الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 112
 

4
عبد اللّه بن مسعود


(حدود 33 ق.هـ ـ 33 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. كل سيوجّه لما خلق له 2. سبق الكتاب على الاختيار
3. أُمرنا بالسب 4. الجماع لا يبطل الصوم
5. لا عبرة بأذان بلال 6. لا عدوى ولا صفر
7. النساء يخلين المجلس لكي... 8. النساء أكثر أهل النار
عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمان الهذليّ المكيّ المهاجريّ البدريّ حليف بني زهرة، كان من السابقين الاَوّلين شهد بدراً وهاجر الهجرتين، حدَّث عنه أبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وجابر وأنس ولفيف من التابعين.
يذكر هو بدايات إسلامه، ويقول: قدمتُ مكة مع عمومة لي أو أناس من قومي، نبتاع منها متاعاً، وكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدونا على العباس فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا، أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف اذنيه، أشمّ، أقنى، أذلف


الصفحة 113

أدعج العينين، برّاق الثنايا، دقيق المسربة، شثن الكفين و القدمين، كثّ اللحية عليه ثوبان أبيضان، كأنّه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه، مراهق أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر، فاستلم ثم استلم الغلام واستلمت المرأة ثمّ طاف بالبيت سبعاً، وهما يطوفان معه، ثمّ استقبل الركن، فرفع يده وكبّـر، وقام ثمّ ركع، ثمّ سجد ثمّ قام فرأينا شيئاً أنكرناه لم نكن نعرفه بمكة فأقبلنا على العباس، فقلنا: يا أبا الفضل! إنّهذا الدين حدَث فيكم أو أمر لم نكن نعرفه؟ قال: أجل واللّه ما تعرفون، هذا ابن أخي محمد ابن عبد اللّه والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته أما واللّه ما على وجه الاَرض أحد نعلمه يعبد اللّه بهذا الدين إلاّهوَلاء الثلاثة. (1)
كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، اجتمع يوماً أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: واللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطُّ فَمَنْ رجل يُسمعه، فقال عبد اللّه بن مسعود: أنا، فقالوا: إنّا نخشاهم عليك إنّما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني فانّ اللّه سيمنعني فغدا عبد اللّه حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتهاحتى قام عند المقام، فقال رافعاً صوته: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ( الرّحمنُ* عَلَّمَ القُرآنَ) فاستقبلها فقرأ بها، فتأملوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أُم عبد، ثمّ قالوا: إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ثمّانصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء اللّه قط أهون عليَّ منهم الآن ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً، قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. (2)
وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم أُمور دينهم وبعث عماراً أميراً وكتب
____________
1 . سير اعلام النبلاء: 1|463 برقم 87.
2 . أُسد الغابة: 3|257.


الصفحة 114

إليهم: انّهما من النجباء من أصحاب محمّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد اللّهبن مسعود على نفسي. (1)
وكان بينه و بين عثمان مشاحة لاَنّ عثمان عزل سعد بن أبي وقاص ونصب مكانه الوليد بن عقبة، وكان مفاتيح بيت المال بيد عبد اللّه بن مسعود، وكان لا يأتمر بما يأمره الوليد بن عقبة في التصرف في أموال بيت المال إلى أن اضطر إلى التخلي عن هذا المنصب، وألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة، وقال: من غيّر غيّر اللّه ما به، ومن بدَّل أسخط اللّه عليه، وما أرى صاحبكم إلاّوقد غيّر وبدَّل، أيُعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويُولّى الوليد وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو: انّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملّة إبراهيم، وأحسن السنن سنّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وخير الهدى هدى الاَنبياء، وأشرف الحديث ذكر اللّه وخير القصص القرآن، وخير الاَُمور عواقبها، وشر الاَُمور محدثاتها ـ إلى أن قال: ـ وشر الندامة ندامة القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى. (2)
اً
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه فاجتمع الناس، فقالوا:أقم، ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إنّها ستكون أُمور وفتن لا أحبُّ أن أكون أوّل من فتحها، فردّ الناس وخرج إلى عثمان. (3)
وعلى أيّة حال لما مرض ابن مسعود أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان فدفن بالبقيع، وعثمان لا يعلم فلما علم غضب، وقال: سبقتموني به، فقال له عمار بن ياسر: إنّه أوصى أن لا تصلّي عليه، فتمثل الزبير:
____________
1 . الاستيعاب: 2|315؛ الاِصابة: 2|360ـ362 برقم 4954.
2 . حلية الاَولياء:1|134ـ 139 برقم 21.
3 . سير اعلام النبلاء:1|489؛ الاِصابة: 2|360 ـ 361 برقم 4954.


الصفحة 115

لاَلفينّك بعد الموت تندبنــي وفي حياتي ما زودتني زادا (1)
توفي سنة ثلاث وثلاثين وكان عمره يوم توفي بضعاً وستين سنة.
وأخيراً اتّفقا له في الصحيحين على 64 حديثا،ً وانفرد له البخاري بإخراج21حديثاً، ومسلم بإخراج 35 حديثاً. وله عند بَقيّ بالمكرر 840 حديثاً.
وقد جُـمِعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 486 حديثاً.

فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه:
1. أخرج الاِمام أحمد في مسنده عن أبي الاَحوص عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه. (2)
2. أخرج مسلم في صحيحه عن سعد بن أياس أبي عمرو الشيباني عن عبد اللّه بن مسعود، قال: سألت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أيّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: برُّالوالدين، قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل اللّه فما تركت استزيده إلاّ إرعاءً عليه. (3)
3. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي الاَحوص، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : الاَيدي ثلاثة فيد اللّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى. (4) وفي مسند ابن خزيمة (هذه الزيادة) إلى يوم القيامة، فاستعفّ عن السوَال ما استطعت. (5)
____________
1 . الغدير: 9|5؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد: 1|236؛ المستدرك: 3|313؛ الاستيعاب: 2|316.
2 . مسند أحمد:1|446؛ ورواه النسائي أيضاً في 7|121، باب قتال المسلم مختصراً إلى قوله وقتاله كفر .
3 . صحيح مسلم: 1|63، باب بيان كون الاِيمان باللّه تعالى أفضل الاَعمال.
4 . مسند أحمد: 1|446.
5 . لاحظ المسند الجامع: 11|586.


الصفحة 116

4. أخرج ابن ماجة عن عمرو بن مرة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على ناقته المخضرمة بعرفات، فقال: أتدرون أيّ يوم هذا، وأيّ شهر هذا، وأيّ بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإنّ أموالكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا. ألا وإنّي فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الاَُمم فلا تسوِّدوا وجهي، ألا وإنّي مُسْتَنْقِذٌ أناساً، ومُسْتَنْقَذٌ منِّي أناس، فأقول: يا ربِّ أُصيحابي؟ فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (1)
في الزوائد: اسناده صحيح.
وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أنّ صحبة الرسول لا تلازم العدالة، وانّه ليس كلّ صحابي عادلاً بل انّ بعضهم أحدثوا وابتدعوا على وجه مُنعوا من الدخول على الحوض مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس هذا نسيج وحده في هذا الموضوع، بل روى البخاري في كتاب الفتن نفس ذلك المضمون.
عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض ليرفعنَّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربي أصحابي، يقول: لا تدري ماأحدثوا بعدك.
وروى أيضاً عن عبد الرحمان بن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد، يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم.
قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدِّثهم هذا، فقال:
____________
1 . سنن ابن ماجة: 2|1016 برقم 3057.


الصفحة 117

هكذا سمعتَ سهلاً، فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد عن أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. (1)
5. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي الاَحوص، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه عزّوجلّ جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلاّالصوم، والصوم لي، وأنا اجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك. (2)
6. أخرج أبو داود عن ابن لعبد اللّه بن مسعود، عن ابن مسعود، قال: لا رضاع إلاّما شدّ العظم وأنبت اللحم. (3)
وروى الاِمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يحرم من الرضاع إلاّما أنبت اللحم وانشر العظم. (4)
وهذا الحديث يشطب على كثير من الآراء التي تُصوِّر انّخمس رضعات أو عشر رضعات أو المص والمصتان ينشرن الحرمة، والتفصيل في محله.
7. أخرج النسائي عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّه، قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. (5)
8. أخرج الاِمام مسلم عن أبي و ائل عن عبد اللّه بن مسعود، قال: جاء
____________
1 . صحيح البخاري: 9|46 ، كتاب الفتن.
2 . مسند أحمد:1|446.
3 . سنن أبي داود: 2|222 برقم 2059.
4 . مسند أحمد: 1|432.
5 . سنن النسائي: 6|181، باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش.


الصفحة 118

رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه، كيف ترى في رجل أحبَّ قوماً ولما يلحق بهم، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : المرء مع من أحب. (1)
إنّ من أحبّشيئاً يتبعه ويجعله أُسوة، قال سبحانه «نقلاً عن أصحاب الجحيم» : (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) (الفرقان|28) وقال سبحانه: (الاََخِلاّءُ يَومَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِين) (الزخرف|67).
9. أخرج أبو داود، عن أبي وائل، عن عبد اللّه، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «الغناء ينبت النفاق في القلب». (2)
10. أخرج ابن ماجة، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». (3)
11. أخرج الترمذي، عن ربعي بن خراش، عن عبد اللّهبن مسعود قال: ثلاثة يحبهم اللّه: رجل قام من الليل يتلو كتاب اللّه، ورجل تصدَّق صدقة بيمينه يخفيها، أراه قال: من شماله، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدوَّ. (4)
12. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الصدق برّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ العبد ليتحرّى الصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقاً؛ وإنّ الكذب فجور، وإنّالفجور يهدي إلى النار، وإنّالعبد ليتحرّى الكذب حتى يكتب كذاباً».(5)
____________
1 . صحيح مسلم : 8|43، باب المرء مع من أحب، من كتاب البر والصلة والآداب.
2 . سنن أبي داود: 4|282 برقم 4927.
3 . سنن ابن ماجة: 2|1420 برقم 4250.
4 . سنن الترمذي: 4|697 برقم 2567.
5 . صحيح مسلم: 8|29، باب قبح الكذب وحسن الصدق، من كتاب البر والصلة والآداب.


الصفحة 119

وله ـ رضوان اللّه عليه ـ أحاديث أُخرى يعرب شموخ مضمونها عن صحّتها، نعم عُزِّي إليه أحاديث لا تخلو عن إشكال أوإشكالات ولابدّ من دراستها على ضوء الضوابط التي ألمعنا إليها في مقدمة الكتاب. وإليك البيان:

1. كلٌّ سيوجّه لما خلق له
أخرج الاِمام أحمد، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، قال: قال عبد اللّه، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الاَربعون صارت علقة، ثمّمضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد اللّه أن يسوِّي خلقه بعث إليها ملكاً، فيقول الملك الذي يليه أي ربّأذكر أم أُنثى، أشقي أم سعيد، أقصير أم طويل، أناقص أم زائد، قوته وأجله، أصحيح أم سقيم، قال: فيُكتب ذلك كلّه فقال رجل من القوم: ففيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ قال: اعملوا فكلّسيوجه لما خلق له. (1)
إنّ مضمون الحديث لا يفترق عن الجبر قيد شعرة، ولاَجل ذلك لما سمع الحاضر كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، استغرب، وقال: «ففيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه» أي إذا كان كلّشيء مقدّراً تقديراً قطعيّاً لا يتغير ولا يتبدل، شاء الاِنسان أم لم يشأ، فما فائدة العمل والقيام بالفرائض والاجتناب عن المحرمات؟
وما أجيب به في الرواية عن السوَال، أعني قوله: «اعملوا فكلّسيوجه لما خلق له». جواب غير مقنع بل تقرير للاِشكال، فانّ محصّل الجواب انّ اللّه سبحانه قدَّر مصير كلّإنسان حيثما كان جنيناً، فكتب على جبين بعضهم السعادة، وعلى جبين الآخر الشقاء، وقد فرغ من التقدير فلا يبدل ولا يغيّر. وكل سيوجه لما خلق له.
____________
1 . مسند أحمد: 1|374.


الصفحة 120

وأنت جد عليم بأنّه إذا فرغ سبحانه من التقدير، وكلّإنسان سيوجه لما خلق له شاء أم لم يشأ، فيكون العمل والطاعة لغواً، لاَنّ تقديره سبحانه لا يتغير ولا يبدّل ،فهو سينتهي إلى الجنة عمل أم لم يعمل، فما هو فائدة العمل كما سينتهي إلى النار، عصى أم لم يعص؟

2. سبق الكتاب على الاختيار
أخرج مسلم في صحيحه، عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود، قال: حدّثنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الصادق المصدوق: إنّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمّه أربعين يوماً ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الرّوح ويوَمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وانّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها. (1)
قال الاِمام النووي عند شرحه لهذا الحديث:« إنّ المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه وانّتلك الدار ما بقي بينه و بين أن يصلها إلاّكمن بقي بينه و بين موضع من الاَرض ذراع.
ثمّأضاف: والمراد بهذا الحديث انّهذا قد يقع في نادر من الناس لا انّه غالب فيهم. ثمّإنّه من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».
____________
1 . صحيح مسلم: 8|44 باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.


الصفحة 121

ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أومعصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلد في النار و العاصي الذي مات موحداً لا يخلد فيها، وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر وانّ التوبة تهدم الذنوب قبلها، وانّمن مات على شيء حكم له به من خير أو شر إلاّ انّأصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة. (1)
أقول: لما كان الحديث بظاهره دالاً على الجبر، وانّالقدر حاكم على مصير الاِنسان شاء أم أبى، حاول النووي دفع الاِشكالات بالبيان السابق وإن لم يذكر شيئاً من الاِشكال، وما ذكره جواب غير ناجع، وإليك ما فيه من الاِشكالات:
1. انّالذراع كناية عن قرب الاِنسان من الموت، ففي هذا المجال كيف تكون التوبة أو الاِسلام ناجعاً وقد قال سبحانه: (وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِئات حَتّى إِذا حَضَرَ أَحدَهُمُ المَوتُ قالَإِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَليماً) (النساء|18).
2. ذكر: انّ المراد بهذا الحديث قد يقع في نادر من الناس لا انّه غالب فيهم، وما ذكره اجتهاد من جانبه لم يقم عليه دليل في الرواية لو لم نقل انّ المتبادر هو الغالب، حيث يقول: إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة... الخ.
3. انّ ظاهر الحديث انّ الاِنسان يكون على نهج ويريد أن يستمر على ذلك النهج إلى آخر عمره ولكن الكتاب (القدر) بما انّه الحاكم الحاسم في حياة الاِنسان يسبق على إرادته ومشيئته، وبالتالي يعمل عملاً إمّا يجره إلى الجنة أو النار، فالدور للتقدير، ـ فهو الذي يدفع الاِنسان إلى عمل الخير أو الشر ـ لا للاِنسان ولا لاِرادته واختياره، وعلى ذلك فلا صلة لما ذكره النووي من تفسيره بالتوبة وغيره من انقلاب الناس من الشر إلى الخير أو من الخير إلى الشر في ظل التوبة.
____________
1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 16|434 ـ 435.


الصفحة 122

4.إنّ من الغريب قوله: وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي» مع انّ الوارد في المصحف قوله: (رَبَّنا وَسعتَ كُلّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلماً) (غافر|7)، مع أنّ التعليل يصح في أحد الشطرين دون الشطر الآخر، إذ فيه يكون الاَمر على العكس ويغلب غضبه رحمته.
إنّهذا الحديث كأكثر ما ورد حول القدر والجبر أحاديث استوردها مستسلمة أهل الكتاب وبثوها في الاَوساط الاِسلامية وتلقاها السُذَّج حقائق راهنة وشوّهوا بها سمعة الاِسلام لدى الاَجانب والغرباء، ولاَجل ذلك ترى أنّكثيراً من المستشرقين يعتقدون انّ الاِسلام من دعاة القول بالجبر.
5. انّ نبي الاِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح من نطق بالضاد، وهو مالك أزمة الكلام فلوكان مراده ما يذكره النووي، فله أن يقول: إنّه سبحانه سيوفقه للتوبة وعمل الخير فيصير من أهل الجنة، أو إنّه يرتكب المعاصي فيصير من أهل النار.

3. أمرنا بالسبّ
أخرج ابن خزيمة، عن أبي عثمان، قال: سمع ابن مسعود رجلاً ينشد ضالة في المسجد فغضب وسبّه، وقال له رجل: ما كنت فحاشاً يا ابن مسعود، قال: كنّا نوَمر بذلك. (1)
والحديث مكذوب على لسانه، وقد مضى انّه روى عن النبيأنّه قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (2) فكيف يسبّ موَمناً ينشد ضالته في المسجد وأقصى ما يمكن أن يكون عمله مكروهاً.
____________
1 . مسند ابن خزيمة: 1303 كما في المسند الجامع: 11|515 برقم 9009.
2 . صحيح مسلم:1|58، باب قول النبي :سباب المسلم فسوق.


الصفحة 123

4. الجماع لا يبطل الصوم
أخرج النسائي في الكبرى، عن علقمة، عن عبد اللّه، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» خرج يوماً في رمضان ورأسه يقطر من جماع، فمضى في صومه ذلك اليوم. (1)
والرواية تخالف اتّفاق المسلمين على أنّ الجماع يبطل الصوم وتخالف بصراحة، القرآن الكريم، قال سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَعَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالآن باشِرُوهُنَّ) (البقرة|187).
أخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس، قال: كان الناس على عهد رسول اللّه إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، فأختان رجل (2) نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد اللّه أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.
فقال: (علم اللّه أنَّكم كُنتُم تختانون أنفسكم ...) [الآيةج فرخص لهم ويسّـر(3).
ومع ذلك كيف نقض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم وهو يندّد بغيره.وتفسير الجماع في الرواية بالاحتلام في النوم، خلاف الظاهر جدّاً، وإلاّ فما معنى قوله «فمضى في صومه ذلك اليوم»؟

5. لا عبرة بأذان بلال
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: قال
____________
1 . المسند الجامع: 11|598 نقلاً عن النسائي في الكبرى عن الورقة (40ـ ب).
2 . المراد هو عمر بن الخطاب بقرينة سائر الروايات.
3 . الدر المنثور: 1|477.


الصفحة 124

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يمنعنّأحداً منكم أذان بلال( أو قال: نداء بلال) من سحوره فانّه يوَذن ( أو قال: ينادي) بليل ليُرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وقال: ليس أن يقول: هكذا وهكذا (وصوّب يده ورفعها) حتّى يقول هكذا (وفرَّج بين اصبعيه). (1)
يلاحظ عليه: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القائل بأنّ المرء إذا عمل شيئاً أتقنه كيف ينتخب إنساناً لاِعلام الفجر وسائر الاَوقات الشرعية، لكنّه يوَذّن قبل الوقت لغايات خاصّة ،وليس كلّأحد مطلعاً على نية بلال، وانّه يأذن لغاية إرجاع القائم وإيقاظ النائم، بل ربما يتصور دخول الفجر فيصلي قبل الوقت، ويصوم قبل الفجر، وربما يحرم من تناول السحور.

6. لا عدوى ولا صفر
أخرج الترمذي في سننه، عن أبي زرعة، قال: حدّثنا صاحب لنا عن ابن مسعود، قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:لا يعدي شيء شيئاً، فقال أعرابي: يا رسول اللّه البعير الجرب الحشفة بذنبه، فتجرب الاِبل كلّها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن أجرب الاَوّل؟ لا عدوى، و لا صَفَرَ، خلق اللّهكلّنفس، وكتب حياتها، ورزقها، ومصائبها. (2)
إنّ العدوى عبارة عن انتشار المرض من سقيم إلى سليم و«الصفر» داء يصفر منه الوجه وهو المعروف بـ «اليرقان».
إنّ انتشار المرض بواسطة الجراثيم سنة من سنن اللّه تبارك وتعالى وقد بنيت عليه حياة الكائنات الحية وليس القول به منافياً لكونه سبحانه هو الخالق المدبر ولا خالق ولا مدبر سواه، لاَنّ الاَسباب الكونية من جنوده سبحانه مسخَّرة
____________
1 . صحيح مسلم: 3|129، باب بيان انّ الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، من كتاب الصيام.
2 . سنن الترمذي: 4|450 برقم 2143.والحشفة: القرحة.


الصفحة 125

بمشيته، وعلى ذلك فالقول بالعدوى والصفر يرجع حقيقته إلى أنّه سبحانه خلق العالم على تلك السنن، فلو انتشر الجرب من بعير مريض إلى سالم فقد انتشر بأمره سبحانه، ولو أخضرَّت الحقول المكتظة بالاَشجار بالماء فقد أخضرّت بأمره ومشيته، لاَنّه سبحانه جعل الماء سبباً لنمو الاَشجار واخضرارها حتى أنّه سبحانه ربما يستدل بالسنن الكونية على توحيده.ويقول: (وَفِي الاََرْض قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغيْرُصِنْوانٍ يُسقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الاَُكُلِ إِنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ)(الرعد|4).
فاللّه سبحانه يستدل باختلاف الاَشجار والاَثمار وتنوعها على الرغم من وحدة التراب والماء على أنّ ثمة قدرة قاهرة مدبرة للكون، وليست العلل الطبيعية هي السبب التام لتفتّح براعم الاَزهار واخضرار الاَشجار، وإلاّيجب أن لا يحتضن العالم إلاّ نوعاً واحداً من الشجر لوحدة التراب والماء، فهذه الروايات حيكت على منوال إنكار الاَسباب الطبيعية بزعم انّ القول بها ينافي التوحيد في الخالقية، أو الربوبية.ولعل المصدر لهذه الرواية هو أبو هريرة وقد نقلها كما نقل ضدها.
أخرج البخاري، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : لا عدوى ولا صَفَرَ (1) ولا هامة (2) فقال أعرابي: يا رسول اللّه ما بال الاِبل تكون في الرَّمل كأنّها الظَّباء فيخالطها البعير الاَجرب فيجربّـها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن أعدى الاَوّل. (3)
____________
1 . ما يتوهم منه حصول الدواهي في شهر صفر.
2 . هامة (بتخفيف الميم) طائر كان أهل الجاهلية يزعمون انّ روح الميت تنقلب هامة، فأبطل الاِسلام هذه الخرافة ولعل المراد منه البوم الذي يضرب به المثل في الشوَم.
3 . صحيح البخاري:7|138، باب لا هامة من كتاب الطب.


الصفحة 126

كما نقل ضد هذا الحديث فروى مسلم في صحيحه، عن أبي سلمة انّه سمع أبا هريرة فيما بعد يحدث فيقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يورد ممرض على مصحّ، قال أبو سلمة: يا أبا هريرة ألم تحدث انّه لا عدوى؟ قال: فأنكر حديثه الاَوّل ورطن بالحبشية. (1)
وقد تصرف البخاري في الحديث الثاني: لا توردوا الممرض على المصح، وحذف ذيل الحديث الذي رواه مسلم.

7. النساء يخلين المجلس لكي...
أخرج الدارمي، عن عبد اللّه بن حلاّم، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: رأى رسول اللّه امرأة فأعجبته، فأتى سودة وهي تصنع طيباً وعندها نساء، فأخلينه، فقضى حاجته ثمّ قال: أيّما رجل رأى مرأة تعجبه فليقم إلى أهله، فإنّمعها مثل الذي معها. (2)
إنّ الرواية مشتملة على حكمة عملية، وهي انّه إذا ثارت شهوة الرجل، فعليه أن يعالجها بحلال، وإلاّفربما ينتهي إلى الوقوع في الحرام، وقد ورد نظير ذلك على لسان الاِمام علي (عليه السلام) عندما كان واقفاً مع أصحابه فمرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال (عليه السلام) :
إنّأبصار هذه الفحول طوامح، وانّذلك سبب هَبَابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنّما هي امرأة كامرأته (3).
____________
1 . صحيح مسلم:7|31، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة من كتاب السلام ؛ صحيح البخاري: 7|138، باب لا عدوى من كتاب الطب.
2 . سنن الدارمي: 2|146، باب الرجل يرى المرأة فيخاف على نفسه.
3 . نهج البلاغة، من كلماته القصار، برقم 420.


الصفحة 127

ولكن الحديث الذي يرويه الدارمي يشتمل على شيء لا يصدر عن سُذَّج الناس، فضلاً عن النبي الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ملىَ بالحياء من الفرق إلى القدم، حيث قال: «فأخلينه فقضى حاجته» ، وهذا رهن أن يبوح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما في قلبه من الملامسة مع سودة، ويفهمهنَّ حتى يخلينّ المجلس له، وهذا شيء لا يليق بالموَمن فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وسيوافيك روايات كثيرة حول حياء النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» عند دراسة أحاديث أنس.

8. النساء أكثر أهل النار
أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن وائل بن مهانة، عن عبد اللّه بن مسعود: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليّكُنّ فانّكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة ليست من علية النساء، فقالت: لِمَ يا رسول اللّه؟ قال: لاَنّكنّ تكثرن اللعن وتكفرنّ العشير. (1)
يلاحظ على الحديث أنّ هذا لا يناسب ما نعلم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلق عظيم، قال سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) (القلم|4)، وقد ورد في الكتاب الكريم كيفية الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال عزّ من قائل: (ادْعُإِلى سَبِيلِرَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَأَحْسَن) (النحل|125) فهذا يقتضي أن يكلمهنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنغمة ملائمة لا بقوله: فانّكن أكثر أهل النار .
ثمّ لو صحّ الحديث، وثبت انّ الرسول أخبر بأنّ أكثر أهل النار هم النساء، فهناك سوَال آخر وهو انّه كيف يكون النساء أكثر أهل النار مع أنّ الرجال أكثر
____________
1 . مسند أحمد: 1|376. ورواه أحمد عن أبي هريرة أيضاً لاحظ 2|297.


الصفحة 128

اقترافاً للذنوب من النساء، لهيمنة الغصب والشهوة عليهم؟
ثمّ إنّ إكثار اللعن ليس إلاّ دعاء، إذا صدر في غير محلّه يكون أشبه بدعاء غير مستجاب، فكيف يكون سبباً لدخول النار و خلودها؟ كما انّ اكفار العشير ليس إلاّعدم الوقوف على حقّهم، وهو إن لم يكن مقروناً بأمر محرّم، لا يوجب الدخول في النار بل يكون أمراً قلبياً.
إنّ الحط من شأن النساء، وجعل أكثرهنّ من أهل النار لا يختص بهذا الحديث، بل ثمة مرويات حول هذا الموضوع تعكس فكرة الجاهلية في حقّ النساء، وإليك نموذجاً:
أخرج أحمد، عن عمارة بن خزيمة، قال: بينا نحن مع عمروبن العاص في حجّ أو عمرة، فقال:
بينما نحن مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الشعب إذ، قال:
انظروا هل ترون شيئاً؟ فقلنا: نرى غرباناً، فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يدخل الجنّة من النّساء إلاّ من كان منهنَّ مثل هذا الغراب في الغربان. (1)
والحديث كناية عن قلة عدد النساء في الجنة وانّه لا يدخل منهن إلاّ اليسير النادر، فكأنّه سبحانه خلق النساء للنار والرجال للجنة، تبارك وتعالى عن ذلك.
____________
1 . مسند أحمد:4|197.


الصفحة 129

 

5
أبو الدرداء الاَنصاري


( ... ـ 33 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. عدم منازعة ولاة الاَمر.
2. إبليس يواجه النبي بشهاب من نار.
3. الفراغ من التقدير.
4. لا يدخل الجنة موَمن بسحر.
عويمر بن مالك بن زيد بن قيس الاَنصاري الخزرجي، أُمّه محبّة بنت واقد ابن عمرو، تأخر إسلامه قليلاً وكان آخر أهل داره إسلاماً وحسن إسلامه، وكان فقيهاً عاقلاً حكيماً، آخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بينه و بين سلمان الفارسي، شهد ما بعد أُحد من المشاهد وأوّل مشاهده الخندق.
ولي أبو الدرداء قضاء دمشق، وتوفي قبل أن يقتل عثمان بسنتين (1) أي سنة 33.
____________
1 . أُسد الغابة:5|185، وفي سير اعلام النبلاء انّه توفي قبل عثمان بثلاث سنين، ونقل ابن سعد انّه توفي في الشام سنة 31هـ.


الصفحة 130

روى عنه أنس بن مالك، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، وعبد اللّه بن عمر، وابن عباس، وأبو إدريس الخولاني، وجبير بن نفير، وابن المسيب وغيرهم. (1)
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي الدرداء انّه كان إذا حدّث الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: اللّهمّ إن لم يكن هكذا فشبِهْهُ فشَكْله. (2)
روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدّة أحاديث، وهو معدود ممن تلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يبلغنا أبداً أنّه قرأ على غيره، وتصدر الاِقراء بدمشق في خلافة عثمان وقبل ذلك.
ويظهر ممّا ذكره أصحاب المعاجم في حقّه أنّه كان متقشفاً، غير متعمق في الدين. ويدلّ عليه أمران:
الاَوّل: نقل ابن سعد عن عمر بن مرّة: قال: سمعت شيخنا يحدّث عن أبي الدرداء، انّه قال: أُحبّ الفقر تواضعاً لربّـي، وأُحبّ الموت اشتياقاً إلى ربّـي، وأُحبّ المرض تكفيراً لخطيئتي. (3)
وقد زعم ذلك الصحابي الجليل انّ ما كان يحبه ويرجّحه، أمر تلقاه الشرع بالقبول، ولكنّ أئمّة أهل البيت والعرفاء الشامخين يرضون بما قضى لهم اللّه سبحانه من الفقر والغنى، أو الموت والحياة، والمرض والصحّة، ويطلبون رضى اللّه في كلّحال، ويترنّمون بقول العارف الحكيم السبزواري:
و بهجـة بما قضـى اللّه رضــا * وذو الرضا بما قضى ما اعترضا

قيل: للحسن بن علي (عليهما السلام) : إنّأبا ذر، يقول: الفقر أحب إليَّ من
____________
1 . أُسد الغابة: 4|160.
2 . الطبقات الكبرى: 7|392.
3 . طبقات ابن سعد: 7|392.


الصفحة 131

الغنى، والسقم أحبُّ إليَّ من الصحّة. فقال: رحم اللّه أبا ذر. أمّا أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار اللّه له، لم يتمنَّ انّه في غير الحالة التي اختارها اللّه له.(1)
الثاني: دخل سلمان بيت أبي الدرداء فإذا أُم الدرداء متبذِّلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إنّأخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فجاء أبوالدرداء، فرحّب به وقرب إليه طعاماً، فقال له سلمان: كُل، فقال: إنّي صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرنّ فأكل معه ثمّ بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان، فقال: إنّ لجسدك عليك حقّاً، ولربّك عليك حقّاً، ولاَهلك عليك حقّاً. صم وأفطر، وصلّ وائتِ أهلك وأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه.
فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت، فقاما، فتوضآ، ثمّ ركعا، ثمّ خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول اللّه بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، انّلجسدك عليك حقّاً، مثل ما قال لك سلمان.
وكانت له مواقف مشرقة، وهذا هو الاِمام أحمد يروي انّ أبا الدرداء لما سمع تسيير أبي ذر إلى الربذة استرجع قريباً من عشر مرات، ثمّ قال: ارتقبه واصطبر كما قيل لاَصحاب الناقة، اللّهمّ إن كذَّبوا أباذر، فانّي لا أُكذِّبه، اللّهمّ وإن اتهموه فانّي لا أتهمه، اللّهمّ وإن استغشوه، فإنّي لا استغشه.
فإنّ رسول اللّه كان يأتمنه حين لا يأتمن أحداً،ويسرّ إليه حين لا يسرّ إلى أحد.
أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو انّ أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. (2)
____________
1 . تهذيب ابن عساكر:4|220؛ البداية والنهاية:8|39.
2 . مسند أحمد: 5|197.


الصفحة 132

وعلى أية حال فيروى له مائة وتسعة وسبعون حديثاً واتفقا له على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية. (1)
وقدجُمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 113 رواية.
فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه، ثمّ نعرج إلى الاَحاديث السقيمة التي عزيت إليه.

روائع أحاديثه:
1. أخرج أبو داود في سننه، عن خليد العصري، عن أُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس من جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنّة، من حافظ على الصّلوات الخمس على وضوئهنَّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وصام رمضان، وحجّ البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيِّبة بها نفسه، وأدّى الاَمانة.
قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الاَمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. (2)
ولا غبار على مضمون الرواية، وقد ورد في غير واحد من الروايات وتدعمها المفاهيم العامة الواردة في الاِسلام، بيد انّتفسير الاَمانة بالغسل من الجنابة تفسير بالرأي، إلاّ أن يكون الرسول فسرها بهذا النحو، وإلاّ فأداء الاَمانة بمفهومها الكلي العام من علائم الاِيمان.
قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُركُمْ أَنْ تُوََدُّوا الاََماناتِ إِلى أَهْلِها) (النساء|58).
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ لاََماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) (الموَمنون|8).
____________
1 . سير اعلام النبلاء: 2|342برقم68.
2 . سنن أبي داود: 1|116 برقم 429.


الصفحة 133

وقال سبحانه: (فَإِنْ أَمِنَ بَعضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُوَدِّ الَّذي اوَْتُمِنَ أَمانَتَه)(البقرة|283).
2. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم انّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (1)
إنّ ما يصيب الاِنسان أو يخطئه على قسمين، تارة يعد من أفعاله التي يناط بها الاِيمان والكفر والثواب والعقاب، وهذا القسم من الاَفعال غير خارج عن إختياره فلو أصابه أو اخطأه فإنّما أصاب أو أخطأ باختياره فلا يصحّ أن يقال انّما أصابه لم يمكن ليخطأه أو ما أخطأه لم يكن ليصيبه، إذ معنى ذلك انّ الاِيمان والكفر والطاعة والعصيان من الاَُمور التي لم يكن للعبد فيها دور، فالموَمن لم يكن له بدّ من الاِيمان، والكافر لم يكن له بد من الكفر، والمطيع لم يكن له إلاّ الطاعة، والعاصي لم يكن له إلاّ العصيان فلم يكن في وسع المطيع، العصيانُ كما انّه لم يكن في وسع العاصي، الطاعةُ.
فالقول باللابدية في هذا النوع من الاَفعال عين الجبر وهو ينافي القرآن الكريم المنادي للاختيار والذي يخاطب المجتمع الاِنساني بقوله: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر ) (الكهف|29).
نعم، ينطبق ما ورد في الحديث على الاَُمور الخارجة عن مجال الاختيار، فالحوادث والنوازل أُمور يواجهها الاِنسان بلا اختيار وقد قدِّر، ولم يكن محيص من التقدير، قال سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّفِي كتابٍ مِنْ قَبْلِأَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد|22).
____________
1 . مسند أحمد: 6|441.


الصفحة 134

وقد ذكرنا غير مرّة انّ تعظيم القدر وتفخيم شأنه وجعل زمام حياة الاِنسان بيده من الاَفكار المستوردة.
3. أخرج النسائي، عن عطاء بن يسار: انّ معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن مثل هذا إلاّمثلاً بمثل. (1)
وما رواه، من الاَحكام الضرورية في الفقه الاِسلامي، وقد روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّمثلاً بمثل. (2)
والعجب انّ معاوية الذي ادّعى الخلافة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جهل هذا الحكم الاِسلامي أو تجاهله فباع السقاية بأكثر من وزنها.
4. أخرج أحمد في مسنده عن حمزة بن حبيب، عن أبي الدرداء،عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه قال: «إنّ اللّه تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم». (3)
5. أخرج أبو داود، عن أُمّالدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكلّ داء دواء، فتَداوَوْا ولا تَداوَوْا بحرام. (4)
6. أخرج الترمذي، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فانّ فساد ذات البين هي الحالقة.(5)
____________
1 . سنن النسائي: 7|279، باب بيع الذهب بالذهب.
2 . أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح والسنن.
3 . مسند أحمد: 6|441.
4 . سنن أبي داود: 4|7 برقم 3874.
5 . سنن الترمذي: 4 |663 برقم 2509، ورواه أبو داود في سننه: 4|280 برقم 4919 مع تفاوت يسير .


الصفحة 135

وما رواه أبو الدرداء قد رواه الاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) ، وقد ذكر في وصية لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) :« وصلاح ذات بينكم، فإنّي قد سمعت جدكما (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إصلاح ذات البين أفضل من عامَّة الصَّلاةو الصِّيام». (1)
7. أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فاحسنوا أسماءكم. (2)
8. أخرج أبو داود في سننه، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: «حبك الشيء يُعمي ويُصم». (3)
ويوَيده قوله سبحانه: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاََخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) ( الكهف|103ـ 104).
وقال سبحانه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) (فاطر|8).
9. أخرج الترمذي في سننه، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ اللّه عن وجهه النّار يوم القيامة. (4)
10. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :من سمع من رجل حديثاً لا يشتهي أن يذكر عنه، فهو أمانة وإن لم يستكتمه. (5)
ما نقلناه شيء من روائع أحاديثه استعرضناها كنماذج لما لم نأت به، وفي الوقت نفسه عزيت إليه روايات لا تدعمها الضوابط السالفة الذكر، ونشير إلى
____________
1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 47.
2 . سنن أبي داود: 4|287 برقم 4948.
3 . سنن أبي داود: 4|334 برقم 5130.
4 . سنن الترمذي: 4|327 برقم 1931.
5 . مسند أحمد: 6|445.


الصفحة 136

بعضها:

1. عدم منازعة ولاة الاَمر
أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتسع :لا تشرك باللّه شيئاً وإن قُطِّعت أو حُرِّقت، ولا تتركنَّ الصلاة المكتوبة متعمداً، ومن تركها متعمداً برئت منه الذمة، ولا تشربنّ الخمر فانّها مفتاح كلّ شر، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الاَمر .... (1)
أقول: لا شكّ انّ التوحيد هو الاَصل الموحد في الشرائع السماوية ولكن يجوز الاظهار بالشرك عند التقية حفاظاً على النفس والنفيس عند الاضطرار، قال سبحانه: (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمان) (النحل|106) وقال سبحانه: (إِلاّأَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) (آل عمران|28).
وليست هذه الفقرات من الوصية شيئاً يختص بأبي الدرداء، بل هو المخاطب ولكن المضمون يرجع إلى قاطبة المسلمين، ومن الواضح جواز التظاهر بالشرك لغايات نبيلة، وقضية عمار في ذلك معروفة، فما معنى قوله: «لا تشرك باللّه شيئاً وإن قُطّعت أوحُرّقت».
وتصور انّ المراد هو الاِشراك القلبي (بأنّه لا يجوز وإن قطع أو حرق)، فهو غير تام، لاَنّ الاَمر القلبي لا يخضع للاِكراه حتى يتعلق به النهي، بل يتعلق الاِكراه ثم النهي، بالاَمر الظاهري وقد عرفت انّ التظاهر بالشرك جائز لغاية مهمة.
____________
1 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 23 برقم 18؛ ورواه ابن ماجة في سننه :2|119 برقم 3371، وقد اكتفى بالنهي عن شرب الخمر ،كما رواه في موضع آخر: 2|1339 برقم 4034، وليس فيه قوله: «ولا تنازعنّ ولاة الاَمر» «ولا اطاعة الوالدين».


الصفحة 137

وفي الرواية فقرة أُخرى وهي قوله: « لا تنازعنّ ولاة الاَمر» فما هو المراد؟ فهل المراد هم ولاة الاَمر العدول، فالنزاع معهم خروج عليهم وهو أمر محرم.
أو المراد ولاة الاَمر الجائرون، فالخروج عليهم جائز أو واجب حسب درجات ما يترتب على ولايتهم من المفاسد، فمنازعتهم من باب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على المسلم إذا كان جامعاً للشرائط، وقد حكى السبط الشهيد الحسين بن علي (عليهما السلام) عن جدّه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرُم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالاِثم والعدوان، فلم يعيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله.(1)
وحصيلة الكلام انّ ما أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أبا الدرداء، وصية لعامة المسلمين وتوافق روح الاِسلام و أُصوله إلاّالفقرتين الاَخيرتين ، الا َُولى: «وإن قطعت وحرقت» ، والثانية: «لا تنازعنّ ولاة الاَمر».

2. إبليس يواجه النبي بشهاب من نار
أخرج مسلم عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعناه، يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّ قال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلمّا فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال : إنّ عدوّ اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرّات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. (2)
____________
1 . تاريخ الطبري: 4|304 حوادث سنة 61.
2 . صحيح مسلم:2|73، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة.


الصفحة 138

وثمة تساوَلات حول الرواية؟
الاَُولى: انّ ما رواه أبو الدرداء هو نفس ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الروايتين اختلاف شاسع، وسنذكر الرواية عند دراسة ما عزيت إليه من الروايات تحت عنوان سلطان إبليس على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» .
روى أبو سعيد الخدري انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته، قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. (1)
وأنت ترى انّ الرواة تصرّفوا في الرواية فقد نقلوها بصورتين مختلفين جداً. بل بصور مختلفة، فقد رواها مسلم عن أبي هريرة بوجه يخالف كلتا الصورتين كما سيوافيك في ترجمته، كلّ ذلك يسلب الاعتماد على تلك المروّيات، وتصوّر تعدّد الواقعة بعيد جداً.
الثانية: انّ غاية ما يثبته القرآن لاِبليس هو سلطان الوسوسة وهو في حقّ غير عباده الصالحين، قال سبحانه: (إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل|99).
ثمّ ليس له سلطان على بني آدم بالضرب والاِحراق فضلاً عن أن يكون له سلطان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بجعل شهاب من نار على وجهه.
الثالثة: انّ قوله : «أردت أخذه» يعرب عن كون الشيطان موجوداً عنصرياً قابلاً للاَخذ، ومثله لا يمكن أن يوسوس في صدور العالمين في زمان واحد.
____________
1 . مسند أحمد: 3|82.


الصفحة 139

الرابعة: انّه سبحانه يصرح بأنّ إبليس يرى الاِنسان وهو لا يراه، قال: (إنّهُ َيراكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَروْنَهُمْ) (الاَعراف|27) ، فما معنى قوله: «ولولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة» فانّ اللعب فرع الروَية.
الخامسة: يظهر من ذيل الرواية انّ سليمان أكثر قدرة من نبينا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن لاِبليس أي سلطان على سليمان «عليه السلام» بل كان مسخراً له، بخلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان بصدد وضع شهاب من نار في وجهه.

3. الفراغ من التقدير
أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، قالوا: يا رسول اللّه : أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه، أم أمر نستأنفه قال، قال: بل أمر قد فرغ منه، قالوا: فكيف بالعمل يا رسول اللّه؟ قال: كل امرىَ مهيّأ لما خلق له. (1)
وأخرج أيضاً عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :
إنّ اللّه عزّ وجلّ فرغ إلى كلِّ عبد، من خلقه، من خمس: من أجله، وعمله، ومضجعه، وأثره، ورزقه.(2)
وفي رواية إسماعيل عن أُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: فرغ اللّه إلى كلِّ عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، وشقيٍّ أم سعيد. (3)
أقول: الفراغ من الاَمر يهدف إلى أنّ الاِنسان مسيَّر في حياته وليس بمخيّـر، وكلّ إنسان خلق لغاية خاصة أمّا النار أو الجنّة فهو مهيّأ لما خلق له، فلما كانت تلك الفكرة على طرف النقيض من بعثة الاَنبياء وإصلاح المصلحين عاد
____________
1 . مسند أحمد: 6|441.
2 . مسند أحمد: 5|197.
3 . مسند أحمد: 5|197.


الصفحة 140

الحاضرون في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالوا : إذا كان هناك فراغ من العمل فما معنى العمل، فأُجيبوا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلّامرىَ مهيأ لما خلق له، ومن المعلوم انّالجواب لا يقلع الاِشكال، فإنّ تهيئة كلّإنسان لما خلق عبارة أُخرى عن الجبر لا الاختيار، فالكافر زُوِّد بأسباب توصله إلى النار فقط، والموَمن جهّز بأسباب أُخرى توصله إلى الجنة.
إنّ القول بالفراغ يضاد قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب) (الرعد|39) كما ينافي قوله سبحانه: (وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْض وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (الاَعراف|96).
إنّ القول بالفراغ يبعث الخيبة والحرمان لدى عامة الناس لاَنّه إذا كان الاَمر قد فرغ منه، فنحن على كلّحال إمّا إلى الجنة أو إلى النار، فما فائدة القيام بالطاعة والانتهاء عن المعصية .
وقد كافح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تلك الفكرة بطرح البداء وانّ اللّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت وليس للاِنسان مصير واحد قطعي لا يتبدل ولا يتغير وإن كان علمه سبحانه لا يتبدل ولا يتغير.
وقد ألمح إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير واحد من الروايات التي رواها جلال الدين السيوطي في تفسير قوله: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) و من أراد التفصيل فليرجع إليه (1)
وبذلك يعلم انّ ما أخرجه أحمد عن أبي الدرداء أيضاً لا يقل في الوهن عمّا نقلناه عنه.
أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء عن النبيقال:خلق اللّه آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرِّية بيضاء كأنّهم الدّرّ، وضرب كتفه
____________
1 . السيوطي: الدر المنثور: 5|تفسير سورة الرعد: الآية 39.


الصفحة 141

اليسرى، فأخرج ذرِّية سوداء، كأنّهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنّة ولا أُبالي، وقال: للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أُبالي. (1)
4. لا يدخل الجنّة موَمن بسحر
أخرج أحمد عن أبي إدريس عائذ اللّه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يدخل الجنة عاق، ولا موَمن بسحْر، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر. (2)
والحديث قابل للنقاش من وجهين:
الاَوّل: ما هو المقصود من الاِيمان بالسحر في قوله: ولا موَمن بسحر؟ فإن أُريد انّ السحر والساحر لا يضران بالمسحور إلاّبإذن منه سبحانه، فهذا ممّا يجب الاِيمان به، فانّ تأثير كلّموَثر ومنه السحر بإذنه سبحانه، قال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرءِوَزَوجِهِ وَما هُمْ بِضارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّه)(البقرة|102).
وإن أُريد انّالسحر والساحر إنّما يقومان بالاضرار على وجه الاستقلال فلا ريب انّ الاِيمان به شرك في الخالقية و التدبير ولكن لا يختص بتأثير السحر . بل الاِيمان بإستقلال كلّ موَثر في التأثير شرك.
الثاني: احتلّت مسألة القدر في الاَحاديث المروية في الصحاح والسنن منزلة رفيعة وصارت ملاكاً للاِيمان والكفر، والمقدار اللازم هو الاِيمان بالقضاء والقدر بنحو لا يجعل الاِنسان مسيّراً في حياته، ولا يسلب الاختيار عنه، ولا يجعله كالريشة في مهبِّ الريح.
وأظن انّ اعطاء تلك المنزلة للقدر وغضّ النظر عن الاَصل الآخر وهو اختيار الاِنسان في فعله وتركه كان لاَجل تبرير عمل السلطات الجائرة من الاَمويين والعباسيين.
____________
1 . مسند أحمد: 6|441 وقد سقطت جملة «لا موَمن بسحر» من المطبوع من مسند أحمد في ستة أجزاء ونقله موَلف المسند الجامع : 2| 133، وجامع المسانيد والسنن: 5|108.
2 . مسند أحمد: 6|441 وقد سقطت جملة «لا موَمن بسحر» من المطبوع من مسند أحمد في ستة أجزاء ونقله موَلف المسند الجامع : 2| 133، وجامع المسانيد والسنن: 5|108.


الصفحة 142

 

6
عُبادة بن الصامت


(38ق.هـ ـ 34هـ)
راوية أقضية النبي
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة
1. إفتاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ رجوعه عنه
2. اللّه ليس بأعور
3. إخراج الاَُمة جميعاً من النار يوم القيامة
عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر الاَنصاري الخزرجي، أبو الوليد، وأُمّه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان، شهد العقبة الاَُولى والثانية، وآخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بينه و بين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدراً وأُحد والمشاهد كلها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعمله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بعض الصدقات.
قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة من الاَنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبي بن كعب، وأبو أيّوب، وأبو الدرداء.
وكان «عبادة» يُعلِّم أهل الصفَّة القرآنَ، و لما فتح المسلمون الشام أرسله


الصفحة 143

عمر ومعه معاذ بن جبل وأبو الدرداء ليعلِّموا الناس القرآن بالشام ويفقِّهوهم في الدين، وكان معاوية خالفه في شيء أنكره «عبادة» فأغلظ له معاوية في القول، فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبداً ورحل إلى المدينة. (1)
ويظهر ممّا رواه الذهبي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة انّ عثمان استرحله، بعد ما كتب معاوية إليه: «انّعبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فاما أن تكفَّه إليك، وإما أن أُخلّي بينه و بين الشام».
فكتب إليه: ان رحّل «عبادة» حتى ترجعه إلى داره بالمدينة.
قال: فدخل على عثمان فلم يفجأه إلاّ به وهو معه في الدار، فالتفت إليه، فقال: يا عبادة مالك ولنا؟ فقام «عبادة»بين ظهراني الناس، فقال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: سيلي أُموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، ولا تضلّوا بربِّكم.
إنّ عبادة بن الصامت من الرجال الغيارى الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يرضخون أمام جور الجائرين.
روى الذهبي، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه انّ عبادة بن الصامت مرّت عليه قطارة، وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: ما هذه، أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان! فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها ـ وأبو هريرة إذ ذاك في الشام ـ فأرسل فلان ـ يعني معاوية ـ إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنّا أخاك عبادة، أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا وعيبنا!!
____________
1 . أُسد الغابة: 3|106.


الصفحة 144

قال: فأتاه أبو هريرة ، فقال: يا عبادة مالك ولمعاوية، ذَرْه وما حُمّل، فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع و الطاعة والاَمر بالمعروف و النهي عن المنكر وألا يأخذنا في اللّه لومة لائم، فسكت أبو هريرة وكتب فلان ـ معاوية ـ إلى عثمان: إنّعبادة قد أفسد عليّ الشام. (1)
أقول: هذا هو الفرق بين صحابي مكبّ على عتبة بلاط معاوية فيسكت امام منكراته، وحمل الخمر إلى قصوره، وبين صحابيّ جليل كعبادة بن الصامت بايع رسول اللّه على السمع و الطاعة والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يأخذه في اللّه لومة لائم.
والعجب انّالراوي لا يذكر اسم من يُحمل إليه الخمر ويقول يباع لفلان ويعني به معاوية بن أبي سفيان والشاهد على ذلك انّ أبا هريرة، قال: «يا عبادة مالك و لمعاوية، ذره وما حُُمل » فلولا انّالخمر يحمل إلى قصوره فما معنى هذا الكلام؟
نعم حاول معاوية أن يستر فعله القبيح، وقال: يفسد على أهل الذمة متاجرهم ملْمِحاً بذلك إلى أنّ البائع والمشتري من أهل الذمة.
قال الذهبي: كان عبادة رجلاً طوالاً جسيماً جميلاً، مات بالرملة سنة 34هـ و هو ابن 72 سنة، ونقل انّه قُبِّـر ببيت المقدس.
ساق له «بقيّ» في مسنده 181 حديثاً، وله في البخاري و مسلم ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. (2)
وله روايات رائعة نذكر منها شيئاً.
____________
1 . سير اعلام النبلاء: 2|9ـ10 برقم 1.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|10ـ11 برقم 1.


الصفحة 145

روائع رواياته


1. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن جنادة بن أبي أُمية، قال: سمعت عبادة بن الصامت، يقول:
إنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا نبي اللّه أي العمل أفضل؟ قال: الاِيمان باللّه، والتصديق به، وجهاد في سبيله، قال: أُريد أهون من ذلك يا رسول اللّه، قال: السماحة والصبر، قال: أُريد أهون من ذلك يا رسول اللّه، قال: لاتتهم اللّه تبارك وتعالى في شيء قضى لك به. (1)
2. أخرج ابن ماجة، عن الصّنابحي، عن عبادة بن الصامت، انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: ما من عبد يسجد للّه سجدة إلاّ كتب اللّه له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود. (2)
3.أخرج مسلم في صحيحه، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. (3)
4. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الاَشعث، قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في اعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك.
فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال:إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، و الملح بالملح، إلاّ سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو
____________
1 . مسند أحمد: 5|318ـ 319.
2 . سنن ابن ماجة: 1|457 برقم 1424.
3 . صحيح مسلم: 2|9، باب وجوب قراءة الفاتحة.


الصفحة 146

ازداد فقد أربى، فردّ الناس ما أخذوا.
فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه.
فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثمّ قال: لنحدثنّ بما سمعنا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن كره معاوية (أو قال و إن رغم) ما أُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. (1)
5. أخرج أحمد عن عبادة بن نسيّ، عن عبادة بن الصامت، انّالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل فيقتل في سبيل اللّه تعالى، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّشهداء أُمّتي إذاً لقليل، القتيل في سبيل اللّه تبارك و تعالى شهيد، والمطعون شهيد، والمبطون شهيد، و المرأة تموت بجمع شهيد ـ يعنى النفساء ـ . (2)
6. أخرج أحمد في مسنده، عن المطلب، عن عبادة بن الصامت، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اضمنوا لي ستاً من أنفسكم، أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم. (3)
7. أخرج أحمد في مسنده عن أبي قبيل المعافريّ، عن عبادة بن الصامت، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليس من أُمّتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه. (4)
____________
1 . صحيح مسلم: 5|44، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً.
2 . مسند أحمد: 5|315.
3 . مسند أحمد: 5|323.
4 . مسند أحمد: 5|323.


الصفحة 147

8. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليكم بالجهاد في سبيل اللّه تبارك وتعالى، فإنّه باب من أبواب الجنة، يذهب اللّه به الهمَّ والغمَّ. (1)
9.أخرج البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، قال:
بايعنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على السَّمع والطّاعة، في المنْشَط والمكره، أن لا ننازع الاَمر أهله، وأن نقول بالحقّ حيثما كنّا، لا نخاف في اللّه لومة لائم. (2)
10. أخرج مسلم في صحيحه ،عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، انّ نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:
من أحبَّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره لقاءه. (3)
أقول: إنّ عبادة بن الصامت راوية أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي من جلائل رواياته غير انّ ابن ماجة فرّقها في مواضع مختلفة من سننه ولم يذكرها جملة واحدة.
نعم ذكرها عبد اللّه بن أحمد في زيادته على مسند أبيه في مكان واحد.(4)
ومن أقضيته المعروفة: أن لا ضرر ولا ضرار ، و انّه ليس لعرق ظالم حق.
اقتصرنا على هذا المقدار من روائع رواياته لطولها وضيق المجال.
وقد عزيت إليه روايات، لا تنسجم مع الضوابط الماضية.
____________
1 . مسند أحمد: 5|319.
2 . صحيح البخاري: 9|77، باب كيف يبايع الاِمام الناس.
3 . صحيح مسلم: 8|65، باب من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه.
4 . ابن ماجة تحت رقم 2213 ،2340، 2483، 2488، 2643، 2675؛ مسند أحمد: 5|326.


الصفحة 148

1. إفتاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ رجوعه عنه
أخرج أبو داود، عن سلمة بن المحبق، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت، قد نزلت الحدود، لو انّك وجدت مع امراتك رجلاً، كيف كنت صانعاً ؟ قال: كنت ضاربهما بالسيف حتى يسكتا، أفأنا أذهب فأجمع أربعة شهداء؟! فإلى ذلك قد قضى الحاجة، فانطلقوا فاجتمعوا عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول اللّه ألم تر إلى أبي ثابت، قال: كذا وكذا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كفى بالسيف شاهداً، ثمّ قال: لا، لا، أخاف أن يتتايع (1) فيها السكران والغيران. (2)
وحاصل الحديث انّ أبا ثابت قال: إنّي لو شاهدت الواقعة لقتلت ولا أصبر إلى أن أذهب فأجمع أربعة شهداء لاَنّه يلازم قضاء الحاجة والفراغ من الزنا.
فلما عُرض كلام أبي ثابت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كفى بالسيف شاهداً، أي يوضع هذا السيف موضع الشهداء، ولا يحتاج إلى أن يذهب الزوج إلى جمع أربعة شهداء.
ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بداله في إمضاء عمل أبي ثابت لاَنّ تجويز قتلهنّ، ربما تكون ذريعة لقتل النساء بلا جرم، وذلك إمّا لغيرة الزوج أو غضبه.
هذا هو مفاد الحديث ومعنى ذلك انّ النبي أفتى بشيء ثمّ رجع عنه، وهذا ينافي الاَُصول المسلمة من حيث إنّه لا ينطق إلاّ عن وحي. إلاّ أن يحمل كلامه الاَوّل على المزاح والهزل في القول، و هو كما ترى ليس على ذلك الحمل قرينة.
____________
1 . يتتايع على وزن يتتابع وزناً وهو التمادي والتهافت في الشر والفساد والمراد من «سكران»: صاحب الغيظ والغضب، يقال سكر فلان على فلان أي غضب واغتاظ، و«الغيران» بفتح العين المعجمة أي صاحب الغيرة.
2 . سنن ابن داود: 4|144 برقم 4417.


الصفحة 149

وكفى في ضعف الحديث انّ أبا داود صاحب السنن، قال: الفضل بن دلهم(الوارد في سند الحديث) ليس بالحفاظ كان قصاباً بواسط. (1)

2. اللّه ليس بأعور
أخرج أبو داود عن جنادة بن أبي أُمية، عن عبادة بن الصامت، انّه قال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي قد حدثتكم عن الدّجال، حتى خشيت أن لا تعقلوا، وإنّ مسيح الدّجال رجل قصير أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا حجراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا انّ ربكم ليس بأعور. (2)
فانّ معنى ذلك انّ لربنا عيناً مادية ليست بعوراء، وقد عزي هذا الحديث إلى غير واحد من الصحابة كما سيأتي.

3.اخراج الاَُمّة من النار يوم القيامة
أخرج أحمد في مسنده، عن روح بن زنباع، عن عبادة بن الصامت، قال:
فقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة أصحابه، وكانوا إذا نزلوا أنزلوه أوسطهم، ففزعوا، وظنوا انّ اللّه تبارك و تعالى اختار له أصحاباً غيرهم، فإذا هم بخيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكبَّروا حين رأوه، قالوا: يا رسول اللّه أشفقنا أن يكون اللّه تبارك و تعالى، اختار لك أصحاباً غيرنا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا، بل أنتم أصحابي في الدنيا والآخرة انّ اللّه تعالى أيقظني، فقال: يا محمد إنّي لم أبعث نبياً ولا رسولاً إلاّوقد سألني مسألة أعطيتها إيّاه فاسأل يا محمّد تُعْطَ، فقلت: مسألتي شفاعة لاَُمتي يوم القيامة، فقال أبوبكر: يا رسول اللّه، وما الشفاعة؟ قال: أقول: يا ربِّ، شفاعتي التي اختبأت عندك،
____________
1 . سنن أبي داود: 4|144 برقم 4417.
2 . سنن أبي داود: 4|116 برقم 4320.


الصفحة 150

فيقول الربّ تبارك و تعالى: نعم، فيُخرج ربي تبارك وتعالى بقية أُمتي من النار فينبذهم في الجنة. (1)
إنّ ظاهر الحديث انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفع لقاطبة أُمّته يوم القيامة فيخرج المحكومون بالنار عنها وينبذون في الجنة وهذا ما لا يذعن به القرآن الكريم، وذلك لاَنّ أصنافاً من الاَُمّة الاِسلامية محكومون بالخلود أو بالمكث في النار أحقاباً كالقاتل، قال سبحانه: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَالَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْذلِكَ يَلْقَ أثاماً* يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) (الفرقان|68ـ 69).
فالخلود إمّا بمعنى المكث في النار دائماً أو كناية عن المكث فيها حقبة طويلة يصح أن يطلق عليها الخلود، ومع ذلك كيف يخرجون من النار في نفس يوم القيامة لا بعده؟
أضف إلى ذلك انّللشفاعة شروطاً أهمها وجود الصلة المعنويّة بين الشافع والمشفوع له، ومن الواضح انّ هذه الصلة ليست متوفرة في جميع الاَُمّة، فمن أحبط عمله لا تشمله الشفاعة وإن كان مسلماً.
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(الحجرات|2).
ومثله المرابي الذي عدّه سبحانه محارباً للّه، وقال:
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُوَوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُون) (البقرة|279).
____________
1 . مسند أحمد: 5|325.


الصفحة 151

إنّ القول بالشفاعة بهذا المعنى يورث الجرأة في الاَُمّة الاِسلامية فيتكلون عليها في نطاق العمل، بذريعة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيشفع للاَُمّة بأسرها حينها ستخرج من النار و تنبذ في الجنة.
أضف إلى ذلك انّ التعبير عن الدخول في الجنة بالنبذ فيها لا يخلو عن نوع تحقير للمشفوع له، وهو لا يناسب كرامته سبحانه، وكرامة نبيهص.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة