الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 217
روائع أحاديثه
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، قال: احتجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يُصلي فيها. قال: فتتبّع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مغضباً.
فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت انّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّخير صلاة المرء في بيته، إلاّ الصلاة المكتوبة. (1)
إنّ هذه الرواية تُعد من الاَدلة الواضحة على عدم جواز إقامة نوافل رمضان جماعة، وانّإقامتها كذلك بدعة حدثت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد بسطنا الكلام عنها في كتابنا «البدعة». (2)
2. أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي هبيرة الاَنصاري، عن أبيه ، عن زيد ابن ثابت، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : نضَّر اللّه امرأً سمع مقالتي فبلّغها، فربَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
زاد فيه عليّبن محمد: «ثلاث لا يُغلُّ عليهنَّ قلب امرىَ مسلم: إخلاص العمل للّه، والنصح لاَئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم. (3)
3. أخرج أحمد، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول
____________
1 . صحيح مسلم: 2|188. باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
2 . البدعة، ص 154ـ 198.
3 . سنن ابن ماجة:1|84 برقم 230؛ مسند أحمد:5|182.

الصفحة 218

اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم خليفتي، كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والاَرض، أو ما بين السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض (1)
هذه بعض رواياته الرائعة استعرضناها، فلنعطف عنان الكلام إلى ما عُزِي إليه مما يخالف الموازين السالفة الذكر.

1. عذاب بلا ذنب:
أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن الديلمي، عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول اللّه، يقول: لو انّ اللّه عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. ولو كان لك مثل أُحد ذهباً أو مثل جبل أُحد ذهباً تنفقه في سبيل اللّه ما قبله منك حتى توَمن بالقدر كله . فتعلم انّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وانّك إن متَّ على غير هذا دخلت النار. (2)
والحديث وإن نقل عن ثلة من الصحابة كأبي بن كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وزيد بن ثابت، لكن يرده العقل الحصيف و الفطرة السليمة، إذ انّ هنا كلاماً مع غض النظر عن مسألة التحسين والتقبيح وهل هما عقليان أو شرعيان وهو:
إنّ الوجدان خير شاهد على قبح تعذيب البريء من أي فاعل صدر، سواء كان الفاعل هو الواجب أو الممكن، فلو لم يتمكن العقل من درك هذا المقدار من التحسين والتقبيح فلا يصحّ له القضاء في أيّ أمر يمتّ إليه بصلة.
نعم انّ السماوات والاَرض وما فيهما ملك للّه تبارك وتعالى لا ينازعه فيها أحد، فلو عذب أهلهما لا يمنعه منه شيء، ولكن هل يجوز له حسب
____________
1 . مسند أحمد: 5|181 ـ 182.
2 . سنن ابن ماجة:1|30 برقم 77.


الصفحة 219

حكمته وعدله أن يعذب البريء، ويدخل الطفل الرضيع النار بحجة انّه ملكه؟ كلاّ.لا، إذ عندئذٍ يكون ظالماً وجائراً ويكون مناقضاً لحكمته وعدله.
وقد احتكم سبحانه في غير واحد من المسائل إلى العقل والفطرة، فقال: (أَفَنَجْعَلُالمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ) (القلم|35) ويقول سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالمُفْسِدِينَ فِي الاََرْضِأَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجّار )(ص|28) أي لا نجعلهما على حد سواء لاَنّه قبيح.
انّ المتبادر من الآيات الآمرة بالعدل والناهية عن الظلم هو انّ الاِنسان إذا رجع إلى فطرته تتجلى له تلك الحقيقة ويتميّز عنده العدل عن الظلم دون أدنى ريب، يقول سبحانه: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِوَالاِِحْسانِ وَإِيتاءِذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِوَالمُنْكَرِوَالبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل|90).
والدليل على ذلك انّ كلّ إنسان يدرك من صميم ذاته معنى العدل والظلم وغيرهما ممّا يرجع إلى محاسن الاَفعال ومساويها، ولا يصحّ الاَمر بالعدل ولا النهي عن الظلم إلاّ إذا كان الموضوع (العدل و الظلم) محدداً معروفاً للمكلّف مع قطع النظر عن التشريع، وإلاّ يلزم الخطاب بأمر لم يكن المخاطب واقفاً عليه.
فإذا شهد سبحانه على قيامه بالعدل والقسط أو شهد على نفسه بأنّه ليس بظالم ولا ظلام ولا يظلم الناس، فمعنى ذلك انّه سبحانه يصف نفسه بالعدل والظلم بالمعنى المعروف عند العقلاء قال سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لا إِلهَ إِلاّهُوَ وَالْمَلائِكَة وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ ) (آل عمران|18)، وقال سبحانه:(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد) (آل عمران|182) وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس|44).
فاللّه عادل بنفس المعنى الذي ندركه عن العدل، و ليس بظالم بنفس ذلك المعنى الذي ندركه عن الظلم، و من المعلوم انّ تعذيب أهل الاَرض


الصفحة 220

والسماوات بلا جرم وإثم ظلم يقبحه العقل، ولا يُنسب إلى اللّه سبحانه لمنافاته العدل، فكيف يصحّ أن يقال: إنّ اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم؟! بل يكون ظالماً قطعاً تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
إنّ إنكار إدراك العقل الاَُمور البديهية في مجال الحسن والقبح إعدام للعقل وإطاحة به، ومع رفضه في مجال العقائد لا يمكن أن يثبت شيء من المعارف الاِلهية، فلو أنكرنا قضاء العقل بقبح الكذب أو قبح تزويد الكاذب بالكرامات لا يصح إثبات نبوّة أيّ أحد ولو جاء بمعاجز باهرة، لاحتمال الكذب عليه وعلى مرسله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

2. اتخاذ اليهود قبور الاَنبياء مساجد
أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن ثوبان، عن زيد بن ثابت: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (1)
إنّ ظاهر الرواية يعرب انّ قاطبة اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وما هذا إلاّبسبب التكريم والتبجيل، سواء اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يصلّون فيها أو تبركاً بهم أو يسجدون على قبورهم على نحو يكون القبر مسجوداً عليه أو يسجدون لهم بحيث يكون الركوع والسجود للاَنبياء.
وعلى جميع التقادير (وإن كان التقدير الاَخير بعيداً) فعملهم ـ لو صحّ ـ يعرب عن تكريمهم لاَنبيائهم وتبجيلهم لهم. هذا هو معنى الحديث.
ومن جانب آخر إنّتاريخ اليهود حافل بقتل الاَنبياء والرسل، فكيف يمكن الجمع بين مضمون الحديث والآيات الصريحة الدالة على تحقيرهم لاَنبيائهم؟!
____________
1 . مسند أحمد: 5|184.


الصفحة 221

قال سبحانه: (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لاتَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون) (البقرة|87) وقال سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقتلَهُمُ الاََنْبياءَبِغَيْرِحَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَالحَرِيق) (آل عمران|181) إلى غير ذلك من الآيات المندِّدة بعمل اليهود.
إنّهذا الحديث الذي اتخذه ابن تيمية وابن قيم الجوزيّة ومن لفّ لفّهما ذريعة إلى تحريم الصلاة عند قبور الاَنبياء، حديث لا يعتمد عليه مهما صحّ سنده، لاَنّ المضمون يخالف صريح القرآن والسيرة الثابتة عند اليهود، فانّ اليهود لم يكونوا أهل تكريم وتبجيل لاَنبيائهم، أفمن المعقول عندئذ أن يتخذوا قبورهم مصلّـى؟!وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا «الوهابية في الميزان».

3. حرمان بعض الورثة من الميراث
أخرج أحمد في مسنده عن راشد، عن زيد بن ثابت، انّه سئل عن زوج، وأُخت لام، وأب فأعطى الزوج النصف و الاَُخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول اللّه قضى بذلك. (1)
أقول: لو قلنا بأنّ لفظ «وأب» معطوف على «أُخت» فالوارث في المسألة ثلاثة وهم: بين وارث ذي فرض، ووارث بالقرابة، أمّا الاَوّل فالزوج يرث النصف من المال، والاَُخت لا َُمّ ترث السدس، قال سبحانه في حقّ الزوج: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد) (النساء|12).
وقال سبحانه في حقّالاَُخت للاَُمّ : (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرأةٌ وَلَهُ أَخٌ أَو أُختٌ فَلِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُس) (النساء|12).
____________
1 . مسند أحمد: 5|188.


الصفحة 222

وأمّا الثاني كالاَب فلو كان المورّث ذا ولد ففرضه السدس، لكنَّه خلاف المفروض وإلاّفلا فرض له في الكتاب العزيز، قال سبحانه: (ولاََبَويْهِ لِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلاَُمّهِ الثُلُث) (النساء|11) وهو يرث ما بقي بعد إخراج سهام ذوي الفروض وعلى ضوء ذلك ففي المسألة :
يرث الزوج النصف.
والاَُخت السدس.
والباقي أي الثلث للاَب.
ومع ذلك فكيف ورّث أفرض الصحابة الزوج النصف والاَُخت النصف الآخر وحرم الاَب؟!
هذا إذا قلنا بأنّ الورثة كانوا ثلاثة، وأمّا لو قلنا بعطف لفظ الاَب على الا َُمّ وانّ المراد الا َُخت لاَب وأُم فالوارث اثنان وتقسيم التركة صحيح حسب الذكر الحكيم.
أمّا في جانب الزوج فقد عرفت، وأمّا في جانب الا َُخت فلقوله سبحانه: (إنِ امروٌَا هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصفُ ما تَرَكَ) (النساء|176) لكن يرد على الجواب بأنّ أفرض الصحابة غفل عن النص القرآني، وبرّر عمله بقضاء رسول اللّه بذلك.

4. تحريف القرآن الكريم
أخرج أحمد في مسنده عن كثير بن الصلت، قال: كان ابن العاص، وزيد ابن ثابت يكتبان المصاحف، فمرّوا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة»
فقال عمر: لمّا أنزلت هذه أتيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقلت: اكتبنيها.


الصفحة 223

قال شعبة: فكأنّه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى انّ الشيخ إذا لم يحصن جلد وانّ الشّابّإذا زنى، وقد أحصن رجم. (1)
أقول: إنّ القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة الذي يتميز بأُسلوبه ومضمونه.
والعبارة المحكية عن الخليفة ـ بأنّه من القرآن الكريم ـ كلام حيك على نسق قوله سبحانه: (الزّانيةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مائةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأفَةٌ في دِينِ اللّهِ) (النور|2).
أو قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبَا نَكالاً مِنَ اللّه) (المائدة|38).
ولو افترضنا انّ زيداً سمع من رسول اللّه قوله: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا » فلا يكون ذلك دليلاً على أنّه من القرآن الكريم، بل هو كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ألقاه لبيان حكم اللّه الشرعي.
ثمّ إنّ القول بالتحريف يخالف النصّ الصريح للذكر الحكيم، قال سبحانه: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) (الحجر|9).
وقال سبحانه: (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَمِيد) (فصلت|42) وأيُّ باطل أوضح من تطرّق الزيادة والنقيصة إلى تلك المعجزة الخالدة.
والعجب انّالذين يروون هذه الروايات الضعيفة يتهمون الشيعة بالتحريف، وفاتهم انّ العثور على رواية في هذا الصدد في كتبهم لاتكون دليلاً على العقيدة، وعلى فرض التسليم فكتب هوَلاء أيضاً تعجّ بالاَحاديث التي تدل على التحريف.
____________
1 . مسند أحمد: 5|183؛ وانظر سنن الدارمي: 2|179، باب في حد المحصنين بالزنا.


الصفحة 224

5. عدم سجود النبي عند قراءة سورة النجم
أخرج أبو داود في سننه، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، قال: قرأت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) النجم فلم يسجد فيها. (1)
إنّ الحديث يخالف ظاهر القرآن الكريم حيث ورد فيه السجود بصيغة الاَمر الظاهر في الوجوب، قال سبحانه: (أَفَمِنْ هذا الحَديثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ * فاسجُدُوا للّهِ واعْبُدُوا) (النجم|59ـ 62).
نعم لو ثبت فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكون قرينة على حمل الاَمر في الآية على استحباب السجود لكن الروايات المتضافرة دلّت على وجوبه.
أخرج البخاري، والترمذي وابن مردويه عن ابن عباس، قال: سجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والاِنس.
وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة (والنجم) فسجد وسجد من معه.
وأخرج سعيد بن منصور، عن سبرة، قال: صلّى بنا عمر بن الخطاب الفجر، فقرأ في الركعة الاَُولى سورة يوسف، ثمّ قرأ في الثانية النجم، فسجد، ثمّ قام: فقرأ إذا زلزلت ثمّ ركع. (2)

6. العثور على آية عند خزيمة
أخرج البخاري في صحيحه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، انّ زيد بن
____________
1 . سنن أبي داود: 2|58 برقم 1404.
2 . الدر المنثور: 7|668.


الصفحة 225

ثابت، قال: نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الاَحزاب كنت أسمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بها، فلم أجدها إلاّمع خزيمة بن ثابت الاَنصاري الذي جعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شهادته شهادة رجلين، وهو قوله: (مِنَ المُوَْمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْه) . (1)
قد عرفت أنّ القرآن الكريم جمع في عصر الرسالة وانّ القول بجمعه بعد رحيله يخالف العقل والنقل.
والعجب انّ القرآن الكريم الذي كان يسمعه مئات الصحابة وهم يعدون في طليعة الحفّاظ كيف نسي الجميع هذه الآية على وجه لم يجدها زيد بن ثابت إلاّ عند خزيمة بن ثابت؟! ومعنى ذلك انتهاء القرآن الكريم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخبر الواحد، وكون شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين لا يخرجها عن حدّ خبر الواحد.
على أنّ زيداً قد اعتمد في كتابة آخر آية من سورة البراءة على نفس ذلك الشخص، وفاته انّ تلك التشبثات لا تضفي على القرآن وصف التواتر.

7. نهي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة الحديث
أخرج أبو داود في سننه، عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه.(2)
إنّ البحث في منع الرسول عن كتابة حديثه ذو شجون، وقد استوفينا الكلام فيه في مقدمة هذا الكتاب، فلو كان الرسول أمر بمحو ما كتب فهو «صلى
____________
1 . صحيح البخاري: 4|19، باب قول اللّه تعالى (من الموَمنين) ؛ سنن الترمذي: 5|284ـ 285 برقم 3104.
2 . سنن أبي داود: 3|318ـ 319 برقم 3647.ورواه أحمد في مسنده:3|12 عن أبي هريرة.


الصفحة 226

الله عليه وآله وسلم» أُسوة، كما قال اللّه تبارك وتعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الاَحزاب|21).فلنقتد جميعاً برسول اللّه ولنحرق جميع الصحاح والمسانيد والسنن، ولم يكن أمر الرسول أمراً موَقّتاً مقطعياً وإنّما كان أمراً شمولياً عبر الزمان، أفيصح ذلك في منطق العقل؟! كيف ولو انفصلنا عن السنة لخفي علينا معالم الدين والشريعة؟!
كيف يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمحو كتابة الحديث مع أنّه كتب إلى الاَساقفة وشيوخ القبائل والروَساء كتباً ورسائل اتّفق فيها معهم على أُمور؟ وهذه الكتب كانت موجودة في أيدي الناس ولم يأمر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بمحوها وإبطالها.
أمر القرآن الكريم بكتابة الدين مهما كان صغيراً أو كبيراً، أو ليس لكلامه ـ نعوذ باللّه ـ قيمة بمقدار الدين.
كلّذلك يعرب عن أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسياً من جانب الخلفاء، ولم يكن له أصل دينيّ، ولذلك لما بلغ السيل الزبى، وتسرّبت كثير من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات إلى أوساط المسلمين. وقف المسلمون وفي طليعتهم عمر بن عبد العزيز على الخسارة الفادحة التي منوا بها من جرّاء ذلك، فكتب إلى أبي بكر بن حزم بضبط الحديث وتدوينه من رأس، قائلاً: انظر ما كان من حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً. (1)
والذي يوَيد كون الحديث موضوعاً على لسان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رواه ابن داود، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيءٍ
____________
1 . صحيح البخاري: 1|27، باب الحرص على الحديث.


الصفحة 227

أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّشيء تسمعه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّحقّ. (1)

8. البداء المحال في الوحي
أخرج البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد الساعدي، انّه قال: رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا انّ زيد بن ثابت أخبره انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أملى عليه:«لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه».
قال: فجاءه ابن أُمّمكتوم وهو يمليها عليّ، فقال: يا رسول اللّه لو أستطيعُ الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على رسوله «صلى الله عليه وآله وسلم» وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتّى خفت ان ترضّ فخذي ثم سُرّيَ عنه، فأنزل اللّه عزّوجلّ ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَر) (النساء|95). (2)
أقول: إنّ فصل الخاص عن العام، والمقيد عن المطلق أمر جائز في التشريع الاِسلامي، لاَنّالسنة الاِلهية جرت على بيان الاَحكام الشرعية بالتدريج، وهذا مما لا مشاحة فيه . إنّما الكلام في الآية المباركة التي ليست بصدد بيان الحكم الشرعي حتى يتماشى فيها الضابطة المذكورة، وإنّما هي بصدد بيان حقيقة وهي عدم استواء القاعد و المجاهد، فإذاً الموضوع امّا هو مطلق القاعد أو القاعد غير أُولي الضرر.
فلو كان الموضوع ـ في الواقع ـ هو مطلق القاعد، فلماذا أُضيف إليه قيد
____________
1 . سنن أبي داود: 3|318 برقم 3646.
2 . صحيح البخاري: 4|24 و25 باب قول اللّه تعالى: (لا يَسْتَوي القاعِدُونَ مِنَ الموَمِنينَ) .


الصفحة 228

(غير أُولي الضرر) في المرّة الثانية، ولو كان الموضوع منذ أوّل الاَمر هو المقيد (أي لا يستوي القاعدون غير أُولي الضرر) فلماذا فصل عنه القيد في المرّة الاَُولى وضمّ إليه ثانياً ؟ ومعنى ظاهر الرواية حدوث البداء على اللّه سبحانه، وظهور ما خفي عليه وهو أمر محال، فلم يعلم وجه هذا الفصل إلاّ أن تكون الغاية تكريم ابن أُمّ مكتوم وهذا أمر بعيد، فالحكم بوضع الرواية أحسن من هذا التوجيه.
وقد زعم أبو جعفر الطحاوي انّ الاِشكال يكمن في التسوية بين القاعدين لعذر وبغير عذر.
فأجاب انّه سبحانه لم يقصد من القاعدين في الآية القاعدين بالزمانة مع النية انّهم لو أطاقوا الجهاد لجاهدوا، ولكن ذهب ذلك عن ابن أُمّ مكتوم حتى قال ما قال (1)
أقول: خفي عليه موضع الاِشكال، فانّ محله هو انّه سبحانه إمّا أراد من القاعدين عمومهم، أو خصوص غير القاعدين بالزمانة، فعلى الاَوّل يلزم البداء بإنزال القيد، وعلى الثاني يلزم تأخير القيد المتصل عن الآية وهو كما ترى.

9. الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام
أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن شماسة، عن زيد بن ثابت، قال:
بينا نحن عند رسول اللّه نوَلّف القرآن من الرقاع، إذ قال: طوبى للشام، قيل: ولِـمَ ذلك يا رسول اللّه؟ قال: لاَنّ ملائكة الرحمن باسطوا أجنحتها عليه.(2)
____________
1 . مشكل الآثار: 2|154.
2 . مسند أحمد: 5|184.


الصفحة 229

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح من نطق بالضاد، فهو لا يتكلم اقتضاباً إلاّ أن يكون في المقام أدنى مناسبة، فلو افترضنا انّ زيداً كان يوَلف القرآن من الرقاع، ولم يكن يتكلّم مع النبيفبأيِّ مناسبة ألقى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلامه وأظهر فضائل الشام؟ وأغلب الظن انّ الحديث وضع في أوائل العهد الاَموي لتثبيت أركان الجهاز الحاكم.

10. ضرورة اتخاذ الخليفة من المهاجرين
أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: لما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام خطباء الاَنصار فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منّا، فنرى أن يلي هذا الاَمر رجلان، أحدهما منكم، والآخر منّا، قال: فتتابعت خطباء الاَنصار على ذلك، قال: فقام زيد بن ثابت، فقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من المهاجرين، وإنّما الاِمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنّا أنصار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقام أبو بكر، فقال: جزاكم اللّه خيراً من حيٍّ يا معشر الاَنصار وثبّت قائلكم، ثمّقال: واللّه لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم.(1)
إنّ الخلافة كالرسالة فرع وجود موَهلات و صلاحيات توَهل الاِنسان لاَن يشغل منصَّة الخلافة ويقوم بنفس الوظائف المخوّلة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى النبوّة، وعلى ضوء ذلك فليست العناوين الطارئة كعنوان الاَنصار أو المهاجرين من الموَهلات للقيام بأعباء الخلافة، ولذلك يقول سبحانه: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُرِسالَتَهُ ) (الاَنعام|124). فما صرح به زيد من أنّ الرسول كان من المهاجرين فليكن الاِمام منهم،من الوهن بمكان لعدم الدليل على الملازمة.
____________
1 . مسند أحمد:5|185.


الصفحة 230

وتشهد على بطلانه هذه الوثيقة التاريخية:
لما عرّف الرسول نفسه على بني عامر الذين جاءوا إلى مكة المكرمة في موسم الحج ودعاهم إلى الاِسلام، قال له كبيرهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الاَمر من بعدك؟
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء.(1)
فعلى ذلك فمنطق المهاجرين والاَنصار في مسألة الخلافة منطق غير سديد، إذ ليست الخلافة رهن عنوان المهاجرين والاَنصار، وإنّما هي رهن ملاكات وصلاحيات لا حصر لها، قال سبحانه: (إنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوت مَلِكاً قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُوَْتَ سَعَةً مِنَ المالِقالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللّهُ يُوَْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة|247) فقد انطلق بنو إسرائيل من مبدئية الثراء وكثرة المال، واللّه سبحانه ردّ عليهم وجعل المعيار هو كثرة العلم والقدرة الجسمانية، وأين هذا من منطق الحاضرين في سقيفة بني ساعدة؟!
____________
1 . ابن هشام السيرة النبوية:2|424.


الصفحة 231

 

13
المغيرة بن شعبة


(20ق.هــ ـ 50هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بال قائماً.
2. يعذب الميت بما يُناح عليه.
3. إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القيامة.
4. الدجال معه جبل خبز.
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، يُكنّى أبا عبد اللّه.
روى ابن إسحاق عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستة من بني مالك إلى مصر تجّاراً حتى إذا كانوا ببزاق (1) عدا عليهم فذبحهم واستاق العير وأسلم.
وروى الواقدي: انّه قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه
____________
1 . موضع قريب من مكة.


الصفحة 232

ثياب سفره، وكان أبوبكر عنده فسأله، وقال: أمن مصر أقبلتم؟ قال: نعم، قال: ما فعل المالكيون؟ قال: قلت: قتلتهم وأخذت اسلابهم وجئت بها إلى رسول اللّه ليخمِّسها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمّا إسلامك فنقبله، ولا آخذ من أموالهم شيئاً، لاَنّ هذا غدر ولا خير في الغدر، فأخذني ماقرب وما بعد، وقلت: إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي. وكان قتل منهم ثلاثة عشر فبلغ ثقيفاً بالطائف فتداعوا للقتال، ثمّ أصلحوا على أن يحمل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.
وهذا يعرب انّه التجأ إلى الاِسلام كي يصون به نفسه عن سطوة ثقيف، وقد التقى في الحديبية مع عروة بن مسعود وهو مندوب قريش فلما عرفه عروة ، قال له: يا غدر، واللّه ما غُسِلتْ عني سوأتك إلاّ بالاَمس.
استأمره عمر على البحرين فكرهوه فعزله عمر، ثمّ ولاّه البصرة فبقي عليها ثلاث سنين واتّهم فيها بالزنا، فشهد عليه أبو بكرة ونافع ابنا الحارث وشبل بن معبد وزياد بن أبيه، لكن الاَخير عدل عن شهادته، وقال: لم أر ما قالوا لكن رأيت ريبة و سمعت نفساًعالياً. فكبّر عمر وضرب القوم إلاّ زياداً، ثمّ عزله من البصرة فولاّه الكوفة.
وقد عُدَّ من دهاة العرب الاَربعة، أعني: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه.
ومن نماذج دهائه انّه: دعا معاويةُ عمروَ بن العاص، فقال: أعنّي على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمل عليها ابنك عبد اللّه بن عمرو، قال: فنعم. فبيْناهم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة وكان معتزلاً بالطائف، فناجاه معاوية، فقال المغيرة: أتوَمِّر عمراً على الكوفة وابنه على مصر وتكون كالقاعد بين لحيي الاَسد؟


الصفحة 233

قال: فما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة، قال: فافعل.
فقال: معاوية لعمرو حين أصبح: إنّي قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلّك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستغن برأيه وقوّته عن المكيدة، واعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان فعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت.
فدخل عليه المغيرة، فقال: إنّي أمّرتك على الجند والاَرض ثمّ ذكرتُ سنّة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلتُ.
ومن دهائه أنّ عليّاً لما دفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ألقى المغيرة خاتمه في القبر حتى ينزل في القبر ويجعل ذلك ذريعة إلى الافتخار بأنّه آخر من عَهِدَ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومَسَحَ كفنه، ولكن لم تنطلِ هذه الحيلة على الاِمام (عليه السلام) ، فقال له: لا يتحدث الناس انّك نزلت في قبر نبي اللّهولا يتحدثون انّ خاتمك في قبره، ونزل هو (عليه السلام) في القبر فناوله إياه.
كان المغيرة ينال في خطبته من علي (عليه السلام) وأقام خطباء ينالون منه.
قال الذهبي: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة 50 في شعبان وله سبعون سنة، وله في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وانفرد له البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. هذا بعض ما يمكن أن يذكر في سيرته، وليس الرجل صاحب صحيفة بيضاء، ولنقتصر على ذلك. (1)
وقد بلغ عدد رواياته في المسند الجامع ما يربو على 58 حديثاً. (2)
____________
1 . سير اعلام النبلاء: 3|21ـ32؛ أُسد الغابة: 4|406؛ تاريخ ابن عساكر:17|42؛ طبقات ابن سعد: 4|284 وج 6|20؛ انساب الاشراف:3|68، إلى غير ذلك من المصادر.
2 . المسند الجامع: 15|378 برقم 647.


الصفحة 234

روائع أحاديثه
1. أخرج البخاري في صحيحه، عن الورّاد، كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلاّاللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كلّشيء قدير، اللّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت. (1) ويصدقه قوله سبحانه:54321وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم) (يونس|107).
2. أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة، قال: كسفت الشمس على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم مات إبراهيم فقال الناس: كُسِفتِ الشمسُ لموت إبراهيم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا اللّه.(2)
3. أخرج مسلم في صحيحه عن علي بن ربيعة الاَسدي، قال: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة، قال: فقال المغيرة: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار . (3)
4. أخرج أحمد في مسنده عن رجل من ولد المغيرة بن شعبة عنه، قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المثلة. (4)
5. أخرج الترمذي في سننه، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن
____________
1 . صحيح البخاري: 1|164، باب الذكر بعد الصلاة.
2 . صحيح البخاري: 2|34، باب الصلاة في كسوف الشمس.
3 . صحيح مسلم: 1|8، باب النهي عن الحديث بكلّما سمع.
4 . مسند أحمد: 4|246.


الصفحة 235

شعبة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من حدث عني حديثاً وهو يرى انّه كذب فهو أحد الكذّابين. (1)
هذا شيء من روائع أحاديثه، ولكن عزيت إليه أحاديث لا تصدقها الموازين السابقة، وإليك ما يلي :

1.النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بال قائماً
أخرج ابن ماجة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» أتى سباطة (2) قوم،فبال قائماً. (3)
والرواية لو صحت فإنّما تحمل على صورة الاضطرار، فإنّ البول قائماً ينافي ما ثبت منه خلافه.
قال ابن قدامة: ويُستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، قال ابن مسعود: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً، قالت عائشة: من حدثكم انّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلاّ قاعداً.
قال الترمذي: هذا أصحّ شيء في الباب، وقد رويت الرخصة فيه عن علي (عليه السلام) ، وعمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن سعد، وأنس، وأبي هريرة، وعروة ، ورواه البخاري وغيره ولعلّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ذلك لتبيين الجواز ولم يفعله إلاّمرّة واحدة، ويحتمل انّه في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه. (4)
____________
1 . سنن الترمذي: 5|36 برقم 2662.
2 . سباطة: الكناسة.
3 . سنن ابن ماجة: 1|111 برقم 306.
4 . المغني: 1|156.


الصفحة 236

وما نقله عن عائشة فقد رواه ابن ماجة، انّها قالت: من حدَّثك انّ رسول اللّه بال قائماً فلا تُصدِّقه، أنا رأيته يبول قاعداً. (1) وروى ابن ماجة في سننه عن عمر، انّه قال: رآني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أبول قائماً. فقال: يا عمر: لا تبل قائماً، فما بلت قائماً، بَعْدُ. (2)
وروى جابر بن عبد اللّه قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبول قائماً. (3) وما وجّه به ابن قدامة صدوره من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه كان لتبيين الجواز وجه تافه، إذ بإمكانه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيّنه بكلامه دون حاجة إلى بيانه بالفعل الذي يعدّ من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة، وأمّا نسبة ذلك إلى عليّ ، فالمروي عن أئمّة أهل البيت خلافه. (4)

2. يعذب الميت بمايُناح عليه
أخرج أحمد في مسنده، عن علي بن ربيعة الاَسدي، قال: مات رجل من الاَنصار يقال له قرظة بن كعب فنِيح عليه.
فخرج المغيرة بن شعبة فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: ما بال النوح في الاِسلام أما إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من ينح عليه يعذّب بما يناح به عليه. (5)
قد تناولنا البحث في البكاء على الميت والنياحة عليه عند دراسة أحاديث أبي موسى الاَشعري وذكرنا فيها انّ البكاء على الميت أمر فطري نابع من صميم العاطفة الاِنسانية، ومثله غير خاضع للنهي، وإنّما المنهي عنه هو التكلّم والدعاء
____________
1 . سنن ابن ماجة: 1|112 برقم 308ـ 309.
2 . سنن ابن ماجة: 1|112 برقم 308ـ 309.
3 . سنن ابن ماجة: 1|112 برقم 308ـ 309.
4 . الوسائل: الجزء 1، الباب 16 من أحكام الخلوة، الحديث 1.
5 . مسند أحمد: 4|245.


الصفحة 237

بالويل والثبور وكل ما يُسخط الرب والاعتراض على قضائه وقدره .
أخرج ابن ماجة في سننه، عن مكحول والقاسم، عن أبي امامة: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن الخامشة وجهها، والشاقّة جيبها والداعية بالويل والثبور. (1)
ومعنى هذا، انّ المنهيّ عنه نظير هذه الاَعمال الخارجة عن أدب التسليم والرضا بقدره وقضائه.
وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنياحة على حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، كما بكى (صلى الله عليه وآله وسلم) على ولده إبراهيم وبكت معه الصحابة.
وما تضمنه الخبر من أنّالميت يعذب بما يناح عليه، يخالف القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) (الاَنعام|164) فهو من قبيل أخذ البريء بجرم المذنب، والعقل الحصيف يردّه.

3.إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحوادث إلى يوم القيامة
أخرج أحمد في مسنده، عن محمد بن كعب القرظي، عن المغيرة بن شعبة، انّه قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقاماً فأخبرنا بما يكون في أُمّته إلى يوم القيامة، وعاه من وعاه ونسيه من نسيه. (2)
إنّ الاِخبار عن الحوادث التي تقع في حياة الاَُمّة الاِسلامية محمول على وجه الاِجمال دون التفصيل وذكر روَوس الحوادث دون الخوض في تفاصيلها وإلاّ لاستغرق مدة مديدة ربّما لا يتسع لها عمر المتكلّم والسامع.
وعلى ذلك فهل وعى المغيرة بن شعبة من تلك الاَخبار شيئاً مفيداً لحال الاَُمّة أو كان ممن نسي الجميع؟ فلو كان ممن وعاه، فلماذا لم يخبر الاَُمّة بما سمعه ولم يُبيّـن جانباً من تلك الجوانب؟ ولو كان ممن نسيه، فهذا يعرب عن
____________
1 . سنن ابن ماجة:1|505 برقم 1585.
2 . مسند أحمد: 4|254.


الصفحة 238

ضعف ذاكرته، حيث لم يضبط شيئاً ممّا سمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حول تلك الحوادث المهمة التي تتشوق النفس إلى معرفتها وحفظها، وعند ذاك لا يمكن الاعتماد والركون إلى جميع ما أخبر به عن النبي من أحاديث رواها عنه أصحاب الصحاح والمسانيد.
وقد نقل أيضاً عن حذيفة، انّّه قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقاماً فحدثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه من حفظه و نسيه من نسيه.
قال الذهبي بعد نقل الرواية في ترجمته: قلت: قد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرتّل كلامه ويفسّره، فلعلّه قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء، فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود لما تهيّأ أن يقوله في سنة، بل ولا في أعوام، ففكّر في هذا. (1)
وهذا التوجيه لو تمّ فإنّما يتم على رواية المغيرة بن شعبة، دون رواية حذيفة ابن اليمان الآنفة الذكر حيث خصّص الاَوّل بيانهلما يقع في أُمّته دون الثاني حيث عمّم بيانه لما هو كائن إلى قيام الساعة.

4. الدجال معه جبل خبز
أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة: ما سأل أحد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الدّجّال ما سألته، وانّه قال لي: ما يضرّك منه؟ قلت لاَنّهم يقولون: إنّه معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على اللّه من ذلك. (2)
وروى مسلم عنه انّه قال: ما سأل رسول اللّه أحد عن الدجال أكثر ممّا سألته عنه، فقال لي: أي بُنيّوما ينصبك منه انّه لن يضرك؟ قال: قلت: إنّهم
____________
1 . سير أعلام النبلاء:2|366 برقم 76.
2 . صحيح البخاري: 9|59، باب ذكر الدجال.


الصفحة 239

يزعمون أنّ معه أنهار الماء وجبال الخبز، قال: هو أهون على اللّه من ذلك. (1)
لا شكّ انّاللّه سبحانه أقدرُ على ذلك وأهون عليه وانّكلّممكن بالنسبة إليه سواء فلا يتصور فيه اليسر ولا العسر إذا كان الشيء بذاته أمراً ممكناً غير ممتنع. وقال علي (عليه السلام) : «ما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء». (2) ولكن الكلام في أنّه هل من الممكن عقلاً و منطقاً تزويد الدجال المضلّ بتلك الكرامات الكبيرة والمعجزات الباهرة التي هي خير ذريعة لاِضلال الناس؟
وبعبارة أُخرى: انّ تزويده بتلك القُدُرات الخارقة للعادة، يوجب التفاف الناس حوله وإيمانهم به وبدعوته، وهو غير جائز ببداهة العقل إذ معنى ذلك إنّه سبحانه مهد الطريق لاِضلال الناس، وحكمته سبحانه تصدّنا عن تجويزه عليه قال سبحانه: (وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاََقاوِيل* لاََخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) (الحاقة|44ـ47).
ومفاد الآية: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان صاحب معاجز وكرامات باهرة فالناس بطبعهم يلتفون حوله ويرون ذلك دليلاً على اتصاله باللّه وكونه سفيراً من قبله، فلو تقوّل ـ والعياذ باللّه ـ على اللّه سبحانه والحال هذه، فمقتضى حكمته أن يأخذ منه باليمين ويقطع منه الوتين بلا تريّث وتردد.
ومع ذلك فكيف يزوّد دجال العصر الذي أخبر عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير واحد من أحاديثه بهذه القدرات الغيبية ويُمهله مدّة مديدة لاِضلال الناس ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين؟!
____________
1 . صحيح مسلم: 6|177، باب جواز قوله لغيره يا بني.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 185.


الصفحة 240

 

14
جرير بن عبد اللّه البجلي


( ... ـ 51هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
روَية اللّه يوم القيامة
ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حشم بن عوف البجلي القسري، أبو عمرو، وقيل أبو عبد اللّه، من أعيان الصحابة .
حدّث عنه: أنس، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وهمّام بن الحارث، وأولاده الاَربعة: المنذر، وعبيد اللّه، وإبراهيم، وأيوب، وشهر بن حوشب، وزياد بن علاقة، وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.
قال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال: قدم جرير البجلي في رمضان سنة عشر ومعه من قومه خمسون ومائة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا.
شهد حرب القادسية ثمّ نزل الكوفة، ولما قدم أمير الموَمنين علي «عليه


الصفحة 241

السلام» الكوفة بعد وقعة الجمل، كتب إلى جرير وكان عاملاً لعثمان على همدان يدعوه إلى البيعة، فكتب إليه جرير جواب كتابه بالطاعة ثمّ أقبل إلى الكوفة فبايعه، بعثه الاِمام علي (عليه السلام) رسولاً إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والاَنصار من طاعته.
قال ابن عساكر: سكن جرير الكوفة، ثمّ سكن قرقيسياء، وقدم رسولاً من عليّ إلى معاوية.
توفي جرير سنة إحدى وخمسين.
ومسند جرير نحو من مائة حديث بالمكرر، اتّفق له الشيخان على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة. (1)
عدّ من المقلِّين في الفتيا من الصحابة، وله في المسند الجامع 57 حديثاً.(2)
وقد عزيت إليه أحاديث رائعة وأُخرى سقيمة.

فمن روائع أحاديثه:
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد اللّه، قال:
جاء ناس من الاَعراب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثّالناس على الصّدقة فأبطأوا عنه حتّى روَي ذلك في وجهه. قال: ثمّ إنّ رجلاً من الاَنصار جاء بصُرّة من ورق
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 2|530 برقم 108؛ أُسد الغابة:1|279؛ الطبقات الكبرى لابن سعد: 6|22.
2 . المسند الجامع: 4|486 برقم 89.


الصفحة 242

ثمّ جاء آخر، ثمّ تتابعوا حتى عرف السّرور في وجهه.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سنَّ في الاِسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أُجورهم شيء؛ و من سنّ في الاِسلام سنّة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء. (1)
2. أخرج الحميدي عن قيس بن أبي حازم، قال: قال لي جرير: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مَنْ لا يَرْحم الناس لا يرحمه اللّه عزّوجلّ. (2)
وعزي إليه حديث لا يستقيم مع الضوابط المقررة.

روَية اللّه يوم القيامة
أخرج الحميدي في مسنده، عن قيس، قال: قال لي جرير بن عبد اللّه:
كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: أما إنّكم سترون ربّكم، كما ترون هذا، لا تضامُّون في روَيته، فمن استطاع منكم لا يغلب على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثمّ قال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) (طه|130). (3)
قوله: «لا تضامّون » امّا بالتخفيف بمعنى لا يحصل لكم ضيم، وبالتشديد أي لا تزاحمون.
وحاصل الحديث: انّ ثمّة فرق بين روَية الهلال وإراءته للآخرين وبين
____________
1 . صحيح مسلم:8|61، باب من سنّ سنة حسنة أو سيئة.
2 . مسند الحميدي: 2|351برقم 802.
3 . مسند الحميدي: 2|350 برقم 799.


الصفحة 243

روَية البدر، فالاَوّل لاَجل ضآلة روَيته فهو بحاجة إلى مشاركة الناس بغية روَيته، بخلاف البدر فهو لاَجل وضوح روَيته لا يحتاج إلى تلك العناية، بل يراه كلّ الناس في محله وموضعه.
إنّ مسألة الروَية من المسائل المستوردة من اليهود الذين كانوا يصرّون على موسى أن يريهم الرب في ميقاتهم، فنزل عليهم ما نزل.
ولما كان عليّ (عليه السلام) من المنكرين للروَية والقائلين بالتنزيه، عمد مخالفوه إلى نقل روايات حول الروَية عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مقابلة له.
وقيس بن أبي حازم كان من مناوئي علي (عليه السلام) و مخالفيه.
يقول ابن حجر: وقد تكلّم أصحابنا فيه فمنهم من رفع قدره وعظّمه وجعل الحديث عنه من أصح الاسناد، ومنهم من حمل عليه، و قال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الاَحاديث على أنّها عندهم غير مناكير، وقالوا : هي غرائب. ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقالوا: كان يحمل على عليٍّ، والمشهور عنه انّه كان يقدّمُ عثمان ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه. (1)
أقول: ما قيمة رواية تخالف الذكر الحكيم حيث يقول: (لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِير ) (الاَنعام|103) ويقول سبحانه مخاطباً لموسى : (لَنْ ترانِي ) (الاَعراف|143) ولفظة «لن» في لغة العرب للتأبيد، و قد تكلمنا حول الروَية في هذا الكتاب فلا نعيد.
وتخالف أيضاً العقل الصريح الذي به عرفنا اللّه سبحانه، والذي يحكم بامتناع روَيته لاستلزامها كونه جسماً أو جسمانياً، محاطاً واقعاً في جهة ومكان ـ تعالى عن ذلك علواً كبيراً ـ .
____________
1 . تهذيب التهذيب: 8|388.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة