الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


الحديث النبوي بين الرواية والدراية

دراسة موضوعية منهجية لأحاديث أربعين صحابياً

على ضوء

الكتاب، السنّة، العقل، اتفاق الأمّة، والتاريخ

 

العلامة المحقّق

جعفر السبحاني


الصفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي تواترت نعماوَه، واستفاضت آلاوَه، والصلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وخاتم النبيّين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، صلاة موصولة، لا مقطوعة، إلى يوم الدين.
إنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة، ولذلك عكف المسلمون على جمع ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قول أو فعل أو تقرير بنحو لا مثيل له في الاَُمم السابقة، وقد استأثرت السنّة بأهمية بالغة عند المسلمين، حدت بهم إلى تأسيس علوم بُغية فهم كتاب اللّه وسنة نبيّه. هذا من جانب.
ومن جانب آخر قد دسّ فيها أحاديث كثيرة مكذوبة وموضوعة من قبل أصحاب الاَهواء ورجال العيث والفساد.
وقد صار ما ذكرنا سبباً لوضع ضوابط لتمييز الصحيح منها عن السقيم، وألّف الباحثون في ذلك المضمار مصنفات عديدة أثْرت المكتبة الاِسلامية. شكر اللّه مساعيهم الجميلة.
وقد نهجوا سبيل النقاش في مسانيد الحديث ورجاله، وخرجوا بنتائج باهرة، ففرزوا الموضوعات والمندسّات عن غيرهما، وصار التوفيق حليفاً لهم إلى حدّ.
 

الصفحة 6

ولكن ثمة طريق آخر فاتهم سلوكه، وهو عرض مفاد الحديث ومضمونه على ضوابط رصينة حتى يتميز بها الحق من الباطل والصحيح عن الزائف، وهذه الضوابط عبارة عن الاَُمور التالية:
1. الكتاب العزيز.
2. السنّة المتواترة أو المستفيضة .
3. العقل الحصيف.
4. ما اتفق عليه المسلمون .
5. التاريخ الصحيح .
فيعرض الحديث على هذه الضوابط التي لا يستريب فيها أي مسلم واع، فإذا لم يخالفها نأخذ به إذا كان جامعاً لسائر الشرائط (1) وإذا خالفها نطرحه وإن كان سنده نقياً.
هذا هوالمقياس لتمييز الصحيح عن السقيم، وإن كان الاِمعان في الاَسانيد أيضاً طريقاً آخر لنيل تلك الغاية.
ولكن المحدّثين سلكوا النهج الاَوّل دون الثاني.
ونحن بفضل اللّه سبحانه و تعالى نسلك الطريق الثاني، ونتناول بالبحث روايات أربعين صحابياً على ضوء الضوابط السابقة، ليكون نموذجاً لما اخترناه بغية فتح الباب على مصراعيه في وجه الآخرين.
نعم نختار من كلّ صحابي قسماً من رواياته لا كلّها، كما نذكر قسماً من روائع رواياته التي رويت عنه.
____________
1 . نعم يكفي في حجية الحديث كونه غير مخالف للا َُمور القطعية ، كما سيوافيك بيانه.


الصفحة 7

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة، وهي انّه لانحمِّل سُقم الروايات على عاتق الصحابي الذي رويت عنه أو التابعي الذي روى عنه، بل نركز على أنّالرواية سقيمة، وأمّا من تولّى كِبْره فهو أمر غير مطروح في هذا المقام إلاّ في موارد خاصّة.
وفي خاتمة المطاف أودُّ أن أُشير إلى أنّنا راعينا ـ في دراسة سيرة الصحابة والاَحاديث التي نقلت عنهم ـ ترتيب أسمائهم حسب وفياتهم.
وحيث إنّ طائفة كبيرة من الاَحاديث الضعيفة أو الموضوعة رُويت عن غير واحد منهم، فقد أوجب ذلك تكراراً في دراسة بعض الروايات، نظير:
نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا، الشوَم في المرأة، بول النبي قائماً، سلطان إبليس على النبي في حال صلاته، طواف النبي على نسائه في ليلة و احدة، وضع الربّ رجله في نار جهنم، أو انّه سبحانه ليس بأعور، إلى غير ذلك من الاَحاديث. ولذلك بسطنا الكلام في كلٍّ منها عند ترجمة واحد منهم، وأوجزنا الكلام عند ترجمة الآخرين.
ولا ندّعي انّنا استوفينا البحث في أكثر الروايات الموضوعة، فضلاً عن جميعها، وانّما قدّمنا للقارىَ الكريم أنموذجاً من تلك الروايات التي عزيت إلى أربعين صحابياً، عسى أن تكون فاتحة خير لمساهمات لاحقة من قبل الباحثين في هذا المضمار.
ولنذكر قبل الدخول في المقصود عدة أُمور تمهّد السبيل لفهم ما نصبو إليه. واللّه من وراء القصد.

جعفر السبحاني


الصفحة 8
الصفحة 9

 

1
مكانة السنّة النبوية


السنّة في اللّغة الطريقة، وفي الاصطلاح ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من: قول أو فعل أو تقرير. وهي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء أكان منقولاً باللفظ أم منقولاً بالمعنى، وقد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الاَُمم، واهتمّ المسلمون بنقل ما أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحرّوا في نقله الدقة، وكفى في كونها من مصادر العقيدة والتشريع قوله سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى) (النجم|3 ـ 4) والآية وإن كانت ناظرة إلى الوحي القرآني لكن قوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى) غير قابل للتخصيص، فهي قاعدة كلية في كلّ ما يصدر منه ويصدق عليه أنّه مما نطق به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال سبحانه: (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعلّمَكَ ما لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113) والمراد من الفضل العظيم، الذي أُشير إليه في ذيل الآية هو علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة قوله:(وَعلَّمك ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم) .
إلى غير ذلك من الآيات التي تبعث المسلمين إلى اقتفاء أثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


الصفحة 10

، مثل قوله سبحانه: (ما آتاكُمُ الرَّسُوُل فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر|7) بناء على أنّ المراد من قوله (آتاكُم) ـ بقرينة (ما نَهاكُمْ عنه)ـ خلاف «ما نهاكم»، لا ما آتاكم من الغنائم.
إنّ السنّة هي المبيِّنة للقرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (النحل|44).
اتفقت الاَُمّة الاِسلامية على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الثاني بعد الكتاب، بل ذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى أنّ جميع ما يحتاج إليه الناس موجود في الكتاب والسنّة.
قال الاِمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً». (1)
وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : «ما من شيء إلاّ فيه كتاب أو سنّة». (2)
إنّ السنّة النبوية تكون تارة ناظرة إلى القرآن الكريم فتُبيّن مجملاته كالزكاة والصلاة والصوم، أو تخصص عموماته، أو تقيّد مطلقاته، وأُخرى تكون ناظرة إلى بيان العقيدة والشريعة فحسب، وفي كلا القسمين تكون الصياغة والتعبير للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن المحتوى والمضمون وحي من اللّه سبحانه ولذلك تُعدُّ السنّة عِدْلاً للقرآن الكريم، فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفيّة لا تُعْلم إلاّ من قبل الرسولص، فهو المبيِّن لحقائقها، وشروطها وموانعها، وقد صلّـى (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي» وبذلك رفع الاِجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها باب الزكاة والحجّ وغيرها من أبواب الفقه.
____________
1 . الكليني: الكافي: 1|95، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2و4.
2 . الكليني: الكافي: 1|95، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2و4.


الصفحة 11

فالسنّة النبوية هي المصدر الاَصيل ـ كالقرآن ـ للتشريع ولا غنى لفقيه أو محدّث عنها، و من قال«حسبنا كتاب اللّه» فإنّما قاله بلسانه وأنكره بجنانه، إذ هو يعلم انّ كتاب اللّه وحده غير وافٍ بالتشريع، وقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تفنيد هذه المزعمة بقوله في حديث الاَريكة الذي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد بصور مختلفة.
أخرج ابن ماجة بسنده عن المقدام أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يوشك الرجل متّكئاً على أريكته، يحدِّث بحديث من حديثي ، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه عزّوجلّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه،وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه.
ألا، وإنّ ما حرّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما حرّم اللّه».(1)
وقال ابن حزم: لو انّ امرأً قال: لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الا َُمّة ... وقائل هذا: كافر مشرك حلال الدم والمال. (2)
إلى غير ذلك من الكلمات التي أغنانا عن نقلها وضوح الموضوع واتفاق المسلمين عليه و إنّما اللازم طرح سائر ما يمتُّ إلى السنّة النبوية بصلة.
____________
1 . سنن ابن ماجة:1|6 برقم 12، باب تعظيم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والتغليظ على من عارضه؛ مسند أحمد:4|131؛ و سنن أبي داود:4|200 برقم 4604، باب في لزوم السنة، وفيه مكان «الرجل»: «رجل شبعان» ؛ و سنن الترمذي: 5|37 برقم 2663، الباب 10؛ إلى غير ذلك.
2 . الاحكام في أُصول الاحكام:1|208.


الصفحة 12

 

2
اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتدوين الحديث


قد اشتهر بين المحدّثين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن تدوين الحديث وكتابته لعلل سيوافيك شرحها وتحليلها. ولكن الشهرة في غير محلّها، وقد قيل: كم شهرة لا أصل لها، بل الصحيح هو انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر في غير مرّة بتدوين حديثه وكتابته، وإليك نماذج منها:
1. ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل(شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين، ألا وانّها لم تحلّ لاَحد قبلي ولم تحلّ لاَحد بعدي ـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن.
فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لاَبي فلان ـ إلى أن قال: ـ كتب له هذه الخطبة. (1)
2. أخرج البخاري باسناده عن وهب بن منبه عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد أكثر حديثاً عنه مني إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب. (2)
____________
1 . صحيح البخاري: 1|29ـ30، باب كتابة العلم، الحديث 112.
2 . المصدر نفسه: 1|30، باب كتابة العلم، الحديث 113.


الصفحة 13

3. ما أخرجه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال:
لمّا اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».
قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع.
فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه. (1)
4. أخرج أبو داود في سننه عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب و الرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ». (2)
5. أخرج الترمذي في سننه عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي ،فقال:يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني و لا أحفظه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط. (3)
6. أخرج الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً، ونحن نتحدث، فقال: «ما تحدّثون؟».
____________
1 . صحيح البخاري: 1|30، باب كتابة العلم.
2 . سنن أبي داود:3|318 برقم 3646، باب في كتاب العلم؛ ومسند أحمد:2|162؛ سنن الدارمي : 1|125، باب من رخّص في كتابة العلم.
3 . سنن الترمذي: 5|39 برقم 2666.


الصفحة 14

فقلنا: نتحدث عنك يا رسول اللّه.
قال: «تحدّثوا، وليتبوّأ من كذّب عليّ مقعداً من جهنم».
ومضى (صلى الله عليه وآله وسلم) لحاجته، ونكس القوم روَوسهم...، فقال: «ما شأنكم؟ ألا تحدّثون؟».
قالوا: الذي سمعنا منك، يا رسول اللّه.
قال: «إنّي لم أرد ذلك، إنّما أردت من تعمد ذلك»، قال:فتحدثنا.
قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّا نسمع منك أشياء، فنكتبها.
قال: «اكتبوا ولا حرج». (1)
ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرب عن موقفه حيال كتابة الحديث بفعله حيث كتب إلى عمّاله وغيرهم كُتباً تتعلق بالاَُمور الدينية، وقد حفظها التاريخ في طياته وإليك الاِشارة إلى بعضها:
1. كتابه إلى عمرو بن حزم الاَنصاري عامله على اليمن. (2)
2. كتابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه في حضرموت. (3)
3. كتاب في الزكاة والديات وكان عند أبي بكر. (4)
إلى غير ذلك من الكتب المتعلقة بالاَُمور الدينية، مضافاً إلى كتاباته ومواثيقه وعهوده مع شيوخ القبائل كما سيوافيك بيانها.
ولعلّ هذا المقدار يفي بإثبات الاَهمية التي أولاها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتابة حديثه.
____________
1 . تقييد العلم: 72 و73.
2 . دلائل النبوة للبيهقي:5|413.
3 . طبقات ابن سعد: 1|287.
4 . صحيح البخاري كما في فتح الباري: 3|317 وفيه: انّ أبا بكر كتب له (لاَنس) هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول اللّه على المسلمين...»والظاهر انّ الكتاب كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد احتفظ به أبو بكر، فكتب عنه عندما بعث أنس بن مالك إلى البحرين.


الصفحة 15

وقد قام لفيف من الصحابة بكتابة الحديث في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، نشير إلى طائفة منهم:
1. أنس بن مالك.
روى يزيد الرقاشي، قال: كنّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك القى إلينا بمخلاة أو أتانا بمخال، فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث كتبتها عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سمعتها من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتبتها وعرضتها. (1)
2. جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، له صحيفة مشهورة ذكرها ابن سعد. (2)
وقد أورد مسلم شيئاً من تلك الصحيفة في كتاب الحج من صحيحه. (3)
3. معاذ بن جبل كان لديه كتاب يحتوى على أحاديث. (4)
4. حنظلة بن ربيع الكاتب.
قال الشيخ الطوسي: روى كتاباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . (5)
5. أبو رافع المدني، كان يملي على ابن عباس الحديث فيكتبه (6) وهو مصنف كتاب السنن والاَحكام والقضايا. (7)
إلى غير هوَلاء من الشخصيات الاِسلامية المعدودة من الصحابة، فقد كتبوا كتباً ودوّنوا صحفاً واحتفظوا بها في عهد الرسولوبعده، وإن كانت تلك الصحف صحفاً غير مرتبة ولا منظمة، بل كانت أشبه بالمسانيد.
هذا كلّه من طرق أهل السنّة.
____________
1 . محاسن الاصطلاح: 297، كما في تدوين السنة الشريفة: 210.
2 . الطبقات الكبرى:5|467.
3 . صحيح مسلم: 4|38ـ43 باب حجّة النبي من كتاب الحجّ.
4 . حلية الاَولياء:1|240.
5 . الفهرست: 91.
6 . تقييد العلم: 91ـ92.
7 . رجال النجاشي: 2.


الصفحة 16

وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، فحدث عنه ولا حرج، فقد دلت الاَخبار على أنّ عليّاً كان من السبّاقين في تدوين السنّة النبوية في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد كتب ما أملاه عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صحيفة عرفت بكتاب علي (عليه السلام) تارة، وبالجامعة أُخرى، وقد ورث هذه الصحيفة أبناوَه واحد تلو الآخر وكانوا يعتمدون عليها ويُفتون على ضوء ما يجدون فيها، وإليك بعض ما أثر عنهم (عليهم السلام) :
1. قال الاِمام الباقر (عليه السلام) لاَحد أصحابه ـ أعني حُمران بن أعين ـ وهو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي (عليه السلام) وإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لن نعدو ما فيها».
2. قال الاِمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لبعض أصحابه: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ».
3. قال الاِمام الصادق (عليه السلام) عند ما سئل عن الجامعة: «فيها كلّما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّفيها حتى أرش الخدش».
4. وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) أيضاً، وهو يعرف كتاب علىٍّ: «طوله سبعون ذراعاً، إملاء رسول اللّه من فلق فيه، وخطّ علي بن أبي طالب «عليه السلام» بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة.
5. ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ عليّ (عليه السلام) بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى أرش الخدش».(1)
____________
1 . وقد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الاَثر حول صحيفة الاِمام عليّ (عليه السلام) في موسوعته بحار الاَنوار:26|18ـ66، تحت عنوان باب «جهات علومهم وما عندهم من الكتب»، فلاحظ الحديث 12، 1، 10، 30.


الصفحة 17

 

3
المنع الشرعي عن كتابة الحديث؟!


قد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وظهر مما تقدم أنّ الرسول أولى عناية فائقة بكتابة الحديث وقام بكتابته عن طريق كُتّابه، وتبعه لفيف من أصحابه فألّفوا صحائف ورسائل في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كانت مختصرة وغير منظمة، لكنّها شكلت اللبنات الا َُولى لتدوين الحديث في القرن الثاني.
وربما يُتَخيل انّه كان هناك منع شرعي عن كتابة الحديث استناداً إلى الاَحاديث التالية:
حديث أبي سعيد الخدري
1. أخرج أحمد، عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب شيئاً سوى القرآن فليمحه». (1)
2. وأخرج أيضاً بهذا السند عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تكتبوا عني شيئاً، فمن كتب عني شيئاً فليمحه». (2)
وقد رواه الخطيب بصور مختلفة (3) كلّها تنتهي إلى زيد بن أسلم، عن
____________
1 . مسند أحمد: 3|12 ولاحظ تقييد العلم: 29و 30.
2 . مسند أحمد: 3|12 ولاحظ تقييد العلم: 29و 30.
3 . تقييد العلم:29.


الصفحة 18

عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وهو يكشف عن أنّ الحديث مضطرب المتن لوجود الاختلاف في مضامينه وصوره.
وقد اقتصرنا على الصورتين الماضيتين اللّتين رواهما أحمد في مسنده.
ولا يُحتج بمثل هذا الحديث في مقابل الاَحاديث السابقة الدالة على رجحان الكتابة، مضافاً إلى ما رواه الذهبي في حقّ «زيد بن أسلم» قال: روي عن حماد بن زيد، قال: قدمت المدينة وهم يتكلّمون في زيد بن أسلم، فقال لي عبيد اللّه بن عمر: ما نعلم به بأساً إلاّ أنّه يفسّر القرآن برأيه. (1)
3. وهناك حديث آخر لاَبي سعيد، أخرجه الخطيب عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: استأذنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي. (2)
والحديث ضعيف بعبد الرحمان.
قال يحيى بن معين: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء.
وروى عثمان الدارمي عن يحيى: ضعيف.
وقال البخاري: عبد الرحمان ضعّفه عليّ جداً.
وقال النسائي: ضعيف. إلى آخر ما ذكر. (3)
ورواه الدارمي عن نفس زيد بن أسلم. (4)
وقد ورد سفيان بن عيينة في جميع أسانيد الحديث الاَخير ، وهو معروف
____________
1 . ميزان الاعتدال: 2|98 برقم 2989.
2 . تقييد العلم:32.
3 . ميزان الاعتدال: 2|564 برقم 4868.
4 . سنن الدارمي:1|119، باب من لم ير كتابة الحديث.


الصفحة 19

بالتدليس. وأمارة التدليس في المقام واضحة، لاَنّه رواه تارة عن زيد بن أسلم وأُخرى عن ابنه عبد الرحمان.
حديث أبي هريرة
1. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: «ما هذا تكتبون؟».
فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا ما نسمع، فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه؟ امحضوا كتاب اللّه أو خلصوه»، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.
قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدث عنك؟ قال: «نعم، تحدثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»، قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدث عن بني إسرائيل؟ قال: «نعم، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلاّوقد كان فيهم أعجب منه». (1)
2. وأخرج الخطيب، عن عبد الرحمان بن زيد بنفس السند السابق، عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن نكتب الاَحاديث، فقال: «ما هذا الذي تكتبون؟».
قلنا: أحاديث سمعناها منك.
قال: «أكتاباً غيركتاب اللّه تريدون، ما أضلَّ الاَُمم من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللّه».
____________
1 . مسند أحمد:3|12.


الصفحة 20

قال أبو هريرة فقلت: أنتحدث عنك يا رسول اللّه؟
قال:« نعم تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». (1)
3. أخرج الخطيب بنفس السند عن أبي هريرة قال: بلغ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» انّ ناساً قد كتبوا حديثه، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ما هذه الكتب التي بلغني أنّكم قد كتبتم إنّما أنا بشر، من كان عنده منها شيء فليأت به، فجمعناها «فأخرجت»[كذاج ، فقلنا: يا رسول اللّه نتحدث عنك؟ قال: تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً، فليتبوّأ مقعده من النار. (2)
وهذه الاَحاديث المنتهية إلى أبي هريرة لا يحتج بها.
أوّلاً: لوقوع «عبد الرحمان بن زيد بن أسلم» في جميع الاَسانيد وقد عرفت حاله.
ثانياً: وجود الاختلاف في المضامين كما هو واضح عند المقارنة.
ثالثاً: تعارضها بما سبق من الروايات المتضافرة الدالة على خلافها.

حديث زيد بن ثابت
أخرج الخطيب البغدادي باسناده إلى كثير ابن زيد عن المطلب بن عبد اللّه ابن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه، فمحاه. (3)
وقد رواه الخطيب بسندين ينتهيان إلى كثير بن زيد.
قال الذهبي: قال أبو زرعة: صدوق، فيه لين.
وقال النسائي: ضعيف.
____________
1 . تقييد العلم: 33، 34، 35.
2 . تقييد العلم: 33، 34، 35.
3 . تقييد العلم: 33، 34، 35.


الصفحة 21

وقال ابن المديني: صالح، وليس بقوي. (1)
وقد أخرج الخطيب روايات أُخرى لا تنتهي إلى الرسول وإنّما تحكي عمل بعض الصحابة والتابعين من محو الكتابة.
هذه هي المناقشات في سند الرواية ومضامينها، وهناك أمر آخر وهو انّ هذه الروايات لا يساعدها الذكر الحكيم أوّلاً ، وتخالف السنة القولية و الفعلية ثانياً، والتاريخ الصحيح ثالثاً.
أمّا عدم مساعدة الكتاب فلانّه سبحانه اهتم بكتابة الدين اهتماماً بالغاً، وقال: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِوَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْيَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ) ثمّ عاد وأكّد على الموَمنين أن لا يسأموا من الكتابة، فقال سبحانه: (وَلا تسأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلِهِ).
فإذا كان الدَّين بهذه المنزلة من الاَهمية، فكيف بأقوال النبيوأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجية وبرهاناً؟
وثمة كلمة قيمة للخطيب البغدادي نأتي بنصِّها، قال: «وقد أدّب اللّه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين فقال عزّوجلّ: (وَلا تسأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذِلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا) (2)
فلما أمر اللّه تعالى بكتابة الدين حفظاً له واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدّين أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه (3)
____________
1 . ميزان الاعتدال: 3|404 برقم 6938.
2 . البقرة: 282.
3 . تقييد العلم: 70 ـ 71 ولكلامه صلة: فراجع.


الصفحة 22

وأمّا مخالفتها للسنّة القولية والفعلية، فكما عرفت ممّا مضى من الروايات.
وأمّا مخالفتها للتاريخ الصحيح فلما ثبت من أنّ الخليفة لمّا حاول كتابة الحديث استشار أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلو كان هناك حظر من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما في هذه الروايات لم يبق موضوع للاستشارة، ولما صحّ للاَصحاب أن يشيروا إلى الخليفة بالكتابة.
أخرج الخطيب البغدادي باسناده عن عروة بن الزبير : انّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا أُلبس كتاب اللّه بشيء أبداً.(1)
وأخرج أيضاً بالاسناد عن القاسم بن محمد: انّ عمر بن الخطاب بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس انّه قد بلغني انّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّأتاني به فأرى فيه رأيي.
قال: فظنوا انّه يريد ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب. (2)
كل ذلك يدل على أنّالحظر الشرعي أُسطورة تاريخية صنعتها يد الجعل تبريراً لاَعمال الخلفاء حيث قاموا بوجه تدوين الحديث ونشره والتحدّث به كما سيوافيك بيانه، و مرّت الاِشارة إليه آنفاً.
____________
1 . تقييد العلم: 49و 52.
2 . تقييد العلم: 49و 52.


الصفحة 23

 

4
العلل المزعومة لقلة الاهتمام بالتدوين


قد عرفت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اهتمّ بكتابة حديثه ورغّب إليها، وانّ لفيفاً من الصحابة قاموا بتدوين صحف وكتب ورسائل حول حديثه وحفظوا بها سنّة الرسول في عصره وبعده، فصارت كالنواة لعصر التدوين.
كما أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم لم يعيروا أهمية لمنع كتابة الحديث، وقد دونوا كتباً ورسائل في عصر الرسول وبعده.
ولكن هنا نكتة جديرة بالاِشارة، وهي انّ المسلمين لم يبذلوا عناية كافية بتدوين الحديث، وكان المترقب منهم ـ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ هو بذل المزيد من العناية بذلك في كلّعصر، وتشكيل حلقات الدراسة والمذاكرة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخارجه كما شكّلوه في القرن الثاني.
وبذلك تعرّض تدوين الحديث لنكسة عرقلت خطاه .
فيقع الكلام في بيان ما هو السبب من وراء هذه النكسة؟ فقد ذكروا لها مبرّرات، وسنقوم بدراستها على وجه الاِيجاز.

الاَوّل: الاحتراز عن المضاهاة بكتاب اللّه تعالى
إنّ عدم الاهتمام بتدوين الحديث كان لغاية مقدسة وهي عدم اختلاط الحديث بالقرآن الكريم، فلذلك انصبَّ اهتمام المسلمين على تدوين القرآن ، دون تدوين الحديث وذلك لئلا يختلطا.


الصفحة 24

قال الخطيب: قد ثبت انّكراهة من كره الكتاب من الصدر الاَوّل إنّما هي لئلا يضاهىَ بكتاب اللّه تعالى غيره...ونُهي عن كتب العلم في صدر الاِسلام وجِدّته، لقلة الفقهاء في ذلك الوقت والمميزين بين الوحي وغيره، لاَنّ أكثر الاَعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُوَمن أن يُلْحِقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنّما اشتملت عليه كلام الرحمن. (1)
أقول: هذا الوجه مخدوش جداً وأشبه بدفع الفاسد بالاَفسد، وبالاعتذار الاَقبح، من الذنب القبيح، وذلك لاَنّ القرآن الكريم أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما بلغ غيره من الفصاحة بمكان، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد، قال سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الاِسراء|88).
ومعنى هذا الاعتذار انّ كلام الرسول كان بنحو ربما لا يُميّز عن كلام ربِّ العزة، فيتصوره العرب الاَقحاح ـ الذين يخاطبهم القرآن بالآية الكريمة ـ انّه من القرآن الكريم.
وبعبارة أُخرى: انّ المراد من المضاهاة ـ كما عبرّ بها الخطيب، أو الاختلاط بالقرآن كما عبّر به غيره (2) ـ إمّا هي المضاهاة الصورية، أو المضاهاة الواقعية الجوهرية.
أمّا الاَُولى فيكفي في دفعها أن يكتب كلٌ على حدة، فيكون لكلّ موضع خاص وهو أمر سهل.
____________
1 . تقييد العلم: 57.
2 . وهو الظاهر من حديث أبي هريرة حيث روى: امحضوا كتاب اللّه. ومعناه المنع عن تدوين الحديث مع القرآن.


الصفحة 25

وأمّا الثانية فهي غيرممكنة وذلك لاَنّ للقرآن بلاغة تختص به ويتميز بها عن غيره مهما بلغ الغير من البلاغة والفصاحة بمكان، فلا تحصل المضاهاة مهما اختلطا.
على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتكلم بأُسلوب متعارف بين الناس في مقام التحديث، فلم يكن أيّ تشابه بين الحديث والقرآن حتى يحصل الاختلاط.

الثاني: عدم الاشتغال عن القرآن
وهذا هو العذر الثاني، وحاصله انّه لم يُدون الحديث النبوي لئلاّ يشتغل المسلمون عن القرآن بسواه أو «مخافة أن ينصرف الناس عن القرآن إلى سنته وسيرته وينظروا إليهما كما ينظرون إلى القرآن ، وعلى مرور الزمن تحلّ محله كما حلّت أقوال المسيح وسيرته محل الاِنجيل الذي أنزله اللّه عليه». (1)
ولعلّه إلى ذلك الوجه يشير قول عمر على ما أخرجه الخطيب بقوله: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار اللّه شهراً، ثمّ أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب اللّه. (2)
أقول: إذا كان الاشتغال بالحديث سبباً للاِعراض عن القرآن فالاشتغال بسائر العلوم الطبيعية والرياضية والاَدبية أولى بأن تكون موجبة للاِعراض عنه، وذلك لاَنّ الصلة الموجودة بين القرآن والحديث ليست موجودة بينه وبين سائر العلوم، أفيصح لعالم واع أن يفتي بتحريم الاشتغال بمطلق العلوم بذريعة انّ الاشتغال بها موجب للاِعراض عن القرآن؟!
____________
1 . انظر تقييد العلم: 57 ولاحظ علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح: 20.
2 . هاشم معروف الحسني، الموضوعات في الآثار والاخبار : 19.ويظهر من كلامه انّه رضي بذلك العذر.


الصفحة 26

وأمّا قياس الاشتغال بالحديث باشتغال أهل الكتاب بغير كتاب اللّه تعالى فهو قياس مع الفارق، لاَنّ الاشتغال بحديث يُقيّد مطلقاته، ويبيّن مفاهيمه، ويوضح أسباب نزوله، إلى غير ذلك من الحقائق الكامنة في الحديث، اشتغال ـ في الواقع ـ بالقرآن، وهذا بخلاف اشتغال أهل الكتاب بغير التوراة والاِنجيل، فقد اشتغلوا بما كان على طرف النقيض ممّا نزل على أنبيائهم.
على أنّ التجربة أثبتت خلاف ذلك، لاَنّ المسلمين اشتغلوا منذ أوائل القرن الثاني بتدوين الحديث بجد ومثابرة، ولم يُشغلهم عن القرآن وحفظه أيّ شاغل.

الثالث: قلّة من يجيد القراءة والكتابة
وهذا الوجه يهدف إلى القول بأنّ الاَُمّية السائدة في الجزيرة العربية عاقتهم عن كتابة الحديث، وأعانهم على ذلك سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، وقد أشار إليه الخطيب. (1)
قال ابن قتيبة: كان الصحابة أُميين لا يكتب منهم إلاّالواحد والاثنان وإذا كتب لم يُتقن ولم يُصب التهجي. (2)
أقول: إنّ ما ذكر من الفرض باطل جداً فإنّ الاَُمية لم تمنع من كتابة القرآن الكريم وتدوينه، فكيف تمنع عن كتابة الحديث؟ فهوَلاء الكُتّاب الذين بلغ عددهم نحواً من سبعة عشر كاتباً كان في وسعهم القيام بكتابة الحديث النبوي، وقد ثبت في التاريخ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حريصاً على مكافحة الاَُمية التي كانت متفشية بين العرب في مطلع فجر الاِسلام، وقد فرض
____________
1 . تقييد العلم: 57؛ وعبّر عنه بقلّة الفقهاء، ولعلّ مراده ما ذكرناه.
2 . تأويل مختلف الحديث: 287.


الصفحة 27

على كلّأسير كان يحسن القراءة والكتابة تعليم عشرة من الاَُميين كفدية له في مقابل الفدية النقدية التي فرضها يوم بدر على الاَسرى في حين انّه كان أحوج ما يكون إلى المال في تلك الفترة من تاريخ الاِسلام. (1)
ثمّ إنّ النهي عن كتابة الحديث دال على إمكانها وكثرة من يمارسها، وإلاّلعاد النهي لغواً والتأكيد على المنع عبثاً.
وبالجملة هذه فروض ذهنية لا تنطبق على الواقع، وهناك فرض رابع ربما يكون هو السبب الحقيقي من وراء عدم بذل العناية بكتابة الحديث، وقد أوضحناه في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» (2) ولنأت في المقام بصورة واضحة مقرونة بالشواهد.

الرابع: حظر التدوين لدافع سياسي
الظاهر انّ السبب الواقعي لعدم الاهتمام بالكتابة، هو نهي الخلفاء عنها لدافع سياسي، وقد حظي هذا الدافع من الاَهمية بمكان حتى انّ عمر ابن الخطاب، قال لقرظة بن كعب: جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .(3)
ولما نهض عمر بأعباء الخلافة نهى عن كتابة الحديث، وكتب إلى الآفاق: انّ من كتب حديثاً فليمحه (4) ثمّ نهى عن التحدّث فتركت عدة من الصحابة الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (5)
____________
1 . السيرة الحلبية:2|193، دار احياء التراث العربي.
2 . بحوث في الملل والنحل:1|68ـ72.
3 . الحاكم النيسابوري: المستدرك:1|102.
4 . تقييد العلم:53؛ و كنز العمال:10|292 برقم 29476.
5 . راجع مستدرك الحاكم: 1|102.


الصفحة 28

وأغلب الظن انّ الوجه في منع تدوين الحديث ونشره ومدارسته ومذاكرته وكتابته بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نفس الوجه الذي منع من كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته وبعدها لم تتغير، وقد مضى حديث ابن عباس في ذلك (1)
وثمة سوَال يطرح نفسه وهو ماذا كان يريد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة وصيته؟ فلو عُلم ذلك، لعُلم وجه المنع عن كتابة وصيته، كما عُلم أيضاً وجه المنع عن تدوين سنته بعد رحيله.
فنقول: لم يكن هدف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ دعم موقفه من الوصية وتعيين الخليفة بعده، ويعلم هذا من مقارنة هذا الحديث الذي نقله ابن عباس مع حديث الثقلين المتفق عليه بين محدّثي السنّة والشيعة.
وذلك انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في شأن الكتاب الذي مُنع عن كتابته: إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده.
وقد جاءت هذه العبارة بعينها في حديث الثقلين، إذ يقول فيهص: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب اللّه وعترتي.
فالتشابه الموجود بين الحديثين يعرب عمّا كان يهدفه النبيمن وراء طلب الدواة والصحيفة، وكان الهدف دعم مفاد حديث الثقلين وتعزيز ولاية الاِمام علي (عليه السلام) وتعيين الخليفة، فقد وقف بعض الحاضرين في المجلس على أنّوصية النبيستشكّل خطراً على مصالحهم، فمنعوا عن كتابة الحديث لئلا يرد نصّمكتوب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على خليفة واحد بعينه.
يقول: سفيان بن عيينة: أراد أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع
____________
1 . لاحظ ص 13.


الصفحة 29

بينهم الاختلاف (1)
وهذا الوجه نفسه صار سبباً لمنع تدوين الحديث بعد رحيله لما في أحاديث الرسول من التركيز على ولاية علي (عليه السلام) ، فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ان صدّع بالدعوة وأجهر بها، نص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتى، فقدعرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقولهص: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».
وفي يوم الاَحزاب بقولهص: «ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».
وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك عليّاً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي».
إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غدير خم، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه».
إلى غير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثيرمن الصحابة فوعوها.
فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ماأثر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ أوّل الموَمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس ضبط ما أثر ، أمراً يلائم ذوق الذين منعوا عن الكتابة.
إنّ هذا الوجه هو الذي اخترناه في سالف الزمان، وقد ذكر المحقّق السيد محمد رضا الجلالي (حفظه اللّه) شواهد تاريخية تدعم الموضوع، وتثبت انّ هذا الوجه هو القول الفصل.
____________
1 . ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 1|169.


الصفحة 30

ومن جملة تلك الشواهد التاريخية:
1. جاء علقمة بكتاب من مكة ـ أو اليمن ـ صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت، بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذنا على عبد اللّه[بن مسعود]، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.
قال: فدعا الجارية، ثمّ دعا بطست فيها ماء.
فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان، أنظر فيها، فانّ فيها أحاديث حساناً، قال:فجعل يميثها فيها، ويقول: (نَحْنُ نقصُّ عليكَ أَحْسَنَ الْقصص بِما أَوحَيْنا إليكَ هذا القُرآن) . القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه (1)
إنّ الصحيفة المعرضة للابادة ترتبط بأهل البيت (عليهم السلام) ، وكأنّ الراوي اعتنى بهذه النقطة، فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت، وليلفت نظر عبد اللّه بن مسعود إلى أنّهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولكن عبد اللّه لم يعر اهتماماً وأباد الصحيفة.
والتبريرات المذكورة لمنع التدوين لا يجري شيء منها هنا، فلا اختلاط لما في الصحيفة بالقرآن ولا الاشتغال بأحاديث في صحيفة، تلهي عن القرآن، و مع ذلك فانّ عبد اللّه بن مسعود أباد الصحيفة لما فيها ما يرجع إلى أهل البيت، بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وان برّر عمله بانّ الاشتغال بالحديث هو اشتغال بما سوى القرآن، ولكن هذا التبرير كان واجهة لما ارتكب، وفي الواقع كان المحتوى يسلب الشرعية عن السلطة الحاكمة وينافي سياستها القائمة، لاَنّ الاَحاديث النبوية الواردة في أهل البيت (عليهم السلام) إنّما تدل على فضلهم وتوَكد على خلافتهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجعلهم قرناء للقرآن ليكونوا هم وهو خليفتين له من بعده. وكان عبد اللّه بن مسعود من حماة
____________
1 . تقييد العلم: 54 وقد رواه بأسانيد وصور مختلفة تشترك الجميع في غسل الصحيفة التي فيها أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .


الصفحة 31

السلطة الحاكمة إلى عصر الخليفتين الاَوّلين (1) وإن تراجع عن موقفه في عصر الخليفة الثالث كما سيوافيك عند ترجمته وسيرته.
2. أخرج ابن كثير عن عمر انّه قال: أقلّوا الرواية عن رسول اللّه إلاّفيما يعمل به. (2)
فإذا كان التحديث بحديث رسول اللّه موجباً للاشتغال به عن القرآن أو غير ذلك، فلماذا جوز التحديث في الفرائض والاَحكام دون غيره؟ أو ليس ذلك قرينة على أنّ الحديث في الاَحكام لا يمس كيان السلطة، بخلاف التحديث في غيرها خصوصاً فيما يرجع إلى الفضائل والمناقب.
3. ما روى من انّخالد القسري ـ أحد ولاة بني أُمية ـ طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال الكاتب: فانّه يمرّ بي الشيء من سير علي بن أبي طالب، فأذكره؟
فقال خالد: لا، إلاّأن تراه في قعر الجحيم. (3)
فالحديث يكشف عن أنّ هذا هو السبب الرئيسي لمنع تدوين الحديث، فلم يكن تدوين الحديث منفكّاً عما ورد في عليٍّ وأهل بيته من الفضائل.
4. روى الزبير بن بكار بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد، قال: قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجاً، سنة 82 هـ وهو ولي عهد، فمرّبالمدينة فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه وركب إلى مشاهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التي صلّـى فيها، وحيث أُصيب أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبوبكر بن عبد اللّه، فأتوا به قُباء، ومسجد الفضيخ ومشربة أُمّإبراهيم،
____________
1 . انظر تدوين السنة: 412ـ 413.
2 . البداية والنهاية: 8|110.
3 . الاغاني: 22|15.


الصفحة 32

وأُحد، وكل ذلك يسألهم؟ ويخبرونه عما كان.
ثمّ أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومغازيه.
فقال أبان: هي عندي قد أخذتها مصححة ممن أثق به.
فأمر بنسخها والقي فيها إلى عشرة من الكُتّاب، فكتبوها في رقٍّ فلما صارت إليه، نظر فإذا فيها ذكر الاَنصار في العقبتين،وذكر الاَنصار في بدر.
فقال: ما كنت أرى لهوَلاء القوم هذا الفضل، فأمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وأمّا أن يكونوا ليس هكذا.
فقال أبان بن عثمان: أيّها الاَمير لا يمنعنا ما صنعوا...أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.
قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لاَمير الموَمنين لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخُرق، وقال: أسأل أمير الموَمنين إذا رجعت، فإن يوافقه فما أيسر نسخه.
فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان.
فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تُقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل؟ تُعرِّف أهل الشام أُموراً لا نريد أن يعرفوها.
قال سليمان: فلذلك ـ يا أمير الموَمنين ـ أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى استطلع رأي أمير الموَمنين، فصوب رأيه. (1)
____________
1 . الموفقيات للزبير بن بكار : 222ـ 223.


الصفحة 33

قال المحقق السيد الجلالي: فإذا كانوا لا يتحملون ذكر فضل الاَنصار، فكيف يتحملون ذكر فضل أهل البيت، وسيدهم أمير الموَمنين «عليه السلام»؟!(1)
***

عدم التدوين ومضاعفاته
وعلى أية حال فسواء كانت العلة ما ذكرنا أو غيره، فقد استمر الحظر إلى عهد الخليفة الاَموي عمر بن عبد العزيز (99ـ101هـ) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة «انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه، فانّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلاّ حديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فانّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً. (2)
ومع هذا الاِصرار الاَكيد من قبل الخليفة، ألا أنّ رواسب الحظر السابق حالت دون القيام بما أمر به، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلاّصحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الاَمويين وقامت دولة العباسيين،وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدثون في سنة 143هـ بتدوين الحديث وفي ذلك، قال الذهبي:
«وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ
____________
1 . محمد رضا الجلالي، تدوين السنة الشريفة: 420.
2 . صحيح البخاري:1|27 باب كيف يقبض العلم من كتاب العلم.


الصفحة 34

بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن،وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي إلى أن قال: وقبل هذا العصر كان الاَئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. (1)
إلى هنا اتضح انّالسنّة النبوية لم تستأثر بالاهتمام في عصر الخلفاء والاَمويين وأوائل العصر العباسي إلى خلافة المنصور حيث أمر بتدوين السنة وتبويبها، نعم قام المحدثون بالتدوين في منتصف القرن الثاني بعد ما بلغ السيل الزبى واندرس العلم وأبيد الصحابة ومعظم التابعين، فلم يبق منهم إلاّصبابة كصبابة الاِناء، فعند ذلك وقفوا على الرزية العظمى التي منوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود حثيثة في تقييد شوارد الحديث. يقول ابن الاَثير: لما انتشر الاِسلام ، واتسعت البلاد وتفرّقت الصحابة في الاَقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري انّها الاَصل، فانّ الخاطر يغفل والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى. (2)
____________
1 . تاريخ الخلفاء للسيوطي: 261.
2 . جامع الاَُصول: 1|40.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة