الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 152
 

7
طلحة بن عبيد اللّه التيمي


(26ق. هـ ـ 36هـ )
سيرته وأحاديث الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1.تأبير النخل لا يُغني عن شيء.
2. عمروبن العاص من صلحاء قريش.
طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التيمي، وأُمه الصعبة بنت عبد اللّهبن مالك، وهو من السابقين الاَوّلين إلى الاِسلام، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة آخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين طلحة وبين أبي أيّوب الاَنصاري، وهو أحد أصحاب الشورى، ولم يشهد بدراً وشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أُحد بلاءً عظيماً، ووقى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه و اتّقى عنه النبل بيده. (1)
وقد اتفق أصحاب المعاجم انّه كان يملك ثروة عظيمة.
نقل الذهبي عن ابن سعد، قال: كان طلحة يغلّ بالعراق أربعمائة ألف،
____________
1 . أُسد الغابة: 3|59ـ 60.


الصفحة 153

ويغلُّ بالسراة عشرة آلاف دينار، أو أقل أو أكثر، وبالاَعراض (1) له غلات، وكان لا يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلاّ كفاه و قضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كلّ سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفاً. كما قضى عن عبد اللّه بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.
قال الحميدي: كانت غلة طلحة كلّ يوم ألف وافٍ. (2)
ثمّ نقل عن الواقدي عن موسى بن طلحة انّ معاوية سأله، كم ترك أبو محمد (طلحة) من العين؟ قال: ترك الفي ألف درهم و مائتي ألف درهم و من الذهب مائتي ألف دينار. (3)
هذه الثروة المكتنزة ملكها الرجل في عصر الخلفاء في حين انّأباذر كان يجود بنفسه جوعاً في ربذة.
وقد مات علي (عليه السلام) ولم يترك من البيضاء والصفراء إلاّ سبعمائة درهم.
وقال ابن سعد نقلاً عن بنت عوف، قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم، ومائتا ألف درهم، وقُوِّمت أُصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم. (4)
ولو أراد الباحث أن يجمع روَوس ما كان يملكه طلحة فعليه الرجوع إلى كتب التاريخ،والحديث عن ثروته التي اقتناه بعد رحيل الرسول خارج عن نطاق البحث، وقد أشرنا إليها في المقام ليعلم ان نكثـه لبيعة علي بن أبي طالب «عليه السلام» لم يكن إلاّ لعدم تحمّله لسيرة الاِمام في بيت المال، إذ هو القائل لمّا تصدى للخلافة.
____________
1 . اعراض المدينة قراها التي في أوديتها.
2 . الوافي درهم وأربعة دوانق.
3 . سير اعلام النبلاء: 1|32ـ33.
4 . طبقات ابن سعد: 3|222.


الصفحة 154

«واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الاِماء لرددته، فانّ في العدل سعة و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق». (1)
إنّ الرجل نكث بيعته مع علي (عليه السلام) ، فقاد حرب الجمل على الاِمام المفترضة طاعته، امّا بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو الحقّ، أو باعتبار بيعة المهاجرين والاَنصار له، فندم قبل هلاكه ـ ولما ينفعه النـدم ـ فقتل عام 36هـ في جمادى الآخرة، ودفن قريباً من البصرة، وبذلك يعلم حال ما روي في حقّه من الفضائل.
وله في مسند «بَقيّ بن مَخْلَد» ثمانية وثلاثون حديثاً له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث، وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 22 حديثاً (2) وهو من المقلّين في حقل الحديث.
وله أحاديث رائعة و إن عزي إليه مالا تنطبق عليه الموازين السالفة الذكر.

روائع أحاديثه:
1. أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه انّه سمع طلحة بن عبد اللّه، يقول: جاء رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دويّصوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاِسلام.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصيام رمضان، قال: هل عليّ غيره، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: وذكر له رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» الزكاة، قال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
____________
1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 13.
2 . المسند الجامع: 7|547 برقم 320.


الصفحة 155

أفلح ان صدق. (1)
2. أخرج أحمد، عن يحيى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد اللّه: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا رأى الهلال، قال: اللهمّ أهلّه علينا باليمن والاِيمان، والسلامة والاِسلام، ربي وربك اللّه. (2)
3. أخرج أحمد، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال:
قلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد. (3)
وقد رويت عنه روايات تخالف الضوابط المذكورة.

1. تأبير النخل لا يُغني عن شيء
أخرج مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال:
مررت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على روَوس النخل، فقال: ما يصنع هوَلاء.
فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فيتلقح.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانّي إنّما ظننت ظنّاً فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به فإنّي لن اكذب على اللّه عزّ وجلّ. (4)
____________
1 . صحيح البخاري: 1|14، باب الزكاة من الاِسلام؛ صحيح مسلم: 1|30، كتاب الاِيمان.
2 . مسند أحمد: 1|162.
3 . مسند أحمد: 1|162.
4 . صحيح مسلم: 7|95، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.


الصفحة 156

وروى عن رافع بن خديج: قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه، فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر.(1)
والعجب انّمسلم النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب «أسماه» بوجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
نحن نعلق على الحديث تعليقاً مختصراً، ونحيل التفصيل إلى القارىَ.
أوّلاً: نفترض انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبيّاً، ولا أفضل الخليقة، ولم ينزل عليه الكتاب والحكمة، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز و عاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكلّ من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ فيجيبونه انّهم «يلقحونه».
أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خافياً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
ثانياً: كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النهي عن التلقيح الذي هو سنة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، قال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت ِاللّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر|43) ومع ذلك فكيف يقول: ما أظن يغني ذلك شيئاً.
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، وأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّوجلّ»لاَنّ فيه
____________
1 . شرح النووي على صحيح مسلم: 15|125ـ126، الباب 38، كتاب الفضائل.


الصفحة 157

تلميحاً إلى أنّه ـ و العياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.
فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة فسيعقبها ـ العياذ باللّه ـ جهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبسط السنن الجارية في الحياة فهل يصحّ التفوّه بذلك؟!
كيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعتذر عمّا قال، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر، مع أنّهيقول في جواب عبد اللّه بن عمر (حيث نقل إليه اعتراض قريش عليه) «بأنّه يكتب كل شيء يسمعه من رسول اللّه، ورسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب والرضا». مومياً باصبعه إلى فيه: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق.(1)

2. عمرو بن العاص من صلحاء قريش
أخرج أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: إنّ عمرو بن العاص من صالحي قريش. (2)
ورواه الترمذي بالسند التالي: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو أُسامة عن نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد اللّه...الخ.
وقال الترمذي: هذا حديث إنّما نعرفه من حديث نافع بن عمر الجمحي، ونافع ثقة وليس اسناده بمتصل،وابن أبي مليكة لم يدرك طلحة.
إذا كان هذا حال السند، فيعرف به حال المضمون ولكن يكفي لنا دراسة إجمالية لسيرة عمرو بن العاص ليتبين انّه هل كان من الصالحين؟ بل الرواية
____________
1 . سنن أبي داود: 3|318 برقم 3646.
2 . مسند أحمد: 1|161، ونقله الترمذي برقم 3845.


الصفحة 158

تخالف ما هو الثابت في التاريخ الصحيح.
وإليك هذه الوثيقة التاريخية:
لما علم معاوية انّالاَمر لم يتم له ان لم يبايعه عمرو، فقال له: يا عمرو؟ اتَّبعْني، قال: لماذا؟للآخرة؟ فواللّه ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فواللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها.
قال: فأنت شريكي فيها، قال: فاكتب لي مصر وكورها.
فكتب له مصر وكورها وكتب في آخر الكتاب وعلى عمرو السمع والطاعة.
قال عمرو : واكتب: انّ السمع و الطاعة لا ينقصان من شرطه شيئاً.
قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا، قال عمرو: حتى تكتب.
قال: فكتب، واللّه ما يجد بُدّاً من كتابتها،... وعمرو يقول له، إنّما أُبايعك بها ديني.
وكتب عمرو إلى معاوية:
معاوي لا أُعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
وما الدين والدُّنيا سواءٌ وإنّني * لآخذ ما تُعطي ورأسي مقنَّع (1)

ومن أراد أن يقف على شخصيته من حيث نسبه وإسلامه ودهائه، فعليه أن يطالع كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه وكلمات الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) وسائر الصحابة والتابعين ليقف على أنّه هل كان من الصلحاء أو أنّه كان بوَرة الفتن والفساد؟
وقد قام العلاّمة المحقّق عبد الحسين الاَميني بدراسة وافية لسيرته في كتابه الغدير. (2)
____________
1 . العقد الفريد: 5|92، دار الكتب العلمية.
2 . الغدير:2|114ـ 176.


الصفحة 159

 

8
حذيفة بن اليمان العبسي


( ... ـ 36هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. نفاة القدر مجوس هذه الاَُمة 2.وجوب إطاعة الجائر
3. الاقتداء بالشيخين 4. غفران اللّه لمن أمر بحرق نفسه بالنار
5. الدجال معه ماء ونار6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة
هو حذيفة بن حسل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن غطفان، أبو عبد اللّه العبسي، و اليمان لقب حسل بن جابر، وإنّما قيل له ذلك، لاَنّه أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الاشهل من الاَنصار، فسماه قومه اليمان لاَنّه حالف الاَنصار وهم من اليمن.
روى عنه: ابنه أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، و زيد بن وهب وغيرهم، وهاجر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخيّره بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُحداً، وقتل أبوه بها (1) قال الواقدي: آخى رسول اللّه بين حذيفة وعمار.
____________
1 . أُسد الغابة: 1|390ـ 391.


الصفحة 160

سئل عليّ عن حذيفة، فقال: «عَلِمَ المنافقين، وسئل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» ولي حذيفة إمرة المدائن لعمر، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الاَُمة، وقد ناشده عمر، أ أنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أُزكي أحداً بعدك.
قال ابن سيرين: بعث عمر حذيفة على المدائن، فَقُرِىَ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعام آكله ، وعلف حماري هذا ـ ما دمت فيكم ـ من تبن، فأقام فيهم ما شاء اللّه ثمّكتب إليه عمر: أقدم.
فلما بلغ عمر قدومه، كمن له على الطريق، فلما رآه على الحالة التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال أنت أخي وأنا أخوك. (1)
وقد وقف حذيفة بن اليمان على المنافقين وأسمائهم عندما كان يسوق ناقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقودها عمار بن ياسر عند الرجوع من غزوة تبوك، فبينا هم يسيرون إذ التفت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خلفه، فرأى في ضوء ليلة مقمرة فرساناً متلثمين لحقوا به من وراء لينفّروا به ناقته، وهم يتخافتون، فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصاح بهم، وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم، قائلاً: إضرب وجوه رواحلهم.
فارعبهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بصياحه بهم إرعاباً شديداً، وعرفوا بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بمكرهم وموَامرتهم، فاسرعوا تاركين العقبة حتى خالطوا الناس.
يقول حذيفة: فعرفتهم برواحلهم، وذكرتهم لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت: يا رسول اللّه الا تبعث إليهم لتقتلهم؟ فأجابه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في لحن ملوَه الحنان والعاطفة:
إنّ اللّه أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن يقول الناس: إنّه دعا أُناساً من
____________
1 . سير اعلام النبلاء: 2| 363ـ366.


الصفحة 161

قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوه ثمّ أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فانّ اللّه لهم بالمرصاد. (1)
مات حذيفة بالمدائن سنة 36 هـ وقد شاخ.
له في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم 17 حديثاً، وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 140 حديثاً.
إنّ المترجَم صاحب السرّ وقد نقل عنه انّه قال: كان الناس يسألون رسول اللّه عن الخير وكنت أسأله الشر مخافة أن يدركني. (2)
فلاَجل ذلك نرى في أحاديثه كثرة الاِخبار عن الفتنة، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه ثمّننقل بعض ما عزي إليه من الروايات السقيمة.

روائع أحاديثه:
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة في حديث قتيبة، قال: قال نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل معروف صدقة.(3)
2. أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن حذيفة، قال: سأل رجل على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمسك القوم، ثمّ إنّرجلاً أعطاه فأعطى القوم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سنّ خيراً فاستنّ به، كان له أجره ومن أُجور من اتبعه غير منتقص من أُجورهم شيئاً، و من سنّشراً فاستنّ به، كان عليه وزره ومن أوزار من يتبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً. (4)
____________
1 . المغازي للواقدي: 3|1042ـ 1045؛ مجمع البيان: 3|46؛ بحار الاَنوار: 21|247.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|365 نقلاً عن البخاري.
3 . صحيح مسلم: 3|82، باب انّ اسم الصدقة يقع على كلّنوع من المعروف.
4 . مسند أحمد: 5|387.


الصفحة 162

3. أخرج أحمد في مسنده، عن عابس، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من شرط لاَخيه شرطاً لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير ذي منعة. (1)
4. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن حذيفة، انّه بلغه انّرجلاً ينمّ الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يدخل الجنة نمّام. (2)
5. أخرج أحمد في مسنده ،عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ مما أدرك الناس من أمر النبوة الاَُولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. (3)
6. أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن سيرين، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السّفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار. (4)
ولعلّ كونه في النار لاَجل ما يترتب على تلك الاَعمال من أُمور محرمة غير محمودة العواقب.
7. أخرج أحمد في مسنده، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:
إنّها ستكون أُمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّا ولست منهم، ولا يرد عليّ الحوض؛ ومن لم يصدِّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض. (5)
____________
1 . مسند أحمد: 5|404.
2 . صحيح مسلم: 1|70، باب بيان غلظ تحريم النميمة.
3 . مسند أحمد: 5|383.
4 . سنن ابن ماجة: 1|96 برقم 259.
5 . مسند أحمد: 5|384.


الصفحة 163

8. أخرج أحمد عن أبي وائل، عن حذيفة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
ليردنّ عليَّ الحوض أقوام ليختلجون دوني فأقول ربّ أصحابي، ربّ أصحابي، فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (1)
ويوَيده قوله سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) (التوبة|101).
ورواه مسلم بلفظ قريب منه، عن شقيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض، ولاَنازعنَّ أقواماً ثمّ لاَغلبنَّ عليهم، فأقول: يا ربّ، أصحابي، أصحابي، فيقال: أنت لا تدري ما أحدثوا بعدك». (2)
9. أخرج الترمذي في سننه، عن زر بن حبيش، عن حذيفة، في حديث... أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصليت معه المغرب، فصلّى حتى صلى العشاء ثمّ انفتل، فتبعته فسمع صوتي، فقال: من هذا، حذيفة؟ قلت: نعم؛ قال: ما حاجتك غفر اللّه لك ولاَُمّك، قال: إنّهذا ملك لم ينزل الاَرض قط، قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وانّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة. (3)
10. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن عكيم، قال: كنّا مع حذيفة بالمدائن فاستسقى حذيفة، فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضّة فرماه به، وقال: إنّي اخبركم انّي قد أمرته أن لا يسقيني فيه، فانّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا تشربوا في إناء الذّهب والفضة، ولا تلبسوا الدّيباج والحرير،
____________
1 . مسند أحمد: 5|388.
2 . صحيح مسلم: 7|68، باب إثبات حوض نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاته.
3 . سنن الترمذي: 5|660ـ 661 برقم 3781 وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده: 5|392.


الصفحة 164

فانّه لهم في الدنيا وهو لكم في الآخرة يوم القيامة. (1)
هذه بعض روائع أحاديثه، وثمة مرويات عزيت إليه ربّما لا توافق الموازين وإليك نقل بعضها:

1. نفاة القدر مجوس هذه الاَُمّة
أخرج أبو داود في سننه، عن رجل من الاَنصار، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الاَُمّة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحقّ على اللّه أن يلحقهم بالدجال. (2)
لا شكّ انّ القضاء والقدر من العقائد الاِسلامية التي لا يخفى على إنسان له أدنى إلمام بالقرآن والسنة قال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِين* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم) (الدخان|3ـ4).
والليلة المباركة هي ليلة القدر ، قال سبحانه: (إِنّا أَنْزلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْر ) وقد ورد في غير واحدة من الآيات انّ كل ما يصيب الاِنسان فقد قُدِّر من قبل أن يصيبه، قال سبحانه: (ما أَصابَمِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد|22).
فمصير الاِنسان تابع لاَمرين، أحدهما: ما يصيبه من دون أن يكون له فيها دور أو إختيار، كالاَُمور الخارجة عن اختياره من موته ومرضه إلى غير ذلك.
وثانيهما: الاَفعال التي تعد ملاكاً للثواب والعقاب والتحسين والتقبيح. فليس معنى التقدير هو سلب المسوَولية والاختيار عنه، بل تقديره سبحانه، هو
____________
1 . صحيح مسلم: 6|136، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة من كتاب اللباس والزينة.
2 . سنن أبي داود: 4|222 برقم 4691.


الصفحة 165

انّه خلق الاِنسان فاعلاً مختاراً وقدَّر أن يكون هو مصدراً للاَعمال عن اختيار.
أقول: إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في هذه الرواية وغيرها من الاَفكار التي طرحت بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفرّق المسلمين إلى فرقتين.
إحداهما: فرقة تفسّر الكون وما يصدر من الاِنسان بتقديره سبحانه، و انّه لا موَثر ولا فاعل ولا سبب إلاّ اللّه سبحانه، و انّه ليس ثمة دور للفواعل الطبيعية كالنار والماء ولا لغيرهما من الفواعل العالمة والمريدة.
فالقدر بهذا المعنى هو الجبر المطلق، وقد بثتها اليهود في الاَوساط الاِسلامية، ولاَجل ذلك ذهبوا إلى أنّيد اللّه سبحانه مغلولة بعد التقدير لا يمكن له أن يبدل القدر ، قال سبحانه:(وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) (المائدة|64).
وقد اغترّ السُّذّج من المسلمين بهذه الاِسرائيليات، وحيكت العديد من الروايات لدعم فكرة القدر، وإعطائها حجماً أكبر ممّا تستحق، وانّها نافذة تطل على الكون والحياة الاِنسانية وما يصدر من الخير والشرّ، ومنها هذه الرواية.
ثانيهما: إثبات الاختيار للاِنسان وجعل المسوَولية على عاتقه في المجال الذي يناط به الاِيمان والكفر، والثواب والعقاب، والحسن والقبح، على وجه يجتمع مع القول بقضائه سبحانه وقدره بالبيان التالي:
إنّ تقديره سبحانه يشمل جميع العلل والفواعل، والجماد و الحيوان والاِنسان، ولكن تختلف كيفية التقدير حسب اختلاف ذوات الفواعل، فالتقدير في الفاعل الطبيعي هو أن يصدر منه الفعل جبراً بلا اختيار، ومثله ما يصدر من الحيوان، فانّه وإن كان فاعلاً شاعراً، ولكنّه فاعل غير مختار، فالتقدير فيه صدور الفعل عن شعور بلا اختيار.


الصفحة 166

ويقابلها الاِنسان فهو فاعل شاعر مختار، فتقديره سبحانه هو أن يكون مبدءاً لفعله عن شعور واختيار، مختاراً في فعله وتركه، غير مجبور على واحد من الطرفين، فاللازم الاحتفاظ بأصلين:
الاَوّل: شمولية التقدير لكلّ فاعل طبيعي وغير طبيعي، حتى لا يخرج شيء في عام الوجود عن مجال تقديره وقضائه.
الثاني: التحفظ على كون الاِنسان فاعلاً مختاراً يصدق في حقّه قوله سبحانه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَفَلْيَكْفُر ) (الكهف|29).
فأصحاب التقدير الذين يحتلّ عندهم القدر مقاماً شامخاً، يأخذون بالاَصل الاَوّل ويذرون الاَصل الثاني، ولكن الاِنسان الواعي يأخذ بكلا الاَصلين ولا يُبطل أحدهما بالآخر.
فمن أمعن في الروايات المروية حول القضاء والقدر يستنبط انّها تروّج فكرة جبرية يهودية، بزعم انّ التقدير يخرج الاَمر عن اختياره سبحانه، واختيار فاعله فردّ عليها سبحانه بقوله: (وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) (المائدة|46) وغيره مما ورد في تقرير كون الاِنسان فاعلاً مختاراً.

2. وجوب إطاعة الجائر
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سلام، قال: قال حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول اللّه إنّا كنّا بشرّ فجاء اللّه بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم.
قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم، قلوب الشياطين في جثمان انس، قال: قلت: كيف


الصفحة 167

اصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للاَمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. (1)
والحديث محمول على ما إذا كان في النهوض ضدهم والتمردعليهم مفسدة كبرى، وإلاّ فالسكوت امام الظالم وإطاعة أمره تقوية شوكته ودعم لمبدأ الظلم.
وهذا يخالف القرآن الكريم: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبِع هَواهُ وَكانَأَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف|28).
وقال سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً)(الاِنسان|24).
كما يخالف ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
روى الطبري، عن الحسين بن علي (عليهما السلام) ، انّه خطب أصحابه وأصحاب الحر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّقال: أيّها الناس انّرسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه ، يعمل في عباد اللّه بالاِثم و العدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله. (2)
وهذه النصوص الرائعة الموَيدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُميّة وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت أمام ظلم الظالمين ما هي إلاّمفتعلات وضعها علماء البلاط الحاكم ومرتزقتهم بغية تحقيق مآربهم.
____________
1 . صحيح مسلم: 6|20، باب الاَمر بلزوم الجماعة.
2 . تاريخ الطبري: 4|304 حوادث عام 61هـ وقد مرّ النص أيضاً فلاحظ .


الصفحة 168

3. لزوم الاقتداء بالشيخين
أخرج الترمذي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر.
وأخرج عنه أيضاً، قال: كنّا جلوساً عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللّذين من بعدي. وأشار إلى أبي بكر وعمر. (1)
وثمة تساوَلات وتأملات في هذه الرواية:
أوّلاً: انّ الرواية معارضة بنفس ما روي عن حذيفة في ذلك المجال، فقد أخرج الترمذي في سننه عن زاذان، عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول اللّه لو استخلفت، قال: إن أستخلف عليكم فعصيتموه عُذِّبتم، ولكن ما حدَّثكم حذيفة فصدِّقوه و ما أقراكم عبد اللّه فأقروَه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن (2)
ثانياً: لو كان النبي أمر بالاقتداء به في حال يتنبأ عن عدم بقائه كان على الشيخين والمهاجرين في السقيفة الاستدلال بالرواية مع أنّهما لم يحتجّا بها ولا غيرهما أيضاً، بل كان الجهد منصباً على أنّ المهاجرين من عشيرة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وعشيرته أولى بالخلافة من غيرهم.
ثالثاً: انّ الحديث الثاني أيضاً مكذوب على لسان رسول اللّه ،فانّه استخلف غير مرّة استخلافاً عاماً، فتجد استخلافه في الموارد التالية:
____________
1 . سنن الترمذي: 5|609ـ 610 برقم 3662؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة باللفظ الاَخير: 1|37 برقم 97 .
2 . سنن الترمذي: 5|675 برقم 3812.


الصفحة 169

أ. حديث بدء الدعوة
أخرج الطبري وغيره بسنده، عن علي بن أبي طالب، انّه لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبِين) دعا أربعين رجلاً فيهم أعمامه وعشيرته فتكلم بالكلام التالي، وقال:
يا بني عبد المطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم،قال: فأحجم القوم عنها جميعاً،وقلت: ... أنا يا نبي اللّه، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. (1)

ب. حديث المنزلة
روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أهله في المدينة عند توجهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي بن أبي طالب (عليه السلام) سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نازل بالجرف، فقال: ما نشره المنافقون، فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي. (2)
____________
1 . تاريخ الطبري: 2|63ـ64 وغيره من المصادر المتوفرة.
2 . صحيح البخاري: 6|3، غزوة تبوك؛ وصحيح مسلم : 7|120، في فضائل علي؛ السيرة النبوية: 2|519 ؛ إلى غير ذلك.


الصفحة 170

ودلالة الحديث على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفاض على علي (عليه السلام) بإذن من اللّه سبحانه الخلافة، واضحة لاَنّ كلمة «منزلة» اسم جنس أُضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدل على أنّ كلّمقام و منصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعلي (عليه السلام) ، إلاّما استثناه، وهو النبوّة، وقد كان هارون خليفة لموسى بالضرورة.

ج. حديث الغدير
وهوحديث معروف متواتر، وحاصله انّ النبي عندما وصل إلى غدير خم من الجحفة عند منصرفه من حجّة الوداع، أمر بردّ من تقدّم من الحجاج، وحبس من تأخر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الاِبل فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ جنّته حقّ، وناره حقّ، وانّ الموت حقّ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث من في القبور؟
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ قال : أيّها الناس، ألا تسمعون؟
قالوا: نعم.
قال: فانّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين.
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول اللّه؟
قال: الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر عترتي، إنّاللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.
ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى رُوَي بياض آباطهما، وعرفه القوم


الصفحة 171

أجمعون، فقال: أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟
قالوا: اللّه ورسوله أعلم.
قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات ـ ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، الاّ فليبلغ الشاهد الغائب.
ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:
(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) (المائدة|3)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. (1)

4. غفران اللّه لمن أمر بإحراق بدنه بعد الموت
أخرج البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: قال عقبة لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: سمعته يقول: إنّ رجلاً حضره الموت لما آيس من الحياة أوصى أهله إذا متّ، فأجمعوا لي حطباً كثيراً، ثمّ أوْرُوا فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي، فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليمِّ،في يوم حارٍ أو راح، فجمعه اللّه.
فقال له: لِـمَ فعلت؟ قال: خَشْيَتَك، فغفر له. (2)
____________
1 . الغدير: 1|34ـ 42 قد بسط الكلام في مصادر الحديث ورواته قرناً بعد قرن.
2 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار؛وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:8|98، باب في سعة رحمة اللّه تعالى.


الصفحة 172

أقول:رواها أبو هريرة بلفظ آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان رجلٌ يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثمّ أطحنوني، ثمّ ذروني في الريح، فواللّه لئن قدر عليّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً، فلما مات فعل به ذلك، فأمر اللّه الاَرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم.
فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا ربّخشيتك، فغفر له، وقال غيره: مخالفتك يا ربّ. (1)
وقد رواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.
وعلى أيّة حال، فالرواية تنتهي تارة إلى حذيفة بن اليمان، وأُخرى إلى أبي هريرة، وثالثة إلى أبي سعيد الخدري.
وفي الرواية تساوَلات
أولاً: الظاهر انّ الموصي أوصى بما أوصى لئلا يُحشر ويعذب، وزعم انّه سبحانه لا يقدر على حشره إذا أحرق بدنه وذُرّ رماد بدنه في الريح، كما هو ظاهر قوله على ما نقل أبو هريرة «واللّه لئن قدر عليَّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً» وهذا اعتقاد بعجزه سبحانه من حشره، إذا حرق و ذُرّ.
وهذا النوع من العقيدة جهل بقدرته سبحانه (وَما قَدَرُوا اللّه حقّ قَدْرهِِ)(الاَنعام|91) وهو موجب للعقاب لا للغفران، ولما وقف ابن حجر على ذلك اعتذر بأنّ الرجل قال ذلك في حالة دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يوَاخذ بما يصدر منه. (2)
____________
1 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار.
2 . فتح الباري: 6|523 شرح حديث 3481.


الصفحة 173

وأنت خبير بأنّ تلك الوصية بالنحو الوارد في الرواية كاشفة عن أنّه أوصى بذلك وهو في سلامة عقله، فكيف يحمل على أنّه أوصى ذاهلاً وناسياً ؟
وانّه سبحانه وتعالى أعرف بالاِنسان من نفسه، فلماذا يأمر الاَرض بجمع رماده ثمّ يحييه ويسأله: لِـمَ فعلت ذلك ؟
ثانياً: انّ ظاهر الآيات انّ الاِنسان إذا مات فلا يرجع إلى الدنيا إلاّ لغايات خاصة، كإحياء الموتى لغاية إثبات النبوة، أو إحياء أصحاب الكهف لغاية إثبات إمكان المعاد.
قال سبحانه: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ليعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّالسّاعَةَ لا رَيْبَفِيها) (الكهف|21) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحياء الموتى كإحياء عزير (1) لتلك الغاية أيضاً. وأمّا إذا لم تكن ثمة غاية كإتمام الحجّة فلا يرجع إلى الدنيا، ويترك حسابه إلى الآخرة، قال سبحانه: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوت قالَرَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِيُبْعَثُونَ) (الموَمنون|99ـ100).
فنخلص إلى القول: بأنّ الرواية تخالف الذكر الحكيم، مضافاً إلى أنّها أشبه بالاسرائيليات التي روّج لها مستسلمة أهل الكتاب، ثمّ نشرها السُّذّج في أوساط المسلمين دون وعي.

5. الدجال معه ماء ونار
أخرج البخاري، عن عقبة بن عمر، عن حذيفة، انّه سأله وقال: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي سمعته يقول: إنّ مع الدجال إذا خرج ماءً وناراً، فأمّا الذي يرى الناس انّها النار فماء بارد، وأمّا
____________
1 . البقرة: 259.


الصفحة 174

الذي يرى الناس انّه ماء بارد، فنار تحرق، فمن أدرك منكم فليقع في الذي يرى انّها نار، فانّها عذب بارد. (1)
أقول: إنّ الرواية مهما صحّ سندها فهي من الاِسرائيليات، التي لا يقام لها وزن، حتى انّ البخاري ذكرها في باب تحت عنوان ما ذكر عن بني إسرائيل.(2)
وان ذكرها في كتاب الفتن من الجزء التاسع بصورة موجزة. (3)
وذلك أوّلاً: انّ تزويد الدجال بهذه المعاجز يوَدي إلى إضلال الناس، والغاية من خلقة الاِنسان هي الهداية لا الضلالة، وسيوافيك توضيحه عند دراستنا لاَحاديث المغيرة بن شعبة.
وثانياً: انّ اختلاف المرئي في نظر الرائي رهن كون الدجال ساحراً، ويُخيِّل الشيء بصورة عكسه، وهذا أيضاً من أسباب الضلال، فلماذا سلطه سبحانه على العباد.
وأمّا تفسير ابن حجر وقوله: يجعل اللّه باطن الجنّة التي يسخرها الدجال ناراً وباطن النار جنّة. (4)
فهو تفسير بعيد لا يحمل عليه كلام أصحاب البلاغة، فالحقّ أنّ أكثر ما ورد حول الدجال إسرائيليات، لا يذعن بها العقل الحصيف، ولا يُظن لعاقل أن يصدقه، وإن كان أصل ظهور الدجال في آخر الزمان أمراً مسلّماً بين المسلمين.
____________
1 . صحيح البخاري: 4|169، باب ما ذكر عن بني إسرائيل و9|60 باب ذكر الدجال؛ وأخرجه مسلم أيضاً في صحيحه: 8|195، باب ذكر الدجال وصفته ومامعه.
2 . صحيح البخاري: 4|169.
3 . صحيح البخاري: 9|60 ، باب ذكر الدجال من كتاب الفتن.
4 . فتح الباري: 13|99.


الصفحة 175

6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة
أخرج أبو داود ،عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلاّ أنا اخافها عليه إلاّمحمد بن مسلمة، فانّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تضرك الفتنة (1)
أقول: إنّ التاريخ الصحيح لا يصدق الرواية، فإنّ محمد بن مسلمة تخلّف عن بيعة أمير الموَمنين علي (عليه السلام) بعد أن تدافع إليها المسلمون و في طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار ، وقعد عن نصرة الاِمام في معارك الجمل و صفين والنهروان وبقي في المدينة، فالرجل سقط في الفتنة، (أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة|49).
وأغلب الظن انّ الرواية حيكت لاَجل إراءة انّ قيام الاِمام علي «عليه السلام» ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كان فتنة، وقد دخل في هذه الفتنة وجوه المهاجرين والاَنصار، لاَنّهم لم يكونوا مصونين عنها، ولم يدخلها محمد بن مسلمة وجلس في بيته لاَنّه كان مصوناً عنها بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولعمر الحق، لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد انقاذ محمد بن مسلمة وغيره من أصحابه، كان عليه أن يحدد الفتنة موضوعاً ومحمولاً، والآثار الوخيمة المترتبة عليها، حتى يتبيّن الحق لطلابه، ولا يقع فيها جمهور المهاجرين والاَنصار عن عمد أو غفلة، والظاهر انّ هذه الرواية نظير ما رواه أبو موسى الاَشعري عندما اعتذر عن المشاركة في الاَحداث الواقعة بعد مقتل عثمان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما بين أيديكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً ويمسي كافراً، ويمسي موَمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي
____________
1 . سنن أبي داود: 4|216 برقم 4663.


الصفحة 176

فيها خير من الساعي».
قالوا: فما تأمرنا، قال:« كونوا أحلاس بيوتكم». (1)
ومعنى ذلك انّ ما خاض فيه عليّ (عليه السلام) من الحروب الطاحنة ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، كان فتنة، واللازم هو اجتنابها وهل يمكن لمسلم واع أن ينسب علياً إلى إثارة الفتنة مع انّعلياً بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحق، والحقّ معه حيث ما دار؟! (2)
____________
1 . سنن أبي داود: 4|101 برقم 4362؛ مسند أحمد: 4|408.
2 . تاريخ بغداد: 14|321؛ تفسير الرازي: 1|111 في تفسير البسملة وغيرها.


الصفحة 177

 

9
عقبة بن عمرو


«أبو مسعود الاَنصاري»
(... ـ 40هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس
2. تعريف 36 رجلاً من المنافقين
3. حب الاَصحاب وبغضهم
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أُسيرة بن عُسيرة الاَنصاري، شهد ليلة العقبة وهو صغير، ولم يشهد بدراً، وشهد أُحداً، ونزل الكوفة، فلما خرج علي (عليه السلام) إلى صفين استخلفه على الكوفة ثمّ عزله عنها، فرجع أبو مسعود إلى المدينة فمات بها في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقد انقرض عقبه فلم يبق منهم أحد. (1)
وهو من المقلِّين في الرواية، بلغت جميع رواياته في المسند الجامع إلى 36 رواية.
____________
1 . سير أعلام النبلاء:2|493 برقم 103؛ وقيل في نسبه غير ذلك لاحظ طبقات ابن سعد: 6|16.


الصفحة 178

حدث عنه: ولده بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، وربعي بن حراش، إلى غير ذلك.

ومن روائع رواياته:
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال أبو مسعود البدريّ: كنت أضرب غلاماً لي بالسّوط، فسمعت صوتاً من خلفي: إعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلمّا دنا منّي إذا هو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، قال: فألقيت السّوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود انّاللّه أقدر عليك منك على هذا الغلام.
قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً. (1)
2. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الاَنصاري، قال:
جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي أُبدع بي (2) فاحملني، فقال: ما عندي، فقال رجل: يا رسول اللّه أنا أدُلّه على من يحمله.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله. (3)
وإليك بعض ما عزي إليه ممّا لا يصح.

1. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس
أخرج النسائي، عن عامر بن سعد، قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي
____________
1 . صحيح مسلم:5|91، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده.ووصفه بالبدريّ في سند الحديث محمول على المجاز لما عرفت أنّه لم يشهد بدراً.
2 . ابدع به: أهمله وخَذَلَه.
3 . مسند أحمد: 5|272.


الصفحة 179

مسعود الاَنصاري في عرس، وإذا جوارٍ يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أهل بدر، يُفعل هذا عندكم؟! فقال: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، قد رُخِّص لنا في اللهو عند العرس. (1)
والظاهر انّ المرخص بزعمهما هو رسول اللّه، فعلى ذلك رخّص رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غناء الجواري في العرس للرجال، وهذا ما لا يصدقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية.
أمّا الكتاب فهو يأمر نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (النور|31).
وقال سبحانه: (فََلا تَخْضَعْنَ بالقَولِ فَيَطْمَعَ الّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ)(الاَحزاب|32).
فإذا كان هذا أدب الاِسلام، فكيف يرخّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للنساء أن يغنِّين لغيرهن؟! أو يُرَخِّص للرجال ما يثير الشهوة ويُميت القلب، ويحيي الغرائز الجامحة؟!
وأمّا السنة، فالرسول يفسّر الغناء: بأنّه من قبيل نفخ الشيطان في منخري المغنية. (2)
ومع ذلك فكيف يسوغ لاَُمّته أن تستمع إلى نفخ الشيطان؟!
على أنّ تجويز اللهو في العرس، يخالف ما رواه عقبة بن عامر، من انحصار جواز اللهو في ثلاثة، حيث روى عبد اللّه بن زيد الاَزرق، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ... كلّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلاّرميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّهنّ من الحقّ. (3)
____________
1 . النسائي: السنن:6|135، باب اللهو والغناء عند العرس.
2 . مسند أحمد:3|449.
3 . سنن ابن ماجة: 2|940 برقم 2811؛ سنن الترمذي: 4|174 برقم 1637.


الصفحة 180

2. تعريف 36 رجلاً من المنافقين
أخرج أحمد في مسنده، عن عياض، عن أبي مسعود، قال:
خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: إنّ فيكم منافقين، فمن سمَّيتُ فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين رجلاً، ثمّ قال: إن فيكم أو منكم، فاتقوا اللّه.
قال: فمرّ عمر على رجل ممّن سُمّي، مقنَّع، قد كان يعرفه، قال: مالك؟
قال: فحدَّثه بما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: بُعْداً لك سائر اليوم. (1)
نعلق على الحديث بالقول:
أوّلاً: انّ الظاهر من قوله سبحانه: (ومن أهل المدينةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ)(التوبة|101).
إنّ النبي لم يكن يعرف المنافقين المندسِّين بين أصحابه، وإنّما أخبره بهم اللّه سبحانه، ويظهر من قوله سبحانه: (وَلو نَشاء لاََرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَعمالَكُمْ) (محمد|30). انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما كان يعرفهم في لحن القول.
نعم عرف لفيفاً منهم عندما حاولوا اغتياله عند رجوعه من تبوك، فعرّفهم لحذيفة بن اليمان (2) وعلى هذا فكيف وقف النبي على أنّهوَلاء منافقون، إلاّأن يعرفهم من لحن القول فيعرّفهم.
____________
1 . مسند أحمد: 5|273.
2 . مسند أحمد:5|453.


الصفحة 181

ثانياً: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمتع بأخلاق عالية، حتى وصفه اللّه سبحانه: (وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) كما وصفه بكونه رحمة للعالمين، أفيسوغ لمن يتمتع بالرأفة أن يعرّف 36 رجلاً ممّن حوله بالنفاق ويقول: «إن فيكم أو منكم فاتقوا اللّه»؟ مضافاً إلى أنّه مخالف للسياسة الحكيمة، ولذلك لم يعرّف المحاولين لاغتياله عند رجوعه من «تبوك » إلاّ لشخص أو شخصين من أصحابه: حذيفة ابن اليمان و عمّار.

3. حب الاَصحاب وبغضهم
أخرج الترمذي، عن عبد الرحمان بن زياد، عن عبد اللّه بن مغفل، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):اللّه اللّه في أصحابي، اللّه اللّه في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فيوشك أن يأخذه. (1)
إنّ هنا سوَالين:
الاَوّل: انّ ظاهر مفاد الخطاب في قوله : «لا تتخذوهم غرضاً»، هو انّ الرسول خاطب رجالاً ليسوا من أصحابه فوصّى بأصحابه أن يحسن إليهم، مع أنّ الواقع لم يكن كذلك، بل هو كان يتكلّم بين أصحابه، ولا يوجد فيهم أحد سواهم، وكان الجميع بمرأى ومسمع منهص، وعندئذٍكيف يوصي أصحابه بالمخاطبين الذين هم أصحابه، وبالتالي يوصي أصحابه بأصحابه؟!
وواضع الحديث قد غفل عن هذه النكتة، لاَنّه كان في زمان متأخر عن زمان الصحابة.
الثاني: انّ الرواية تخلق للصحابة هالة من القداسة، وتمنح لهم وصف
____________
1 . سنن الترمذي:5|696 برقم 3862، باب 59.


الصفحة 182

العدالة، بل العصمة، على وجه لا يجوز تجريح واحد منهم، فكأنّهم فوق مستوى عامة الناس لا يتسرب الشك إلى طهارتهم ونزاهتهم من كلّعيب وشين.
مع أنّ صحيح الروايات يحكم على قسم كبير منهم بالردة والرجوع على أعقابهم القهقرى، ونكتفي في ذلك بما جمعه ابن الاَثير في كتابه في هذا المضمار، فقد نقل شيئاً كثيراً، منها:
1. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. أخرجه البخاري ومسلم.
2. روى أنس بن مالك: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلاَقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
وفي رواية: ليردنّ عليّ الناس من أُمتي ـ الحديث ـ و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي» أخرجه البخاري و مسلم.
3. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. أخرجه البخاري و مسلم.
وللبخاري: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: بينا أنا قائم


الصفحة 183

على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.
فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم.
ولمسلم : انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ترد عليّأُمّتي الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّاللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لاَحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.
فأقول: يا رب، هوَلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!
5. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه، يقول ـ و هو بين ظهراني أصحابه ـ : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلاَقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم . أخرجه مسلم.
6. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُوَخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أمتي ـ و في رواية، فأقول: أصحابي ـ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم. أخرجه البخاري و مسلم.
7. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما كان يوماً من ذلك


الصفحة 184

والجارية تمشطني، سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أيّها الناس، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً. أخرجه مسلم.
8. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبيقال: يرد عليّالحوض رجال من أصحابي ، فيحُلوَون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى . أخرجه البخاري.
9. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : والذي نفسي بيده، لاَذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الاِبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.
10. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ حوضي لاَبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لاَذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الاِبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لاَحد غيركم. أخرجه مسلم. (1)
وهذه الاَحاديث تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهوَلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة الذين يأتمون بالاِمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الذي يصف صحابة النبي «صلى
____________
1 . ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 11|119ـ 123 برقم 7969ـ 7979، كتاب القيامة، الفرع الاَوّل في صفة الحوض.


الصفحة 185

الله عليه وآله وسلم» بقوله: اللّهمّ وأصحاب محمّد خاصّة الذين أحسنوا الصّحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه (1) وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نُبُوَّته. (2)
والقول الحاسم في حقّ الصحابة هو ماذهبت إليه الشيعة، وهو انّهم كالتابعين ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق.
فالشيعة لا تغالي في حقّالصحابة، ولا تقدس جميع من سُمِّي بالصحابة بمجرد انّهم رووا أو سمعوا حديثه، أو عاشروه ولو زمنا طويلاً، خصوصاً الذين مارسوا الفتن في حياته، وبعد وفاته وختموا حياتهم إلى جانب معاوية وغيره ممن تستروا بالاِسلام بعد أن عجزوا عن مقاومته وباعوا ضمائرهم للشيطان.
____________
1 . كانفوه: أعانوه.
2 . الصحيفة السجادية الجامعة:43، الدعاء رقم14، تحقيق و نشر موَسسة الاِمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف .

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة