الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 35
 

5
تمحيص السنّة النبوية


قد تبيّنت منزلة السنّة النبويّة ومكانتها، فلابدّ من إلفات نظر القارىَ الكريم إلى أنّ تمتعها بهذه الدرجة من الاَهمية، مردّها إلى السنة الواقعية من قول النبي وفعله وتقريره لا كل ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة تلك النسبة.
وربما يقال: إنّ السنة النبوية وحي إلهي، فما معنى تمحيص الوحي أوَ يصح لبشر خاطىَ أن يمحِّص الحقّ المحض؟!
ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنة النبوية الواقعية فوق التمحيص ، ولكن النقطة الجديرة بالذكر هي انّ السنّة الواردة، المتبلورة في الصحاح والمسانيد، هي بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها، وواقعها عن زائفها، فليس كلّ من ينقل عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بثقة، وعلى فرض كونه ثقة فليس بمصون عن الخطأ والنسيان.
فتمحيص السنة ليس لغاية التشكيك فيها، وإنّما يُطلب من وراء ذلك، إحقاق الحقّ وإبطال الباطل ولا ينبغي إضفاء طابع القداسة والصحة على كتاب غير كتاب اللّه سبحانه، وغيره ـ وإن بلغ من الاِتقان بمكان ـ خاضع للتمحيص والاِمعان والبحث في السند و المتن.
وثمة كلام قيم للاِمام أبي حنيفة بيّن فيه انّ تكذيب الحديث لا يلازم تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما يراد به تكذيب الراوي، قال:


الصفحة 36

أُكذِّب هوَلاء ولا يكون تكذيبي لهوَلاء وردِّي عليهم تكذيباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّما يكون التكذيب لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول الرجل: أنا مكذب لقول نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . فأما إذا قال الرجل: أنا موَمن بكلّ شيء تكلّم به النبي ، غير انّ النبي لا يتكلم بالجور ولا يخالف القرآن، فانّهذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبي القرآن وتقوّل على اللّه بغير الحقّ، لم يدعه اللّه حتى يأخذه باليمين ويقطع منه الوتين. (1)
وبعبارة أُخرى: اتّفق المسلمون في الكبرى، وهي انّ السنّة النبوية حجّة بلا كلام، ولو كان ثمة نقاش فإنّما هو في الصغرى، أي أنّ هذا الحديث المنقول إلينا هل هو من كلام الرسول أو لا، فالتمحيص ناظر إلى السنة الحاكية التي تتداولها الاَلسن خلف عن سلف.
وأمّا السنّة الواقعية المحكية القائمة بنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يتردد أيّ ذي مسكة في حجيتها، فالتشكيك فيها إلحاد وكفر بالرسالة بلا ريب، وموجب للخروج عن الدين وليس التمحيص بالمعنى الذي ذكرناه بأمر غريب فانّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أخبر عن وجود الكذّابة في عصره كما سيوافيك.

التمحيص ، لماذا؟
إنّ هناك أسباباً كثيرة تبعث الباحث إلى التمحيص ونقد الحديث النبوي بالمعنى الذي مرّ، نشير إلى بعضها.

السبب الاَوّل: رواج الكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
قد راج الكذب على لسان رسول اللّه في حياته وبعد رحيله، وقد تنبّأ به
____________
1 . الاِمام أبو حنيفة، العالم والمتعلم: 100.


الصفحة 37

في حديث متضافر أو متواتر وقال: «من تعمّد عليّكذباً فليتبوأ مقعده من النار».
وهذا ليس أمراً مستغرباً، فإذا استقرأ الباحث تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره يتضح له بسهولة وجود أرضية خصبة لجعل الحديث على لسان رسول الاِسلام ، وذلك لاَنّ حديثاً لم يهتمّ بكتابته طوال قرن ونصف، كيف يكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كلّ غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول؟! نحن لا ننكر انّ العلماء والمحدثين قاموا بواجبهم الديني تجاه السنة النبوية وكابدوا وتحملوا المشاق في تمحيص السنة الواقعية عما ألصق بها، لكن التمحيص الحقيقي من أشق الاَُمور بعد هذه الحيلولة الطويلة.
وكلما بعد الناس من عصر الرسول ازداد عدد الاَحاديث حتى أنّ الاِمام البخاري أخرج صحيحه عن ستمائة ألف حديث . (1)
وانّ أبا داود قد أورد في سننه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من 500 ألف حديث. (2)
كما انّ مسلم أورد في صحيحه أربعة آلاف حديث مع حذف المكررات انتخبها من 300 ألف حديث. (3) ذكر الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده قرابة ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث. (4) ولاَجل ذلك نرى أنّ قمة هرم الاَحاديث تتصل بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخرة، فكلما قربنا من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجد قلة
____________
1 . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: 1|29.
2 . سنن أبي داود، قسم المقدمة:10.
3 . تذكرة الحفاظ للذهبي: 2|589.
4 . تذكرة الحفاظ:2|431 برقم 438.


الصفحة 38

الحديث عنه والعكس بالعكس، وهذا يعرب عن أنّالاَحاديث عالت حسب وضع الوضاعين وكذب الكذابين.
إنّ ظاهرة التمحيص لم تكن أمراً متأخراً عن عصر الصحابة بل نجد جذورها في عصرهم، مثلاً.
لقد شاع بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسألة إمكان روَية اللّه، وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رآه في معراجه حتى انّ مسروقاً، سأل عائشة عن هذه المسألة عند ما سمع قولها: ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ، فقد أعظم على اللّه الفرية.
قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أُمّ الموَمنين: انظريني ولا تعجليني، ألم يقل اللّه عزّ وجلّ: (وَلَقَدْرآهُ بِالاَُفُقِ المُبين) (التكوير|23)، (ولَقد رآه نَزْلَة أُخرى) (النجم|13) . فقالت: أنا أوّل هذه الاَُمّة سأل عن ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إنّما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء سادّاً عظمُ خلقه ما بين السماء إلى الاَرض.
فقالت: أو لم تسمع انّ اللّه يقول:( لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير ) (الاَنعام|103) أو لم تسمع انّ اللّه يقول:(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللّهُ إِلاّوَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فيُوحِىَ بإذنهِ ما يَشاءُ انّهُ عَليٌّ حَكيمٌ) (الشورى|51)، قالت: و من زعم ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتم شيئاًمن كتاب اللّه، فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول: (يا أَيُّها الرََّّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَوَإِنْ لَمْ تَفْعَلْفَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ)(المائدة|67) قالت: ومن زعم انّه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول:(قُل لا يعلم من في السماوات والاََرض الغيب إلاّ اللّه)(النمل|65). (1)
____________
1 . صحيح مسلم:1|110، باب معنى قول اللّه عزّ وجلّ: (وَلَقَدْرَآهُ نَزْلَة أُخرى) .وفي استنتاج نفي علم الغيب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآية تأمل واضح.


الصفحة 39

فالكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الاَسباب للزوم إعمال التمحيص في السنّة الحاكية من دون أي نقاش وجدل في السنة المحكية، فانّ النقاش فيها كفر وإلحاد.

السبب الثاني: فسح المجال للاَحبار والرهبان
لقد مني الاِسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث و نشره بخسائر فادحة، حيث أوجد الحظر أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية وسخافات مسيحية وأساطير مجوسية من جانب علمائهم، فقد افتعلوا أحاديث كثيرة وبثّوها بين المسلمين كحقائق راهنة وتلقاها السُذَّج من المحدثين بالقبول.
يقول الشهرستاني: زادت المشبهة في الاَخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع. (1)
يقول ابن خلدون عند البحث في التفسير النقلي وانّه يشتمل على الغث والسمين والمردود: إنّ السبب في ذلك انّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والاَُمية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوق إليه النفوسُ البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم وهم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى ... مثل كعب الاَحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم فامتلاَت التفاسير من المنقولات عندهم ... وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاَوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة ... . (2)
____________
1 . الملل والنحل، للشهرستاني: 1|106.
2 . مقدمة ابن خلدون: 439.


الصفحة 40

يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة، وقد دسَّ في كتب حماد بن سلمة. (1)
ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا انّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد، عن قتادة، عن عكرمة ،عن ابن عباس مرفوعاً: «رأيت ربّي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء» و في رواية أُخرى:«انّمحمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد دون ستر ، من لوَلوَ قدميه أو رجليه في خضرة». (2)
وهذه الاَساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة أمثال ابن أبي العوجاء، فقد دسّوها في كتب المحدثين .
قال ابن الجوزي: ولما لم يُمكَّن أحدٌ منهم أن يُدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وينقصون ويبدلون ويضعون عليه ما لم يقل (3).

السبب الثالث: التجارة بالحديث
إنّ في تاريخ الحديث الاِسلامي أُناساً عُرفوا بالوضع والكذب، وكانت الغاية من بث هذه الاَحاديث، هو الطمع بالدنيا والازدلاف إلى أهلها و الانتصار للاَهواء والعقائد المدخولة، وقد جمع العلاّمة الاَميني سبعمائة رجل من هذه الزمرة كانوا يكذبون على رسول اللّه لهذه الغاية أو لغايات أُخرى. (4) وإليك بعض النماذج:
____________
1 . ابن الجوزي: الموضوعات: 1|37، طبع بيروت.
2 . ميزان الاعتدال: 1|593.
3 . ابن الجوزي: الموضوعات: 1|31.
4 . الغدير: 5|275.


الصفحة 41

1. أخرج الحافظ عبد الرحمان بن الجوزي عن أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: قُدم على المهدي بعشرة محدثين فيهم «غياث بن إبراهيم» و كان المهدي يحب الحمام، فقال لغيات: حدّث أمير الموَمنين، فحدّثه بحديث أبي هريرة: «لا سبق إلاّفي خفّ أو حافر أونصل، وزاد فيه: أو جناح، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم.
فلما قام ، قال المهدي: أشهد أنّ قفاك قفا كذّاب على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ،وإنّما استجلبت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت. (1)
2. نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر: روي أنّمعاوية بذل لسمرة ابن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قُولُهُ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصام* وَاذا تَولّى سَعى فِي الاََرْضِ لِيُفسِدَ فِيها وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسْلَ واللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد)، وانّالآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل وروى ذلك. (2)
أخرج ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ انّه قال: لا يصح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء.
وأخرج أيضاً عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل انّه قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثمّ قال: «إيش» أقول فيهما؟ انّ عليّاً «عليه السلام» كان كثير الاَعداء، ففتش أعداوَه له عيباً، فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد
____________
1 . الموضوعات:3|78، باب السبق بالحمام.
2 . ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4|73.


الصفحة 42

حاربه وقاتله فأطروه كياداً منهم له. (1)
أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه، قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال ابن أبي عتّاب: فلقيت أنا محمّد بن يحيى بن سعيد القطّان فسألته عنه، فقال عن أبيه: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال مسلم: يقول يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب. (2)
وكم في ثنايا التاريخ والسير شواهد على المقام وقد اقتصرنا على ما ذكر، لاَنّ الغرض هو الايعاز، لا التبسّط، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانه. (3)

السبب الرابع: وضع الحديث لنصرة المذهب
انتشرت ظاهرة الجعل بين طائفة عرفوا بالزهد و الورع، وصاروا يتقربون به إلى اللّه سبحانه إذا كان في الكذب نصرة للمذهب، وقد مرّ قول يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. (4)
وقال القرطبي: لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الاَحاديث الكاذبة والاَخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الاَعمال وقد ارتكبها جماعة كثيرة فوضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الاَعمال، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد اللّه الجويباري وغيرهم، قيل لاَبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل
____________
1 . الموضوعات:2|24.
2 . صحيح مسلم: 1|13ـ14، المقدمة.
3 . انظر الغدير: 5|208ـ 378 تجد في طياته شواهد.
4 . مرّ مصدره ولاحظ أيضاً تاريخ بغداد: 2|98.


الصفحة 43

سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إنّي رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. (1)
وثمة أُناس افتعلوا أكاذيب على لسان رسول اللّه في مناقب أئمّتهم، فهناك مناقب حيكت في حق أبي حنيفة. (2)
كما أنّ هناك جماعة حاكوا مناقب لاَئمّة آخرين، فذكروا في حقّ الاِمام الشافعي انّ رسول اللّه، قال: عالم قريش يملىَ طباق الاَرض علماً. وحملوه على محمد ابن إدريس امام الشافعية. (3)
وأتت المالكية بروايات موضوعة على لسان رسول اللّه، قالوا: انّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: يكاد الناس يضربون أكباد الاِبل، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة، وطبقوه على مالك بن أنس. (4)
وللحنابلة هناك روايات حول إمامهم أخرجها ابن الجوزي في مناقب أحمد فلاحظ. (5)
وكأنّالنبي تنبأ بأنّ الاَُمّة الاِسلامية ستفترق إلى مذاهب أربعة فقهية في ثالث القرون وبعدها، فأخذ بتعريفهم وتبجيلهم، مع أنّ في الاَُمّة الاِسلامية من هم، أعلم منهم وأبصر بالكتاب و السنّة.
وربما تدفع العصبية أصحابها إلى وضع حديث في حقّ إمام مذهبهم وإطرائه والحط من شأن إمام مذهب آخر، فروي عن أبي هريرة انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يكون في أُمّتي رجل يقال له محمد بن إدريس (الاِمام الشافعي)أضرّ على أُمّتي من إبليس، ويكون في أُمّتي رجل يقال
____________
1 . القرطبي، التذكار: 155.
2 . انظر تاريخ بغداد: 2|289.
3 . ابن الحوت، أسنى المطالب: 14.
4 . ابن الحوت، أسنى المطالب: 14.
5 . مناقب أحمد: 455.


الصفحة 44

له أبو حنيفة هو سراج أُمّتي، هو سراج أُمّتي. (1)
فلنختم المقال بنقل ما ذكره القاضي عياض حول أسباب الوضع :

أسباب أُخرى للوضع
أمّا أسباب الوضع فكثيرة، وقد ذكر قسماًمنها النووي في شرح صحيح مسلم نقله عن القاضي عياض، وإليك نصه:
الكذابون ضربان: أحدهما ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أنواع:
منهم: من يضع عليه ما لم يقله أصلاً إمّا ترفعاً واستخفافاً كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج للدين وقاراً، وإمّا حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الاَحاديث في الفضائل والرغائب، وامّا إغراباً وسمعة كفسقة المحدّثين، وإمّا تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإمّا اتّباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه. وقد تعيّن جماعة من كلّطبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.
ومنهم: من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً.
ومنهم: من يقلب الاَسانيد أو يزيد فيها ويعتمد ذلك إمّا للاِعراب على غيره، وإمّا لرفع الجهالة عن نفسه.
ومنهم: من يكذب فيدّعي سماع مالم يسمع، ولقاء من لم يلق، ويحدّث بأحاديثهم الصحيحة عنهم.
ومنهم: من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحِكَم العرب والحكماء
____________
1 . الموضوعات:2|48.


الصفحة 45

فينسبها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
هذه الاَسباب الاَربعة وغيرها تبعث الباحث إلى إعمال التمحيص والنظر في كلّ ما روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعزي إليه، وعدم الاقتناع بتسمية كتاب صحيحاً والتقوّل بأنّه أصحّ الكتب بعد القرآن.
فلنقتصر على هذه الاَسباب ونترك سائر الاَسباب إلى مجال آخر.


6
طرق التمحيص


إذا وقفت على ضرورة إعمال التمحيص في السنّة المنسوبة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلندرس طرقه.
إنّ الطريق الواضح الدارج بين الباحثين في السنّة النبوية هي دراستها على ضوء أسانيد الحديث، فإذا صحّ السند وكان جامعاً للضوابط المقررة في علم الدراية استقبلوه برحابة صدر ويصفونه بالصحيح.
وقد اتّفق المحدّثون على أنّ الاِمام البخاري و مسلم ألّفا صحيحيهما على ذلك الغرار، فلم يخرجا إلاّ الحديث الصحيح على اختلاف طفيف بين البخاري ومسلم في الشروط التي قرّراها للصحّة، حكى ابن الجوزي عن الحاكم النيسابوري: انّ الاَحاديث على ستة أقسام: القسم الاَوّل: ما اتّفق على صحّته وكان أبو عبد اللّه البخاري أوّل من [خرّجج من الصحاح ثمّتبعه مسلم، وكان
____________
1 . شرح صحيح مسلم للنووي، نقله عن القاضي عياض كما في تاريخ التشريع الاِسلامي للشيخ محمد الخضري: 100، 101.


الصفحة 46

مرادهما، الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول اللّه ولذلك الصحابي راويان ثقتان عنه، ثمّ يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان عنه،ثمّ يرويه عنه من أتباع التابعين، الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقاة، ثمّ يكون شيخ البخاري حافظاً متقناً، فهذه الدرجة العليا.(1)
ولكن الاقتصار في وصف الحديث بالصحّة على وثاقة الراوي وتعاصره مع المرويّ عنه وثبوت نقله عنه، لا يكفي في الركون إليه بل يُشترط فيه وراء عدالة الراوي واتصال السند وضبط الراوي أمر آخر وهو عدم الشذوذ، وإن شئت قلت عدم الاشتمال على العلة القادحة وإلاّفلا يسمن ولا يغني من جوع.
والعجب انّ أكثر المحدّثين التزموا بالشروط الثلاثة الاَُولى ولم يلتزموا بالشرط الرابع مع أنّ الشذوذ والعلة في المضمون يوَدي إلى عدم الوثوق بالحديث وإن صحّ السند. وسيوافيك انّ المنهج الذي نهجناه في مجال التمحيص من شُعَب هذا الشرط، فتربّص حتى حين .
يقول الاِمام أحمد: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا سمعتم الحديث عنّي، تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم قريب، فأنا أولاكم به؛ وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه. (2)
فعلى الباحث رعاية جميع الشروط المقررة للصحّة في الحديث، إذ الاقتصار على عدالة الراوي وتعاصره وضبطه لا يورث الاطمئنان والوثوق بالحديث إذا كان المضمون شاذاً ومشتملاً على العلة.
يقول الحافظ الحاكم النيسابوري: وإنّما يُعلّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فانّ حديث المجروح ساقط واه، وعلّة الحديث، يكثر في
____________
1 . الموضوعات: 1|32،وقد علّق محقق الكتاب على المنقول بشيء، فلاحظ.
2 . مسند أحمد: 5|425.


الصفحة 47

أحاديث الثقات ان يحدِّثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولاً، والحجّة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير...». (1)
وقال الحافظ ابن الجوزي في «دفع شبه التشبيه»: اعلم انّ للاَحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلاّ العلماء الفقهاء، تارة في نظمها وتارة في كشف معناها.(2)
وعلى كلّ تقدير فقد دعت هذه الاَسباب ونظائرها كثيراً من المحقّقين إلى تمحيص السنة النبوية بطرق خاصة يجمعها دراسة السند إرسالاً واسناداً، صحة وضعفاً، وهناك ألوان للتأليف في هذا المضمار:

أ . جمع الاَخبار الضعاف والموضوعات
قد قام غير واحد من الباحثين بالتأليف على هذا النمط نذكر منهم ما يلي:
1. «الموضوعات» لموَلفه أبي الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمد الجوزي(510 ـ 597هـ)طبع مرّتين في ثلاثة أجزاء.
قال ابن الحوزي: لما لم يتمكّن أحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ اللّه علماء يذبّون عن النقل، ويوضّحون الصحيح،ويفضحون القبيح، وما يخلي اللّه منهم عصراً من الاَعصار، غير انّ هذا الضرب قد قلّ في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب.
وقد كانــوا إذا عُـدُّوا قليـــلاً * فقد صاروا أعزّ من القليل (3)

2. المقاصد الحسنة في كثير من الاَحاديث المشتهرة على الاَلسنة: للشيخ
____________
1 . الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث: 112.
2 . ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: 143.
3 . لاحظ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة:1|6.


الصفحة 48

أبي عبد اللّه محمد بن عبد الرحمان السخاوي(المتوفّى سنة 902هـ) رتّبه على حروف أوائل الاَحاديث.
3. اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: للاِمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي(848 ـ 911 هـ) وقد طبع في جزءين.
يقول في مقدمته: إنّ من مهمات الدين التنبيه على ما وضع من الحديث واختلق على سيّد المرسلينص وصحابته أجمعين، إلى أن قال: ثمّ بدا لي في هذه السنة وهي سنة 905 استئناف التعقبات على وجه مبسوط ،وإلحاق موضوعات كثيرة فاتت أبا الفرج فلم يذكرها. (1)
4. تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث: لعبد الرحمان بن علي الشيباني الشافعي(866 ـ 944هـ) المعروف بالدِّيبع(بكسر الدال وسكون الياء و فتح الباء)ذكر انّه رأى المقاصد كتاباً حسناً لكنّه بالغ في تطويله فجرّده و تتبع في جميع ما ذكره من التصحيح والتمريض وترك من وراءه وجعله على الحروف أيضاً وزاد فيه زيادات مميزة، بقلت.
5. سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة: تأليف محمد ناصر الدين الالباني المعاصر في خمسة أجزاء، كل جزء يشتمل على خمسمائة حديث تكلم على أسانيدها ويحكم عليها بالضعف أو النكارة أو الوضع أو البطلان، وأحاديث تلك الاَجزاء هي أحاديث الجامع الصغير للاِمام السيوطي قام بتغيير ترتيبها والكلام على أسانيدها ونقل كلام العلماء في ذلك، والعجب انّه قد تناقض في كلامه عليها.
وممّا يوَسف له أنّ الالباني ليس منصفاً في قضائه حيث يميل إلى القول بالتجسيم وإنكار فضائل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ويظهر ذلك بوضوح من خلال كتابه هذا.
____________
1 . اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: 1|2ـ3، طبع دار المعرفة، بيروت.


الصفحة 49

ب. ضعاف السنن الاَربعة وصحاحها:
وهي عبارة عن ثمانية كتب بالنحو التالي:
1. صحيح سنن الترمذي (3) مجلدات.
2. ضعيف سنن الترمذي مجلد واحد.
3. صحيح سنن النسائي (3) مجلدات.
4. ضعيف سنن النسائي مجلد واحد.
5. صحيح سنن أبي داود (3) مجلدات.
6. ضعيف سنن أبي داود مجلد واحد.
7. صحيح سنن ابن ماجة مجلدان.
8. ضعيف سنن ابن ماجة مجلد واحد.
وعمل الالباني في هذه الكتب انّه جاء إلى كل كتاب من كتب السنن الاَربعة المشهورة وحصر الاَحاديث الصحيحة فيها فأخرجها في كتاب، كما حصر الاَحاديث الضعيفة بنظره وأخرجها في كتاب مستقل آخر. ونحن نوافقه أنّ في تلك الكتب أحاديث صحيحة وأُخرى ضعيفة، لكن لا نوافقه على تصحيح بعض الاَحاديث وتضعيف بعضها الآخر.

ج. تخريج أحاديث كتاب خاص
وثمة نمط آخر في التأليف في هذا المضمار، وهو تبيين حال الاَحاديث الواردة في كتاب فقهي أو كلامي أو أخلاقي نظير:
1. نص الراية لاَحاديث الهداية: للحافظ الذيلعي.
2. المغني عن حمل الاَسفار في الاَسفار في تخريج ما في الاحياء من الاَخبار: للحافظ العراقي.


الصفحة 50

3. تلخيص الخير في تحريم أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني.
4. تخريج أحاديث الكشاف: للعسقلاني أيضاً.
لا شكّ انّ كلّ من وقف على ما بذله هوَلاء الاَقطاب من الجهود في تمحيص السنة النبوية من الموضوعات والمندسّات والمحرّمات يُثمِّن جهودهم ويقدِّر عملهم، ومع ذلك فلم يحقِّقوا الغاية المنشودة من وراء تلك التصانيف، وقد اشتملت الصحاح والمسانيد على روايات تخالف الكتاب العزيز، والسنة النبوية، والتاريخ الصحيح، والعقل الحصيف، وجعلوها في عداد الصحاح يُحتجُّ بها في مجالي العقيدة و الشريعة.
والذي عاقهم عن الوصول إلى تلك الغاية المنشودة أمران:
الاَوّل: انّهم اقتصروا في مقام التمحيص على دراسة الاَسانيد، فصحّحُوا الاَسانيد أو ضعّفوها، وخرجوا بنتائج باهرة ووصفوا كثيراً من الروايات بالضعف والوضع.
انّهم اقتصروا على مناقشة الاَسانيد ولم يهتموا بمناقشة المضامين وتطبيقها على الضوابط القطعية التي لا مناص لمسلم عن الاَخذ بها، فلو انّهم سلكوا ذلك الطريق منضمّاً إلى الطريق الآخر لنالوا الغاية المنشودة.
وهذا هو الطريق الذي سلكناه في هذا الكتاب كما سيوافيك شرحه.
الثاني: انّهم ناقشوا الاَسانيد إلى التابعين بجد وحماس، ولكنّهم جعلوا عدالة الصحابي هي الاَصل، سواء أكان معلوم الحال أم مجهولها، فأضفوا على جميع الصحابة هالة من القداسة وجعلوهم في منأى عن النقد بحيث لا يصحّ التعرض لهم وإن صدر عنهم ما صدر، ولا يتسرب الشكّ إليهم، ولا يتسع المجال لتجريحهم.


الصفحة 51

والعجب انّهم مع ادّعاء الاِجماع على قداسة الصحابة، وانّهم فوق مستوى الجرح والتعديل، رووا عشرات الاَحاديث التي اختارها أصحاب الصحاح حول ارتداد الصحابة عن الدين والتمرّد على أُصوله ومبادئه على نحو لا يدع مجالاً للريب في أنّهم كانوا كسائر الناس فيهم الصالح والطالح، والمنافق والموَمن، إلى غير ذلك من الاَصناف التي يقف عليها المتتبع لآيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهذا أمر عجيب جداً.
وهذان الاَمران (الاقتصار على مناقشة الاَسانيد دون المضامين، وتحديدها إلى التابعين دون الصحابة) صارا سبباً لاِضفاء الصحّة على كثير من الاِسرائيليات التي تسرّبت إلى الصحاح عن طريق بعض الصحابة الذين كانوا عيالاً على مائدة كعب الاَحبار ومن كان على مشربه، بحجة انّكلّصحابي عادل، وانّهم لا يخضعون للجرح والتعديل، ولو انّهم سلكوا ذينك الطريقين مع ما بذلوا من الجهود في تصحيح الاَسانيد وتضعيفها والوقوف على ثقات الرجال وضعافهم، لاَصبحت السنّة النبوية بين المسلمين خالصة من كلّ شائبة ونقيّة عن كل شين.
ومن المغالاة في القول ما ذكره ابن الاَثير حيث قال: الصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فانّهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح، لاَنّ اللّه عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا يحتاج لذكره. (1)
أقول: إنّه سبحانه مدح لفيفاً من الصحابة في قسم من آياته وفي الوقت نفسه تحامل على قسم منهم، فقال سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)(الحجرات|6) وليس الفاسق إلاّ أحد الصحابة، وهو الوليد بن عقبة أو صحابي آخر مثله، وقال سبحانه:(وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَوْلَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) (الجمعة|11).
____________
1 . أُسد الغابة:1|3.


الصفحة 52

وقال سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِالْمَدِينَةِ مَردُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(التوبة|101).
وهوَلاء المنافقون كانوا مندسين بين الصحابة لا يعرف المنافق من الموَمن، ومع ذلك فكيف يمكن الحكم بعدالة الجميع بحجّة انّه سبحانه مدح لفيفاً منهم في بيعة الرضوان قال سبحانه: (لَقَدْرَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة) (الفتح|18)مع أنّه لم يكن يتجاوز عدد الحاضرين في بيعة الرضوان عن ألف وثمانمائة (1) ؟! فكيف يمكن الحكم على عدالة جميع من رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن به من أوّل البعثة إلى أن لقى ربّه، بحجة انّاللّه سبحانه قد رضي عن جمع منهم مع أنّ نسبتهم إلى جميع الصحابة نسبة الاثنين إلى المائة؟!
وأغرب ممّا ذكره ابن حجر، ما أسنده الخطيب إلى أبي زرعة الرازي، قال:
إذا رأيت الرجل ينقص أحداً من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاعلم انّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهوَلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (2)
أقول: يلاحظ عليه بأمرين:
الاَوّل: انّ الصحابة والتابعين فيما ذكره سواء والتابعون كالصحابة في أنّالكتاب والسنة قد وصلا إلينا عن طريقهما، فكيف يخضع التابعون للجرح والتعديل دون الصحابة؟!
الثاني: انّ الغاية من وراء الفحص عن عدالة الصحابة هي التعرف على الصالحين والطالحين والموَمنين والمنافقين والمتثبّتين في طريق الدين والمشرفين على الارتداد (3) حتى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء والموَمنين
____________
1 . السيرة النبوية: 2|309؛ مجمع البيان:2|288.
2 . الاصابة:1|10.
3 . لاحظ آل عمران: 154.


الصفحة 53

والمتثبتين والتجنب عن غيرهم، فلو قام الرجل بعبء التحقيق لما كان عليه لوم فلو قال أبو زرعة مكان قوله الآنف الذكر:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه وتقواه حتى يأخذ دينه من الخِيَرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحققين في الدين» لكان أحسن وأولى.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبت في أُمور الدين والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة، وانّه يريد جرح شهود المسلمين لاِبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّالآلاف الموَلفة من أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين قائماً بهذا الصنف من المجروحين «ما هكذا تورد يا سعد الاِبل».


7
منهجنا في تمحيص السنّة


قد عرفت أنّ منهج تلك الثلة من المحقّقين في الحكم على الاَحاديث بالصحة أو السقم هو الاَُصول المسلمة في علم أُصول الحديث، ومصطلحه، يعتمدون غالباً على الاَسانيد دون المضامين وعلى تنصيص علماء الرجال كوثاقة الراوي وضعفه، وربما يتعرضون لنكارة المتن وغرابته ولا يخرجون عن تلك الضوابط والقواعد الرائجة في مختلف العصور.
لكنّ هناك منهجاً علمياً آخر قلّالالتفات إليه من قبل نقاد الحديث، وهو عبارة عن عرض الحديث على الكتاب أوّلاً، والسنة المتواترة أو المستفيضة التي تلقّاها الاعلام وجهابذة الحديث بالقبول ثانياً، والعقل الحصيف الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه وخلفاءه ثالثاً، والتاريخ الصحيح رابعاً، واتّفاق الاَُمّة خامساً.


الصفحة 54

فلو وجدنا الحديث مخالفاً لواحد من تلك الحجج القطعية، لَحكمنا عليه بالوضع أو الدسّ أو الضعف حسب اختلاف مراتب المخالفة.
وممّا يجب إلفات الاَنظار إليه هو انّه لا يشترط في ثبوت الحديث كونه موافقاً لهذه الضوابط بل يشترط عدم مخالفته لها، فبالمخالفة يسقط الحديث عن الحجّية، ولاِيضاح الحال نذكر لكلّ من هذه الضوابط مثالاً أو مثالين:

الاَوّل: عرض الحديث على الكتاب
القرآن الكريم هو المرجع الاَوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد عرّف نفسه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(النحل|89).
والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما ينسب إلى العقيدة والشريعة من طرق الروايات.
كما انّه سبحانه عرّّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب السماويّة (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه) (المائدة|48).
فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما ينسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.
وعلى ضوء ذلك فالمعيار الاَوّل لتمييز الباطل عن الصحيح هو مخالفة الكتاب وعدمها، فإذا كان الخبر المروي بسند صحيح مخالفاً لنص القرآن يُضرب به عرض الجدار إلاّإذا كان ناسخاً للحكم الشرعي الوارد في القرآن، ومن المعلوم انّ النسخ محدّد بموارد خاصة ولا يقبل فيه إلاّ إذا كان الخبر متواتراً


الصفحة 55

حتى يُصبح ناسخاً للقرآن وإلاّفلا يترك الوحي القطعي بالخبر الواحد.
أخرج الرازي في تفسيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فأقبلوه، وإلاّفردّوه.(1)
وقد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت لزوم عرض الحديث على الكتاب عند الشكّ في الصحّة أو عند تعارض الخبرين.
روى الحرّ العاملي في وسائله باسناده عن السكوني قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ على كلّحق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».
وروى أيوب بن الحرّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ شيء لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (2)
والمراد من عرض الحديث على الكتاب هو إحراز عدم المخالفة لا الموافقة، إذ ليست الثانية شرطاً في حجّية الحديث وإنّما المخالفة مسقطة له عن الحجّية، وعلى ذلك يكون الشرط عدم المخالفة للكتاب وليس المراد منها، هي المخالفة بنحو العموم والخصوص أو الاِطلاق والتقييد فانّ مثل هذه المخالفة أمر رائج في التشريع بل المراد المخالفة المطلقة كما يتضح ممّا نذكره من النموذجين:

1. تعذيب الميت ببكاء أهله
أخرج مسلم عن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: الميت يُعذَّب في قبره بما نيح عليه.
____________
1 . التفسير الكبير : 3|259 ، طبع سنة 1308 هـ .
2 . وسائل الشيعة:18|78، كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، و 14.


الصفحة 56

وأخرج أيضاً عن ابن عمر انّه لما طعن عمر أُغمي عليه فصيح عليه، فلمّـا أفاق، قال: أما علمتم انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّالميت ليعذب ببكاء الحي. (1)
هذه الرواية وإن رواها مسلم بطرق مختلفة لكنّها مرفوضة جداً لاَنّـها تخالف صريح القرآن.
قال سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164).
وقال سبحانه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَو كانَ ذا قُربى) (فاطر|18).
فكيف يمكن أن نقبل انّ الميت البريء، يُعذَّب بفعل الغير وهو شيء يرفضه العقل والفطرة وقيل:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنّنـــي سبـّابة المتنــدّم

ولاَجل ذلك ردّت السيدة عائشة هذه الرواية.
أخرج مسلم أيضاً: انّها قالت: لا واللّه ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قط، إنّ الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذاباً وانّ اللّه لهو أضحك و أبكى ( ولا تَزر وازرة وزر أُخرى...) إلى أن قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنّكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطىَ. (2)
وهذه الرواية وإن دفعت بعض الاِشكال ولكنّها لم تقلعه، لاَنّ مقتضى الآية هو العموم وهو انّالاِنسان لا يعذب بفعل غيره سواء أكان مسلماً أو كافراً لعمومية العلة (لا تَزر وازرة وزر أُخرى) مع سعة حكم العقل بقبح عقاب البريء بذنب الآخر .
والصحيح في ذلك ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه
____________
1 . صحيح مسلم:3|41، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
2 . صحيح مسلم:3|43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.


الصفحة 57

قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب. (1) أي يعذب بأعماله التي اقترفها في حال حياته.

2. الاحتجاج بالقدر
أخرج البخاري في أبواب التهجد بالليل عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين انّ الحسين بن علي أخبره انّعلي بن أبي طالب قال: إنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) طرقه وفاطمة بنت النبي (عليه السلام) ، فقال لهم: ألا تصلون.
فقال علي: فقلت يا رسول اللّه: «أنفسنا بيد اللّه»فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئاً، ثمّ سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: ( وكانَ الاِنسانُ أكثرَ شيءٍ جَدَلاً ) . (2)
والحديث موضوع على لسان أئمّة أهل البيت وقد تولّى كبره أحد من ورد في الاسناد وذلك:
أوّلاً: انّ الاحتجاج بالقدر وتبرير العقائد الفاسدة والاَعمال السيئة به من سيرة المشركين، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك وقال:
(سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ) (الاَنعام|148).
____________
1 . صحيح مسلم:3|44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
2 . صحيح البخاري:9|106، باب قوله تعالى (وكان الانسان أكثر شيء جدلاً) من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة. والآية 54 من سورة الكهف.


الصفحة 58

وأشار إليها في آية أُخرى أيضاً قال سبحانه:(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِما لا تَعْلَمُونَ) (الاَعراف|28). وليس مرادهم من قولهم :(وَاللّهُ أَمَرَنا بِها) سوى انّه سبحانه قدّر ذلك ولازمه الاَمر به فليس لنا المحيص عن السير وراء التقدير.
وقد كان عرب الجاهلية على تلك العقيدة وبقيت رواسبه إلى عهد الرسالة وبعده، روى عبد اللّه بن عمر انّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّر عليّ ثمّ يعذبني، قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك. (1)
لقد كان استغراب الرجل في محله إذا كان التقدير ملازماً لسلب الاختيار عن الاِنسان، لذلك قال: «فانّ اللّه قدر عليّثمّ يعذبني» و لما عجز الخليفة عن الاِجابة بمنطق الاستدلال توسل بمنطق القوة وانّه لو كان هنا رجل لاَمره أن يجأ أنفه.
لا شكّ انّ القضاء والقدر من تعاليم القرآن ومن العقائد الاِسلامية، لكن لا على وجه يسلب الاختيار عن الاِنسان ويجعله مكتوف الاَيدي على صعيد الحياة.
وما جاء في الرواية من الاجابة، إنّما يحتج به المشرك لا إمام المسلمين والذي تربى في احضان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره.
ثانياً: لو افترضنا انّ الاِمام وزوجه فاتت عنهما صلاة الليل لغلبة النعاس عليهما، فعندما يطرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بابهما تحنناً وتلطفاً، فمقتضى أدب أهل البيت (عليهم السلام) أن يواجها أباهما بالشكر والامتنان لا بمجادلة وكلمة لاذعة، ولا بإلقاء المسوَولية على عاتق مقدِّر الاَقدار .
____________
1 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:95.


الصفحة 59

ثالثاً: كيف ينقل الراوي حديث ترك التهجد والتنفل بنافلة الليل مع أنّ عليّاً كان أحد عبّاد زمانه، فمنه تعلّم الآخرون التهجد والتجافي عن المضاجع آناء الليل؟!
قال ابن أبي الحديد: وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الاَوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصّفين ليلة الهرير، فيصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته! وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.
وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله،وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته، و الخشوع لعزته والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أيّقلب خرجت، وعلى أيّ لسان جرت!
وقيل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وكان أعبد أهل زمانه: أين عبادتك من عبادة جَدّك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدّي، كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
والحق ما رواه أنس «انّ النبيّ كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت (إنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) (2)
____________
1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1|27.
2 . لاحظ في الوقوف على مصادر الرواية : تفسير الطبري: 22|5 ـ 7 ، والدر المنثور: 5|198ـ 199.


الصفحة 60

الثاني: عرض الحديث على السنّة المتواترة
إنّالسنّة المتواترة كالكتاب العزيز كلاهما قطعيان بَيدَ انّ الكتاب وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها لا بلفظها. فتكون معياراً لتميز الحقّ عن الباطل، وقد مرّ في حديث أيوب بن الحر عن الصادق (عليه السلام) انّه قال: كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة.
وفي رواية عمر بن حنظلة عن الاِمام الصادق (عليه السلام) في الخبرين المتعارضين انّه ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة فيوَخذ به.
وروى ابن أبي يعفور عن الاِمام الصادق (عليه السلام) : قال: سألته عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به. (1)
والمراد من عرض الحديث على السنة المتواترة ليس هو إحراز موافقته لها، بل إحراز عدم مخالفته لها لكون المخالفة مسقطة للحجية.
فالسنة المتواترة أو المستفيضة كالقرآن الكريم فلو ورد حديث يخالفها لا يوَخذ به بالملاك الذي ذكرناه في الكتاب.
نعم لا تشترط الموافقة، وإليك المثال:
أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد يقول، حين صلّى قبل الخطبة ثمّ قام يخطب الناس:
[فيجيب على اعتراض الناس بتقديم الصلاة على الخطبتينج بقوله: كلاًّ
____________
1 . وسائل الشيعة:18، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 1و11.


الصفحة 61

سنّة اللّه وسنة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
فإنّ السنة المتواترة عند الفريقين هو تقديمهما عليها، ولم يرو عن أحد من أنّ الرسول قدَّم صلاة الجمعة عليهما.

الثالث: عرض الحديث على العقل الحصيف
لقد احتلّ العقل مكانة رفيعة في الاِسلام وليس المراد من العقل، الاَساليب والاستدلالات العقلية التي يختص فهمها بأصحاب الفكر والحكمة، وإنّما المراد ما اتّفق عليه جميع العقلاء إذا تجرّدوا عن كل النزعات والرواسب والخلفيات نظير حكم العقل بحاجة كل ظاهرة إلى علة، وامتناع الدور والتسلسل وحسن العدل وقبح الظلم، وعلى تلك الاَحكام العقلية يدور رحى العقيدة والشريعة فلو لم يعترف أحد بها لانسدّ باب اثبات الصانع على وجهه كما ينسد عليه إثبات الشرائع السماوية وانّها من جانب اللّه سبحانه.
قال سبحانه: (فَبَشِّر عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئكَ الّذينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاََلْباب) (الزمر|17ـ 18).
فالمراد من القول الاَحسن، الواجب الاتّباع هو ما يدركه الاِنسان من صميم ذاته ونداء ضميره ووجدانه، ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يذكر في فواصل الآيات ويقول:(لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلُون) (البقرة|164) ويقول: (أَفَلا تَعْقِلُون) (البقرة|44و76) ويقول:(وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالِمُون) (العنكبوت|43) ويقول أيضاً: (إِنَّ في ذلِكَ لذِكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألقى السَّمعَ وهُوَ شَهِيد)(ق|37).
____________
1 . مسند أحمد بن حنبل: 4|4.


الصفحة 62

إنّ المتكلّمين من الاِمامية والمعتزلة وإن اختلفوا مع الاَشاعرة في مسألة تحسين العقل وتقبيحه، لكن مع غض النظر عن هذا الجدال العقيم، نرى أنّ القرآن العظيم يحتج بالعقل الصريح و يقول:(إِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعيمِ * أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيّرون) (القلم|34ـ 38).
وفي آية أُخرى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار ) (ص|28).
قال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاء) (الاَعراف|28).
وقال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: (قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهمْ فَقالُوا إِنّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُون) (الاَنبياء|63 ـ 64).
فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ منطق العقل حجّة قطعية بين اللّه سبحانه وعباده، وهو سبحانه يحتج به عليهم حتّى أنّ عبدة الاَوثان لما أُفحِمُوا أمام منطق إبراهيم المتين، أذعنوا بفشل رأيهم، ورجعوا إلى وجدانهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم والتعدي.
فمنطق العقل القطعي يعد مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولتصحيح ما يعزى إلى منطق الوحي وما لا يعزى إليه.
وعلى ضوء ذلك فالروايات الصريحة في إثبات الجهة للّه تبارك وتعالى، وفي إثبات الجبر و سلب الحرية والاختيار عن الاِنسان فيما يناط به الاِيمان والكفر كلّها تخالف العقل الحصيف الذي به عُرف اللّه سبحانه وأنبياوَه ورسله.
فالاِنسان المسيّر غير مسوَول عن عمله وتصرفاته في قضاء العقل، مع أنّه مسوَول في كتاب اللّه تبارك وتعالى فلا يجتمعان.


الصفحة 63

كما أنّ الموجود في جهة، موجود محدود، والمحدود من آثار الاِمكان وهو سبحانه منزه عنه وعن آثاره.
وأظهر من ذلك ما رواه غير واحد من أصحاب الصحاح من أنّه سبحانه يُرى في الآخرة بنفس العين الحاسة مع أنّ هذه الروَية مستحيلة عقلاً، لاَنّ المرئي لا يرى إلاّ في جهة، وقد قلنا بامتناع الجهة له، كما المرئي منه سبحانه يوم القيامة لا يخلو إمّا أن يكون بعضه أو كله.
فالاَوّل يثبت له جزءاً والثاني يلازم كونه سبحانه محاطاً مع أنّه محيط.
والعجب انّ بعض المقتصرين على الضوابط المقررة في علم الحديث بغية تمييز الصحيح عن السقيم يتبجّح عند نقد روايات العقل، و يقول:
ومما يحسن التنبيه عليه انّ كلّ ما ورد في فضل العقل من الاَحاديث لا يصحّ منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه «العقل وفضله» فوجدتها كما ذكرت لا يصحّ منها شيء، ثمّ نقل عن ابن قيم الجوزيّة قوله أحاديث العقل كلّها كذب.
وأوّل حديث نقده ذلك البعض هو حديث «الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له».
وذكر في موضع آخر بأنّ رواية: «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له» موضوعة. (1)
أقول: إنّ الغاية من وراء تضعيف أحاديث العقل(وإن كانت حجيته مستغنية عن هذه الاَحاديث، ويكفي فيها انّ الذكر الحكيم ذكره خمسين مرّة بصيغ مختلفة) هي التساهل أمام الروايات الدالة على أنّ الاِنسان مسيّر ، والقضاء
____________
1 . الالباني، سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة، ص 13 وص 370.


الصفحة 64

والقدر حاكم على مصيره وتصرفاته، وليس له أي اختيار في انتخاب ما ينوط به الاِيمان والكفر.
أو التساهل أمام الروايات الهائلة المدسوسة في الاَحاديث الاِسلامية من قبل مستسلمة أهل الكتاب، الدالة على التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة.
إنّ المتبجحين برفض العقل كابن تيمية والذهبي وابن قيم الجوزية ومن حذا حذوهم كمحمد بن عبد الوهاب وأخيراً الشيخ الالباني، قد اتخذوا لاَنفسهم موقفاً مسبقاً في مجال أخذ الحديث ورفضه، فالمعيار عندهم هو اتّباع السلف ومخالفة الخلف أخذاً بقول الشاعر:
وكلّ خير في اتّبـاع من سلــف * وكلّ شرّ في ابتداع من خلف (1)

وكلامهم هذا نظير ما حكاه سبحانه عن المشركين قال: (... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباوَُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة|170).
فإذا كان هذا هو المعيار فأكثر المحدثين ـ المغترّين بروايات مستسلمة أهل الكتاب ككعب الاَحبار وتميم الداري ووهب بن منبه وغيرهم ممّن بثوا في الاَوساط الاِسلامية الاسرائيليات والمسيحيات ـ كانوا هم القائلين بالجبر والتجسيم والتشبيه، ومن كان هوَلاء أئمّته فأولى أن يتبجح برفض العقل.
____________
1 . المصدر السابق: 117.


الصفحة 65

الرابع: عرض الحديث على التاريخ الصحيح
إنّ التاريخ الصحيح الّذي اتّفق عليه أعلامُالمسلمين وأهلُالسير والتاريخ أحد المعايير لتمييز الصحيح عن السقيم، ولنعرض نموذجين.
1. أخرج البخاري في باب تزويج الصغار من الكبار من كتاب النكاح عن عروة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك. فقال: أنت أخي في دين اللّه و كتابه، وهي لي حلال. (1)
وأخرج أيضاً في باب الفضائل عن أبي سعيد الخدري (رض) قال: ...ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوَّة الاِسلام ومودّته لا يَبْقَين في المسجد باب إلاّ سدّ إلاّباب أبي بكر. (2)
وأخرج أيضاً عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو كنت متخذاً من أُمّتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي و صاحبي. (3)
إنّ التاريخ الصحيح يدل على سقم الرواية الاَُولى، لاَنّه ماذا أراد أبو بكر من كلامه ـ عند ما خطب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة ـ وقال: «إنّما أنا أخوك» ؟
فإن أراد الاَُخوة النّسبية فهي واضحة البطلان.
وإن أراد الاَُخوة الاِسلامية المتجلية في قوله سبحانه: (إِنّما الموَمنونَ إِخْوَة) (الحجرات|10) فهذه غير مانعة من النكاح، لاَنّ الاخوة الدينية العامة لا تمنع من التزويج، و إلاّ يلزم عدم صحّة نكاح المسلمين قاطبة كما هو واضح.
فانحصر المراد منها، بالاخوة الخاصة الواردة في الرواية الثالثة: «ولكن
____________
1 . صحيح البخاري: 7|5، باب تزويج الصغار والكبار، من كتاب النكاح.
2 . صحيح البخاري: 5|4، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو كنت متخذاً خليلاً.
3 . صحيح البخاري: 5|4، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو كنت متخذاً خليلاً.


الصفحة 66

أخي وصاحبي»، ومن الواضح انّها لم تتحقق إلاّ في المدينة المنورة بشهادة ذيل الحديث بأنّه «لا يبقين في المسجد باب إلاّ سدّ، إلاّ باب أبي بكر».
فإذاً كيف يخطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة في مكة المكرمة قبل الهجرة ويعتذر هو بالاخوة الخاصة المتحققة في المدينة، فالتاريخ يشهد على وضع الرواية الاَُولى وكذبها، وليست هذه الرواية فريدة من نوعها، بل حيكت على منوالها رواية أُخرى أيضاً أخرجها ابن الجوزي في كتابه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال:
لما دخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة مهاجراً من مكة أشعث أغبر أكثر عليه اليهود المسائل والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجيبهم جواباً متداركاً بإذن اللّه عزّ وجلّ، وكانت خديجة قد ماتت بمكة، فلما ان دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة واستوطنها طلب التزويج، فقال لهم:
أنكحوني، فآتاه جبريل (عليه السلام) بخرقة من الجنة طولها ذراعين في عرض شبر، فيها صورة لم ير الراوَون أحسن منها، فنشرها جبريل، وقال: يا محمد إنّ اللّه تعالى يقول لك: أن تزوج على هذه الصورة، فقال له النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : أنا من أين لي مثل هذه الصورة يا جبريل؟
فقال له جبريل: إنّ اللّه يقول لك تزوج ابنة أبي بكر الصديق.
فمضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى منزل أبي بكر فقرع الباب، ثمّ قال: يا أبا بكر إنّ اللّه أمرني أن أُصاهرك، وكان له ثلاث بنات فعرضهن على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه أمرني أن أتزوج بهذه الجارية، وهي عائشة، فتزوجها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الخطيب: رجاله كلّهم ثقات غير محمد بن الحسن ونراه مما صنعت يداه.
وأعقبه ابن الجوزي بقوله: ما أبعد الذي وضعه عن العلم، فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج عائشة وهو بمكة ولم يكن لاَبي بكر حينئذٍ


الصفحة 67

ثلاث بنات، ما كان له غير أسماء وعائشة وإنّما جاءته بنت بعد وفاته يقال لها أُمّ كلثوم. (1)
2. أخرج مسلم في صحيحه، في فضائل الصحابة، عن ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي: يا نبي اللّه ثلاث اعطنيهنّ؟
قال: نعم.
قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُمّحبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها؟
قال: نعم.
قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟
قال: نعم.
قال: وتوَمّرني حتى أُقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال: نعم.
قال أبو زميل: ولولا انّه طلب ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أعطاه ذلك، لاَنّه لم يكن يسأل شيئاً إلاّ قال: نعم. (2)
أقول: لا يشك أي باحث متضلع في التاريخ الاِسلامي انّ الحديث موضوع من قبل سماسرة الاَهواء وأذناب البيت الاَموي الذين كانوا يحملون نزعات أموية، وذلك لاتّفاق المسلمين على أنّ النبيتزوج بأُمّ حبيبة قبل فتح مكة، وانّ أبا سفيان دخل المدينة بغية لقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل إسلامه وكانت أُمّحبيبة زوجته، وإنّما استسلم أبو سفيان بعد ما اجتثت جذور الشرك في جزيرة العرب وفتحت معاقله.
حكى ابن هشام في ذكر الاَسباب التي دعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسير نحو مكة في شهر رمضان سنة 8 هـ وقال: ثمّ خرج أبو سفيان
____________
1 . ابن الجوزي، كتاب الموضوعات:2|8.
2 . صحيح مسلم: 7|171، باب فضائل أبي سفيان بن حرب.


الصفحة 68

حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة، فدخل على ابنته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه طوته عنه ، فقال: يا بُنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟
قالت: بل هو فراش رسول اللّه وأنت رجل مشرك نجس ولم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه. (1)
وقد اتّفق كُتّاب السير على أنّ أُمّ حبيبة أسلمت في مكة المكرمة قبل الهجرة، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، وذكرها ابن هشام من المهاجرات إلى الحبشة.
قال ابن هشام: ومن بني أُميّة عبيد اللّه بن جحش بن رئاب الاَسدي حليف بني أُميّة ابن عبد شمس معه امرأته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما قدم عبيد اللّه أرض الحبشة تنصّر بها وفارق الاِسلام ومات هناك نصرانياً، فخلف رسول اللّه على امرأته من بعده أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. (2)
ثمّ إنّ ابن حزم ممّن تنبه إلى الاشكال في الرواية وقال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل.
وأنكر الشيخ أبو عمرو بن صلاح على ابن حزم، فقال: لا نعلم أحداً من أئمّة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، ثمّ حاول أن يصحح مضمون الحديث بأنّ أبا سفيان سأل تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه، لاَنّه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنّه ظن ان إسلام الاَب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد. (3)
____________
1 . سيرة ابن هشام:2|396، وغيرها من المصادر المتوفّرة.
2 . سيرة ابن هشام:2|362.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي: 16|296.


الصفحة 69

يلاحظ عليه : أنّ عكرمة بن عمار مختلف فيه، وقد ذكر الذهبي أقوال العلماء في حقّه. (1)
ولكن الكلام في التأويل الذي ارتكبه ابن الصلاح بغية تصحيح الرواية، ولو ارتكبه غيره لرُمي بالجهمية، وأين أبو سفيان من هذه الدرجة من التقوى التي يصوّرها لنا ابن الصلاح؟! وها نحن نذكر نبذة مختصرة عن سيرته في أُخريات حياته ليتضح مدى تمسكه بالاِسلام وإيمانه به.
قال أحمد بن عبد العزيز : وحدّثني المغيرة بن محمد المهلبيّ، انّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت! أنفق ولا تكن كأبي حجر، وتداولوها يا بني أُمية تداول الولدان الكرة، فواللّه ما من جنَّة ولا نار و كان الزبير حاضراً، فقال عثمان لاَبي سفيان: اعزب فقال: يا بنيَّ أهاهنا أحد؟! قال الزبير: نعم واللّه لا كتمتها عليك. (2) ِ فمن كان منكراً للبعث بعد ما أسلم سنين، فهل يصحّ وصفه بما ذكره ابن الصلاح؟!

الخامس: عرض الحديث على اتّفاق الاَُمّة
إنّ اتّفاق الاَُمّة على حكم من الاَحكام دليل قطعي عليه دون فرق بين المنهج الشيعي أو السنّي.
وعلى ضوء ذلك فلو ورد حديث يخالف المتفق عليه بين الاَُمّة فيحكم عليه بالدس والوضع، ولنضرب مثالاً:
أخرج الطحاوي في مشكل الآثار عن طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أنس، قال: مطرت السماء برداً، فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل
____________
1 . سير أعلام النبلاء:7|134 برقم 49.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:2|45.


الصفحة 70

يأكل وهو صائم وذلك في رمضان! فقلت: أتأكل وأنت صائم؟ فقال: إنّما هو برد نزل من السماء نطهَّر به بطوننا وانّه ليس بطعام ولا بشراب! فأتيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرته بذلك.
فقال: خذها عن عمك. (1)
إنّ اتّفاق الاَُمة على أنّ مطلق الاَكل والشرب مبطل للصوم يكفي في الحكم على هذا الحديث بالوضع والدس.
ولاَجل ذلك نرى أنّ السيوطي أورده في ذيل الاَحاديث الموضوعة، ص 116. وضعفه الطحاوي في مشكل الآثار بوجود علي بن زيد في سنده وانّه ليس من أهل التثبيت (2)


8
لا كتاب صحيح سوى القرآن الكريم


ثمّ إنّ المشكلة تكمن في أنّ المحدّثين والباحثين وصفوا جامع البخاري ومسلم بالصحيحين وحكموا بصحّة كلّ ما جاء فيهما من الاَحاديث، فعاق ذلك كثيراً من المحقّقين عن الفحص والتنقيب بما جاء فيهما من الروايات المخالفة للكتاب والسنّة والعقل، ولاَجل ذلك بقي الكتابان في منأى عن التحقيق بخلاف السنن الاَربع الباقية من الاَُصول الستة، فقد تطرق إليها التحقيق منذ زمن بعيد.
كيف يحكم بأنّ كلّ ما في البخاري صحيح مع أنّه أورد فيه الاَحاديث
____________
1 . مشكل الآثار:2|238 برقم 1983.
2 . المصدر نفسه.


الصفحة 71

المعلّقة، مرفوعة وموقوفة، وإن اعتذر عنه ابن حجر في مقدمة فتح الباري. (1)
وقد رُمي ثمانون رجلاً ممّن أخرج عنهم البخاري بالضعف، كما رُمي مائة وستون رجلاً ممن أخرج منهم مسلم به أيضاً. (2)
نعم حاول ابن حجر عقد فصلاً خاصاً (3) في الذبِّ عن ضعفهم، إلا أنّ محاولته باءت بالفشل.
والعجب انّ الاِمام البخاري، احتجّ بمثل مروان بن الحكم، وعمران بن حطّان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم ولم يرو عن الاِمام الصادق «عليه السلام» .
أمّا الاَوّل فهو الوزغ ابن الوزغ، اللعين ابن اللعين على لسان رسول رب العالمين، وأمّا الثاني فهو الخارجي المعروف الذي أثنى على ابن ملجم بشعره لا بشعوره، وأمّا الثالث فكان ينتقص عليّاً وينال منه، و مع ذلك لم نجد في صحيح البخاري رواية عن الاِمام الصادق ونعم ما قال القائل:
قضية أشبه بالمرزئة * هذا البخاري إمام الفئة
بالصادق الصدّيق ما احتجّ في * صحيحه واحتجّ بالمرجئة
ومثل عمران بن حطان أو * مروان وابن المرأة المخطئة
مشكلة ذات عوار إلى * حيرة أرباب النهى ملجئة
انّ الاِمام الصادق المجتبى * بفضله الآي أتت منبئة
أجلّ من في عصره رتبة * لم يقترف في عمره سيّئة (4)
____________
1 . هدية الساري مقدمة فتح الباري، ص 17، ط . دار المعرفة.
2 . المصدر نفسه، ص 11.
3 . المصدر نفسه، ص 456 ـ 464.
4 . السيد محمد بن عقيل: النصائح الكافية: 119. ط بيروت.


الصفحة 72

وسيتضح مدى صحة قولهم: «كل ما في الصحيحين، صحيح».
نعم أوّل من تجرّأ من السنّة على التحقيق في الصحيحين هو الحافظ ابن الجوزي حيث ألّف كتاباً باسم مشكل الصحيحين أو مشكل الصحاح، و لم يزل مخطوطاً في أربعة أجزاء، فلو قام باحث موضوعي بنشر هذا السفر الجليل لخدم السنّة النبوية.
وحكى العلاّمة المحقّق الشيخ حسن السقاف انّ شيخه السيد الاِمام أبا الفضل الغماري صنف كتاباً في هذه المسألة وسماه «الفوائد المقصودة في الاَحاديث الشاذة المردودة».
وقد قام شيخ مشايخنا الشيخ فتح اللّه النمازي الاصفهاني ـ المشهور بشيخ الشريعة (1266ـ 1339هـ) بنقد الصحاح، فألف كتاباً باسم «القول الصراح في نقد الصحاح» (1) ، غير انّه لم يُوفّق لاِتمامه.
كما ألّف سيد الطائفة، شرف الدين العاملي (1290ـ 1377هـ) كتاباً باسم «أبو هريرة» بحث فيه عن سيرته ورواياته في الصحيحين وغيرهما بحثاً أضاء الطريق لمن بعده.
وأخيراً ألّف الشيخ المجاهد محمد الغزالي كتابه «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم» وقد سلك في نقل الاَحاديث قريباً مما سلكناه في هذا الكتاب، وقد أثار ضجّة المتحجرين لما اعتادوه من العكوف على كلّحديث عكف عليه السلف.
كما قام غير واحد من علمائنا بتمحيص ما روي عن أئمّة أهل البيت من الاَحاديث نذكر منهم على سبيل المثال:
____________
1 . نحتفظ منه بنسخة مخطوطة في مكتبة موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام) عسى أن يقوم الباحثون بنشرها.


الصفحة 73

1. الاَخبار الدخيلة: تأليف المحقّق محمد تقي التستري (1320ـ 1415هـ) وقد طبع وانتشر.
2. الموضوعات في الآثار والاَخبار : تأليف المحقّق هاشم معروف الحسني.
ولسنا في هذا المقام بصدد دراسة أحد الصحاح والمسانيد، أو دراسة جميع روايات راو واحد فقط، بل بصدد دراسة أحاديث ثلة من الصحابة تربو على أربعين صحابياً، بعد ذكر نبذة مختصرة من سيرته، ونماذج من روائع حديثه.
ولا نعني بروائع الاَحاديث، كونها صحيحة سنداً بل ربما يكون سندها غير نقيّ لكن مضمون الحديث يدعمه الكتاب أو السنة والقرائن والمفاهيم العامة الاِسلامية.
كما لا تعني هذه الدراسة القدحَ بذلك الصحابي، بل تعني وجود الاِشكال والعلّة في الرواية سواء أكان منشوَها هو ذلك الصحابي أو الذين رووا عنه وعزوه إليه، والمطلوب هو نقد المضمون والمحتوى دون أن نحمِّل المسوَولية على عاتق أحد إلاّ في موارد شاذّة.
وهذه الدراسة هي خدمةمتواضعة للحديث النبوي، نرجو أن تنال القبول وأن ينتفع بها المعنيون وأن تكون فاتحة خير لمساهمات لاحقة، وندعو اللّه تعالى أن يهبنا السداد في القول، والتوفيق في العمل، ويهيّىَ لنا من أمرنا رشداً انّه نعم المولى و نعم النصير.
ونحن على ثقة بأنّ كلّ قارىَ واع ينبض قلبه حبّاً للاِسلام، سيُثمِّن الجهود التي بذلناها في سبيل تأليف هذا الكتاب، والعناء الذي تحمّلناه في هذا المضمار.
وما توفيقي إلاّ باللّه عليهِ توكلتُ وإليه أُنيب

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة