الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 481
 

27
زيد بن أرقم الاَنصاري


( ... ـ 68 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
حديثه السقيم:
سحر اليهود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
هو ابن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الحارث بن الخزرج.
قال ابن سعد: يكنّى أبا سعد، وقيل: أبا أنيس، أوّل مشاهده مع النبي، المريسيع، ونزل الكوفة وابتنى بها داراً في كندة وتوفي بها أيّام المختار سنة 68.(1)
قال الجزري: روى عنه: ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو إسحاق السبيعي، وابن أبي ليلى ، ويزيد بن حبان، شهد مع رسول اللّه سبع عشرة غزوة، واستصغر يوم أُحد وكان يتيماً في حجر عبد اللّه بن رواحة وسار معه إلى موَتة، وشهد مع عليٍّ صفين، وهو معدود في خاصّة أصحابه، روى حديثاً كثيراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخرجه الثلاثة. (2)
يذكر المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا على
____________
1 . طبقات ابن سعد:6|18.
2 . أُسد الغابة: 2|219.


الصفحة 482

مَنْ عِنْدَ رَسُولِاللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ) (المنافقون|7) قصة ملخصها مايلي:
قال كنت مع عمّي فسمعت عبد اللّه بن أبي بن سلّول يقول لاَصحابه: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول اللّه حتى ينفضّوا ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الاَعزّ منها الاَذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمّي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فدعاني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فحدّثته، فأرسل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عبد اللّه وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول اللّهوصدّقهم، فأصابني شيء لم يصبني قط مثله، فجلست في البيت، فقال عمّي: ما أردت إلى ان كذّبك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومقتك، فأنزل اللّه تعالى: (إِذا جاءك المُنافِقُون) ، فبعث إليَّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرأها عليَّ، ثمّ قال: إنّ اللّه قد صدّقك. (1)
وقيل انّه توفي بعد قتل الحسين بقليل، وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة مفصلة. (2)
وجمعت أحاديثه في المسند الجامع فناهزت 52 حديثاً (3) ولكن هذا العدد بالنسبة إلى ما ذكره الجزري قليل، لاَنّه قال: روى حديثاً كثيراً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وإليك شيئاً من روائع أحاديثه وما أكثرها.

روائع أحاديثه:
1. أخرج أحمد في مسنده، عن العزيز بن حكيم، قال: صليت خلف زيد ابن أرقم على جنازة فكبّر خمساً، ثمّ التفت، فقال: هكذا كبّر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» أو نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) . (4)
____________
1 . أُسد الغابة: 2|219.
2 . انظرتاريخ ابن عساكر:6|268ـ 278.
3 . المسند الجامع: 5|479 برقم 214.
4 . مسند أحمد: 4|371.


الصفحة 483

وهذا هو المروي أيضاً عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ التكبيرة على الجنازة هي الخمس.
نعم روى مسلم، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعاً وانّه كبَّر على جنازة خمساً، فسألته، فقال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يكبّرها. (1)
أقول: الرواية الثانية لا يمكن تصديقها، لاَنّه لو كان الاقتصار بالتكبيرات الاَربع جائزاً، فالمصلّي يخرج من الفريضة بالتكبيرة الرابعة وتكون الخامسة ذكراً زائداً على الصلاة لا تمت لها بصلة فلا يصحّ القول بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تارة يكبّر أربعاً وأُخرى خمساً.
نعم يعارض الاَُولى ما رواه أحمد عن أبي سليمان الموَذن، قال: توفي أبو سريح فصلى عليه زيد بن أرقم، فكبر عليه أربعاً وقال: كذا فعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (2)
فالرواية الاَُولى تفرض الخمس، والثانية تخير بين الاَربع والخمس، والثالثة تفرض الاَربع.
والعجب انّ الصحابة لم يحتفظوا بسنة نبيّهم في مسألة بسيطة كانت محلاً للابتلاء.
2. أخرج النسائي ،عن الشعبي، عن عبد اللّه بن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليٌّ(رض) يومئذ باليمن، فأتاه رجل، فقال: شهدت عليّاً أُتي في ثلاثة نفر ادّعوا ولد امرأة، فقال عليّ لاَحدهم: تدعه لهذا؟ فأبى، وقال لهذا :تدعه لهذا ؟ فأبى، وقال لهذا: تدعه لهذا ؟فأبى.
____________
1 . صحيح مسلم: 3|56، باب القيام للجنازة.
2 . مسند أحمد: 4|370.


الصفحة 484

قال علي (رض) أنتم شركاء متشاكسون، وسأقرع بينكم فأيكم أصابته القرعة فهو له وعليه ثلثا الدية، فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بدت نواجذه. (1)
ولا غرو فانّعليّاً باب علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد وصفه النّبيّ بقوله: أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها. (2)
3. أخرج أحمد في مسنده عن قطبة بن مالك، قال: سبَّ أمير من الاَُمراء عليّاً (رض)، فقام زيد بن أرقم، فقال:
أما علمت أنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن سبّ الموتى فَلِمَ تسبُّ عليّاً، وقد مات؟! (3)
كان في وسع الصحابي الجليل زيد بن أرقم أن يحتج على الاَمير السابّ بما روى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) غير واحد من الصحابة من أنّ سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، فالاَمير بسبه هذا قد فسق سواء أكان المسبوب حياً أم ميتاً، ولكن الظروف العصيبة حالت دون أن يحتج«زيد» عليه بهذا الحديث، ولذلك التجأ إلى الاحتجاج عليه بأُسلوب آخر.
4. أخرج الترمذي في سننه، عن أبي عثمان، عن زيد بن أرقم، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكسل والعجز والبخل. (4)
5. أخرج مسلم في صحيحه،عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلمّا جلسنا إليه، قال له حصين، لقد
____________
1 . سنن النسائي: 1|183، باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه.
2 . أخرجه غير واحد من الحفاظ ناهز 142 محدثاً وعالماً، وقد جاء في كتاب الغدير مصادر الحديث مفصلاً، راجع الغدير: 6|161ـ 177.
3 . مسند أحمد: 4|369.
4 . سنن الترمذي: 5|566 برقم 3572.


الصفحة 485

لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعت حديثه وغزوت معه وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدِّثنا يا زيد، ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال: يا ابن أخي واللّه لقد كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فما حدثتكم فأقبلوا، وما لا، فلا تكلّفونيه، ثمّ قال: قام رسول اللّهيوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ، وذكر، ثمّ قال: أمّا بعد: ألا يا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به فحثّ على كتاب اللّه ورغَّب فيه.
ثمّقال: وأهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، فقال له حصين: ومَنْ أهل بيته يا زيد؟ أليس نساوَه من أهل بيته؟ قال: نساوَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال ومن هم؟ قال: هم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هوَلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. (1)
هذا ما أخرجه مسلم و من الواضح انّه لم ينقل على وجه دقيق وذلك لوجهين:
الاَوّل: انّ مقتضى قوله : أوّلهما، أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ثانيهما أهل بيتي مع أنّه لم يذكر كلمة ثانيهما.
وقد رواها الاِمام أحمد بصورة أفضل مما سبق كما رواه النسائي في فضائل الصحابة كذلك.
أخرج أحمد في مسنده عن أبي الطفيل، عن زيد بن الاَرقم، قال: لما رجع
____________
1 . صحيح مسلم: 7|122، باب فضائل علي (عليه السلام) .


الصفحة 486

رسول اللّه عن حجّة الوداع ونزل غدير خم، أمر بدوحات فقممن، ثمّ قال: كأنّي قد دُعيت فأُجبت: إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.
ثمّ قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا ولي كلّموَمن، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه. (1)
الثاني: فسر أهل البيت في الحديث بالبيوت الاَربعة: آل علي، آل عقيل، آل جعفر، آل عباس، وجعل حديث الغدير هادفاً إلى تكريم أهل بيته، ومن المعلوم انّه خلاف المراد، لاَنّ النبي جعل أهل بيته عدلاً لكتاب اللّه عز وجلّ، فيجب أن يُفسر ببيت يكون عدلاً للقرآن وملجأً للمسلمين بعد كتاب اللّه، وهل لهذه البيوت الثلاثة: آل عباس، آل عقيل، آل جعفر هذه المنزلة والمرتبة؟
نعم إذا تفحصنا سائر مصادر الحديث نقف على أنّ الرواة لعبوا بالحديث، وتصرّفوا فيما نقله ذلك الصحابي الجليل، وإليك بعض ما روي في هذا المضمار عن زيد.
روى الاِمام أحمد، عن ميمون أبي عبد اللّه، قال: قال زيد بن أرقم، وأنا أسمع: نزلنا مع رسول اللّه بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها «بهجير» ثمّقال: فخطبنا، وظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألستم تعلمون، أولستم تشهدون، انّي أولى بكلّموَمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فانّ علياً مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه. (2)
وأخرج أيضاً في فضائل الصحابة شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت
____________
1 . المسند الجامع: 5|505 برقم 3828، نقلاً عن مسند أحمد: 1|118.
2 . مسند أحمد: 4|372؛ و فضائل الصحابة: 2|597، الحديث 1017.


الصفحة 487

أبا الطفيل يحدّث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم ـ شك شعبة ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
قال سعد بن جبير وأنا سمعت مثل هذا عن ابن عباس، قال محمد: أظنه قال وكتمته. (1)
كلّ ذلك يدل على أنّ الرواة كانوا ينقلون الحديث مع الخوف والوجل، ولاَجل ذلك لم تنقل الخطبة في الروايتين الاَخيرتين، ولكن نقل نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ولاية عليّ (عليه السلام) عكس ما رواه مسلم حيث نقل الخطبة دون التنصيص على الولاية.
هذه نزر من روائع رواياته، وقد عزي إلى ذلك الصحابي مالا يصح وفقاً للموازين المذكورة.

سحر اليهود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
أخرج النسائي، عن يزيد بن حيّان، عن زيد بن أرقم، قال:
سحر النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيّاماً، فأتاه جبريل (عليه السلام) ، فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عُقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول اللّهفاستخرجوها فجيء بها ،فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنّما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهوديّ ولا رآه في وجهه قطُّ. (2)
أقول: إنّ السحر حسب ما جاء في الذكر الحكيم لا يضرّ إلاّ بإذن اللّه تبارك و تعالى، قال سبحانه: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّهِ) (البقرة|102).
إنّ سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس كسحر الآخرين، إذ ربّما
____________
1 . فضائل الصحابة: 2|569، الحديث 959.
2 . سنن النسائي : 7|112ـ 113، باب سحرة أهل الكتاب.


الصفحة 488

يكون الساحر قادراً على أن يسحر إنساناً عاديّاً ويضرّ به بإذن اللّه سبحانه، ولكن لا سبيل له إلى سحر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ لوجب تسلّطه وهيمنته عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولربّما يسفر عن تزلزل عقيدة الناس الذين آمنوا به، فحكمته سبحانه تصدّه عن أن يأذن لاَحد بالهيمنة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
انّه سبحانه يحكي عن موسى مخاطباً سحرة فرعون، بقوله: (ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ ) (يونس|81).
فإذا كان هذا حال موسى، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به منه، فبإمكانه أن يبطل السحر في أوّل لحظاته،لا أن يتأثر به أيّاماً ويتخلص منه بعد معونة جبرئيل له، كل ذلك يعرب عن وهن الحديث وضعفه بل كذبه على لسان زيد بن أرقم ـ رضي اللّه عنه ـ .


الصفحة 489

 

28
البراء بن عازب الاَنصاري


(10ق.هـ ـ 72هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
حديثه السقيم:
نزول الوحي عند رغبة ابن أُمّ مكتوم
البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة الاَنصاري الاَوسي الحارثي، يُكنّى أبا عمارة، ردّه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بدر استصغره، وأوّل مشاهده أحد، وقيل: الخندق، وغزا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أربع عشرة، غزوة وهو الذي افتتح الري سنة 24هـ، كما شهد فتح «تستر».
وشهد البراء مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان هو وأخوه عبيد ابن عازب، و نزل الكوفة وابتنى بها داراً ومات أيام مصعب بن الزبير. (1)
قال الذهبي: البراء بن عازب الاَنصاري نزيل الكوفة من أعيان الصحابة روى حديثاً كثيراً، حدَّث عنه: عبد اللّه بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة السوائي، وعدي بن ثابت، وسعد بن عبيدة، وأبو عمر زاذان، وأبوإسحاق السّبيعي.
____________
1 . أُسد الغابة: 1|171.


الصفحة 490

مسنده ثلاثمائة وخمسة أحاديث، له في الصحيحين اثنان وعشرون حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر حديثاً ومسلم بستة. (1)
وهو أحد رواة حديث غدير خم من الصحابة، رواه عنه غير واحد من التابعين مفصلاً. (2)
قال الخطيب البغدادي: وكان رسول عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج بالنهروان يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقة، ثمّروى بسنده عن أبي الجهم، قال: بعث عليٌّ البراء بن عازب إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيام فلما أبوا سار إليهم. (3)
وقد بلغت أحاديثه في المسند الجامع 136 حديثاً (4) وإليك شيئاً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه
1. أخرج الترمذي في سننه، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : حقّعلى المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمسّ أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب.(5)
2. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، قال: فاحرمنا بالحجّ فلمّا قدمنا مكة، قال: اجعلوا حجَّكم عمرة، قال: فقال الناس يا رسول اللّه قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟قال: انظروا، ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول، فغضب ثمّ انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه،
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 3|194 برقم 39.
2 . الغدير: 1|294.
3 . تاريخ بغداد: 1|177.
4 . المسند الجامع: 3|185.
5 . سنن الترمذي: 2|407 برقم 528.


الصفحة 491

فقالت من أغضبك أغضبه اللّه؟ قال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالاَمر فلا اتّبع. (1)
وفي الحديث دلالة واضحة على أنّ لفيفاً من أصحابه ربما كانوا يخالفونه ويغضبونه ويوَذونه، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُوَْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(التوبة|61). وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُوَذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ في الدُّنيا وَالآخرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (الاَحزاب|57).
ويظهر من غير واحد من التواريخ انّ العرب لم تكن تجمع بين العمرة والحج وإنّما يأتون بالعمرة في غير أشهر الحجّ، ولما كان أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفاً لما كانوا عليه في العصر الجاهلي استغربوه، وقالوا: كيف نجعلها عمرة وقد أحرمنا للحج؟
وعلى أيّة حال فهوَلاء هم الذين يصفهم اللّه سبحانه في سورة الحجرات بقوله: (يا أَيُّـها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْـنَ يَدَي اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ) (الحجرات|1).
2. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: أقبلنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ، فقال: «ألست أولى بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «ألست أولى بكلّموَمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال:فهذا وليّ من أنا مولاه، اللّهمّ وال من والاه، اللّهمّ عاد من عاداه.(2)
3. أخرج الترمذي عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشين وأمّر على أحدهما عليَّ بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، وقال: إذا كان القتال فعليّ، قال: فافتتح عليّحصناً،
____________
1 . مسند أحمد: 4|286.
2 . سنن ابن ماجة: 1|43برقم 116.


الصفحة 492

فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد كتاباً إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يشي به، قال: فقدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقرأ الكتاب فتغيّر لونه، ثمّ قال: ما ترى في رجل يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله؟ قال: قلت: أعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله، وإنّما أنا رسول، فسكت. (1)
4. أخرج البخاري في صحيحه ،عن شعبة، قال أخبرني عديّ، قال: سمعت البراء، قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والحسن على عاتقه يقول: اللّهمّ إنّي أُحبُه، فأحبَّه. (2)
5. أخرج البخاري في صحيحه عن المسيب بن رافع، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك، صحبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، انّك لا تدري ما أحدثنا بعده. (3)
ويوَيّده ما رواه البخاري في كتاب الفتن من إحداث لفيف من أصحابه بِدَعاًً وتبديلهم لدينه سبحانه، أخرج البخاري عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فَرَطُكم على الحوض ليرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويتُ لاَناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.
أخرج البخاري عن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فَرَطُكم على الحوض، من ورد شرب منه، و من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يُحال بيني و بينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت: نعم، قال: وأنا اشهد على أبي سعيد
____________
1 . سنن الترمذي: 5|638 برقم 3725.
2 . صحيح البخاري: 5|26، باب مناقب الحسن والحسين (عليهما السلام) .
3 . صحيح البخاري: 5|125، باب غزوة الحديبية.


الصفحة 493

الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. (1)
أخرج مسلم عن الاَعمش، عن شفيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض ولاَُنازعنّ أقواماً ثم لاَغلبن عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (2)
والعجب انّ الذين يروون هذه الاَحاديث من الصحيحين ـ اللّذين يُعدان عندهم من أصحّ الكتب بعد كتـاب اللّه ـ يحكمون بلزوم الاقتداء بكلّ صحابي وأخذ الحديث منه، ولا يجوّزون رمي واحد منهم بالجرح مع أنّ بينهم من بدّل دين اللّه وغيّره وأحدث وقال في حقّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سحقاً، سحقاً.
هذه طائفة من روائع أحاديثه، وإليك هذا الحديث المنسوب إليه والذي يخالف القواعد السالفة الذكر .

نزول الوحي عند رغبة ابن امّ مكتوم
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي إسحاق، أنّه سمع البراء يقول في هذه الآية: «لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه» فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زيداً فجاء بكتف يكتبها، فشكا إليه ابن أُمّمكتوم ضرارته، فنزلت: (لا يَسْتَوي القاعِدونَ مِنَ المُوَْمنينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَر).(3)
ومعنى ذلك انّ الوحي نزل لرغبة ابن أُمّ مكتوم ولولا شكايته لكان الوحي مثل ما نزل أوّلاً، وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث زيد بن ثابت.
____________
1 . صحيح البخاري: 9|46، كتاب الفتن.
2 . صحيح مسلم:7|68، باب إثبات حوض نبيّنا.
3 . صحيح مسلم: 6|42، باب سقوط فرض الجهاد على المعذورين؛ صحيح البخاري: 4|24ـ 25، باب قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون) (النساء|95).


الصفحة 494

 

29
عبد اللّه بن الزبير


(2ـ 73هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. تقديم صلاة الجمعة على الخطبتين
2. خطبة علي بنت أبي جهل
عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الاَسدي، كنيته أبو بكر، وأُمّه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو أوّل مولود ولد في الاِسلام بعد الهجرة للمهاجرين .
ولد بالمدينة على رأس سنتين من الهجرة، أحضره أبوه الزبير عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبايعه وعمره سبع سنين.
وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث، روى عنه: أخوه «عروة» وابناه «عامر» و«عباد»، وعبيدة السلماني، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وغيرهم.
شهد الجمل مع أبيه الزبير مقاتلاً لعليٍّ، فكان علي (عليه السلام) يقول: مازال الزبير منّا أهلَ البيت حتى نشأ له عبد اللّه، وامتنع من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت معاوية فأرسل إليه يزيد، مسلم بن عقبة «المُرّي»، فحصر المدينة


الصفحة 495

وأوقع بأهلها وقعة الحرة المشهورة، ثمّسار إلى مكة ليقاتل ابن الزبير فمات في الطريق، ثمّ استخلف الحصين بن نمير السكوني وحاصر ابن الزبير بمكة، ودام الحصر إلى أن مات يزيد، وبويع عبد اللّهبن الزبير بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان. (1)
كان ابن الزبير يسوس الحجاز والعراق وفيهما عمّاله إلى ان استولى عبد الملك على العراق عام إحدى وسبعين من الهجرة وانحصرت امارة ابن الزبير بالحجاز ، وعند ذاك وجّه عبد الملك، الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش كثيف من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير، وقدم مكة وحصر ابن الزبير، والتجأ هو وأصحابه إلى المسجد الحرام، ونصب الحجاج المنجنيق على «جبل أبي قبيس» ورمى به الكعبة إلى ان خرج أصحابه إلى الحجاج بالاَمان، وقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة عام ثلاث و سبعين من الهجرة. (2)
قال الذهبي: مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثاً، اتفقا له على حديث واحد، وانفرد البخاري بستة أحاديث ومسلم بحديثين.
وقبل ان نتناول أحاديثه بالبحث والتمحيص نذكر لمحة خاطفة عن سيرته والدور الذي لعبه في حرب الجمل.
التاريخ يصرح بأنّه هو الذي أشعل نائرة الحرب بين علي (عليه السلام) وأبيه، وكان أبوه على عتبة الندم والرجوع إلى المدينة وترك الحرب، ولكن ابنه عبد اللّه حال دون ذلك والجأ أباه إلى الاستمرار في موقفه المتصلِّب ضد عليّ (عليه السلام) الذي كانت تربطه به أواصر القرابة، فقد كان علي (عليه السلام) ابن خاله وكان الزبير ابن عمة علي (عليه السلام) ، وكانت الاَواصر الودية مستوثقة إلى ان شبّ ابنه عبد اللّه فتعكّر صفو تلك الروابط.
____________
1 . أُسد الغابة: 3|161.
2 . الطبري، التاريخ: 5|24؛ الكامل لابن الاَثير: 4|349ـ 356.


الصفحة 496

قال الطبري: فلما تواقفوا خرج عليّعلى فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال علي للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الاَمر أهلاً، ولا أولى به منّا.
فقال علي (عليه السلام) : لست له أهلاً بعد عثمان! قد كنا نعدُّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك، وعظّم عليه أشياء، فذكر انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّعليهما، فقال لعليّ: «ما يقول ابن عمتك؟ ليقاتلنك وهو لك ظالم».
فانصرف عنه الزبير، وقال: فإنّي لا أُقاتلك. فرجع إلى ابنه عبد اللّه، فقال: مالي في هذه الحرب بصيرة.
فقال له ابنه: إنّك قد خرجت على بصيرة، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب، وعرفت انّ تحتها الموت، فجبُنتَ، فأحفظه حتى أرعد وغضب.
وقال: ويحك ! إنّـي قد حلفت له ألاّأقاتله.
فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه وقام في الصف معهم.
وكان علي قال للزبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته؟! سلط اللّه على أشدِّنا عليه اليوم ما يكره. (1)
وعلى هذا فقد شبّ الرجل وشاب على عداء عليٍّ وحمل الضغن عليه.
ومما يكشف عن عدائه المتأصل ما نقله ابن الاَثير ما هذا لفظه بتلخيص: انّ ابن الزبير دعا محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وشيعته وسبعة عشر رجلاً من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة الذي له صحبة ليبايعوه. فامتنعوا، وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الاَُمة، فأكثر الوقيعة بابن الحنفية
____________
1 . تاريخ الطبري: 3|41، حوادث سنة 36، ونقله أيضاً ابن الاَثير في الكامل، لاحظ 3|239.


الصفحة 497

وذمّه، فأخبروا ابن الحنفية بما كان منهم، فأمرهم بالصبر، ولم يلحّ عليهم ابن الزبير.
فلما استولى المختار على الكوفة وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية، خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به، فألحّ عليه وعلى أصحابه في البيعة له، فحبسهم بزمزم وتوعدهم بالقتل والاِحراق، وإعطاء اللّه عهداً إن لم يبايعوه أن ينفِّذ ما توعَّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً.
ولما اطّلع المختار على حقيقة الاَمر بعث ظبيان بن عُمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، فساروا نحو مكة حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الرايات وهم ينادون: يا لثاراث الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعدَّ ابن الزبير الحطب ليُحرقهم وكان قد بقي من الاَجل يومان، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا: خلِّ بيننا وبين عدو اللّه ابن الزبير.
فقال لهم: إنّي لا أستحل القتال في الحرم إلى آخر ما ذكره. (1)
فإذا كان هذه هي شيمة الرجل و سيرته مع آل علي، فهل يصحّ أن يعتمد على ما يرويه في حقّهم كما سيوافيك؟!
وعلى أية حال فهو من المقلِّين في نقل الحديث، ومن روائع رواياته ما يلي:

روائع أحاديثه:
1. أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء، عن عبد اللّه بن الزبير، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاّ
____________
1 . الكامل في التاريخ: 4|249ـ 251.


الصفحة 497

المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا. (1)
2. أخرج النسائي في سننه، عن يوسف بن الزبير، عن عبد اللّه بن الزبير، قال:
جاء رجل من خثعم إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إنّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة اللّه في الحج، فهل يجزي أن أحج عنه؟
قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرايت لو كان عليه دين، أكنت تقضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عنه. (2)
ثمّ إنّ هنا روايات رويت عنه، تخالف الضوابط المذكورة في صدر الكتاب.

1. تقديم صلاة الجمعة على الخطبتين
أخرج أحمد في مسنده، عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال:
سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد، يقول، حين صلّى قبل الخطبة، ثمّ قام يخطب النّاس: يا أيّها النّاس، كلاًّ سنّة اللّه وسنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (3)
الظاهر انّ الرواية موقوفة، لاَنّ ابن الزبير ولد في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وله ثمان سنين.
فيبدو انّه لم ير واقعة تقديم الصلاة على الخطبتين من قبل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فتكون الرواية موقوفة وليست بحجّة.
على أنّ الظاهر من كلمات الفقهاء شرطية تقدّم الخطبة.
قال في المغني: الرابع من الشروط أن يتقدمها خطبتان من شرط
____________
1 . مسند أحمد : 4|5.
2 . سنن النسائي: 5|117، تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين.
3 . مسند أحمد:4|4.


الصفحة 499

صحتهما، وقد كان عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تقديم الخطبة بينهما فصل من جلوس، و قد قال: صلوا كما رأيتموني أُصلي، فالعكس يحتاج إلى الدليل. (1) وقال العلاّمة الحلّي: الثاني من الشروط تقديمهما على الصلاة لاَنّهما شرط فيها، والشرط مقدم ولانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) داوم على ذلك، وقال: صلّوا كما رأيتموني أُصلي، ولقول الباقر (عليه السلام) وقد سئل عن خطبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الصلاة أو بعدها، قال: قبل الصلاة ثمّ يصلي (2) وأغلب الظن انّ المصلحة الشخصية دفعته إلى تقديم الصلاة على الخطبتين فلما اعترض عليه، اضطر إلى عزو ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخرج من هذا المأزق.

2. خِطْبَةُ عليّ بنت أبي جهل
أخرج الترمذي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد اللّه بن الزبير؛ انّ عليّاً ذكر بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّما فاطمة بضعة منّي، يوَذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها. (3)
ولكن البخاري نقله في غير واحد من الاَبواب عن مِسْوَر بن مَخْرمة، وإليك صور ما نقله:
1. ما نقله في «باب ما ذكر من درع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » بسند ينتهي إلى ابن شهاب انّ علي بن الحسين (عليهما السلام) حدثه أنّـهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية،بعد مقتل الحسين بن علي «عليهما السلام» ، لقيه المسور بن مخرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له: لا، فقال له: فهل أنت مُعطِيَّ سيف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فانّي أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيم اللّه لئن أعطيتنيه لا يُخلص إليهم أبداً، حتى تبلغ نفسي.
____________
1 . المغني، ابن قدامة ومعه الشرح الكبير: 2|181.
2 . التذكرة: 4|69.
3 . سنن الترمذي: 5|699 برقم 3869؛ ورواه أحمد في مسنده: 4|5.


الصفحة 500

انّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل على فاطمة(عليها السلام) ،فسمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، ثمّ ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه.
قال: حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أُحرِّم حلالاً ولا أحلُّ حراماً، ولكن واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو اللّه أبداً. (1)
2. ما أخرجه عن الزهري، قال: حدثني علي بن الحسين (عليهما السلام) : انّ المسور ابن مخرمة، قال: إنّعليّاً خطب بنت أبي جهل، فسمعتْ بذلك فاطمة، فأتت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالت: يزعم قومك انّك لاتغضب لبناتك، وهذا عليّناكح بنت أبي جهل.
فقام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعتُه حين تشهد، يقول: أمّا بعد، أنكحتُ أبا العاص بن الربيع فحدَّثني وصدقني، وإنّ فاطمة بضعة منّي وإنّي أكره أن يسوأها، واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنت عدو اللّه عند رجل واحد. فترك عليّ الخطبة . و زاد محمد بن عمرو بن حلحلة، عن ابن شهاب، عن علي، عن مسور : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن.قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي.(2) 3. ما نقله أيضاً مرسلاً وقال: قال المسور: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر صهراً له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، قال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي. (3)

____________

1 . صحيح البخاري: 4|83، باب ما ذكر من درع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2 . صحيح البخاري: 5|22ـ23، باب ذكر اصهار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

3 . صحيح البخاري: 7|20، باب الشروط في النكاح.


الصفحة 501

4. مانقله أيضاً في باب الغيرة، عن المسور بن مخرمة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول و هو على المنبر :إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلاّ أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنّما هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويوَذيني ما آذاها. (1) هذه هي صور أربع لرواية واحدة، وأنت ترى انّ البخاري كيف يلعب بالرواية سنداً و متناً، فتارة يذكره مسنداً إلى مخرمة، وأُخرى ينقله مرسلاً، وثالثة يضم إلى قصة الخطبة قصة أُخرى وهي طلب المسور سيف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأُخرى يجردها عنها. وأمّا الاختلاف في اللفظ فحدّث عنه ولا حرج، ومع ذلك فالرواية مكذوبة وموضوعة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضعها الاَمويون في عهدهم للحطّ من شأن عليّ (عليه السلام) ، وإليك بيانها. أمّا ما رواه الترمذي و أحمد مسنداً إلى ابن أبي مليكة، عن عبد اللّه بن الزبير فلا يصحّ الاحتجاج به لما عرفت من أنّالرجل كان من أعداء عليّ «عليه السلام» ، فلا يمكن الاعتماد على قوله، وقد عرفت شيئاً من عدائه. وأمّا ما أخرجه البخاري عن المِسْوَر، ففيه وجوه من الاشكال: الاَوّل: انّ الصلة بين القصتين في الصورة الاَُولى مقطوعة، حيث إنّ ابن مخرمة يطلب سيف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولما يواجه امتناع علي بن الحسين يتبعه بقصة أُخرى ويقول: إنّ علي بن أبي طالب خطب ابنة أبي جهل، فأيُّ صلة بين القصتين؟ وان

____________

1 . صحيح البخاري: 7|37، باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف من كتاب النكاح.


الصفحة 502

أتعب ابن حجر نفسه في شرحه على البخاري حتى يوّضح الصلة بينهما. (1) الثاني : انّ المسور بن مخرمة ولد بمكة بعد الهجرة بعامين وله من العمر عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمان سنين، فكيف يقول في الصورة الاَُولى ممّا نقلها البخاري: فسمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الناس في ذلك على منبره، وانا يومئذٍ محتلم. ولا يطلق على من له ثمان سنين انّه محتلم، بل ولا كالمحتلم؟ فما ذكره الذهبي انّ المسور كان كبيراً محتلماً يوم ذاك فهو غفلة عن سنة مولده، وقد أرّخ هو ميلاده بما ذكرنا. (2) الثالث : كيف ينقل علي بن الحسين (عليهما السلام) ـ حينما قفل راجعاً من كربلاء إلى المدينة المنورة وقلبه مثقّل بالهموم والمصائب ـ تلك القصة الموهنة التي تحطّ من شخصية جدّه (عليه السلام) ، للزهريّ فهل يقوم بذلك إنسان عادي فضلاً عن علي بن الحسين (عليهما السلام)؟ حتى ولو افترضنا انّه سمعه من المِسْور بن مخرمة. الرابع: انّ جميع صور الرواية الّتي رواها البخاريّ تنتهي إلى المسور بن مخرمة، الّذي كان منحرفاً عن عليّ، ويشهد على ذلك ما نقله الذهبي. قال: قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية. وقال أيضاً: كانت الخوارج تغشاه وينتحلونه. وقال أيضاً: قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلاّ صلّى عليه. وذكر انّ ابن الزبير لا يقطع أمراً دون المسور بمكة. (3) كلّ ذلك يشهد على أنّه قد نصب العداء لاَمير الموَمنين (عليه السلام)

____________

1 . لاحظ فتح الباري: 6|214 فذكر انّ الصلة هي انّ رسول اللّه كان يحب رفاهية فاطمة فأنا أيضاً احب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها فعاطني السيف حتى أحفظه لك. وهو كما ترى.

2 . سير أعلام النبلاء: 3|393 برقم 60.

3 . سير أعلام النبلاء:3|390ـ 394 برقم 60.


الصفحة 503

واتخذ عداءه بطانة له حتى بلغ به الاَمر إلى انّه لا يذكر معاوية إلاّصلى عليه، و ان الزبير لا يقطع أمراً دونه.كلمة لاَبي جعفر الاسكافي حول الرواية وثمةكلمة قيمة لاَبي جعفر الاسكافي، لا بأس بنقلها هنا نقلها ابن أبي الحديد عنه: قال: إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) ، تقتضي الطعنَ فيه والبراءة منه؛ وجعل لهم على ذلك جُعلاً يُرْغَبُ في مثله؛ فاختلقوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير. روى الزهريّ أنّعروة بن الزبير حدّثه، قال: حدّثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل العباس وعليّ، فقال: يا عائشة، إنّهذين يموتان على غير ملّتي، أو قال: غير ديني. وروى عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان عند الزهريّ حديثان، عن عُروة، عن عائشة في عليّ (عليه السلام) ؛ فسألتُه عنهما يوماً؟ فقال: ما تصنع بهما وبحديثهما! اللّه أعلم بهما؛ إنّي لاَتهمهما في بني هاشم. قال: فأمّا الحديث الاَوّل؛ فقد ذكرناه؛ وأمّا الحديث الثاني فهو أنّعُروة زعم أنّعائشة حدثته، قالت: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل العباس وعلي، فقال: «يا عائشة؛ إن سرّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا»، فنظرت، فإذا العباس وعلي بن أبي طالب. وأمّا عمرو بن العاص، فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّه «صلى


الصفحة 504

الله عليه وآله وسلم» يقول: «إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنّما وليّي اللّه وصالح الموَمنين». وأمّا أبو هريرة، فروي عنه الحديث الذي معناه أنّ علياً (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال: لاها اللّه! لا تجتمع ابنة وليّ اللّه وابنة عدو اللّه أبي جهل! إنّفاطمة بضعة منّي يوَذيني ما يوَذيها؛ فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد، أو كلاماً هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي. قلت: هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المِسْوَر ابن مخرَمة الزهريّ؛ وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى «تَنزيه الاَنبياء و الاَئمّة»، وذكر أنّه رواية حسين الكرابيسيّ، وأنّه مشهور بالانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام) ، وعداوتهم والمناصبة لهم، فلا تقبل روايته. ولشياع هذا الخبر وانتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة في قصيدة يمدح بها الرشيد، ويذكر فيها ولد فاطمة (عليهم السلام) ويُنحي عليهم، ويذمّهم، وقد بالغ حين ذمّعلياً (عليه السلام) ونال منه، وأوّلها:سَلامٌ على جُمْلٍ، وهَيْهاتَ من جملِ * ويا حبّذا جملٌ وإن صَرَمَتْ حَبْلي يقول فيها:عليّ أبوكم كان أفضلَ منكمُ * أباه ذوُو الشورى وكانوا ذَوِي الفَضْلِ وساء رسول اللّه إذ ساء بنته * بخِطْبته بنتَ اللعين أبي جهل فذمَّ رسول اللّه صهر أبيكم * على مِنْبَرٍ بالمنطق الصادع الفصلِ وحكّم فيها حاكمين أبوكُم * هما خلعاه خَلْعَ ذِي النَّعْل للنعلِ وقد باعها من بعده الحسنُ ابنُه * فقد أبطلت دعواكمُ الرثةُ الحبلِ وخلّيتُموها وهي في غير أهلها * وطالبتُموها حين صارت إلى أهلِ


الصفحة 505

وقد رُوي هذا الخبر على وجوه مختلفة، وفيه زيادات متفاوتة؛ فمن الناس من يروي فيه: «مهما ذممنا من صهر فإنّا لم نذمّ صهر أبي العاص بن الربيع»، ومن الناس من يروي فيه: «ألا إنّ بني المغيرة أرسلوا إلى علىٍّ ليزوجوه كريمتهم»؛ وغير ذلك. (1) وفي الختام نقول: إنّ قصارى ما بذله ابن حجر في كتابه فتح الباري (2) في غير واحد من أجزاء كتابه، لا يخرج عن تبرير عمل علي (عليه السلام) و انّه لم تكن خطبته مخالفة للاِسلام و انّه انتهى عن العمل بعدما وقف على أنّ الزواج ببنت أبي جهل سينتهي إلى إيذاء بضعة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . وكان عليه أن يبذل جهوده في تقييم الرواية وعرضها على التاريخ الصحيح في سيرة عليّ (عليه السلام) وقربه من النبي وانّه كان يتبعه اتباع الظل لذي الظل وكان واقفاً على ما يبغض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يرضيه، فهل يتصور منه (عليه السلام) أن يخطب بنت أبي جهل ـ الذي هو من ألد أعداء الاِسلام ـ على فاطمة الزهراء من دون استئذان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! نعم لا نقول إنّتزويج بنت أبي جهل المسلمة كان حراماً، ولكن ليس كل حلال يعمل به، خصوصاً مثل علي (عليه السلام) بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعته. ولعل في هذا البحث غنى وكفاية. فقد بان من هذا انّ عليّاً (عليه السلام) لم يُغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وها أنا أعرّف لك من أغضب الرسول و آذاه. فهذا هو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: فاطمة بضعة مني

____________

1 . شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 4|63 ـ 65

2 . فتح الباري:6|214؛ 7|85؛9|327.


الصفحة 506

فمن أغضبها أغضبي. (1) ومن جانب آخر يروي البخاري انّ فاطمة(عليها السلام) ابنة رسول اللّه سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مما أفاء اللّه عليه. فقال لها أبوبكر: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: لا نُورث ما تركناه صدقة. فغضبت فاطمة(عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فهجرت أبا بكر فلم تزل بها هاجرته حتى توفيت. (2) وروى البخاري أيضاً انّ فاطمة (عليها السلام) بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه مما أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما يبقى من خمس خيبر ـ إلى ان قال: ـ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرتْه، فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ستة أشهر، فلمّا توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يوَذن بها أبا بكر، وصلّى عليها. (3) وروى البخاري أيضاً: انّ فاطمة (عليها السلام) والعباس (عليه السلام) أتيا أبا بكر يلتمسان من ميراثهما من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك و سهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول اللّه يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال. قال أبو بكر: واللّه لا أدع أمراً رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يصنعه فيه إلاّ صنعته قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتّى ماتت. (4) (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ) ( ق|37).

____________

1 . صحيح البخاري: 5|51 في كتاب مناقب قرابة الرسولص.

2 . صحيح البخاري: 4|79، باب فرض الخمس.

3 . صحيح البخاري: 5|139، باب غزوة خيبر ؛ وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه :5|153، كتاب الجهاد، باب قول النبي لا نورث ما تركناه صدقة؛ وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 1|9.

4 . صحيح البخاري: 8|149، كتاب الفرائض.


الصفحة 507

 

30
أبو سعيد الخدري


(10 ق.هـ ـ 74هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. ثلاثمائة وخمس عشرة شريعة2. نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رغبة عمر
3. احتجاج آدم على موسى بالقدر4. قتال المارّ بين يدي المصلي
5. النبي يغفل عن صلاته6. الوقوع على السبايا قبل الاستبراء
7. الصوم في السفر8. سلطان إبليس على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
9. كذب إبراهيم ثلاث مرّات10. التحدث عن بني إسرائيل.
هو سعد بن مالك بن سنان الخزرجي وأخوه لاَُمّه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين، استشهد أبوه «مالك» يوم أُحد، و شهد أبو سعيد الخندقَ وبيعة الرضوان.
قال أبو سعيد: عُرضتُ يوم أحد وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي و يقول: يا رسول اللّه إنّه عَبْلَ العظام، و جعل نبيّ اللّه يصعِّد في النظر ويصوِّبه ثمّ قال: رُدّه فردّني.
قال الذهبي: مسند أبي سعيد 1170 حديثاً، ففي البخاري و مسلم 43 وانفرد البخاري بـ 16 حديثاً و مسلم بـ52 حديثاً. (1)
ولكن الموجود من أحاديثه في الصحاح و المسانيد لا يبلغ هذا المقدار
____________
1 . سير أعلام النبلاء:3|168 برقم 18.


الصفحة 508

بل ينقص عنه بكثير، و قد جمعت في المسند الجامع رواياته فبلغت 625 حديثاً (1). ولعلّه لم يستوفها كما هو دأبه في غير مورد.
يقول ابن الاَثير : أبو سعيد الاَنصاري الخدري و هو مشهور بكنيته من مشهوري الصحابة و فضلائهم و هو من المكثرين من الرواية عنه، وأوّل مشاهده الخندق، و غزا مع رسول اللّه اثنتي عشرة غزوة، وروى عنه من الصحابة: جابر وزيد بن ثابت وابن عباس و أنس و ابن عمر وابن الزبير؛ ومن التابعين: سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة و عطاء بن يسار و أبو أمامة بن سهل بن حنيف و غيرهم، توفي سنة 74هـ يوم الجمعة و دفن بالبقيع، وهو ممّن له عقب من الصحابة، و كان يحفي شاربه و يصفر لحيته.(2)
وقال في قسم الكنى: و كان من الحفاظ لحديث رسول اللّهالمكثرين ومن العلماء الفضلاء العقلاء. (3)
وقال ابن عبد البر: وكان ممّن حفظ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سنناً كثيرة وروى عنه علماً جماً، و كان من نجباء الاَنصار و علمائهم وفضلائهم. (4)
وروى السيد نور الدين السمهودي في «جواهر العقدين» نقلاً عن الحافظ أبي نعيم الاصبهاني في حلية الاَولياء عن أبي الطفيل، قال: إنّ عليّاً «عليه السلام» قام فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أنشد اللّه من شهد يوم غدير خم إلاّ قام، ولا يقوم رجل يقول: إنّي نُبئت أو بلغني، إلاّ رجل سمعتْ أُذناه و وعاه قلبه.
____________
1 . المسند الجامع: 6|575.
2 . أُسد الغابة: 2|289.
3 . المصدر نفسه: 5|211.
4 . الاستيعاب: 2|602 تحقيق علي محمد البجاوي.


الصفحة 509

فقام سبعة عشر رجلاً منهم أبو سعيد الخدري. (1)
وقال ابن قتيبة ـ عند سرده لوقعة الحرّة لما أراد أهل الشام نهبَ المدينة وقتلَ رجالها الذين خلعوا بيعة يزيد عن أعناقهم ـ قال: ولزم أبو سعيد الخدري في بيته فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقال: أيّها الشيخ من أنت؟ فقال: أنا أبو سعيد صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالوا: مازلنا نسمع عنك فبحظك أخذت في تركك قتالنا و كفك عنّا ولزوم بيتك، ولكن أخرج إلينا ما عندك، قال: واللّه ما عندي مال فنتفوا لحيته و ضربوه ضربات، ثمّ أخذوا كلّما وجدوه في بيته حتّى الثوم و حتى زوج حمام كان له. (2)

تعاطفه مع أهل البيت (عليهم السلام)
إنّ أبا سعيد الخدري من أجلاّء الصحابة الذين كانت لهم مواقف مشرِّفة مع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، و قد عرفتَ أنّه أحد من شهد لعلي «عليه السلام» بالولاية يوم الغدير، وأخرج الاِمام أحمد عنه، انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. (3)
وقد أخرج هذا الحديث الترمذي في سننه، عن جابر بن عبد اللّه، قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته يوم عرفة و هو على ناقته القصواء يخطب فسمعته، يقول: ياأيّها الناس إنّي قد تركت فيكم ما إن
____________
1 . الغدير: 1|176.
2 . ابن قتيبة، الاِمامة والسياسة، ص 195.
3 . مسند أحمد: 3|14.


الصفحة 510

أخذتم به لن تضلّوا؛ كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي. (1)
هذه إلمامة عابرة بترجمة ذلك الصحابي العظيم، و إليك استعراض ما روي عنه من روائع الاَحاديث.

روائع أحاديثه
1. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: «اللهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، و أسألك بحقّممشاي هذا فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت اتقاء سخطك و ابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي انّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت». أقبل اللّه عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك. (2)
وبالرغم من أنّ المعلق على سنن ابن ماجة ضعّف الحديث لمكان عطية العوفي، لكنّه رجل ثقة، وما نقموا منه إلاّ تشيّعه وحبّه لاَهل البيت «عليهم السلام» .
2. أخرج ابن ماجة، عن جابر بن عبد اللّه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته نصيباً، فانّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً. (3)
ولاَجل ذلك كان النبي يوَدِّي نوافل رمضان في بيته فرادى، و قلّما يتفق أن يصليها في المسجد، و ما هذا إلاّ لاَنّ للبيت نصيباً من الصلاة، و بذلك يعلم
____________
1 . سنن الترمذي:5|662 برقم 3786.
2 . سنن ابن ماجة:1|256 برقم 778؛ مسند أحمد: 3|21، قوله «أقبل اللّه عليه بوجهه» خلاف قوله «صرف اللّه وجهه عنه» وكلاهما كنايتان عن شمول الرحمة وخلافه.
3 . سنن ابن ماجة: 1|438 برقم 1376 ؛ مسند أحمد: 3|15.


الصفحة 511

انّ إقامة صلاة التراويح جماعة، إخلاء للبيت من إقامة الصلاة فيه، و قد أخرج ابن ماجة عن عبد اللّه بن سعد، قال: سألت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيما أفضل، الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي؟ ما أقربه من المسجد! فلئن أصلّي في بيتي أحبُّ إليّمن أن أُصلّي في المسجد إلاّأن تكون صلاة مكتوبة. (1)
ونقل المعلق عن الزوائد انّ اسناده صحيح و رجاله ثقات.
3. أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما استخلف خليفة إلاّ له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، و المعصوم من عصم اللّه. (2)
4. أخرج الترمذي عن عطية ،عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اتقوا فراسة الموَمن فانّه ينظر بنور اللّه، ثمّ قرأ: (إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِين) . (3)
5.أخرج أبو داود في سننه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر. (4)
6. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من رأى منكم منكراً فليغيّـره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الاِيمان. (5)
7. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عيسى الاَسواري، عن أبي سعيد
____________
1 . سنن ابن ماجة: 1|439 برقم 1378.
2 . صحيح البخاري: 8|125، باب المعصوم من عصم اللّه.
3 . سنن الترمذي: 5|298 برقم 3127 والآية 75 من سورة الحجر .
4 . سنن أبي داود: 4|124 برقم 4344.
5 . صحيح مسلم: 1|50، باب كون النهي عن المنكر من الاِيمان.


الصفحة 512

الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: عوِّدوا المريض، واتّبعوا الجنائز تذكِّركم الآخرة. (1)
8. أخرج الاِمام مسلم في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري: انّ ناساً من الاَنصار سألوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعطاهم، ثمّ سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده، قال: مايكن عندي من خير فلن أدّخره عنكم، و من يستعفف يعِفّه اللّه و من يستغن يُغنه اللّه و من يصبر يصبِّـره اللّه، و ما أُعطي أحد من عطاء خيراً وأوسع من الصبر. (2)
9. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، وأحمد في مسنده، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من لا يرحم الناس لا يرحمه اللّه. (3)
10. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن غالب الحرّاني، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خصلتان لا تجتمعان في قومي: البخل وسوء الخلق. (4)
11. أخرج الترمذي، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه. (5)
هذه جملة من روائع أحاديثه اقتصرنا عليها، لاَنّ المقصود عرض نماذج من أحاديثه التي علا هامتَها نورُ النبوّة، و إليك شيئاً ممّا نسب إليه والذي لا يوافق المعايير المذكورة في صدر الكتاب.
____________
1 . مسند أحمد: 3|223.
2 . صحيح مسلم: 3|102، باب فضل التعفف والصبر.
3 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 95؛ مسند أحمد:3|40.
4 . سنن الترمذي: 4|343 برقم 1962.
5 . سنن الترمذي: 4|339 برقم 1955.


الصفحة 513

1. ثلاثمائة و خمس عشرة شريعة
أخرج عبد بن حميد، عن عبد اللّه بن راشد مولى لعثمان بن عفان، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
إنّ بين يدي الرحمن تبارك وتعالى لوحاً فيه ثلاثمائة و خمس عشرة شريعة، يقول الرحمن: وعزتي وجلالي لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئاً فيه واحدة، وإحدى منكنّ إلاّ أدخلته الجنة. (1)
تتضمن الرواية انّه سبحانه و تعالى أنزل شرائع كثيرة تربو على 315 شريعة ولكن الظاهر من الذكر الحكيم انحصار شرائعه في خمس، قال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّين ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهيمَوَ مُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى|13) فلو كان هناك شريعة قبل نوح أو شريعة في ثنايا شرائع السابقين لاَشار إليها.
وقال سبحانه: (وَإِذْأَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابنِ مَرْيمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) (الاَحزاب|7).
فالمتبادر من الآيتين انّ هوَلاء هم أصحاب الشرائع وانّ الباقين كانوا من الدعاة إلى شرائعهم، يقول ابن كثير في تفسير الآية الاَُولى: «فذكر أوّل الرسل بعد آدم و هو (نوح (عليه السلام) ) وآخرهم و هو (محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ) ثمّ ذكر من بين ذلك من أُولي العزم: إبراهيم وموسى و عيسى بن مريم، وهذه الآية تضمنت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الاَحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى: (وَإِذْأَخَذْنا مِنَ النَّبِيينَ مِيثاقهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابنِ مَرْيم) . (2)
____________
1 . المسند الجامع: 6|158ـ 159، قال أخرجه عبد بن حميد برقم 968.
2 . مختصر تفسير ابن كثير: 3|272.


الصفحة 514

وقال جلال الدين السيوطي في تفسير آية الشورى الماضية: وأخرج ابن المنذر عن زيد بن رفيع، بقية أهل الجزيرة، قال: بعث اللّه نوحاً (عليه السلام) وشرع له الدين فكان الناس في شريعة نوح (عليه السلام) ما كانوا، فما اطفأها إلاّ الزندقة، ثمّبعث اللّه موسى (عليه السلام) وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة من بعد موسى، ما كانوا، فما اطفأها إلاّ الزندقة، ثمّ بعث اللّه عيسى «عليه السلام» وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة عيسى (عليه السلام) ما كانوا فما أطفأها إلاّالزندقة، قال: ولا يخاف على هلاك هذا الدين إلاّ الزندقة». (1)
يقول العلاّمة الطباطبائي:يستفاد من الآية (آية الشورى) أُمور (نذكر ممّا ذكره أمرين):
الاَوّل: انّ الشرائع الاِلهية المنتسبة إلى الوحي إنّما هي شريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى و محمد (عليهم السلام) ، إذ لو كان هناك غيرها لذكر قضاء لحقّ الجامعية المذكورة، و لازم ذلك أوّلاً : ان لا شريعة قبل نوح «عليه السلام» بمعنى القوانين الحاكمة في المجتمع الاِنساني الرافعة للاختلافات الاجتماعية.و ثانياً: انّ الاَنبياء المبعوثين بعد نوح كانوا على شريعته إلى بعثة إبراهيم وبعدها على شريعة إبراهيم إلى بعثة موسى و هكذا.
الثاني: انّ الاَنبياء أصحاب الشرائع وأُولي العزم هم هوَلاء الخمسة المذكورون في الآية إذ لو كان معهم غيرهم لذكر فهوَلاء سادة الاَنبياء، ويدل على تقدمهم أيضاً قوله: (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابنِ مَرْيَم) (الاَحزاب|7). (2)
نعم ليس كل نبي ذا شريعة، ولاَجل ذلك يربو عدد الاَنبياء على الاَُلوف
____________
1 . الدر المنثور: 7|340.هكذا في المصدر و قد سقط من الرواية ذكر شريعة إبراهيم.
2 . الطباطبائي، الميزان: 18|29.


الصفحة 515

مع أنّ الشريعة لا تتجاوز الخمس .
ولو فرض إطلاق صاحب الشريعة على كلّ نبي باعتبار انّه مروّجها ومبينها فلا تنحصر الشريعة في العدد المذكور في الرواية بل يزيد عددهم بكثير.
ثمّ أين هذه الشرائع الكثيرة التي تحكي عنها الرواية، ولا أثر لها في الكتب السماوية الموجودة؟

2. نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رغبة عمر
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، قال: لما كان غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول اللّه لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنّا.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : افعلوا.
قال فجاء عمر، فقال: يا رسول اللّه إن فعلت قلّ الظّهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم. ثمّ ادع اللّه لهم عليها بالبركة لعلّ اللّه أن يجعل في ذلك.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نعم. (1)
أقول: إنّه سبحانه يصف نبيَّه بقوله: (وَعلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113).
والمراد من الفضل هو علمه ومن وصف سبحانه علمه بالعظمة، فهل من المعقول أن يكون غير واقف على ما جاء في هذه الرواية وكان بعض أتباعه أعلم منه؟!
إنّ الحنكة السياسية والعسكرية تفرض على القائد أن يكون واقفاً على
____________
1 . صحيح مسلم: 1|42، باب من لقي اللّه بالاِيمان وهو غير شاك فيه، من كتاب الاِيمان.


الصفحة 516

المصالح والمفاسد التي تحدق بعسكره، فإذا كان عمر قد اطّلع على ذلك فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالاطّلاع منه فكيف وقف الاَوّل عليها دون أفضل الخليقة؟!
وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ ما جاء في تلك الرواية ليس فريداً من نوعه بل تكرر ذلك في موارد أُخرى بنحو تُصوِّر انّ عمر كان أعلم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا النوع من الروايات نابع عن الاِفراط في العاطفة تجاه الخليفة، فلنذكر بعض الموارد.

المورد الاَوّل: قتل الاَسرى
أخرج الاِمام أحمد عن أنس (رض) قال: استشار النبي الناس في الاَُسارى يوم بدر، فقال: إنّ اللّه أمكنكم منهم.
فقام عمر بن الخطاب (رض) فقال: يا رسول اللّه، اضرب أعناقهم؟فأعرض عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أيّها الناس إنّ اللّه قد أمكنكم منهم و إنّما هم إخوانكم بالاَمس. فقام عمر، فقال: يا رسول اللّه اضرب أعناقهم؟
فأعرض عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ عاد فقال مثل ذلك. فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول اللّه نرى أن تعفو عنهم و ان تقبل منهم الفداء. فعفا عنهم و قبل منهم الفداء، فنزل (لَولا كتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) الآية. (1)
يلاحظ عليه أوّلاً: انّ هناك موضوعات عرفية ربما يستشير فيها النبي أصحابه لا لاَجل الوقوف على ما هو الاَصلح بل لاَجل منحهم الشخصية، يقول سبحانه: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاََمْر ) (آل عمران | 159). وربما تكون في المشاورة مصالح أُخرى كتعليم أصحابه كيفية معالجة المشاكل
____________
1 . الدر المنثور: 4|104 والآية 68 من سورة الاَنفال.


الصفحة 517

كما شاور (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة أُحد والاَحزاب.
وأمّا الاَحكام الشرعية التي يختص تشريعها باللّه سبحانه وأُمِرَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بإبلاغها دون أيّ تصرف، فهي أُمور لا تخضع للمشاورة بل على النبي أن يمكث حتى يوافيه الوحي بها، وقد تكرر ذلك فسُئل النبي عن أشياء، فمكث حتى وافاه الوحي.
ومسألة الاَُسارى من المسائل الشائكة المهمة في الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين فللّه سبحانه فيها تشريع كتشريعه في سائر الموضوعات ولا يسع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المبلِّغ عن اللّه أحكامه، أن يشاور هذا أو ذاك حتّى يشير أحدهم بالقسوة والآخر بالرأفة .
وعلى ذلك فليس هناك أيُ مسوغ للنبي للمشاورة حسب الموازين الشرعية.
ثانياً: كيف يكون الرسول غير واقف على الحكم الاَصلح في حقّ الاَُسارى ويكون غيره واقفاًعليه، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم الخليقة و أفضل من أبينا آدم الذي علَّمه سبحانه الاَسماء كلّها وصار بذلك خليفة للّه ومعلّماً للملائكة.
ثالثاً: انّ ظاهر الحديث يعرب عن كون الخطاب في قوله: (لمسّكم فيه عذاب عظيم) ـ نعوذ باللّه ـ عاماً شاملاً للنبيّ، لاَنّه ـ صلوات اللّه عليه ـ اختار الاَخذ و الفداء دون ضرب الاَعناق، فيدخل ـ صلوات اللّه عليه ـ تحت قوله (لولا كتاب من اللّه سبق...) وفي الوقت نفسه ليس شاملاً لعمر، وهذا على طرف النقيض من القول بعصمته بعد البعثة التي اتفقت عليه عامة المسلمين. مع أنّ سياق الآية وما قبلها يشهد على خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مصب الخطاب، لاَنّه سبحانه يذكره بصيغة الغائب، و يقول: ( ما كانَ لِنَبِىٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى...) (الاَنفال | 67) وعندما يندد بهذا العمل يخص المجاهدين بالخطاب، ويقول: (ولولا كتاب من اللّه سبق لمسّكم...) والتغاير في التعبير آية عدم الشمول.


الصفحة 518

المورد الثاني : عدم إقامة الصلاة على المنافقين
أخرج البخاري في تفسير قوله سبحانه: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْأَوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِين) (التوبة|80).
قال: لما توفي عبد اللّه (ابن أُبي) جاء ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله أن يعطيه قميصه يُكفّن فيه أباه فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه فقام رسول اللّهليصلّـي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال :يا رسول اللّه تصلي عليه و قد نهاك ربّك أن تصلي عليه؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما خيّـرني اللّه فقال: ( استغفر لهم أو لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة)، وسأزيده على السبعين، قال: إنّه منافق، قال: فصلّى عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل اللّه (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) (البقرة|84). (1)
وفي الحديث تأملات وتساوَلات:
أوّلاً: المتبادر من الآية عند الناطقين بالضاد هو أنّ عدد السبعين فيها كناية عن الكثرة بمعنى انّ الاستغفار لا يجدي لهم مهما بلغ عددها سواء أكان أقل من السبعين أو أزيد منه و هذا ما يفهمه العربيّ الصميم من الآية، ويوَيد ذلك انّه سبحانه علّل عدم الجدوى بقوله: ( بأنّهم كفروا باللّه ورسوله) والكافر مادام كافراً لا يستحق الغفران أبداً، وإن استغفر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه مائة مرة.
ولكن الظاهر من الرواية انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فهم من الآية انّلعدد السبعين خصوصية وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أقدم على الصلاة على عبد اللّه بن أُبي(وهو رأس المنافقين) إلاّ لاَجل أن يستغفر له أزيد من السبعين الذي ربما تكون الزيادة نافعة لحاله ولا خفاء في أنّه على خلاف ما
____________
1 . البخاري: الصحيح: 6|67، قسم التفسير.


الصفحة 519

يفهمه العربي الصميم من الآية فكيف بنبيّ الاِسلام وهو أفصح من نطق بالضاد؟!
وثانياً: انّ المتبادر من لفظة «أو» في الآية من قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) أنّـها للتسوية أي الاستغفار وعدمه سيان، لاَنّ المحل غير قابل للاستفاضة ولكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب الرواية حملها على التخيير حيث قال: إنّما خيّـرني اللّه وقال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)فكيف خفي على النبي مفاد الآية؟!
نعم نقل ابن حجر في فتح الباري لفظة: «اخبرني» مكان «خيرني» و لكنه يخالف ما هو المتضافر من نسخ البخاري على أنّه روى هذه الرواية بصورة أُخرى وهي: «اخّر عني يا عمر فلما أكثرت عليه، قال: إنّما خُيّرت فاخترت لو أعلم انّي زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها». (1)
وثالثاً: كيف قام النبي بالصلاة على المنافق، وهو يشتمل على الاستغفار مع أنّ المروي في الصحاح انّه سبحانه نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الاستغفار للمشركين، وهو في مكّة المكرّمة وقال: (ما كانَ للنَّبيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَ لَوكانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِما تَبَيّـنَ لَهُمْأَنَّـهُمْ أصحابُ الْجَحِيم) (التوبة|113).
قال ابن حجر: نزلت الآية في قصة أبي طالب حين قالص : لاستغفرنّلك ما لم أنه عنك، فنزلت الآية وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتّفاقاً (2) وقصة عبد اللّه بن أُبي كانت في السنة التاسعة من الهجرة فكيف يجوز للنبيّ مع النهي المتقدم الاستغفار للمنافق مع الجزم بكفره؟! (3)
____________
1 . فتح الباري: 8|338.
2 . توفي سيد الاَباطح أبو طالب موَمن قريش في العام العاشر من البعثة، وقد ثبت في محله إيمان أبي طالب ببراهين ساطعة وقد نزلت الآية في حقّ غيره.
3 . فتح الباري: 8|339.


الصفحة 520

ورابعاً: انّه سبحانه نهى النبي عن الاستغفار في سورة المنافقين، وقد نزلت في غزوة بني المصطلق وغزاهم النبي في العام السادس من الهجرة ، قال سبحانه: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي القَوْمَ الفاسِقينَ) (المنافقون|6).
ومع هذا البيان الصريح كيف أقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصلاة على المنافق والتي لم تكن إلاّ عملاً لغواً غير مفيد؟
وما ربما يتوهم من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم على الصلاة استمالة لقلوب عشيرته فهو كما ترى، لاَنّ القرآن يخبر بصراحة انّ الصلاة والاستغفار لا تفيد بحاله، أفيكون عمل النبي بعد هذا التصريح سبباً للاستمالة.
وخامساً: انّمعنى الحديث انّ الخليفة كان أعلم من رسول اللّه بحكم اللّه تعالى بشهادة انّ الوحي وافاه وصدّق قول الخليفة وخطّأ قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالملازمة، وما هذا إلاّ قول عازب و رأي كاذب صدر عن عاطفة انجر القائل معها إلى ترجيح التابع على المتبوع «ما هكذا تورد يا سعدُ الابل».
وأخيراً انّ الحديث بلغ من الشناعة بمكان أنكره جمع غفير من المحقّقين لا سيما أبو بكر الباقلاني، حيث قال في التقريب: هذا الحديث من أخبار الآحاد لا يعلم ثبوته، وقال إمام الحرمين في مختصره: هذا الحديث غير مخرج في الصحيح، وقال أيضاً في البرهان: لا يصححه أهل الحديث.
وقال الغزالي في المستصفى: الاَظهر انّ هذا الخبر غير صحيح.
وقال الداوودي الشارح: هذا الحديث غير محفوظ.
إلى غير ذلك من كلمات أعلام السُّنَّة حول الحديث. (1)
____________
1 . انظر فتح الباري: 8|338.


الصفحة 521

المورد الثالث: آية الحجاب
روى البخاري في تفسير سورة الاَحزاب عن أنس قال: قال عمر: قلت يا رسول اللّه يدخل عليك البرّ و الفاجر، فلو أمرت أُمّهات الموَمنين بالحجاب، فأنزل اللّه آية الحجاب. (1)
وهذا أحد الموارد الثلاثة التي نزل الوحي على وفق ما اقترحه الخليفة، ولكن في الحديث عدة تساوَلات .
أوّلاً: يخالفه ما رواه نفس أنس، في سبب نزول قوله: (فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجاب) قال أنس: أنا أعلم الناس بهذه الآية: آية الحجاب، لمّا اهديت زينب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت معه في البيت صنعت طعاماً ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج ثمّيرجع و هم قعود يتحدثون، فأنزل اللّه تعالى: (يا أَيّها الّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيّ إِلاّأن يُوَذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَير ناظِرِينَ... مِنْ وراءِ حِجاب ) فضرب الحجاب و قام القوم. (2)
ثانياً: يخالفه ما رواه السيوطي في الدر المنثور قال: وأخرج ابن جرير عن مجاهد انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطعم و معه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك النبي، فنزلت آية الحجاب. (3)
ثالثاً: انّ لازم تلك الرواية وما تقدمها أن يكون الخليفة أعلم وأكثر غيرة من
____________
1 . البخاري: الصحيح: 6|118، تفسير سورة الاَحزاب. من هذا الفاجر الذي كان يدخل على بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! فهل كان من المسلمين (الصحابة) «وهم عدول» أو من غيرهم، فإذا كان من غيرهم فكيف يدخل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و ليس بمسلم ؟!
2 . المصدر السابق: 6|119. والآية 53 من سورة الاَحزاب .
3 . الدر المنثور: 6|641.


الصفحة 522

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذا ما أنكره الخليفة مصرِّحاً في مواطن عديدة بأنّ كلّ الناس أفقه من عمر.
فعن مسروق بن أجدع ـ التابعي العظيم ـ قال ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال: «يا أيّها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول اللّهوأصحابه، والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك ولو كان الاِكثار في ذلك تقوى عند اللّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلا أعرف ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال: ثمّ نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير الموَمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن؟ قال: واي ذلك؟ فقالت: أما سمعت اللّه يقول: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) الآية؟ قال: فقال: اللهمّ غفراً، كلّ الناس أفقه من عمر. ثمّرجع فركب المنبر، فقال: أيّها الناس إنّي كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. وقال اسناده جيد قوي. (1)
ورواه السيوطي في الدر المنثور عن عبد اللّه بن مصعب، قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد القيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك، قال: و لِمَ؟
قالت: لاَنّاللّه يقول: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) الآية.
فقال عمر: امرأة أصابت و رجل أخطأ. (2)
____________
1 . تفسير ابن كثير: 2|230. والآية 20 من سورة النساء .
2 . الدر المنثور: 2|466.


الصفحة 523

المورد الرابع و الخامس: أخذ المصلي من مقام إبراهيم و...
أخرج السيوطي في الدر المنثور عن البيهقي، وغيره عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت : (وََاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّى...) واجتمع على رسول اللّه نساوَه في الغيرة، فقلت لهنَّ: عسى ربّه أن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنَّ، فنزلت كذلك. (1) هذه الاَُمور الخمسة نماذج ممّا ادّعي فيها انّ الوحي وافق رغبة عمر، وقد عرفت انّ كثيراً منها لا يوافق الكتاب. والتشريع أجلّ من أن يكون خاضعاً لرغبة إنسان غير معصوم.3. احتجاج آدم على موسى بالقدر عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : احتج آدم و موسى (عليهما السلام) : فقال موسى: أنت خليفة اللّه، بيده أسكنك جنته، واسجد لك ملائكته، فأخرجت ذريتك من الجنة، وأشقيتهم. فقال آدم (عليه السلام) : أنت موسى الذي اصطفاك اللّه بكلامه ورسالته، تلومني في شيء وجدته قد قدّر عليَّ قبل أن أخلق؟ قال: فحجَّ آدم موسى. (2) هذا الحديث رواه البخاري أيضاً، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة. فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك اللّه

____________

1 . الدر المنثور:1|290. والآية 125 من سورة البقرة .

2 . المسند الجامع: 6|165 برقم 4184 نقلاً عن عبد بن حميد برقم 949.


الصفحة 524

برسالاته وبكلامه ثمّ تلومني على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فحجَّ آدم موسى مرتين. (1) أقول: إنّ الاحتجاج بالقدر في تبرير المعاصي فكرة جاهلية قد أشار إليها سبحانه في كتابه الكريم، فقال: (سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ان تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّوَإِنْأَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ)(الاَنعام|148). وقال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاء أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون) (الاَعراف|28) فالآيتان تشيران إلى الفكرة الرائجة في العصر الجاهلي فانّهم كانوا يبررّون شركهم، وشرك ابائهم وتحريمهم الحلال واقترافهم الآثام بتقديره سبحانه و علمه بأفعالهم وهي نفس الفكرة التي طرحتها الرواية حيث احتجّ آدم على موسى وأفحمه بأنّه وجده قد قدّر عليه قبل أن يخلق، و التقدير ليست إلاّ مشيته سبحانه و تعالى الواردة في الآية الاَُولى: (لَوْ شاءَ اللّه ما أَشْرََكْنا) أو أمره سبحانه الوارد في الآية الثانية «واللّه أمرنا بها». حتّى انّ الفكرة لم تجتثَّ من أُصولها بعد مجيء الاِسلام، وهذا هو السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر انّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر ؟ قال: نعم: قال: فانّ اللّه قدره عليَّ ثمّيعذبني ؟! قال: نعم، يا ابن اللخناء أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك. (2)

____________

1 . صحيح البخاري: 4|158، باب وفاة موسى.

2 . السيوطي: تاريخ الخلفاء: 95.


الصفحة 525

إنّ القضاء والقدر من المعارف الاِلهية والتي لا يمكن لمسلم إنكارهما، غير انّ تفسير القضاء والقدر بمثل ما جاء في الرواية أو أشير إليه في الآية السابقة يجعل الاِنسان مكتوف اليدين لاحيلة له أمام الحوادث التي تعصف به، وهو مما ترغب عنه الفطرة السليمة، وينافي دعوة الاَنبياء والمصلحين التي قامت أُسسها على حرية الاِنسان في اختيار مصيره. أظن انّ هذه الاَحاديث قد نسجت وفق العقائد التي روّجها الجهاز الحاكم آنذاك حتى يُبرِّر فكرة انّ الوضع الاجتماعي لا يمكن تغييره أبداً بأي أُسلوب من الاَساليب، فالقوي يبقى قوياً، والضعيف يبقى ضعيفاً، وهكذا الحال في الظالم والمظلوم لكونه مسبوقاً في علم اللّه. ثمّإنّ شرّاح الحديث مالوا يميناً وشمالاً حتى يجدوا له معنى صحيحاً يفارق الجبر، وأنّى لهم ذلك، فانّه يساوي الجبر ، وإلاّ لم يصح احتجاج آدم على موسى، ولم يغلب عليه في مقام المحاجّة حيث اقنعه بقوله بأنّه (ليس علي اللوم وإنّما سبق الكتاب على عملي)، وقد رواه البخاري أيضاً في كتاب القدر عن أبي هريرة (1) باختلاف طفيف. ونقل ابن حجر، عن ابن عبد البر ، انّه قال: هذا الحديث أصل جسيم لاَهل الحق في إثبات القدر وانّ اللّه طوى أعمال العباد، فكلّ أحد يصير لما قُدِّر له بما سبق في علم اللّه، قال: و ليس فيه حجة للجبرية و إن كان في بادىَ الرأي ساعدهم. وقال الخطابي في «معالم السنن» يحسب كثير من الناس انّ معنى القضاء والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد و يتوهم انّ غلبة آدم (على موسى) كانت من

____________

1 . البخاري: 8|126، باب في القدر.


الصفحة 526

هذا الوجه وليس كذلك، وإنّما معناه الاِخبار عن إثبات علم اللّه بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقدير سابق منه. (1) يلاحظ عليه: انّ النزاع ليس في تقدم علمه سبحانه على ما يجري في العالم من حوادث وكوارث، إنّما الكلام في احتجاج آدم على موسى ورد اعتراضه، وعندئذٍ إمّا أن يكون علمه السابق سبباً للجبر والسير وراء العلم على وجه القطع أو لا، فعلى الاَوّل يصحّ الجواب ولكن يستلزم الجبر. وعلى الثاني: لا يصحّ الجواب لافتراض انّ علمه سبحانه لا يسلب الاختيار عن آدم و يمكن للاِنسان السير على خلافه فيبقى اعتراض موسى بلا جواب . إذ كان بامكان أبينا آدم أن يخالف ما قُدِّر ولم يفعل.4. قتال المارّ بين يدي المصلي أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان. (2) والحديث مطلق يدل على جواز دفع المارّ سواء كان بين المصلي والمارّ سترة أو لا، ولكن الرواية الاَُخرى تقيّد القتال بصورة وجود السترة. روى مسلم عنه انّه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان.

____________

1 . فتح الباري: 11|509.

2 . صحيح مسلم: 2|57، باب منع المارّ بين يدي المصلي من كتاب الصلاة.


الصفحة 527

وقد روي عن الاِمام الصادق (عليه السلام) انّه قال: كان طول رحل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذراعاً فإذا كان صلّى وضعه بين يديه يستتر به بين يديه. (1) وفي رواية أُخرى عنه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا صلّى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل موَخرة الرحل، فإن لم يجد فحجراً، فإن لم يجد فسهماً، وإن لم يجد فليخط في الاَرض بين يديه. (2) وبهذه الروايات يعلم انّ المنع مختص بما إذا استتر المصلي بشيء من المارّ كالرحل والحجر والخط والعصاء. روى الاِمام الصادق (عليه السلام) قال: كان لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنزة في أسفلها عكاز يتوكأ عليها ويخرجها في العيدين يصلى إليها. (3) وعلى ذلك فلو صلى المصلي من دون أن يجعل بينه و بين المار شيئاً يُعلِمَ به منع المرور فليس له الدفع. نعم ربما يكون مرور المار مكروهاً مطلقاً وإن لم يكن بينه و بين المصلي حائل وساتر. هذا كلّه ممّا اتّفقت عليه المذاهب الفقهية إجمالاً، إنّما الكلام في جواز المقاتلة في ردع المارّ عن العبور كما أشارت إليه رواية أبي سعيد، فالمذكور في رواية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هو درأ المارّ على القدر المستطاع. روى ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل هل يقطع صلاته شيء ممّا يمر بين يديه ؟ فقال: لا يقطع صلاة الموَمن شيء، ولكن ادرأوا ما

____________

1 . الوسائل: 3|437، الباب 12 من أبواب مكان المصلي، الحديث 2

2 . الوسائل: 3|437، الباب 12 من أبواب مكان المصلي، الحديث 4و 7.

3 . الوسائل: 3|437، الباب 12 من أبواب مكان المصلي، الحديث 4و 7.


الصفحة 528

استطعتم. (1) وممّا لا شكّ فيه انّ الدرء بالقدر المستطاع عبارة عمّا يمكن للمصلي من ردع المارّ في حال الصلاة كالاشارة باليد أو شيء آخر لا أن تصل إلى المقاتلة، فما تضمّنته رواية أبي سعيد من جواز المقاتلة أمر ينكره الشرع والعقل. امّا الشرع فلما عرفت من انّ الوارد عن طريق أئمّة أهل البيت هو الدرء على القدر المستطاع، وقد نقل عن علي (عليه السلام) انّه قال: إنّالصلاة لا يقطعها شيء، و لكن إدرأوا ما استطعتم هي أعظم من ذلك (2) وأين هو من المقاتلة؟ وأمّا العقل فهل يجوز إراقة دم مسلم بمجرد مروره امام المصلي مع أنّه لا يبطل صلاته أبداً؟ واحترام دم المسلم أعظم من ذلك فلا يُقتل إذا زنى أو أكل الربا أو ترك الصلاة، فكيف يجوز قتله بمجرد المرور ؟! وأظن انّ الحديث نقل على غير وجهه الصحيح، لكن شراح الحديث تلقوه حقيقة راهنة فجوزوا القتل. قال النووي في تفسير قوله: «فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان» هذا الاَمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحداً من العلماء أوجبه بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنّه مندوب غير واجب. قال القاضي عياض: وأجمعوا على أنّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يوَدي إلى هلاكه، فان دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل تجب ديته أم يكون هدراً ؟ فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك. والذي قاله أصحابنا : إنّ المصلي يرده إذا أراد المرور بينه و بين سترته بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدها وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه، وقد أباح له الشرع مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. (3)

____________

1 . الوسائل: 3|435، الباب 11 من أبواب مكان المصلي، الحديث 8و 9.

2 . الوسائل: 3|435، الباب 11 من أبواب مكان المصلي، الحديث 8و 9.

3 . شرح مسلم للنووي: 4|470ـ 471، باب منع المار.


الصفحة 529

وفي روايات أئمّة أهل البيت تصريح بالاِغماض عنه. روى أبو بصير المرادي عن الاِمام الصادق (عليه السلام) : لا يقطع الصلاة شيء لا كلب ولا حمار ولا امرأة ولكن استتروا بشيء و إن كان بين يديك قدر ذراع رافع من الاَرض فقد استترت والفضل في هذا أن تستتر بشيء بين يديك ما تتقي به المارّ، فإن لم تفعل فليس به بأس لاَنّ الذي يصلّي له المصلِّي أقرب إليه ممّن يمرّ بين يديه ولكن ذلك أدب الصلاة وتوقيرها. (1) فقوله (عليه السلام) : «لا يقطع الصلاة شيء لا كلب و... » ورد لردّ الفكرة السائدة يوم ذاك وإلاّ فهو أجل من أن يجمع بين المرأةو الكلب والحمار. فتدبّر. ونحن نحيل القضاء في تمييز ما صدر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى القارىَ الكريم، فهل الصحيح هو ما روي عن أئمّة أهل البيت «عليهم السلام» ، أو ما ورد في صحيح مسلم من تسويغ إراقة دم مسلم لاَجل إصراره على المرور امام المصلي الذي لا يبطل صلاته؟5. النبي يغفل عن صلاته أخرج الاِمام أحمد ، عن عبد الرحمان بن سعيد الخدري، عن أبيه، قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (وَكَفى اللّهُ المُوَمِنينَ القِتال)(الاَحزاب | 25) . فأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بلالاً ، فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثمّ أقام للعصر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثمّأذّن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها. (2)

____________

1 . وسائل الشيعة:3|435، الباب 11، الحديث 10.

2 . مسند أحمد:3|25.ومراده من قوله«وذلك قبل أن تنزل»... آية صلاة الخوف.


الصفحة 530

يلاحظ على مضمون الحديث انّ في الفقه الاِسلامي صلاة باسم صلاة الخوف والمطاردة وقد ورد فيها الذكر الحكيم والسنة الشريفة. أمّا القرآن فقد ورد قوله سبحانه: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْتَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا) (النساء|101) وقوله سبحانه: (فَإِنْخِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُُرُوا اللّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون) (البقرة |239). أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: (فَإِنْخِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً) قال:يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه. وأخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد اللّه: إذا كانت المسايفة فليوم برأسه حيث كان وجهه فذلك قوله: ( فَرِجالاً أَوْ رُكباناً ). وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : ( فرجالاً): قال: مشاة أو ركباناً، قال: لاَصحاب محمد على الخيل في القتال إذا وقع الخوف فليصل الرجل إلى كلّ جهة قائماً أو راكباً أو ما قدر على أن يومىَ ايماء برأسه أو يتكلم بلسانه. (1) وهذه الاَحاديث التي نقلناها و التي لم ننقلها تعيّن موقف المجاهد في ميدان القتال وانّه ليس له ترك الصلاة بل له أن يومىَ برأسه ما استطاع، و قد روي عن الاِمام الصادق (عليه السلام) هذا المضمون نفسه، وانّه قال: إن خاف من سبع أو لصٍّ كيف يصلي؟ قال: يكبّـر ويومىَ برأسه ايماءً. (2) وعلى ضوء ذلك فما رواه أبو سعيد الخدري: حبسنا يوم الخندق على الصلوات حتى كان بعد المغرب.ناظر إلى غزوة الخندق في العام السادس،

____________

1 . السيوطي، الدر المنثور:1|736.

2 . الوسائل: 5|482، الباب 3 من أبواب صلاة الخوف، الحديث1، وانظر ما ورد في هذا المجال في ذلك الباب.


الصفحة 531

والآيات الواردة حول صلاة الخوف و المطاردة جاءت في سورة النساء، والمشهور انّها أوّل سورة نزلت في المدينة (1) كما تحكي عنها مضامينها فكيف ترك النبي الصلاة بتاتاً؟ إلاّ أن يقال بنزول غالب آياتها في السنة الاَُولى و استثناء ما دلّ على حكم صلاة الخوف. نعم على ما رواه أبو خالد الاَحمر عن ابن أبي ذئب من أنّ ذلك كان قبل نزول قوله سبحانه: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً) يلزم نزول آية صلاة الخوف بعد غزوة الاَحزاب وقد عرفت انّه خلاف المشهور. وروى جلال الدين السيوطي ما رويناه عن أبي سعيد مذيلاً بما في رواية ابن أبي ذئب، و قال: كنا مع رسول اللّه يوم الخندق فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا وذلك قوله:(وَكَفى اللّه الموَمِنينَ القِتال)فأمر رسول اللّه بلالاً فأقام لكلّ صلاة إقامة وذلك قبل أن ينزل عليه (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً). (2)6. الوقوع على السبايا قبل الاستبراء أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» في غزوة بني المصطلق وأصبنا سبياً من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدّت علينا العزبة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل و رسول اللّه بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاّ وهي كائنة. (3)

____________

1 . الدر المنثور: 1|46.

2 . الدر المنثور: 1|737.

3 . صحيح البخاري:5|115، باب غزوة بني المصطلق؛ ورواه أحمد في مسنده:3|82


الصفحة 532

ويثار حول الحديث سوَالان: الاَوّل: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوجب عليهم العزل و معنى ذلك انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سوغ لهم المجامعة بعد السبي قبل استبرائهنَّ وهو سبب لاختلاط الاَنساب، وقد روي عن نفس أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة». (1) وروي أيضاً عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «لا يحل لامرىَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره» يعني إتيان الحبالى «ولا يحل لامرىَ يوَمن باللّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها». (2)ر الثاني: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن العزل واحتج بذلك بأنّها «ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلاّوهي كائنة» ومعنى ذلك انّه قد تعلقت مشيئته سبحانه بوجود الكائن الحي في الرحم ثمّ في الخارج، فالعزل يخالف التقدير. وعند ذلك يتوجه السوَال إذا تعلقت مشيئته بوجود الكائن فأمّا أن يكون التعلق قطعياً أو على تقدير عدم العزل. فعلى الاَوّل يحرم العزل لاَنّه بعزله يتحكّم على تقديره. وعلى الثاني: لا ينسجم تعليل المنع عن العزل بتعلق المشيئة، لاَنّها وإن تعلقت بوجود النسمة الكائنة ولكن تعلقاً مشروطاً بعدم عزل الاِنسان، فإذا همَّ الاِنسان بالعزل فليس هناك مشيئة متعلقة بوجود النسمة الكائنة حتى تكون مانعة عن العزل.

____________

1 . سنن أبي داود: 2|248 برقم 2157.

2 . سنن أبي داود: 2|248 برقم 2158.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة