرة ـ سواء أكانت من فضة أم من ذهب ـ لم يكن التزيّن بها محظوراً على المرأة، فكيف يعاتبها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لا سيما إذا كان اقتناوَها لها مشروعاً كما هو المفروض؟
وثانياً: الظاهر انّ بنت هبيرة كانت بالغة بشهادة انّها كانت تتختم بخواتيم ضخام، ودخلت على فاطمة تشكو إليها ما صنع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ،فكيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مس يدها بالضرب مع أنّها أجنبية؟! والظاهر انّ الضرب كان بالمباشرة لا بالآلة.
ثالثاً: لو افترضنا جواز الضرب، لكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجلّ من أن يضرب يد بنت هبيرة تأدباً وترهباً، بل كان اللازم أن يأمرها بالمعروف بأُسلوب لائق.
رابعاً: انّ الحديث يدل على أنّه لما دخلت بنت هبيرة على فاطمة واشتكت عمّا صنع بها رسول اللّه، انتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن ، مستظهرة بأنّ التزين بالذهب أمر حلال للمرأة وليس لاَحد الاعتراض عليك.
ومن الواضح انّ فاطمة من أهل البيت الذين طهّرهم اللّه تطهيراً، وهي أجلّ من أن تعترض على أبيها بانتزاع ما في عنقها من الذهب.
خامساً: ثمّ إنّ الحديث يتضمن انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل عليها والسلسلة في يدها، فقال: «يا فاطمة أيغرّك أن يقول الناس ابنة رسول اللّه وفي يدها سلسلة من نار».
____________
1 . سنن النسائي: 8|158.


الصفحة 265

ثمّ خرج ولم يقعد....
وعندئذٍ يثار السوَال التالي.
إنّ السلسلة التي كانت في يدها لا تخلو عن حالتين، إمّا أن تكون ملكاً للغير غير راض بالتصرف فيها، أو ملكاً لفاطمة.
والاَوّل لا يليق أن ينسب إلى بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) التي يدور على رضاها وغضبها رضى رسول اللّهوغضبه.
وعلى الثاني كيف يفسّر ما ورد في الحديث«وفي يدها سلسلة من نار»وليس ما تتزيّن به المرأة من أقسام الكنز حتى تكون سلسلة من نار؟!
وأغلب الظن انّ الحديث من الموضوعات التي اختلقها الجهاز الاَموي الحاكم للحطِّ من شأن فاطمة الزهراء وبعلها .فسلام اللّه عليهما يوم ولدا ويوم استشهدا، ويوم يبعثان حيّين.

2. دعاء النبي غير المستجاب
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
زوي لي الاَرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وانّ أُمّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، و أُعطيت الكنزين الاَحمر والاَبيض، وانّي سألت ربّي لاَُمّتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربّي، قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فانّه لا يرد وانّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا اسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال: من بين أقطارها حتى يكون


الصفحة 266

بعضهم يُـهلك بعضاً ويُسبي بعضهم بعضاً. (1)
أقول: وقد رواه الاِمام أحمد بلفظ آخر، عن عبد اللّه بن شداد، عن معاذ بن جبل، وقد ذكرناه في ترجمة معاذ بن جبل.
ومن الواضح انّالحوادث والنوازل التي ألمّت بالمسلمين عبر التاريخ خير شاهد على أنّه سبحانه سلّط عليهم عدواً من غير أنفسهم نتيجة أعمالهم وانحرافهم، فقد بسط الوثنيون المغول نفوذهم على معظم البلاد الاِسلامية واستولوا على حاضرتها بغداد وأبادوا الحرث والنسل.
فكيف يدّعي الحديث بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُعطي سوَله؟!

3. خروج رايات سود من المشرق
أخرج أحمد في مسنده، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
وإذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان، فأتوها فانّ فيها خليفة اللّه المهدي. (2)
ونظير ذلك ما أخرجه ابن ماجة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق ويقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ـ ثمّ ذكر شيئاً لا أحفظه ـ فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فانّه خليفة اللّه المهدي. (3)
قال في الزوائد: هذا اسناد صحيح، رجاله ثقات، ورواه الحاكم في
____________
1 . صحيح مسلم: 8|171، باب هلاك هذه الا َُمّة بعضهم ببعض من كتاب الفتن.
2 . مسند أحمد: 5|277.
3 . سنن ابن ماجة: 2|1376 برقم 4084.


الصفحة 267

المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
إنّ أمثال هذه الروايات ـ وإن رويت باسناد صحيح ـ وضعت حينما قامت الدولة العباسية التي وليها أبو العباس السفاح (108ـ 136هـ) ـ و هو أوّل خليفة عباسي يتولّى زمام الاَُمور ـ فكيف يبشِّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الخليفة المهدي الذي خضَّب الاَرض بدماء المسلمين حتى لُقّب بالسفاح؟!
قال السيوطي: وكان السفاح سريعاً إلى سفك الدماء، فأطمعه في ذلك عُمّاله في المشرق والمغرب، ومن أراد الاِلمام بسيرته فليقرأ ما ذكره ابن الاَثير في تاريخه. (1)
وقد أسرف تجار الحديث وعلماء البلاط العباسي في وضع الحديث في فضل العباس وأولاده ممّا حدا بابن الجوزي أن يذكر قسماً وافراً منها في كتابه «الموضوعات» تحت العناوين التالية:
1. باب في فضل العباس وأولاده.
2. باب في عدد خلفاء بني العباس.
3. باب في زيادة ولاية بني العباس على ولاية بني أُمية.
وجاء من يحمل نزعة أموية فوضعوا روايات في غمض بني العباس، نقلها ابن الجوزي تحت ذلك العنوان، وقال في آخره: وقد روي ضد هذا. فنقل باسناده عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها فإنّ فيها خليفة اللّه المهدي.
وقال هذا حديث لا أصل له، ولا نعلم أنّ الحسن (الوارد في سند الحديث) سمع من عبيدة ولا ابن عمر سمع من الحسن، قال يحيى: عمر لا شيء (2).
____________
1 . الكامل في التاريخ، لابن الاَثير: 5|408.
2 . الموضوعات: 2|30 ـ 39.


الصفحة 268

 

18
سعد بن أبي وقاص


(28ق.هـ ـ 54هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. إثبات الجهة للّه سبحانه 2. الطواف أكثر من سبعة أشواط
3. الرمي بست حصيّات 4. الطيرة في المرأة والفرس والدار
5. التنديد بالشعر 6. لم يسلم أحد قبل سعد
7. دخول الامة قاطبة الجنة بشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
8. عمر أفظ و أغلظ من رسول اللّه 9. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً
10. اللّه ليس بأعور 11. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنة
هو سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، يكنّى أبا إسحاق، وأُمّه: حمنة بنت سفيان بن أُمية بن عبد شمس، وقيل حمنة بنت أبي سفيان بن أُمّية أسلم بعد ستة، و قيل بعد أربعة، وكان عمره عندما أسلم 17 سنة.
أحد السابقين الاَوّلين، وأحد ستة أهل الشورى، شهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبلى يوم


الصفحة 269

أحد بلاءً عظيماً، و هو أوّل من أراق دماً في سبيل اللّه، وأوّل من رمى بسهم في سبيله.
استعمله عمر بن الخطاب على الجيوش الذين سيّرهم لقتال الفرس، وكان أميرَ الجيش في معركة القادسية وجلولاء، وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق، وبنى الكوفة وولي العراق ثمّ عزله، فلمّا حضرت عمرَ الوفاةُ جعله أحد أصحاب الشورى، ثمّ استعمله عثمان فولاّه الكوفة ثمّ عزله، و لما قتل عثمان لزم بيته ولم يبايع عليّاً، فلما اعتزل طمع فيه معاوية فكتب إليه يدعوه إلى أن يعينه على الطلب بدم عثمان فأجابه بالاَبيات التالية:
معاوي داوَك الداء العيّاء * وليس لما تجيَ به دواء
أيدعوني أبوحسن عليّ * فلم أردد عليه ما يشاء
وقلت له اعطني سيفاً قصيراً * تميز به العداوة والولاء
أتطمع في الذي أعيا عليّاً * على ما قد طمعت به العفاء
ليوم منه خير منك حيّاً * وميتاً أنت للمرء الفداء (1)

وما حضر سعد وقعة الجمل ولا صفين ولا التحكيم في دومة الجندل. (2)
يقول ابن مزاحم: وكان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل عليّاً ومعاوية، فنزل على ماء لبني سليم بأرض البادية يتشوّف الاَخبار، وكان رجلاً له بأس ورأي في قريش، ولم يكن له في عليٍّ ولا معاوية هوى، فأقبل راكب يُوضِعُ من بعيد فإذا هو بابنه عمر بن سعد فقال له أبوه: مَهْيَمْ. (3)
____________
1 . أُسد الغابة: 2|290ـ 292.
2 . سير اعلام النبلاء: 1|122.
3 . مَهْيَمْ: كلمةيمانية معناها ما أمرك وما شأنك.


الصفحة 270

فقال: يا أبي ! التقى الناس بصفين و كان بينهم ما قد بلغك حتى تفانوا، ثمّ حكّموا الحكمين: عبد اللّه بن قيس، و عمرو بن العاص، وقد حضر ناس من قريش عندهما، وأنت من أصحاب رسول اللّه و من أهل الشورى ولم تدخل في شيء ممّا تكره هذه الاَُمّة، فاحضر دومة الجندل فانّك صاحبها غداً.
فقال: هذا أمر لم أشهد أوّله فلا أشهد آخره، ولو كنت غامساً يدي في هذا الاَمر لغمستها مع عليٍّ، إلى أن قال: فلما جنّه الليل رفع صوته ليسمع ابنه:
دعوت أباك اليوم واللّه للّذي * دعاني إليه القوم والاَمر مقبل
فقلت لهم للموت أهون جرعة * من النّار فاستبقوا أخاكم أو اقتلوا

إلى أن قال:
لـو كنت يومـاً لا محـالـة وافـداً * تبعت عليـاً والهوى حيث يجعل (1)

وليس ما جاء في بيته الاَخير أوّل مرة ولا آخرها باح فيها بفضل الاِمام أمير الموَمنين، بل نرى نظائر هذه الكلمات في أحاديثه، حيث ينقل فضائل الاِمام بصدر رحب.
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي. قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع اصبعيه على أُذنيه فقال: نعم، وإلاّفاستكتا. (2)
ولما كانت الرواية من الدلائل الساطعة على خلافة الاِمام علي «عليه
____________
1 . وقعة صفين، ابن مزاحم: 619ـ 620.
2 . صحيح مسلم: 7|120، باب من فضائل علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه).


الصفحة 271

السلام» بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حاول بعض المعلِّقين على صحيح مسلم أن يشكِّك في دلالتها على الخلافة وقال: والمستدل بهذا الحديث على أنّ الخلافة له بعد رسول اللّه زائغ عن منهج الصواب، فإنّ الخلافة في الاَهل في حياته لا تقتضي الخلافة في الاَُمّة بعد مماته. (1)
وقد عزب عن المعلِّق انّه لو كان المراد خصوص الخلافة في الاَهل لما احتاج إلى استثناء مقام النبوّة بقوله: «إلاّأنّه لا نبي بعدي» فانّ الاستثناء دليل على ثبوت ما كان لهارون من مقامات و مناصب لعلي إلاّالنبوة، وقد جاء في الذكر الحكيم انّه كان وزيراً لموسى وفي الوقت نفسه نبيّاً مثله.
قال سبحانه: (وَاجْعَلْلِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارونَ أَخِي) (طه|30) وقال سبحانه: (وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارونَ نَبيّاً) (مريم|53) إلى غير ذلك من الآيات التي تشير بوضوح إلى مناصب هارون العامة في بني إسرائيل، والحديث المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يسمى «بحديث المنزلة» يُثبت لعلي كلّ ما كان لهارون من مناصب إلاّ النبوة، فيكون الاِمام خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووزيره.
2. أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن الرقيم الكناني، قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل، فلقينا سعد بن مالك بها، فقال: أمر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بسدّ الاَبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي «عليه السلام» . (2)
3. أخرج مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التراب؟
فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسُبّه لاَن تكون لي واحدة منهنّأحبُّ إليَّ من حمر النعم: سمعت رسول اللّه
____________
1 . هامش صحيح مسلم: مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة.
2 . مسند أحمد: 1|175.


الصفحة 272

(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبوة بعدي.
وسمعته يقول يوم خيبر: لاَُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّاللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.
ولما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً و فاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهمّ هوَلاء أهلي. (1)
ورغم علمه بمواقف علي (عليه السلام) وفضائله لم يمدَّ يد البيعة إليه، نقل الطبري: انّه جيَ بسعد إلى المسجد حتى يبايع علياً فلم يبايع، وقال : لا أُبايع حتى يبايع الناس، واللّه ما عليك مني بأس، قال علي (عليه السلام) : خلُّو سبيله.(2)
والعجب انّه بعد ما سمع ما ذكره الرسول في حقّ علي (عليه السلام) يصف بيعة الناس لعليٍّ وجهاده مع الناكثين والقاسطين والمارقين، فتنة.
أخرج الاِمام أحمد، عن بسر بن سعيد انّ سعد بن أبي وقاص قال عند قتل عثمان بن عفان: أشهد انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي وبسط يده إليَّ ليقتلني، قال: كن كابن آدم (3) . (4)
ارتحل الرسول إلى الرفيق الاَعلى وجابه المسلمون حوادث مرّة مروراً
____________
1 . صحيح مسلم: 7|120، باب فضائل علي بن أبي طالب. والآية 61 من سورة آل عمران.
2 . تاريخ الطبري: 3|451.
3 . أي لا تقتله بل قل: لئن بسطت إليَّ يدك... الخ.
4 . سنن الترمذي: 4|486 برقم 2194؛ مسند أحمد: 1|185.


الصفحة 273

بالسقيفة إلى حوادث الردة إلى قتل عثمان، ورغم كل هذه الحوادث فما وجه تخصيص الحديث ببيعة الاِمام علي (عليه السلام) ـ الذي بايعه معظم الاَنصار والمهاجرين وتمت الحجة على الغائب ـ دون سائر الحوادث؟
فإذا ثبتت خلافة الخليفتين ببيعة عدّة من المهاجرين والاَنصار وخلافة الخليفة الثالث ببيعة نفر قليل من أعضاء الشورى الستة، فلماذا لا تثبت خلافة الاِمام علي (عليه السلام) ببيعة جماهير الاَنصار والمهاجرين ولم يتخلف إلاّنفر يسير من أصحاب الاَهواء والمصالح؟ (1) الرواية على فرض صحتها تنبىَ عن ظهور فتنة على نحو كلي دون أن تحددها، بحدث خاص، لكن ابن أبي وقّاص طبّقها على قتل عثمان وعلى الاَحداث التي تلته، ولذلك لم يبايع علياً «عليه السلام» ولم يشارك في الحروب التي خاضها الاِمام مع الناكثين وغيرهم.
ويظهر انّه كان حريصاً على الدنيا ومكباً عليها.
روى ابن سعد قال: انبأنا محمد بن عمر، حدثنا فروة بن زبيد، عن عائشة بنت سعد قالت: أرسل أبي إلى مروان بزكاة خمسة آلاف، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألفاً.
وقال الزبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في آخر عمره في قصر بناه بطرف حمراء الاَسد.
روى نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد: انّ سعداً مات وهو ابن 82 سنة في سنة 56هـ، وقيل سنة 57هـ، وقال المدائني: توفي سنة 55 وعلى قول سنة 54. (2)‌
____________
1 . لاحظ تاريخ الطبري : 3|452، وقد ذكر وجه إعراض قليل من الصحابة عن بيعة علي «عليه السلام» .
2 . سيرة أعلام النبلاء: 1|122، وحمراء الاَسد موضع على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، وإليها انتهى رسول اللّه في مطاردة المشركين يوم أُحد.


الصفحة 274

قال الذهبي: روى جملة صالحة من الحديث، وله في الصحيحين 15 حديثاً، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم 18 حديثاً، وقال أيضاً: وقع له في مسند «بَقي بن مخلد» 270 حديثاً فمن ذاك في الصحيح 38 حديثاً. (1)
وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 144 رواية (2)
وعلى أية حال فهو صحابي، وله ما لسائر الصحابة من الفضل والكمال، ولا يعني ذلك براءته من كلِّ رين وشين، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه
1. أخرج ابن ماجة في سننه، عن محمد بن سعد، عن سعد قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. (3)
2. أخرج الترمذي في سننه، عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل انّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي.
فقال الضحاك بن قيس: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك.
فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنعنا معه.(4)
وهذه الرواية حجّة على من يقلد الخليفة في إفتائه بحرمة المتعتين، متعة الحج ومتعة النساء.
وقد روى الاِمام البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن عبد اللّه بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي انّه مسح على الخفين.
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 1|93و124.
2 . المسند الجامع: 6|63 برقم 239.
3 . سنن ابن ماجة: 2|1300 برقم 3941.
4 . سنن الترمذي: 3|185 برقم 823.


الصفحة 275

وانّ عبد اللّه بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذاحدثك شيئاً سعدُ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تسأل عنه غيره. (1)
وعلى ذلك فقد حدّث سعد عن حلية المتعتين فيجب على الخليفة وغيره اتّباعه.
3. أخرج الدارمي في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان ممّن ترك النساء، بعث إليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا عثمان: إنّي لم أوَمر بالرهبانية، أرغبتَ عن سنتي؟
قال: لا، يا رسول اللّه، قالص: إنّ من سنتي ان أُصلِّـي وأنام، وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان إنّ لاَهلك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً.
قال سعد: فواللّه لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إن هو أقرّ عثمان على ما هو عليه، ان نختصي فنتبتل.(2)
4. أخرج مسلم في صحيحه ،عن خالد ،عن أبي عثمان قال: لمّا ادُّعي زياد لقيت أبا بكرة فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ انّي سمعت سعد بن أبي وقاص، يقول: سَمِعَ أُذناي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: من ادّعى أباً في الاِسلام غير أبيه يعلم انّه غير أبيه فالجنّة عليه حرام. (3)
5. أخرج الترمذي في مسنده، عن صالح بن أبي حسان، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إنّ اللّه طيّب، يحب الطيّب، نظيف يحبُّ النّظافة، كريم
____________
1 . صحيح البخاري: 1|47، باب المسح على الخفين؛ مسند أحمد: 1|15.
2 . سنن الدارمي: 2|133، باب النهي عن التبتل.
3 . صحيح مسلم: 1|57، باب بيان من رغب عن أبيه وهو يعلم من كتاب الاِيمان.


الصفحة 276

يحبُّ الكرم، جواد يحبُّ الجود، فنظِّفوا ـ أُراهُ ـ قال: أفنيتكم ولاتشبَّهوا باليهود.(1)
6. أخرج ابن ماجة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خياركم من تعلَّم القرآن وعلمه، قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا، أُقرىَُ. (2)
7. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي بكر بن حفص: قال سعد: إنّي سمعت رسول اللّه، يقول: نعم الميتة، أنْ يموت الرجل دون حقّه. (3)
8. أخرج النسائي في سننه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنّه ظن انّ له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما ينصر اللّه هذه الاَُمّة بضعيفها بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم. (4)
9. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول:
إنّ الاِيمان بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى يومئذٍ للغرباء إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده، ليأرزنَّ الاِيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها. (5)
10. أخرج أحمد في مسنده، عن عمر بن سعد عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
عجبت للموَمن إذا أصابه خير حمد اللّه وشكر، وإن أصابته مصيبة، حمد اللّه وصبر، فالموَمن يوَجر في كلِّ أمره حتّى يوَجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته. (6)
____________
1 . سنن الترمذي: 5|111 برقم 2799. قوله «أراه» صيغة متكلم مجهول وهو قول الراوي: أي الذي فهمت من كلامه أنّه قال.
2 . سنن ابن ماجة: 1|77 برقم 213.
3 . مسند أحمد: 1|184.
4 . سنن النسائي: 6|45.
5 . مسند أحمد: 1|184.
6 . مسند أحمد: 1|173.


الصفحة 277

إلى غير ذلك من روائع أحاديثه، وقد عزّيت إليه أحاديث سقيمة نشير إلى بعضها:

1. إثبات الجهة للّه سبحانه
أخرج عبد حميد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي، و أن يقسم أموالهم وذراريهم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«لقد حكم فيهم اليوم بحكم اللّه عزّوجلَّ، الذي حكم فوق سبع سماوات». (1)
هذه الرواية بظاهرها تثبت الجهة للّه سبحانه وانّه فوق سبع سماوات، وما هذا شأنه فله جهة ومكان متحيّز فيه، وهو يلازم التجسيم ـ نعوذ باللّه ـ في حين انّه سبحانه يعرف نفسه على خلاف ما في هذه الرواية ويقول سبحانه: (هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالاََرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الاََرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير ) (الحديد|3 و 4).
ويقول سبحانه: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّهُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَة إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوم القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) (المجادلة|7)
فعلى ضوء هذه الآيات فاللّه سبحانه هو الموجود المحيط بجميع
____________
1 . مسند حميد برقم 149؛ فضائل الصحابة للنسائي برقم 119.


الصفحة 278

الممكنات وهو الذي معنا أينما كنّا وما من نجوى إلاّهو مع من يناجيه، ومثله لا يكون متحيزاً فوق سبع سماوات.
نعم كونه معنا أو في كلّمكان ليس بمعنى حلوله فينا، أو في الاَشياء بل المراد إحاطته القيومية بما سواه وكونه قائماً به، وهو غير الحلول في الاَشياء.
والعجب انّ السلفية المغرورة بأمثال هذه الرواية يأوّلون هذه الآيات بأنّ المراد علمه سبحانه بالظاهر والباطن أو علمه بما يجري في مجلس النجوى وهذا هو التأويل الذي لو قام به مسلم لرُمي بالجهمية .

2. الطواف أكثر من سبعة أشواط
أخرج أحمد، عن مجاهد، عن سعد بن مالك قال: طفنا مع رسول اللّه، فمنّا من طاف سبعاً، و منّا من طاف ثمانياً، و منّا من طاف أكثر من ذلك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :لا حرج . (1)
إنّ الحجّ عبادة جماعية شرعها اللّه سبحانه منذ عهد إبراهيم وقد حرِّفت بمرور الزمان إلى أن بعث نبي الاِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلّم الناس معالم الحج في العام العاشر من الهجرة ولم يحج بعد الهجرة إلاّمرّة واحدة وان اعتمر غير مرّة وقد جاءت صفة حجّ النبي في رواية جابر بن عبد اللّه (رض) ورواه مسلم على تفصيله وفيها قال جابر: لسنا ننوي إلاّ الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمّل ثلاثاً و مشى أربعاً ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم (عليه السلام) فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّى) . (2)
فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رمّل ثلاثاً أي أسرع في مشيه وهزَّ منكبيه من الاَشواط الثلاثة الاَُول ومشى على عادته في الاَربعة الاَخيرة، وصار
____________
1 . مسند أحمد: 1|184.
2 . صحيح مسلم: 3|39، باب حجّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 279

المجموع سبعة أشواط.
فإذا كان هذا طواف النبي والمسلمون وراءه، فكيف يمكن أن يطوف واحد سبعة، وآخر ثمانية، وثالث أكثر من ذلك، وكان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بصدد تعليم آداب الحج و المسلمون بصدد التعلّم؟!
فالحديث مع تضمّنه جواز الزيادة في العبادة، بعيد عن موقف المسلمين يومذاك الذين كانوا وراء النبي في اعمال الحج كما هو صريح الرواية حيث يقول: «طفنا مع رسول اللّه فمنّا من طاف سبعاً».

3. الرمي بست حصيات
أخرج النسائي في سننه، عن ابن أبي نُجيح قال: قال مجاهد: قال سعد: رجعنا في الحجة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعضنا يقول رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست فلم يعب بعضهم على بعض.
ثمّ روى عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز يقول: سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار، فقال: ما أدري رماها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بست أو بسبع. (1)
روى مسلم في صحيحه، عن جابر في باب صفة حجّ النبي، قال: ثمّ سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها، كلّحصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي. (2)
وقد تقدم انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بصدد تعليم آداب
____________
1 . سنن النسائي: 5|275، باب عدد الحصى التي يرمى بها الجمار.
2 . صحيح مسلم: 3|42، باب حجّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 280

الحج وفرائضه ومحظوراته وقد حرص المسلمون على التعلم، فكيف يصح انّه رمى بعضهم بسبع، وبعضهم الآخر بست، ولا يعيب بعضهم على بعض؟
وما رواه النسائي عن ابن عباس انّه قال: ما أدري رماها رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بست أو سبع يخالف ما رواه في الباب التالي عن ابن عباس عن طريق أخيه الفضل بن العباس، قال: كنت ردف النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فلم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة فرماهابسبع حصيات يكبر مع كلّ حصاة. (1)

4. الطيرة في المرأة والفرس والدار
أخرج أبو داود، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار. (2)
وأخرج أحمد في مسنده، عن سعيد بن المسيب قال: سألت سعد بن أبي وقاص، عن الطيرة؟ فانتهرني، وقال: من حدَّثك؟ فكرهت أن أحدثه من حدثني، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«لا عدوى ولا طيرة ولا هام، إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار، وإذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تَهبطوا، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه. (3)
وأخرج أيضاً، عن سعد بن أبي وقاص، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، و إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه. (4)
____________
1 . سنن النسائي: 5|275، باب التكبير مع كلّحصاة.
2 . سنن أبي داود: 3|19 برقم 3921.
3 . مسند أحمد: 1|180و186.
4 . مسند أحمد: 1|180و186.


الصفحة 281

وثمة شكوك تحوم حول تلك الروايات:
أوّلاً: انّ الرواية الاَُولى تنفي العدوى، وهي انتقال المرض من سقيم إلى سليم، فلو صحّ النفي، فلماذا يروي سعدعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في روايته الثانية والثالثة انّه أمر بأن لا يُهبط بأرض فيها الطاعون، وإذا هُبط فيها فلا يُخرج منها ؟ فانّ ذلك صريح في الاعتراف بمبدأ العدوى.لاَنّه إذا كان في أرض ليس فيها طاعون وأُخبر بوجوده في أرض أُخرى فلا يهبط فيها خوفاً من الابتلاء، كما انّه إذا كان في أرض فيها طاعون فلا يخرج منها لئلا ينقل المرض معه إلى أرض أُخرى، وهو نفس القول بالعدوى.
وبالتالي فقد عزي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق سعد قولين متناقضين.
ثانياً: انّ الذكر الحكيم يصف العالم بالحسن والجمال وانّه سبحانه ما خلق شيئاً إلاّ حسناً وجميلاً قال سبحانه: (رَبُّنَا الّذي أَعطَى كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى)(طه|50) وقال سبحانه: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدأَ خَلق الاِِنْسان مِنْ طين) (السجدة|7) وقال سبحانه: (وَصَوّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبات) (غافر|64) فهذه الآيات تصف فعل اللّه سبحانه وكلّ ما خلقه بالجمال، فكيف يحلّ الشوَم في المرأة والفرس والدار ؟!
إنّالشوَم والطيرة إنّما هو وليد عمل الاِنسان، فهو بفعله يجعل اليوم سعداً أو نحساً، وإلاّ فاليوم هو اليوم، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، يجريان بأمر اللّه سبحانه: (قالُوا إِنّا تَطَيّرنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرجُمَنَّكُمْ وَلَيَمسّنّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ) (يس|18ـ 19).
يعني: قال أصحاب القرية لرسلهم انّا تشاءمنا بكم، فوافاهم الجواب بأنّ طائركم معكم، وانّ الذي ينبغي أن تتشاءموا به هو معكم، وهو حالة اعراضكم عن الحق وإقبالكم على الباطل.


الصفحة 282

وعلى كلّ تقدير، فالشرّ الذي يصيب الاِنسان في داره وبعد زواجه، له سبب واقعي، لا صلة له بالدار والزوجة التي تخدم الزوج وأولاده بجدٍّ ومثابرة.
كيف يكون الشوَم في المرأة مع أنّـها إحدى الثلاث التي اختارهنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدنيا ؟ قال:
حُبّب إليَّ من الدنيا :النساء، والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة. (1)
أخرج مسلم عن عبد اللّه بن عمر ، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة. (2)
هذا هو الاِمام أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) يخاطب أحد أصحابه الذي كان يقول: «كفاني اللّه شرك من يوم فما أيشمك» بقوله: ترمي بذنبك من لا ذنب له، ما ذنب الاَيام حتى صرتم تتشأمون بها إذا جُوزيتم بأعمالكم فيها، ثمّ قال: إنّ اللّه هو المثيب والمعاقب، والمجازي بالاَعمال عاجلاً وآجلاً، لا تعد ولا تجعل للاَيام صنعاً في حكم اللّه. (3)

5. التنديد بالشعر
أخرج مسلم، عن محمد بن سعد، عن سعد، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: لا ََن يمتلىَ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلىَ شعراً.(4)
إنّ الشعر على نمطين:
____________
1 . مسند أحمد: 3|128، 199، 285.
2 . صحيح مسلم: 4|187، باب استحباب نكاح البكر.
3 . الحراني، تحف العقول: 482ـ 483 بتلخيص.وسنوافيك عند دراسة أحاديث أبي هريرة انّ عائشة كذبت أمثال هذه الرواية ، لاحظ ص 308.
4 . صحيح مسلم: 7|50، باب كتاب الشعر؛ سنن الترمذي: 5|141 برقم 2852 ؛ مسند أحمد: 1|175 وفيه (حتى يريه) بدل يريه.


الصفحة 283

نمط منه لا يهدف إلاّ إلى نشر الفساد والدعارة ودعم الظلم وتوطيد أركانه إلى غير ذلك من غايات ساقطة، فصاحبه هو الذي نزل في حقّه قوله سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وادٍيَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (الشعراء|224ـ 226) فأصحاب هذا النوع من الشعر هم سماسرة الاَهواء يتبعون الهوى، و يبرمون أمراً، اليوم وينقضونه غداً، فليس لهم مآرب في الحياة إلاّ إشباع رغباتهم وميولهم الفاسدة.
ونمط آخر منه يهدف إلى بثّ الاَخلاق الحميدة وإنهاض الهمم، لبسط العدل ونشره، وكبح جماح الظلم، والدعوة إلى الحقّ بأُسلوب بديع، يمازج الاَرواح ويخالط الاَدمغة، فهذا النوع من الشعر بغية العالم، ومقصد الحكيم، ومأرب الاَخلاقي، وطلبة الاَديب، وأمنية العالم الاجتماعي، فأصحاب هذا النوع من الشعر هم الذين استثناهم اللّه سبحانه بقوله: (إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيراً وَانْتَصِرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء|227).
إنّ التقدير الوافر لهذا النمط من الشعر وتكريم قائله عملٌ قام به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانّه أوّل فاتح لهذا الباب على مصراعيه مدحاً وهجاءً باصاخته للشعراء المادحين له ولا َُسرته الكريمة، وكان يَنشد الشعر ويستنشده، ويجيز عليه ويرتاح له، ويكرم الشاعر مهما وجد في شعره هذه الغاية الوحيدة، كإرتياحه لشعر عمِّه شيخ الاَباطح أبي طالب (عليه السلام) لمّا استسقى فسُقي، قال: للّه درّ أبي طالب لو كان حياً لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي (عليه السلام) قال: كأنّك أردت يا رسول اللّه قوله:
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للاَرامل
تلوذ به الهُلاّك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل


الصفحة 284

وكإرتياحه (صلى الله عليه وآله وسلم) لشعر كعب بن زهير لما أنشده في مسجده الشريف لاميته التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثـرهـا لم يفــد مكبول

فكساه النبي صبردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين. (1)
روى الحاكم النيسابوري: لما أنشد كعب قصيدته وبلغ قوله:
انّ الرسول لسيف يستضاء بــه * وصــارم من سيوف اللّه مسلــول

أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه.
ويروى انّ كعباً أنشد من سيوف الهند، فقال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» من سيوف اللّه (2) إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي قدّر فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الشعر و الشعراء، وبذلك أثبت انّ الشعر المذموم غير الشعر الممدوح، وانّه سبحانه إنّما يذم النمط الاَوّل ولو جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نقله «سعد» فإنّما يرمي إلى الصنف الاَوّل وإلاّ فالشعر في العصور الاَُولى كان سهماً في أكباد أعداء اللّه ، وخير دعاية إلى الاِسلام في كلّصقع وناحية، ولذلك كان أئمّة الدين يبذلون من مال اللّه للشعراء ما يغنيهم عن التكسب والاشتغال بغير هذه المهنة.
ولما نصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) للخلافة والاِمامة يوم الغدير استجاز حسان ابن ثابت أن يصبّ كلامه في قالب الشعر، فلما قرأ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تزال يا حسّان موَيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. (3)
____________
1 . الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ص 62 كما في الغدير: 2|4.
2 . مستدرك الحاكم:3|582.
3 . الفصول المختارة: 236.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة