الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 74
الصفحة 75
 

1
معاذ بن جبل الصحابي


(20 قبل الهجرة ـ 18 هجرية)
سيرته وأحاديثه الرائعة.
أحاديثه السقيمة:
1. التجسيم في حديثه.
2. افشاء سرِّ النبي بلا إذنه.
3. السذاجة في فهم الشريعة.
4. عدم استجابة دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
5. دراسة تحليلية حول حديث اجتهاده في القضاء.
معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمان الاَنصاري الخزرجي المدنيّ البدريّ، ولد عام 20 قبل الهجرة، شهد العقبة وهو شابّ، كما شهد بدراً والمشاهد، و روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث ناهزت 108، بعثه النبي للقضاء إلى اليمن بعد ما علّمه آداب القضاء، وتوفي في الشام عام 18 بعد الهجرة على أحد الاَقوال.
والسابر في طيات كتب الرجال يجد في حقّه كلمات تدل على مكانته


الصفحة 76

الرفيعة في القراءة ومعرفة الحلال و الحرام:
1. عن عبد اللّه بن عمر، قال: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول اللّه، قال: «خذوا القرآن من أربعة، من: ابن مسعود، و سالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، و معاذ بن جبل». (1)
2. عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً: وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، و يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلاً ومتصلاً: «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة».
وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه: «معاذ بن جبل أعلم الناس بحلال اللّه وحرامه. (2) إلى غير ما ذكر من كلمات الاِطراء والثناء في حقّه المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الصحابة.
وقد نقل عنه أصحاب الصحاح والمسانيد انّه قال: لما بعثني النبي إلى اليمن، قال لي كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: قلت: أقضي بما في كتاب اللّه فإن لم يكن فبما قضى به رسول اللّه، قال: فإن لم يكن فبما قضى به الرسول؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب صدري، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه». (3)
____________
1 . تهذيب التهذيب: 10|187 برقم 347 ؛ سير أعلام النبلاء: 1|445 برقم 86 يقول المعلّق على الكتاب الاَخير: أخرجه البخاري (4999) في فضائل القرآن باب القرّاء من أصحاب النبي، ومسلم (2464 ) في الفضائل، والترمذي (3812) في المناقب، وأبو نعيم في الحلية: 1|229.
2 . تهذيب التهذيب: 10|187 برقم 347 ؛ سير أعلام النبلاء: 1|446 برقم 86 .و نقل المعلق على كتاب سير اعلام النبلاء انّه أخرجه أحمد: 3|184 و 281، والترمذي (3793) في المناقب، وابن ماجة (154) في المقدمة باب فضائل خباب، و أبو نعيم في الحلية: 1|228.
3 . أخرجه من أصحاب المسانيد: أحمد في مسنده: 5|236، 242؛ و من أصحاب السنن: أبو داود برقم 3592 و 3593 في الاَقضية، والترمذي (1327) مثله (1328) في الاَحكام باب ما جاء في القاضي كيف يقضي؟ و سيوافيك نقل أسناده مفصلاً.


الصفحة 77

هذه نبذة إجمالية عن سيرة معاذ بن جبل، والكلمة التي ذكرها النبي عند بعثه إلى اليمن للقضاء.
إنّ الوقوف على مكانة ذلك الصحابي رهن دراسة أمرين:
أ. دراسة الاَحاديث التي رواها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ب. دراسة حديث الاجتهاد الذي بلغ من الشهرة بمكان حتى اتخذه أصحاب القياس سنداً لاِعماله في استنباط الاَحكام الشرعية. وقد فسر الاِمام الشافعي الاجتهاد الوارد فيه بالقياس، كما سيوافيك تفصيله.

أحاديثه الرائعة
روى أصحاب الصحاح والسنن و المسانيد روايات عنه في شتى الموضوعات، كالاِيمان و الطهارة والجنائز والصلاة و الزكاة والصيام والنكاح والعتق و الفرائض والحدود والديات والقضاء والطب والمرض والاَدب والذكر والدعاء و القرآن والعلم والجهاد والاَمارة و المناقب والزهد والفتن وأشراط الساعة والجنة، ويناهز مجموع ما نقل عنه من الاَحاديث قرابة 108، فهو تارة ينقل نص قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُخرى فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي الوقت نفسه فإنّ قسماً من تلك الروايات هي في الواقع رواية واحدة نقلت بصور مختلفة فعدُّوها روايات متعددة كأكثر ما رواه في باب الاِيمان مثلاً حديثه المعروف «ما حقّ اللّه على العباد» رويت بصور تسع مع أنّـها في الحقيقة رواية واحدة، وعلى هذا الغرار يقلُّ عدد أحاديثه عن العدد المذكور بكثير، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه:
1. عن ابن عباس انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال: إنّك تأتي قوماً أهل كتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و انّي رسول اللّه، فان هم أطاعوك لذلك فاعلمهم انّ اللّه افترض عليهم


الصفحة 78

خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أنّ اللّه افترض عليهم صدقة في أموالهم توَخذ من أغنيائهم وتردّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإيّاك و كرائم أموالهم، و اتق دعوة المظلوم فانّها ليس بينها و بين اللّه عزّ وجلّ حجاب. (1)
2. قال: إنّ النبي قال سأنبئك بأبواب من الخير: الصوم جُنّة، والصدقة تطفىَ الخطيئة كما يطفىَ الماء النار، وقيام العبد من الليل ثمّ قرأ: (تَتَجافى جُنُوبهُمْ عَنِ المَضاجِعِ) . (2)
3. كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات، و ترك أخاً مسلماً، فقال معاذ: إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
«إنّ الاِسلام يزيد و لا ينقص» فورّثه. (3)
4. وقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الجهاد عمود الاِسلام و ذروة سنامه». (4)
إلى غير ذلك من روائع الاَحاديث التي يعلو هامتها نور النبوة و يشهد علو مضامينها على صدورها في بيت الوحي.

أحاديثه السقيمة
وقد روي عنه روايات شاذة لا تصح نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإليك دراسة قسم منها:

1.روَية اللّه في أحسن صورة
أخرج الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن طريق مالك بن يحامر
____________
1 . أخرجه الاِمام أحمد في مسنده:1|233.
2 . أخرجه الاِمام أحمد:5|248 والآية 16 من سورة السجدة.
3 . مسند الاِمام أحمد: 5|230 و 236.
4 . مسند الاِمام أحمد: 5|234.


الصفحة 79

السكسكيِّ، عن معاذ بن جبل (رض) قال: احتبس عنّا رسول اللّه ص ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين (1) الشمس، فخرج سريعاً فتثوّب بالصلاة، فصلّى رسول اللّهوتجوز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بصوته، قال لنا: على مصافّكم كما أنتم، ثمّ انفتل (2) إلينا، ثمّ قال: أما إنّي سأُحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إنّي قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قُدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (3) فإذا أنا بربي تبارك و تعالى في أحسن صورة. فقال: يا محمَّد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثاً.
قال: فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ (4) فتجلّى لي كل شيء و عرفت، فقال: يا محمد قلت: لبيك ربِّ قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى قلت: في الكفارات، قال: ما هنَّ، قلت: مشي الاَقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات (5).. الخ.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل (يريد البخاري) عن هذا الحديث، قال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الاِمام أحمد في مسنده في حديث معاذ. (6)
وللنظر في هذه الرواية ساحة رحبة.
أوّلاً: انّ المتبادر من الحديث هو انّ الصحابة كانوا على انتظار بُغية مجيَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليصلّوا معه، وما صلّوا حتى خرج إليهم رسول
____________
1 . في مسند أحمد: قرن الشمس.
2 . انفتل: أقبل.
3 . وفي مسند أحمد: استيقظت. والاَوّل هو الصحيح .
4 . وفي مسند أحمد: بين كتفيّ.
5 . سنن الترمذي: 5|368، كتاب تفسير القرآن برقم 3235.
6 . مسند الاِمام أحمد: 5|243 و بين المتنين اختلاف طفيف.


الصفحة 80

اللّه وقد تراءى عين الشمس، ومعنى ذلك انّ الصحابة تركوا الصلاة عمداً والنبي فاتت عنه الصلاة لغلبة النعاس عليه، ولو انّ الصحابة أدّوا الصلاة قبل خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم لجاء ذكره في الحديث فهذا ما لا نحتمله في حق الصحابة فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثانياً: انّ «التثوّب بالصلاة» المشار إليه في الحديث عبارة عن قول الموَذن في أذان صلاة الصبح «الصلاة خير من النوم» و إنّما يذكر هذ الفصل من الاَذان عند إقامة الصلاة أداءً لا قضاءً، و المفروض انّ النبي أدّى صلاته قضاءً.
مضافاً إلى أنّه لم يثبت وجود التثوب بالاَذان في عهد رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، و إنّما أضيف إليه بعد رحيله، روى الاِمام مالك في موطّئه: انّالموَذن جاء إلى عمر بن الخطاب يأذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح. (1)
والكلام في التثوب ذو شجون، وقد استوفينا البحث عنه في كتابنا «الاعتصام بالكتاب والسنّة». (2)
وثالثاً: انّه سبحانه أجلّ من أن يتجلّى لنبيه في النوم بأحسن صورة، و أن يكون له كف و أنامل لها برد، و أن يضعها بين كتفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
هب انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما ينقل ما رآه في المنام دون أن يحكي عن الواقع، و لكن هل من الصحيح أن يذكر ما رآه دون أن يعقبه بكلمة وهي: انّ ربّه أجّل من أن يوصف بتلك الاَوصاف، لئلاّ يقع السُّذَّج من الناس في ورطة التجسيم والتشبيه؟!
وأغلب الظن انّ الرواية من مجعولات مستسلمة أهل الكتاب الذين
____________
1 . الاِمام مالك، الموطأ، ص 78 برقم 8.
2 . الاعتصام بالكتاب والسنة، ص 48ـ 60.


الصفحة 81

روّجوا مسألة التشبيه و التجسيم و دسّوها في أحاديث المسلمين. و إن رآها الترمذي حديثاً حسناً صحيحاً، أو صحّحه البخاري حسب ما نقله الترمذي.
ثمّ إنّي وقفت ـ بعد ما حرّرت ذلك ـ على كلام للمحقّق السيد حسن السقاف حول الحديث، فنأتي به موجزاً:
يقول: إنّ متن الحديث يشتمل على ألفاظ منكرة توَكد وضعه :
1. إثبات الصورة للّه تعالى، وكذلك إثبات الكفّ له ـ سبحانه وتعالى عن ذلك ـ وإنّها بقدر ما بين كتفي سيدنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
«أجمع أهل السنة على استحالة الصورة على اللّه عزّ وجلّ، كما نقل ذلك الاِجماع الشيخ الاِمام عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص 332) .
وقال الشافعي : والاِجماع أكبر من الحديث المنفرد». (1)
أي إنّ الاِجماع إذا صادمه حديث آحاد أسقط الاحتجاج به، بل يدلّ ذلك على وضعه و انّه لا أصل له كما يقول الحافظ الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه(1|132).
2. إثبات الكف هنا إثبات جارحة للّه تعالى ويبعد تأويلها بالقدرة، لاَنّ قدرة اللّه عزّ وجلّ شاملة لجسد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الشريف، وإثبات أنّه وجد برد كفّ اللّه تعالى عن ذلك، بين ثدييه (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعّد التأويل بالقدرة، ويوَكد وضع الحديث، لا سيما أنّ الحفاظ كالذهبي قالوا عنه منكَر لاَجل هذه الاَلفاظ وأشباهها.
كما أنّ تأويل قوله: في أحسن صورة، أي أحسن صورة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيه تكلّف لا يخفى، والحديث موضوع لا يثبت. (2)
____________
1 . سير اعلام النبلاء: 10|20 و 21، والحلية:9|105، وآداب الشافعي لابن أبي حاتم:231.
2 . ذيل دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: 285ـ 286.


الصفحة 82

هذا إذا نظرنا إلى الحديث من جانب المضمون والتطبيق على الاَُصول القطعية، وأمّا إذا أردنا دراسة الحديث من حيث السند، فهو إذن مثل المضمون مرفوض جداً وقد نصّ على ضعف السند أبطال الحديث، فقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (1|125)، والحافظ السيوطي في كتابه «اللآلي المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة» (1|31) وذكر انّ في سنده حماد بن سلمة، وقال الاِمام الحافظ البيهقي في كتابه «الاَسماء والصفات» (ص 300): «وقد روي من وجه آخر وكلّها ضعيف».
فإن قال قائل قد حسّن الترمذي الحديث، بل قد صحّحه في بعض الروايات عنه.
قلنا: هذا لا ينفع، لاَنّ الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين مضافاً إلى معارضته بتضعيف الحفاظ الذين تعرفت على أسمائهم، فقد صرّحوا بأنّ الحديث منكر و موضوع، فهو مقدَّم على تحسين الترمذي أو تصحيحه.
ولو أردنا نقل كلمات الحفاظ حول الحديث لطال بنا الكلام وهو خارج عن موضوع الكتاب. (1)

2. إفشاء سر النبي
أخرج الاِمام أحمد، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، قال: كنت ردف النبي فقال: هل تدري ما حقّ اللّه عزّ وجلّ على عباده؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال: هل تدري ما حقّالعباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟ أن يغفر لهم و لا يعذبهم.
____________
1 . لاحظ رسالة «أقوال الحفاظ المنثورة لبيان وضع حديث رأيت ربي في أحسن صورة» ، تأليف حسن السقاف المطبوع في ذيل دفع شبه التشبيه.


الصفحة 83

قال معمر في حديثه: قال: قلت يا رسول اللّه ألا أُبشرِّ الناس قال: دعهم يعملوا. (1)
ورواه البخاري بنفس ذلك النص إلاّ انّه قال: قلت يا رسول اللّه: أفلا أبشّر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتّكلوا. (2)
ورواه مسلم بنفس المضمون في باب من لقي اللّه بالاِيمان و هو غير شاك فيه. (3)
وللنظر في هذا الحديث كالحديث السابق مجال واسع، فإذا نهاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البشارة به بقوله:« دعهم يعملوا» أو بقوله:« لا تبشرهم فيتكلوا» فلِمَ أفشى سرّ النبي؟
أضف إلى ذلك انّ ما جاء به النبي لم يكن أمراً مستوراً على المسلمين بل جاء في الذكر الحكيم في قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يغْفِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِوَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء) (النساء|48).
نعم، انّ أنس بن مالك برّر إفشاء سرِّ النبي من قِبَلِ معاذ، بقوله: «وأخبر بها معاذاً عند موته تأثماً». (4)
وقال ابن حجر العسقلاني في تفسير قوله تأثماً: هو بفتح الهمزة و تشديد
____________
1 . مسند أحمد: 5|228.
2 . صحيح البخاري: 4|28 باب اسم الفرس و الحمار من كتاب فضل الجهاد والسير، و من الطريف انّ البخاري نقل الرواية في هذا الباب (باب اسم الفرس و الحمار) و كم للبخاري من هذه الطرائف و المتصفح في صحيحه يجد انّ طائفة كبيرة من الروايات أوردها تحت عناوين لا تمت لها بصلة، و أنت إذا قارنت بين صحيح البخاري مع الكافي للكليني لوجدت انّ الثاني قد بلغ الغاية في حسن التبويب.
3 . صحيح مسلم: 1|43.
4 . صحيح البخاري: 1|44، كتاب العلم.


الصفحة 84

المثلثة المضمومة، أي خشية الوقوع في الاِثم، والمراد بالاِثم الحاصل من كتمان العلم ودلّ صنيعُ معاذ على أنّه عرف انّ النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم وإلاّلما كان يخبر به أصلاً أو عرف انّ النهي مقيد بالاتكال فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك فإذا زال القيد زال المقيد، و الاَوّل أوجه لكونه أخّر ذلك إلى وقت موته. (1)
وما برَّر به أنس فعل معاذ تبرير غير تام، لاَنّ نهي النبي يدور أمره بين كونه تحريمياً أو تنزيهياً، فعلى الاَوّل يكون الاِظهار موجباً للاِثم دون الكتمان، وعلى الثاني يكون الاِظهار والكتمان على حدّ سواء لكن الكتمان كان أولى من الاِظهار فلم يكن هناك أي إثم حتى يبرِّر عمله هذا بالتأثم و يفسر بالاِثم الحاصل من كتمان العلم.
هذا ما يرجع إلى كلام أنس، وأمّا ما ذكره العسقلاني من أنّ النهي كان تنزيهياً لا تحريميّاً لا يلائمه ظاهر الحديث حيث إنّ الاتكال على الايمان القلبي دون العمل أمر محظور، فلذلك يكون ما يستلزمه ـ أي الاظهار ـ منهياً عنه بالنهي التحريمي لا التنزيهي.
وأضعف من ذلك تبريره الثاني حيث قال: إنّ النهي كان مقيداً بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك.
وجه الضعف انّ معاذاً كان واقفاً على أنّ السامع سوف يبثّه بين المسلمين وفيه من يُخشى عليه من الاتكال، فلِمَ أخبره به و لم يأخذ منه عهداً أن لا يخبر به أحداً إلاّ مثله.
فرفضُ الحديث وتنزيه مقام معاذ أولى من قبوله و تبريره بهذه المبررات التي لا تُسمن ولا تغني من جوع.
____________
1 . فتح الباري: 1|183، كتاب العلم.


الصفحة 85

3. السذاجة في فهم الشريعة
أخرج الاِمام أحمد، عن أبي ظبيان، عن معاذ بن جبل انّه لما رجع من اليمن، قال: يا رسول اللّه رأيت رجالاً باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك؟ قال: لو كنت آمراً بشراً يسجد لبشر لاَمرت المرأة أن تسجد لزوجها. (1)
ويظهر ممّا رواه كشف الاَستار عن زوائد البزار، انّه بعد ما رجع من الشام سجد للنبيّ، و إليك نصّه:
عن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: انّه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لاَساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم، ورأى اليهود يسجدون لاَحبارهم وعلمائهم وفقهائهم، فقال: لاَي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الاَنبياء، قلنا: فنحن أحقّ أن نصنع بنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا قدم على نبيِّ اللّه سجد له، فقال: ما هذا يا معاذ؟! فقال: إنّي أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لاَساقفتهم (2)...إلى آخر ما ذكر.
إنّ الوثوق بهذا الحديث أمر عسير، فلو صحّ لدلّ على سذاجة الرجل في فهم الشريعة، وذلك لاَنّ السجود و إن لم يساوق العبادة، إذ ربَّ سجود لا يعد عبادة كسجود الملائكة لآدم وسجود يعقوب وأولاده ليوسف، بيد انّ السجود في عهد النبي كان رمزاً للعبادة ومجسِّداً لها ومظهراً من مظاهرها، فكيف خفيت تلك الحقيقة على ذلك الصحابي و سجد للنبي، في حين انّ الناس يرونه عبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
إنّ هذا العمل يناسب شأن الاَعرابي البعيدعن الاِسلام وتعاليمه لا لمثل
____________
1 . مسند أحمد: 5|227 و 228 و نقله أيضاً على وجه التفصيل في 4|381.
2 . المسند الجامع: 15|235 برقم 11527، نقلاً عن كشف الاستار عن زوائد البزار: 2|175 برقم 1461.


الصفحة 86

معاذ بن جبل الذي تربّى في أحضان الرسالة.
أخرج الدارمي عن ابن بريدة عن أبيه، قال:
جاء أعرابي إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إئذن لي فلاَسجد لك، قال: لو كنت آمراً أحداً يسجد لاَحد لاَمرت المرأة تسجد لزوجها. (1)
ومن العجب انّ الدارمي نقل الحديث أيضاً عن قيس بن سعد انّه قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول اللّه أحقّ أن يُسجد له، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: انّي أتيت الحيرة... إلى آخر ما ذكر. (2)
أضف إلى ذلك كيف أخذ معاذ مثل ذلك الاَمر من النصارى حيث رآهم يسجدون للاَساقفة والرهبان والاَحبار على الرغم من انّه أعلم الاَُمة بالحلال و الحرام و اقرأ الناس للقرآن؟!

4. عدم استجابة دعاء النبي
أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن شداد، عن معاذ بن جبل، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة، قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليت صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة: سألت اللّه عزّ وجلّ ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ. (3)
____________
1 . سنن الدارمي:1|342، باب النهي أن يسجد لاَحد.
2 . سنن الدارمي: 1|341، باب النهي أن يسجد لاَحد؛ وأخرجه أيضاً أبو داود برقم 2140 وقد أسهب الثاني في نقل الحديث.
3 . مسند الاِمام أحمد: 5|240.


الصفحة 87

إنّ لاستجابة الدعاء شرائط خاصة ذكرت في كتب الاَدعية و الاَخلاق، ومن تلك الشرائط أن لا يكون الدعاء على خلاف السنن السائدة على الكون، مثلاً من دعا بالخلود لنفسه فلا تستجاب دعوته، وذلك لاَنّه سبحانه يقول: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد أَفَإِنْ مت فَهُمُ الخالِدُون) (الاَنبياء|34) وبما انّ الاختلاف في التفكير أمر ذاتي للبشر فلا يتسنّى للنبي أن يطلب من اللّه سبحانه عدم اختلاف أُمّته و وحدة كلمتهم قال سبحانه: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً واحدةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاَََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّة وَالنّاسِ أَجْمَعين) (هود|118ـ 119).
فقد تعلقت مشيئته سبحانه في الاَزل باختلاف الناس في التفكير والعقيدة، وبما انّ الاختلاف أمر طبيعي لكافّة البشر، فبعث اللّه النبيين للقضاء بينهم، قال سبحانه: (كانَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ وَأنزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ ليَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيه وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدى اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم)(البقرة|213).
كيف يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم، و هو القائل«افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و افترقت النصارى على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و تفترق أُمّتي على ثلاث و سبعين فرقة»؟
رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. (1)
هذا ما يرجع إلى الفقرة الثالثة التي رُدَّ فيها دعاء النبي، وأمّا الفقرة الثانية
____________
1 . المستدرك على الصحيحين: 1|128.


الصفحة 88

أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «سألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها» فاقرأها ثمّ تابع الحوادث والنـوازل التي ألـمَّت بالمسلمين عبر القرون، فقد تسلط عليهم الوثنيون المغول، و الصليبيون قرابة قرنين، وفعلوا ما فعلوا، و ليست الجرائم التي اقترفها الصهاينة ببعيدة عن القارىَ الكريم.
هذه دراسة إجمالية لبعض ما روي عن ذلك الصحابي الجليل، فانّ منافاة تلك الاَحاديث مع الاَُصول المسلمة تغني الباحث عن دراسة أسانيدها. ولا يصدنا عن النقد ورود الحديث في صحيح البخاري كما هو الحال في حديث إفشاء سر النبي، أو كونه مما صححه البخاري حسب نقل الترمذي كما هو الحال في حديث التجسيم.
فإذا كان معاذ يأتي أمام العلماء برتوة، أو كان أعلم الناس بحلال اللّه وحرامه، فهو أجلّ من أن يكون ناقلاً لتلك الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
5. دراسة تحليلية حول حديث اجتهاده
روى أصحاب السنن والمسانيد انّ رسول اللّه بعثه إلى اليمن للقضاء فسأله عن أُمور أجاب عنها معاذ، وقد احتجّ أصحاب القياس بهذا الحديث على حجّيته.
وهذا الحديث قابل للمناقشة من وجهين:
الاَوّل: دراسة أسانيده، و انّه هل ورد بسند قابل للاحتجاج به أو لا ؟
الثاني: على فرض صحّة سنده، فهل يمكن الاحتجاج به على حجّية القياس أو لا ؟


الصفحة 89

دراسة أسانيد حديث الاجتهاد
احتجّ غير واحد من أصحاب القياس بحديث معاذ بن جبل، والاحتجاج فرع إتقان الرواية سنداً ومتناً، وإليك بيانها:
عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص، عن معاذ:
إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟
قال: أقضي بما في كتاب اللّه.
قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟
قال: فبسنّة رسول اللّه.
قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟
قال: أجتهد رأيي، لا آلو.
قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه . (1)
وقد استدلّ به الاِمام الشافعي، فقال بعدما أفاد ـ أنّ القياس حجّة فيما لم يكن في المورد نصّ كتاب أو سنّة ـ: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما
____________
1 . مسند أحمد: 5|230، وسنن الدارمي:170، وسنن أبي داود: برقم 3593، وسنن الترمذي: برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى حارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.


الصفحة 90

مفترقان؟ثمّ أجاب: هما اسمان لمعنى واحد. (1)
وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لاَنّه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّبدلائل، والدلائل هي القياس. (2)
وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة. (3)
وثمّة كلمات مماثلة لما ذكرنا في تقريب الاستدلال به.
لكنّ الحديث ضعيف سنداً، وغير تام دلالة.
أمّا السند، ففيه الاَُمور التالية:
1. إنّ أبا عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي الوارد في السند، مجهول لم يعرف.
2. إنّ الحارث بن عمرو، مجهول مثله، ولم يعرف سوى أنّه ابن أخي المغيرة بن شعبة.
3. إنّ الحارث بن عمرو، ينقل عن أُناس من أهل حمص وهم مجهولون فتكون الرواية مرسلة. وبعد هذه الاَُمور ، أفيصحّ الاستدلال بحديث يرويه مجهول عن مجهول عن مجاهيل؟!
قال ابن حزم: وأمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنّه لم يرو قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو ، حدّثني أحمد بن محمد العذري، حدثنا أبو ذر الهروي، حدثنا زاهر بن أحمد
____________
1 . الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
2 . الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
3 . أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.


الصفحة 91

الفقيه، حدثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكر سند هذا الحديث، وقال: رفعه في اجتهاد الرأي.
قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ. هذا نصّ كلام البخاري في تاريخه الاَوسط، ثمّ هو عن رجال من أهل حمص لا يُدرى من هم.(1)
وقال الذهبي: الحارث بن عمرو، عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد، قال البخاري: لا يصحّ حديثه.
قلت: تفرّد به أبو عون(محمد بن عبيد اللّه الثقفي) عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة وما روى عن الحارث، غير أبي عون و هو مجهول.
وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتّصل. (2)
وقال السيد المرتضى: إنّ حديث معاذ خبر واحد، وبمثله لا تثبت الاَُصول المعلومة، ولو ثبتت بأخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لاَنّ رُواته مجهولون.وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ ولم يُذكَروا. (3)

دراسة دلالة الحديث
وأمّا الدلالة، فهي مبنيّة على مساواة الاجتهاد مع القياس أو شموله له، وهو غير ثابت، قال المرتضى: ولا يُنكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه
____________
1 . ابن حزم: الاِحكام: 5|207.
2 . الذهبي: ميزان الاعتدال:1|439 برقم 1635.
3 . المرتضى: الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|773.


الصفحة 92

فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادّعاوَهم أنّ إلحاق الفروع بالاَُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الذي عناه في الخبر ، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه. (1)
على أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الاِفتاء، لاَنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الاِفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الاِفتاء، مبنيّ على صحّة القياس وهو دور واضح.
ثمّ إنّ ثمة نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّالعارف بالكتاب والسنّة والخبير في فصل الخصومات، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي نصبه للقضاء لابدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً، و يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما ثانياً، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات، ومع المعرفة التامّة لحال القاضي يكون السوَال بقوله: «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه» أمراً لغواً ، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح، وستوافيك الصور الاَُخرى للرواية.
قال الفخر الرازي: إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز لاَنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به، والشيء الذي لا يجب أن يقضي به. (2)
على أنّ الظاهر من سيرة «معاذ» أنّه لم يكن يجتهد برأيه في الاَحكام و إنّما كان يتوقّف حتى يسأل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
____________
1 . الذريعة:2|776.
2 . الرازي: المحصول: 2|255.


الصفحة 93

روى يحيى بن الحكم أنّمعاذاً قال: بعثني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُصدِّق أهلَ اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الاَربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك.
فقدمتُ، فأخبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمرني أن آخذ من كلّثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً. (1)
فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟
ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة، حاولوا تصحيح التمسّك به بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً، لكنّ الاَُمّة تلقّته بالقبول. (2)
ولنا هاهنا وقفة قصيرة، وهي أنّ اشتهار الحديث نتيجة الاستدلال به على القياس ولولا كونه مصدراً لمقالة أهل القياس لما نال تلك الشهرة.
يقول السيد المرتضى: أمّا تلقّي الاَُمّة له بالقبول، فغير معلوم، فقد بيّنا أنّ قبول الاَُمّة لاَمثال هذه الاَخبار كقبولهم لمسّ الذكر ، و ما جرى مجراه ممّا لا يُقطع به ولا يُعلم صحّته. (3)
إلى هنا تمّت مناقشة الحديث سنداً ودلالة، وتبيّن أنّ الحديث غير صالح للاحتجاج به .
____________
1 . مسند أحمد بن حنبل:5|240؛ المسند الجامع: 15|230 برقم (11518ـ 41).
2 . الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|163.
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|774.


الصفحة 94

الصور الاَُخرى للحديث
إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها اختلاف كثير في المضمون، وإليك هذه الصور:
الصورة الاَُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي، قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي ـ أبو عون ـ قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذ إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضي به رسول اللّه. (1)
ترى أنّمعاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الاَعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما هو مقرّر في محله.
كما أنّ مراده أومّ الحقّ هو اعمال النظر والاستدلال في الاَُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.
____________
1 . ابن حزم: الاِحكام: 5|208.


الصفحة 95

أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة، لاَنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة لتأخر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.
الصورة الثانية: عن عبد الرحمان بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه. (1)
وهي: متّصلة السند ، ولكن المتن غير ما جاء في الحديث، بل يغايره تماماً، وينفي مقالة أهل القياس.
الصورة الثالثة: وردت في الكتب الاَُصولية صورة ثالثة للرواية، ولعلّها منقولة بالمعنى.
قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى الاَشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن: بم تقضيان؟
قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الاَمر بالاَمر، فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به. (2)
كما نقله الرازي في المحصول، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الاَشعري إلى اليمن فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لهما: بم تقضيان؟ فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الاَمر بالاَمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أصبتما. (3)
____________
1 . أخرجه ابن ماجة في سننه: 1|21 برقم 55.
2 . أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.
3 . الفخر الرازي: المحصول: 2|254.


الصفحة 96

وتبعه الاَرموي في التحصيل من المحصول. (1)
والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي، ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.
نعم أخرج أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنّ رسول اللّهبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن. (2)
____________
1 . التحصيل من المحصول: 2|163.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 4|397.


الصفحة 97

 

2
أُبيّ بن كعب الاَنصاري


( ... ـ 30 هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1.طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها.
2. جزاء من تعزَّى بالجاهلية.
3. آيتان كانتا عند أُبيِّ بن كعب.
4. نسيان ما نزل في أحد من الآية.
5. أوّل من يصافحه الحقّ عمر.
أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن نجار، أبو منذر الاَنصاري النجاريّ المدنيّ، المقرىَ البدري، يكنّى أبا الطفيل.
شهد العقبة وبدراً، وجمع القرآن في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرض عليه وحفظ عنه علماً.
روي عن أنس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا َُبي بن كعب: إنّاللّه أمرني أن اقرأ عليك القرآن، وفي لفظ: أمرني أن اقرئك القرآن.


الصفحة 98

قال: اللّه سماني لك؟ قال: نعم، قال: وذُكرت عند ربّالعالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه.
روى عنه: عبادة بن الصامت، و ابن عباس، وعبد اللّه بن خباب، و ابنه الطفيل ابن أُبي.
وكان أُبي يكتب في الجاهلية قبل الاِسلام، و كانت الكتابة في العرب نادرة، وكان يكتب في الاِسلام الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعهده إذا عاهد، وصلحه إذا صالح، ولاَُبي في الكتب الستة نيف و ستون حديثاً، وله في مسند «بَقيّ بن مَـخْلَد» مائة و أربعة وستون حديثاً منها في البخاري ومسلم ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بسبعة.
وقد اختلفوا في تاريخ وفاته، فمن قائل بأنّه تُوفّي في خلافة عمر بن الخطاب عام 22 هـ، ولما نُعي إلى عمر، قال: اليوم مات سيد المسلمين.
ومنهم من يقول: إنّه مات في خلافة عثمان سنة 30هـ، ويرجحه ابن حجر، ويقول: هو أثبت الاَقاويل ،ويوَيده ما دار بينه و بين عثمان من الحوار في قوله سبحانه: (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرهُمْ بِعَذابٍ أَليم) (التوبة|34) وكان عثمان يقرأه بلا واو «الذين» خلافاً لاَبي فكان يقرأه «والذين» فطال الحوار بينهما، فقال أُبي غاضباً: لتلحقنّها أو لاَضعنّ سيفي على عاتقي، وهو يريد بأنّه لابدّ من أن تعود الواو عاطفة إلى مكانها أو ليتوصل إلى ذلك بالقوة (1). (2)
و بلغت أحاديثه في المسند الجامع 92 حديثاً. (3)
ولنذكر من روائع رواياته شيئاً ثمّ نردفها بما لا يصحّ عزوه إليه.
____________
1 . الدر المنثور، في تفسير الآية.
2 . أُسد الغابة: 1|49؛ الطبقات الكبرى: 3|498؛ سير اعلام النبلاء: 1|389 برقم 82.
3 . المسند الجامع: 1|17 برقم 3.


الصفحة 99

روائع أحاديثه
1. أخرج عبد اللّه بن أحمد، عن ابن أبي الجوزاء ،عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مَهَل، ويقضي المتوضىَ حاجته في مهل. (1)
2. أخرج ابن ماجة، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعاً وعشرين، أو خمساً وعشرين درجة. (2)
3. أخرج أحمد في مسنده، عن الحسن، انّ عمر أراد أن ينهى عن متعة الحجّ، فقال له أُبي: ليس ذلك لك، قد تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ينهنا عن ذلك، فاضرب عن ذلك عمر ، و أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لانّها تصبغ بالبول، فقال له أُبي: ليس ذلك لك قد لبسهنَّ النبي ولبسناهنَّ في عهده. (3)
4. أخرج ابن ماجة، عن أبي رافع، عن أُبي بن كعب، انّ النبيكان يعتكف العشر الاَواخر من رمضان، فسافر عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً. (4)
5. أخرج البخاري في صحيحه عن سويد بن غفلة، قال: لقيت أُبي بن كعب... فقال: وجدت صرّة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها مائة دينار، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: عرِّفها حولاً.
فعرَّفتها حولاً فلم أجد من يعرفها، ثمّ أتيته، فقال:عرِّفها حولاً، فعرَّفتها فلم
____________
1 . مسند أحمد: 5|143.
2 . سنن ابن ماجة: 1|259 برقم 790.
3 . مسند أحمد: 5|143.
4 . سنن ابن ماجة: 1|562 برقم 1770.


الصفحة 100

أجد، ثمّ أتيته ثلاثاً، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلاّ فاستمتع بها ،فاستمتعت.
قال شعبة: فلقيته يعني سلمة بن كهيل بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً. (1)
وقد اتّفق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّه يكفي تعريفها حولاً واحداً، ولعلّ أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتعريف ثلاثة أحوال للتأكد أو لكون اللقطة ذات قيمة مالية لا يستهان بها.
وإليك بعض رواياته السقيمة التي عزيت إليه:

1. طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها
أخرج مسلم في صحيحه، عن زرّ بن حبيش، قال: سمعت أُبي بن كعب، يقول: وقيل له: إنّ عبد اللّه بن مسعود، يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، فقال أُبي: واللّه الذي لا إله إلاّ هو انّها لفي رمضان، و واللّه انّي لاَعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيامها، هي ليلة صبيحة 27، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. (2)
أقول: ثمّة اشكالان على الحديث:
الاَوّل: انّ من جرّب طلوع الشمس في صبيحة يوم السابع والعشرين من رمضان يرى انّـها لا تختلف عن طلوعها في صبيحة اليوم السابق واللاحق، وما ذكره ليس له واقع ملموس.
____________
1 . صحيح البخاري: 3|126، كتاب اللقطة، الحديث الاَوّل؛ صحيح مسلم: 5|136، كتاب اللقطة.
2 . صحيح مسلم: 2|178، باب الترغيب في قيام رمضان.


الصفحة 101

الثاني: جرت سنة اللّه تبارك وتعالى على كون الشمس ذات أشعة مستنيرة تبثها في الكون و يصل إلى الاَرض مقدار ضئيل جداً منها.
وأمّا روَيتها بلا شعاع، فهي تابعة للاَوضاع الجوية، فإذا كان الجو صحواً تُرى الشمس وهي ترسل بأشعتها، بخلاف ما إذا كان ملبداً لا سيما أوان الطلوع فتراها قرصاً محمّراً.

2. جزاء من تعزّى بالجاهلية
أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عثمان، عن أُبي بن كعب: انّ رجلاً اعتزى، فأعضَّه أُبىُُّّ بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فحّاشاً، قال: إنّا أمرنا بذلك. (1)
وأخرج أيضاً عن عُتيِّ بن ضمرة، عن أُبيّ بن كعب، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه ولا تكنّوا. (2)
أقول: إنّ غاية ما كان يجب على أُبي بن كعب أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر على النحو الذي أمر الكتاب به ، قال سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) (النحل|125) لا ما جاء في الرواية من مقابلة المنكر بمنكر أبشع منه.
ناهيك عمّـا روي من انّ سباب الموَمن فسوق. (3)
وما روى عن أُسامة بن زيد حيث قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ اللّه لا يحب كلّفاحش متفحش. (4)
____________
1 . مسند أحمد: 5|133.
2 . مسند أحمد: 5|136.
3 . صحيح مسلم:1|58، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .
4 . مسند أحمد: 5|202.


الصفحة 102

3. آيتان كانتا عند أُبي بن كعب فقط
أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، انّهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون و يملي عليهم أُبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة (ثُمَّ انصَـرفوا صَـرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأنّهُم قَومٌ لا يَفقَهون) فظنوا أنّ هذا آخر ما أنزل من القرآن.
فقال لهم أُبي بن كعب: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرأني بعدها آيتين (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوَْمِنينَ رَوَُوفٌ رَحِيم) إلى (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الَعَظِيم) .
ثمّ قال: هذا آخر ما أُنزل من القرآن. (1)
ونعلق على الحديث بالقول:
أوّلاً: قد ثبت فيما سبق انّ القرآن جمع على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف ينسب الجمع إلى عهد الخلافة، فهذه الرواية تعارض ما تضافر من أنّ القرآن جمع على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثانياً: انّ معنى الرواية انّ بعض آيات الذكر الحكيم وصلت إلينا عن طريق الآحاد وهو أُبي بن كعب، فلولاه لم يكن لها أثر.
ثالثاً: ما ذكره يعارض ما روي عن زيد بن ثابت.
أخرج البخاري: انّ أبا بكر قال لزيد: أنت رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبع القرآن وأجمعه ـ إلى أن قال: قال زيد: فكنت أتتبع القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لقد جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنفسِكُمْ عزيز عَليهِ ما عنتّم) حتى خاتمة براءة.... (2)
____________
1 . مسند أحمد: 5|134 والآيات 127 ـ 129 من سورة التوبة .
2 . صحيح البخاري: 6|183، باب جمع القرآن.


الصفحة 103

4. نسيان ما نزل في أحد من الآية
أخرج أحمد في «مسنده»، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنّه أُصيب يوم أُحد من الاَنصار أربعة وستون وأُصيب من المهاجرين ستة، فمثلوا بقتلاهم.
فقالت الاَنصار: لئن أصبنا منهم يوماً من الدهر لنربينَّ (1) عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل من القوم لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فأنزل اللّه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبتُم بِهِ وَلئِن صَـبَرتُمْ لَهُوَ خَيْـرٌ للصّابِرين) .
فقال نبي اللّه: كفّوا عن القوم (2)
وفي رواية السيوطي: فقال رسول اللّه: نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة (3).
نعلق على الحديث، و نقول:
إنّ المفسرين اتّفقوا ـ تبعاً للروايات ـ على أنّ قوله سبحانه: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا...) نزل في أُحد. حيث إنّ المشركين مثلوا بحمزة وأراد المسلمون أن يمثلوا بسبعين من الكافرين إذا استولوا عليهم في قبال حمزة فنزلت الآية (4)
وقد تلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعها الصحابة و مع ذلك كيف يقول القائل يوم فتح مكة: لا قريش بعد اليوم، أو ليس ذلك اجتهاداً في مقابل النص؟
ولو افترضنا انّ القائل لم يسمع كلام اللّه سبحانه ـ و إن كان الاحتمال بعيداً جداً ـ فكيف يصحّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية
____________
1 . لنربين: لنزيدن في التمثيل بقتلاهم.
2 . مسند أحمد: 5|135، سنن الترمذي: 5|299 برقم 3129، والآية 126 من سورة النحل.
3 . السيوطي: الدر المنثور: 5|179.
4 . الدر المنثور: 5|179.


الصفحة 104

ثانياً في مكة المكرمة أن يقول: نصبر ولا نعاقب أو كفّوا عن القوم؟ أو ليس معنى ذلك انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موافقاً لنداء المنادي ولكنّه عدل عن رأيه بعد نزول الآية؟ ومعنى ذلك انّ النبي نسي مضمون الآية وصمم على استئصال شأفة قريش حتى عدل عن رأيه بعد نزول الآية مرة أُخرى، وقال: نصبر ولا نعاقب وكأنّه لولا نزول الآية لما صبر و عاقب ولما كفّ عنهم.
والرواية على افتراض الصحة نقلت مضطربة خصوصاً بالنظر إلى سائر صورها.
5. أوّل من يصافحه الحق عمر
أخرج ابن ماجة في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن أُبي بن كعب، قال:
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أوّل من يصافحه الحقُّ عمر، وأوّل من يسلّم عليه، وأوّل من يأخذ بيده فيدخله الجنّة. (1)
الحديث ظاهر انّ اللّه سبحانه أوّل من يصافح عمر بن الخطاب وهو يلازم كونه سبحانه ذا يد يصافح بها غيره، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وإن كان الحديث كناية عن نزول الرحمة عليه قبل كلّ أحد ففي الاَُمّة من هو أفضل منه باتّفاق الفريقين فكيف يقدّم المفضول على الفاضل؟!
____________
1 . سنن ابن ماجة: 2|39 برقم 104، قال في الزوائد: اسناده ضعيف فيه داود بن عطاء المديني وقد اتّفقوا على ضعفه وباقي رجاله ثقات،وقال السيوطي: قال الحافظ عماد الدين بن كثير في جامع المسانيد، هذا الحديث منكر جداً، وما هو أبعد من أن يكون موضوعاً.


الصفحة 105

 

3
العباس بن عبد المطلب الهاشمي


(54ق . هـ ـ 32هـ)

سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. اللّه فوق العرش.
2. أبو طالب في النار.

هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وكان من أطول الرجال، وأحسنهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتاً مع الحلم الوافر والسوَدد، وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه.
وكان بمكة يكتب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبار المشركين وكان من بمكة من المسلمين يتقوون به وكان لهم عوناً على إسلامهم، وأراد الهجرة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : مقامك بمكة خير، فلذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر: من لقي العباس فلا يقتله، فانّه أُخرج كرهاً، و مع ذلك أُخذ منه حين الاَسر عشرون أوقية ذهباً، وأُطلق سراحه.


الصفحة 106

فقال العباس: يا رسول اللّه: إنّي كنت مسلماً، فنزل قوله سبحانه: (يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْديكُمْ مِنَ الاَسرى إِن يَعْلَمِ اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُوَْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (الاَنفال|70).
ثمّ إنّ العباس لما كثر ماله بعد إسلامه أخذ يتفاخر بهذه الآية، ويقول: أعطاني اللّه مكان العشرين أوقية في الاِسلام، عشرين عبداً كلّهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة اللّه.
وممّا يدل على أنّه أسلم قبل الهجرة هو انّه حضر بيعة العقبة في أسفلها، وقال لمن حضر فيها من أهل يثرب: يا معشر الخزرج، قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه، وهو من أعزّ الناس في عشيرته، يمنعه واللّه من كان منّا على قوله و من لم يكن، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، واستقلال بعداوة العرب قاطبة، فانّها سترميكم عن قوس واحدة، فارتوَوا رأيكم وائتمروا أمركم، فانّ أحسن الحديث أصدقه.
توفي سنة 32 من الهجرة وله 86 سنة.
يقول الذهبي: وله قبة عظيمة شاهقة على قبره بالبقيع. (1)
وهو من المقلين في الرواية.
جُمِعَتْ أحاديثه في المسند الجامع، فبلغت 21 رواية. (2)
____________
1 . ومن عجيب ما وقفت عليه في سير أعلام النبلاء انّه يقول: وقد صار الملك في ذرية العباس، واستمر ذلك وتداوله تسعة وثلاثون خليفة إلى وقتنا هذا، وذلك ستمائة عام، أوّلهم السفاح وخليفة زماننا، المستكفي له الاسم المنبري والعقد والحل بيد السلطان الملك الناصر أيدهم اللّه (سير اعلام النبلاء: 2|99ـ100).
وجه التعجب هو انّ الذهبي توفي عام 748 هـ فكيف يقول (إلى وقتنا هذا و ذلك ستمائة عام) وليس في العبارة ما يفيد انّه ينقل ذلك عن غيره، وقد قضى الوثنيون من المغول على الخلافة العباسية قبل أن يولد الذهبي وذلك عام 656 من الهجرة فلاحظ.
2 . المسند الجامع: 8|122ـ137 برقم 337، وقد راجعنا في ترجمة العباس سير أعلام النبلاء: 2|78 برقم 11 ؛ أُسد الغابة:3|109.


الصفحة 107

من روائع رواياته
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، أنّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ذاق طعم الاِيمان من رضى باللّه ربّاً، وبالاِسلام ديناً و بمحمّد رسولاً ». (1)
2. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت: يا رسول اللّه، علّمني شيئاً أسأله اللّه عزّ وجلّ؟
قال: سل اللّه العافية، فمكثت أياماً، ثمّجئت، فقلت: يا رسول اللّه: علمني شيئاً أسأله اللّه، فقال لي: يا عباس، يا عمّ رسول اللّه: سلوا اللّه العافية في الدنيا والآخرة. (2)
هذا بعض ما روي عنه من روائع أحاديثه، وعزيت إليه أحاديث أُخرى لا تستقيم مع الضوابط السالفة الذكر.

1. اللّه فوق العرش
أخرج ابن ماجة في سننه، عن الاَحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال:كنت بالبطحاء في عصابة، وفيهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرّت به سحابة فنظر إليها. فقال ما تسمون هذه؟
قالوا: السحاب، قال: والمزن، قالوا: «والمزن»: قال:«والعنان» قال أبو بكر: قالوا: والعنان، قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري.
قال: فإنّ بينكم وبينها إمّا واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء
____________
1 . صحيح مسلم:1|46، باب من لقي اللّه بالاِيمان.
2 . سنن الترمذي: 5|534 برقم 3514، الباب 85.


الصفحة 108

فوقها كذلك حتى عدَّ سبع سماوات. ثمّ فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماءٍ. ثمَّ فوق ذلك ثمانية أوعال. بين أظلافهنّ ورُكَّبِهنَّ كما بين سماء إلى سماء، ثمّ على ظهورهنَّ العرش. بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء. ثمّاللّه فوق ذلك تبارك وتعالى. (1)
إنّ الحديث يخالف القرآن أوّلاً، والعقل الصريح ثانياً.
أمّا الاَوّل، انّ الذكر الحكيم يعرّفه سبحانه موجوداً منزهاً من أن يحويه زمان أو مكان قال سبحانه: (هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيم) إلى أن قال: (يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الاََرْض وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما ينزل مِنَ السَّماء وَ ما يََعرجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُم وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير) (الحديد|3ـ 4).
وقال عزّ من قائل: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمسةٍ إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوََ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم)(المجادلة|7).
وما تلوناه عليك من الآيات وغيرها صريحة في أنّه سبحانه موجود فوق أن يحوطه زمان ومكان خاص بل الاَزمنة والاَمكنة إليه سواسية، فهو كائن في جميعها وهذه الكينونة لا تعني حلول ذاته في الاَمكنة و الاَزمنة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، بل المراد حضوره في الكون لاَجل قيام الاَشياء به قيام المعلول بعلته والصورة الذهنية بالنفس بل أدق و ألطف من ذلك، ومعه كيف يصحّ ما في الرواية انّ اللّه فوق العرش؟!
وممّا لا ينقضي منه العجب انّ إمام الحنابلة صار يوَول هذه الآيات بأنّ المراد إحاطة علمه بالاَشياء لا إحاطة وجوده وإلاّ يلزم أن يكون وجوده في
____________
1 . سنن ابن ماجة: 1|69 برقم 193. و «أوعال» جمع «وَعِل» وهو تيس الجبل وكأنّها كناية عن الملائكة بصورته، و «إظلاف» جمع «الظِلْف» للبقر والغنم، كالمحفر للفرس.


الصفحة 109

الاَمكنة غير النقية والنزيهة. (1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تأويل بلا دليل، ولو قام أحد من المعتزلة أو غيرهم بتفسير الآيات على النحو الذي ذكره إمام الحنابلة، لرُمي بالجهمية.
وأمّا الثاني فلاَنّه سبحانه هو الخالق للعرش، فأين كان قبل أن يخلق العرش؟ وإلاّيلزم قدم العرش كقدمه سبحانه و يلزم منه تعدد القديم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

2. أبو طالب في النار
أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، عن العباس ابن عبد المطلب، انّه قال: يا رسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشيء فانّه كان يحوطك ويغضب لك.
قال: نعم، هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الاَسفل من النار. (2)
إنّ الحديث يخالف الكتاب والسنّة الثابتة، وذلك لاَنّه لو افترضنا انّ أبا طالب مات مشركاً لما قبلت شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه، والمفروض انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شفّع له فأخرجه من الدرك الاَسفل إلى ضحضاح من نار، مع أنّه سبحانه يقول: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَة* إِلاّ أَصْحابَ اليَمِين* في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمينَ* ما سَلَكَكُمْ في سَقَر ) إلى قوله سبحانه: (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعةُ الشّافِعين) (المدثر | 38 ـ 48).
____________
1 . وعلى ذلك جرى الحنابلة و السطحيون من الاَشاعرة. لاحظ كتاب السنة لاَحمد 47 ؛ و عون المعبود في سنن أبي داود:13|34.
2 . صحيح مسلم: 1|134ـ 135، باب شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَبي طالب.


الصفحة 110

فشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للموَمنين من أُمّته المذنبين منهم لا للمشركين، كيف وقال سبحانه: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع) (الاَنعام|70).
فالحديث موضوع على لسان أخي أبي طالب ليُغرّ الناس به.
ويكفيك في كون الحديث موضوعاً انّه سبحانه حكى انّ آل فرعون يعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل القيامة وبعدها يُدخلون أشدّ العذاب، قال سبحانه: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (غافر|46) و المفروض انّ أبا طالب انتقل إلى عالم البرزخ ولم تقم قيامته بعد، فكيف يدخله سبحانه في الدرك الاَسفل من النار ثمّ يخفف عنه بشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجعل في ضحضاح من نار؟! أوَ كان هو أكثر جرماً من فرعون وآله مع أنّه كان كفيلاً للنبي وناصره طيلة 42 سنة وقد لاقى في سبيل المحافظة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لاقى من المصائب والمتاعب، التي حفظها التاريخ؟!
أضف إلى ذلك ما في السند حيث إنّ عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي الوارد في السند هو الذي طال عمره وساء حفظه. قال أبو حاتم: ليس بحافظ تغيّر حفظه. وقال أحمد: ضعيف يغلط. وقال ابن معين: مخلط. وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه. وذكر الكوسج عن أحمد انّه ضعفه جداً. (1) ثمّ إنّ الدلائل القاطعة تثبت إيمان أبي طالب، فالرواية كما هي مخالفة

____________

1 . ميزان الاعتدال: 2|151.


الصفحة 111

للكتاب والسنّة، تخالف أيضاً التاريخ الصحيح. يقول العلاّمة الاَميني في هذا الصدد: أمّا ما ناء به سيد الاَباطح أبو طالب سلام اللّه عليه من عمل بارّ وسعي مشكور في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلاءته والذّب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الاَخير، فكلّها نصوص على إسلامه الصحيح وإيمانه الخالص وخضوعه للرسالة الاِلهية. (1) كما أنّ الظاهر من الحديث انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بهذه الشفاعة وهو في الدنيا مع أنّ الظاهر من حديث آخر انّه سيقوم بها في الآخرة. أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر عنده عمّه أبو طالب، فقال: لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. (2)

____________

1 . الغدير: 7|370 بتلخيص.

2 . صحيح مسلم: 1|135، باب شفاعة النبي لاَبي طالب.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة