الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 389
 

22
سمرة بن جندب


( ... ـ 59هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. الميت يعذب بالنياحة عليه.2. لا عبرة بأذان بلال.
3. خلق المرأة من ضلع.4. جواز حلب الماشية بغير إذن أصحابها.
5. الاِذن في شرب النبيذ بعد ما نهي عنه.6. الدجال يبرىَ الاَكمه و الاَبرص.
7. وحي الشيطان إلى حواء.
هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري.
يعرِّفه الذهبي في تاريخه و يقول: له صحبة و رواية وشرف، ولي إمرة الكوفة و البصرة خلافة لزياد، و كان شديداً على الخوارج وقَتَلَ منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه. (1)
وقال أيضاً في سير اعلام النبلاء: انّه من علماء الصحابة، نزل البصرة، له أحاديث صالحة، روى عنه: ابنه سليمان، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة.
____________
1 . الذهبي: تاريخ الاِسلام، في الجزء المختص بحوادث عهد معاوية، ص 231.


الصفحة 390

هذا ما يذكره الذهبي في بدء ترجمته و يصرّح بأنّه من علماء الصحابة، والصحابة عنده كلّهم عدول، و لكنّه يذكر في حقّه ما يدلّ على فسقه حيث يقول: عن أنس بن حكيم، قال: كنت أمرّ بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشيءحتى يسألني عن سمرة، فإذا أخبرته بحياته فرح، فقال: إنّا كنّا عشرة في بيت فنظر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجوهنا ثمّ قال: «آخركم موتاً في النار» فقد مات منّا ثمانية فليس شيء أحبّ إليّ من الموت».
وروى أيضاً عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لاَبي محذورة في ذلك، فقال: إنّي كنت أنا و هو وأبو هريرة في بيت فجاء النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة ثمّ مات أبو محذورة.
وروي عن ابن طاووس وغيره قال النبي لاَبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.
ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر ، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الاَرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه ـ يعنون دار الاَمارة ـ قُتِلَ بها سبعون ألفاً فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل و قطيع، قيل من فعل ذلك؟ فقال: «زياد و ابنه وسمرة».
ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي انّه قال: نرجو له بصحبته. (1)
وذكر ابن الاَثير ما نقلناه عن الذهبي و قال: سكن البصرة و كان زياد يستخلفه عليها إذا صار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا صار إلى البصرة فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر إلى آخر ما ذكر. (2)
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 3|183ـ185.
2 . الجزري، أُسد الغابة: 2|354.


الصفحة 391

روى الطبري في حوادث سنة 50، قال: عن محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن. (1)
ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر انّه قال: و قد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) : (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الخِصامِ* وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الاََرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ) (البقرة|204ـ205).
وانّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم. وهي قوله تعالى :(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه) (البقرة|207) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك. (2)
هذه الروايات التي يعضد بعضها بعضاً، تعرب عن عدم صلاحه وفلاحه على خلاف ما ذكره الذهبي، و ذلك لا َُمور :
أوّلاً: انّ الرجل كان خليفة زياد بن أبيه السفّاح الذي ارتكب جرائم كثيرة
____________
1 . تاريخ الطبري: 3|176.
2 . ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4|73.


الصفحة 392

في حقّ المسلمين وقتل الاَبرياء منهم بلا ذنب اقترفوه، أمثال حجر بن عدي وأصحابه فكيف يكون خليفته رجلاً صالحاً ؟!
ولا نريد هاهنا تعريفك بزياد بن عبيد، و يكفي في حقّه انّه ولد على فراش عُبيد، وكان أبو سفيان قد أتى الطائف قبل ذلك فسكر وطلب بغيّاً فواقع سمّية وكانت مزوجة بعُبيد فولدت زياداً من جماعة، فلما رآه معاوية استلحقه بأنّه أخوه، وكانت سمّية مولاة للحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب.
فهو ابن زانية ولد على فراش عُبيد، وانّ معاوية ألحقه بأبي سفيان، مع أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر. (1)
وكفى في كونه سفّاكاً قول جابر بن زيد: كان زياد أقتل لاَهل دينه ممن يخالف هواه من الحجاج، و كان الحجاج أعلم بالقتل.
وقال ابن شوذب: بلغ ابن عمر انّ زياداً كتب إلى معاوية انّي قد ضبطت العراق بيميني، و شمالي فارغة، وسأله أن يولّيه الحجاز، فقال ابن عمر: اللّهمّ انّك إنْ تجعل في القتل كفارة فموتاً لابن سميّة لا قتلاً.
فخرج في إصبعه طاعون، فمات.
وقال الحسن البصري: بلغ الحسن بن علي انّ زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم، فدعا عليه.
وروى ابن الكلبي: أنّ زياداً جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من علي، فخرج خارج من القصر فقال: أمّا الاَمير فمشغول، فانصرفوا، فإذا الطاعون قد ضربه سنة ثلاث و خمسين ومات على أثرها. (2)
____________
1 . سير أعلام النبلاء:3|494 برقم 112.
2 . تاريخ الاِسلام للذهبي، في الجزء المختص بعهد معاوية، ص 209.


الصفحة 393

ثانياً: انّ سمرة كان سفّاكاً، وقد بلغ سفكه الدماء بمكان انّه بعد ما قتل ثمانية آلاف من أهل البصرة لما خشي أن يقتل مثلهم أيضاً كما مرّفي حديث أنس ابن سيرين.
وثالثاً: انّ سمرة ردّ طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره و خالفه حتى أسماه النبي بأنّه رجل مضار ، وإليك الحديث:
أخرج أبو داود عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يحدِّث عن سمرة، انّه كانت لسمرة عضد من نخل في حائط رجل من الاَنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: فهبه له ولك كذا و كذا أمراً رغبة فيه، فأبى، فقال: أنت مضار، فقال رسول اللّهللاَنصاري: اذهب فاقلع نخله. (1)
وعلى ضوء ذلك فالرجل فاسق و لم تصدُّه صحبته عن اقتراف الجرائم والآثام . ولو كان مجرد الصحبة منقذاً، لما كان مصير امرأتي نوح و لوط هو النار كما قال سبحانه: (ضََرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صَالِحَينِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا مِنَ اللّهِ شَيئاً) .
والعجب انّه روى عنه أصحاب الصحاح والمسانيد، و مع غض النظر عن مناقشة السند نذكر بعض أحاديثه الرائعة التي لها عبق من أنوار النبوة ثمّنأتي ببعض رواياته السقيمة التي لا تصحّ نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمخالفتها للاَُصول المسلمة التي أشرنا إليها في مقدمة الكتاب.
____________
1 . سنن أبي داود:3|315 برقم 3636، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.


الصفحة 394

روائع أحاديثه
1. أخرج أبو داود، عن الهياج بن عمران، انّعمران أبق له غلام فجعل للّه عليه لئن قدر عليه ليقطعنّ يده، فأرسلني لاَسأل له: فأتيت سمرة بن جندب فسألته، فقال: كان نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يحثّنا على الصدقة و ينهانا عن المثلة. (1)
2. أخرج الترمذي عن الحسن، عن سمرة بن جندب: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أيّ امرأة زوّجها وليّان، فهي للاَوّل منهما، و من باع بيعاً من رجلين فهو للاَوّل منهما. (2)
3. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة بن جندب انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: البيّعان بالخيار مالم يفترقا. (3)
4. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة انّ رسول اللّهنهى أنْ يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبتاع على بيعه. (4)
5. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : الرجل أحقّ بعين ماله إذا وجده و يتبع البائع من باعه. (5)
6. أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أحاط حائطاً على أرض فهي له. (6)
____________
1 . سنن أبي داود:3|54 برقم 2667؛ مسند أحمد: 4|428.
2 . سنن الترمذي: 3|418 برقم 1110، وأخرجه أبو داود في سننه برقم 2088.
3 . مسند أحمد: 5|22.
4 . مسند أحمد: 5|11.
5 . مسند أحمد: 5|13.
6 . مسند أحمد: 5|12؛ سنن أبي داود:3|179 برقم 3077.


الصفحة 395

7. أخرج أبو داود، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي قال: على اليد ما أخذت حتّى توَدي. (1)
8. أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب انّ رسول اللّه قال: من حدّث عني حديثاً يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين. (2)
9. أخرج ابن ماجة، عن ابن سمرة بن جندب، عن أبيه،قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من قتل فله السّلب. (3)
10. أخرج ابن ماجة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحسب المال، والكرم التقوى. (4)
هذه جملة من أحاديثه التي يوَيد مضامينها الكتاب والسنة و اتّفاق المسلمين والعقل الحصيف، استعرضناها في مقابل ما نستعرضه من رواياته السقيمة وما أكثرها ونقتصر على قسم منها.

1. الميت يعذب بالنياحة عليه
أخرج أحمد، عن قتادة ،عن الحسن، عن سمرة ،عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الميت يعذّب بما نيح عليه. (5)
هذه الرواية رواها غيره أيضاً ، و قد سبق منّا انّها تخالف الكتاب العزيز
____________
1 . سنن أبي داود: 3|296 برقم 3561؛ مسند أحمد:5|8.
2 . صحيح مسلم:1|7، باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكاذبين.
3 . سنن ابن ماجة: 2|947 برقم 2838.
4 . سنن ابن ماجة: 2|1410 برقم 4219؛ مسند أحمد: 5|10.
5 . مسند أحمد:5|10.


الصفحة 396

والعقل الحصيف، وذكرنا انّ الرواية لم تنقل على وجه صحيح، وذكرنا كلام السيدة عائشة في هذا المضمار وما فيه من الاِشكال.

2. لا عبرة بأذان بلال
أخرج الترمذي، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال و لا الفجر المستطيل و لكن الفجر المستطير (1) في الاَُفق. (2)
وأخرج أحمد في مسنده، عن سمرة قال: لا يغرّنكم أذان بلال و لا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير. (3)
أقول: لولا انّ الرواية تضمنت حكماً صحيحاً، و هو عدم الاعتداد بعمود الصبح، وإنّما العبرة باعتراض البياض كان في وسع الباحث أن يتردد في صحّة الرواية، ويقول إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي نصب بلالاً للاَذان وكان بلال يوَذّن قبل الوقت، فلماذا نصب إنساناً لانجاز عمل غير عارف به؟
أضف إلى ذلك انّه إذا كان بلال يوَذّن قبل الوقت في أغلب الاَحيان على وجه يفسد عبادات الناس و صلواتهم كان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إرشاده.

3. خلق المرأة من ضلع
أخرج أحمد في مسنده، عن عون قال: و حدّثني رجل، قال : سمعت سمرة يخطب على منبر البصرة و هويقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ
____________
1 . يريد من المستطير الذي ينتشر ضووَه ويعترض في الاَُفق ويقابله المستطيل.
2 . سنن الترمذي: 3|86 برقم 706؛ وأخرجه الاِمام أحمد في مسنده: 5|9.
3 . مسند أحمد: 5|13.


الصفحة 397

المرأة خلقت من ضلع وانّك إنْ ترد إقامة الضلع تكسرها فدارها تعش بها. (1)
إنّ الحديث ـ مع إرساله ـ من الاِسرائيليات المندسّة في أحاديث المسلمين وهو موجود في التوراة المحرّف في سفر التكوين.قال:و بنى الرب الاِله الضلع التي أخذها من آدم، امرأة واحضرها إلى آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي.... (2)
إنّ مضمون الحديث يخالف القرآن الكريم حيث يرى للمرأة خلقاً مستقلاً مماثلاً مع خلق الرجل، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهما رِجالاً كثِيراً ونِساءً)(النساء|1).
والمراد من قوله : (وخَلَقَ مِنْها زَوجَها) أي خلق من جنسها زوجها فالذكر و الاَُنثى من جنس واحد و إن كانا يختلفان صنفاً.
ولفظة «من» في «منها» لبيان الجنسية كقولك: خاتم من فضة.

4. جواز حلب الماشية بغير إذن صاحبها
أخرج أبو داود، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب انّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحلب وليشرب، فإن لم يكن فيها فليصوِّت ثلاثاً، فإن أجابه فليستأذنه، وإلاّفليحتلب و ليشرب ولا يحمل. (3)
ورواه الترمذي في باب ما جاء في احتلاب المواشي بغير إذن مالكها، ثمّ قال: حديث سمرة حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل
____________
1 . مسند أحمد: 5|85.
2 . التوراة، سفر التكوين، الاصحاح الثاني برقم 23ـ24.
3 . سنن أبي داود: 3|39 برقم 2619.


الصفحة 398

العلم، و به يقول أحمد و إسحاق. (1)
ولنا معه وقفة قصيرة وذلك انّه مخالف لما اتّفق عليه المسلمون من أنّه لا يجوز التصرف في مال الغير دون إذنه، ورووا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: لا يحلّمال امرىَ مسلم إلاّبطيب نفس منه. (2)
وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته المعروفة في حجّة الوداع: «إنّ اللّه قد حرّم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا». (3) و الحديث وإن كان يحتمل أن يكون مخصصاً للعموم لكن لسان العموم آبٍ عن التخصيص ولذلك يكون المضمون منكراً غير مطابق للاَُصول.

5. الاِذن في شرب النبيذ بعدما نُهي عنه
أخرج الاِمام أحمد، عن منذر أبي حسان، عن سمرة بن جندب انّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أذن في النبيذ بعدما نهى عنه. (4)
أقول: اجتمعت الاَُمّة الاِسلامية على تحريم الخمر، وهي عصير العنب الذي اشتد وأسكر، وأمّا غيرها المتخذ من الزبيب أو التمر أو الشعير أو الذّرة ففيها اختلاف وتفصيله لا يسع المقام.
والذي يمكن أن يقال: إنّكلّ شراب كان بجنسه مسكراً فهو حرام، سواء صار سبباً للاِسكار أو لا، و يدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة، قالت:
____________
1 . سنن الترمذي: 3|590 برقم 1296.
2 . مسند أحمد:5|72.
3 . السيرة النبوية لابن هشام:4|252.
4 . مسند أحمد:5|12.


الصفحة 399

سئل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام. (1)
وفي رواية أُخرى عنها: سئل رسول اللّه عن البتع و هو نبيذ العسل و كان أهل اليمن يشربونه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل شراب أسكر فهو حرام. (2)
والمراد من قوله: أسكر، أي ما كان بجنسه مسكراً لا ما يكون مسكراً لنفس الشارب، و إلاّ يلزم أن يكون حراماً لشخص إذا أسكره و غير حرام لشخص آخر إذا لم يسكره لوجود الاختلاف في الاَمزجة و غيرها.
وعلى ضوء ذلك فما رواه سمرة من نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النبيذ ثمّ تجويزه يجب أن يتوارد المنع والجواز على موضوع واحد، فلا يخلو إمّا أن يكون الموضوع هو النبيذ المسكر أو غيره، أمّا الثاني فيبعد ورود النهي عليه ثمّ رفعه، و قد كان أهل المدينة ينبذون تمراً في المياه المعدّة للشرب في أوّل الليل لاِذهاب مرّها ثمّ يشربونها صباحاً، فلا وجه لورود المنع والاِباحة على مثله، فينحصر الموضوع بالمسكر منه، وهذا يعني انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عنه ثمّرخص فيه مع أنّه مناف لما رواه البخاري عن السيدة عائشة انّه حرم كلّمسكر.
مضافاً إلى أنّه كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرخص ما يزيل العقل ويسكره؟!
وللكلام صلة، فمن أراد فليرجع إلى الخلاف للشيخ الطوسي. (3)

6. الدجال يبرىَ الاَكمه والاَبرص
أخرج الاِمام أحمد، عن الحسن، عن سمرة بن جندب انّ نبي اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» كان يقول: إنّ الدجال خارج و هو أعور عين الشمال، عليها
____________
1 . البخاري، الصحيح: 7|105، كتاب الاَشربة.
2 . البخاري، الصحيح: 7|105، كتاب الاَشربة.
3 . الخلاف: 5|473ـ 488.


الصفحة 400

ضفرة غليظة، و انّه يبرىَ الاَكمه و الاَبرص ويحيي الموتى، ويقول للناس: أنا ربّكم، فمن قال: أنت ربّي فقد فتن، و من قال: ربّي اللّه حتى يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب، فيلبث في الاَرض ما شاء اللّه، ثمّ يجيىَ عيسى ابن مريم (عليهما السلام) من قبل المغرب مصدقاً بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى ملته فيقتل الدجال، ثمّ إنّما هو قيام الساعة. (1)
أقول: إنّ مضمون الحديث يخالف العقل و النقل.
أمّا العقل فلاَنّه يستقل بقبح منح القدرة الخارجة عن العادة للكذابين الموجب لافتتان الناس، والظاهر من الرواية أعني قوله: «فيلبث في الاَرض ما شاء اللّه» انّه يعيش في الاَُمّة الاِسلامية سنين متمادية، و يقوم بما يقوم به المسيح من إبراء الاَكمه والاَبرص و إحياء الموتى، فيضلُّ الناس بمعاجزه وكراماته التي أعطاها اللّه سبحانه له . هذا من جانب و من جانب آخر انّ الناس بطبيعتهم مفتونون بمن يصدر عنه المعاجز حيث يجعلون قدرته على أُمور خارقة للعادة دليلاً على صدق مدّعاه أعني قوله: «أنا ربّكم» فيَضلّون واحد بعد آخر، وعندئذٍ فما ذنبهم إذا آمنوا به مع وجود أرضية خصبة للاِيمان به؟!
وأمّا النقل، فإنّه سبحانه يقول: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاََقاوِيل * لاََخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحدٍ عَنْهُ حاجِزِين)(الحاقة|44 ـ 47).
يستدل سبحانه على صدق كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لو تقوَّل علينا هذا الرسول (الذي زوّدناه بمعاجز من أهمها القرآن الكريم) و نسب إلينا ما لم نقله لانتقمنا منه بشدة وقتلناه، فما منكم من أحد عنه حاجزين، و ما ذلك إلاّ لاَنّ تسليط الاِنسان الكاذب المفتري، على قوّة خارقة يوجب افتتان الناس به، و يصير سبباً لاِضلالهم، فمقتضى حكمته أن لا يمهله بل يأخذه باليمين.
____________
1 . مسند أحمد: 5|13.


الصفحة 401

وعلى ضوء ذلك فالدجال إذا قام بما يقوم به المسيح (عليه السلام) من الاِبراء والاِحياء مع تقوّله بأنّه «ربّكم» يكون ذلك سبباً لاِضلال الناس، فمقتضى الحكمة عدم تزويده بهذه القدرة منذ أوّل الاَمر إذا كان متقوّلاً به، أو عدم إمهاله إذا صار سبباً لاِضلالهم.

7. وحي الشيطان إلى حواء
أخرج الترمذي، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لما حملت حواء طاف بها إبليس و كان لا يعيش لها ولد، فقال: سمّيه عبد الحارث، فسمّته بعبد الحارث، فعاش ذلك، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره. (1)
وثمة تساوَلات:
أوّلاً: انّه سبحانه يصف إبليس بأنّه عدو لآدم و زوجه، يقول سبحانه: (فَقُلنا يا آدَمُ إِنّ هذا عَدُوٌ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرجَنّكُما مِنَالجَنَّةِ فَتَشْقى)(طه|117) . ومع ذلك كيف أسدى لها النصح، وقال: لها سمّيه عبد الحارث فسمّته به، فصار سبباً لحياته، وهذا أشبه بكلام الناصح لا العدو؟!
ثانياً: انّ معنى الحديث انّ تسمية حواء ابنها بعبد الحارث ـ الذي فيه شائبة الشرك والوثنيةـ كانت موَثرة في بقاء طفلها، وهل يصح ذلك؟ إذ معناه أنّ التسمية لو تغيرت إلى عبد اللّه لما أثّر في بقاء الطفل.
ثالثاً: لم يذكر في التاريخ أبداً انّه كان لحواء ابن اسمه عبد الحارث، سوى ولدين ذكرين: قابيل و هابيل، فمن أين هذا الولد مع اسمه؟!
____________
1 . سنن الترمذي:5|267 برقم 3077؛ ورواه الاِمام أحمد في مسنده: 5|11.


الصفحة 402

 

23
عبد اللّه بن مُغفَّل المزني


( ... ـ 60هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. المرأة والكلب والحمارتقطع الصلاة
2. ترك البسملة في الصلاة
ابن عبد نهم بن عفيف المزني، يكنّى أبا سعيد وقيل أبا عبد الرحمان. سكن المدينة ثمّالبصرة، وله عدّة أحاديث.
حدّث عنه: الحسن البصري، ومطرّف بن الشّخّير، وابن بريدة، وسعيد بن جبير، ومعاوية بن قرّة، وحميد بن هلال، وثابت البناني،وغيرهم.
وكان أبوه من الصحابة، فتوفي عام الفتح في الطريق.
وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس، وهو أوّل من دخل من باب مدينة «تستر» لما فتحها المسلمون.
توفي عبد اللّه بن مغفل بالبصرة سنة ستين للهجرة أيام أمارة ابن زياد بالبصرة، وصلّى عليه أبو برزة الاَسلمي بوصية منه. (1)
____________
1 . أُسد الغابة: 3|264؛ سير أعلام النبلاء: 2|483 برقم 99.


الصفحة 403

وهو من المقلّين في الرواية، وقد أُحصيت رواياته في المسند الجامع فبلغت 26. (1)

من روائع رواياته:
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن مطرف، عن عبد اللّه بن مغفل، قال:
أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتل الكلاب، قال: ما بالهم وبال الكلاب، قال: ورخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الاِناء فاغسلوه سبعة مرات وعفِّروا الثامنة بالتراب. (2)
2. أخرج أبو داود، عن الحسن، عن عبد اللّه بن مغفل، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال:
إنّ اللّه رفيق يحب الرفق و يرضاه، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف. (3)
وقد عزِّي إليه بعض مالا يصلح، نذكر منها ما يلي:

1. المرأة والكلب والحمار تقطع الصلاة:
أخرج ابن ماجة، عن الحسن، عن عبد اللّه بن مغفل، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:
«يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار». (4)
إنّ التتبع في الاَحاديث المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرشدنا إلى ظاهرة «الحط من شأن المرأة» فتارة تعرِّف المرأة بأنّها مما يتطير بها،
____________
1 . المسند الجامع:12|250 برقم 398.
2 . صحيح مسلم: 1|162، باب حكم ولوغ الكلب.
3 . سنن أبي داود:4|254 برقم 4807.
4 . سنن ابن ماجة: 1|306 برقم 951.


الصفحة 404

فقد روي عن سعد بن مالك انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: و إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس و المرأة والدار. (1)
وأُخرى بمنعها من التصرف في مالها، فروى أبو داود في سننه، عن عمرو ابن شعيب، عن جده انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يجوز لامرأة أمر في مالها، إذا ملك زوجُها عصمتَها. (2)
وثالثة بكونها ممنوعة التصرف في ما لها بالعطية، كما جاء في رواية أُخرى انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يجوز لامرأة عطية إلاّبإذن زوجها. (3)
ورابعة بأنّها أكثر أهل النار، أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن مسعود، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تصدقنَّ يا معشر النساء ولو من حليكنَّ فانّكنّ أكثر أهل النار. (4)
وخامسة بأنّها تشارك الكلب والحمار في قطع الصلاة أثناء المرور بين يدي المصلي كما في هذه الرواية.
وأين هذا من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«حبّب إليَّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة»؟ (5)
وتتكرس ظاهرة الحط من شأن المرأة أكثر إذا علمنا انّ بعض الروايات تجوّز قتال المارّ بين يدي المصلي.
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه،
____________
1 . سنن أبي داود: 3|19 برقم 3921.
2 . سنن أبي داود: 3|292 برقم 3546.
3 . نفس المصدر: برقم 3547.
4 . مسند أحمد:1|376.
5 . مسند أحمد:3|128.


الصفحة 405

وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان. (1)
وعلى ذلك فيجوز قتل المرأة بلا محاباة كقتل الكلب و الحمار.
كلّ ذلك يجعل الرواية من الموضوعات المندسة في الروايات الاِسلامية، وقد أوضحنا مفاد المنع من عبور المار بين يدي المصلّي عند دراسة روايات أبي سعيد الخدري، فلاحظ.

2. ترك البسملة في الصلاة
أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عبد اللّه بن مغفل يزيد بن عبد اللّه، قال:
سمعني أبي وأنا أقول:بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فقال: أي بنيَّ إيّاك، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أبغض إليه حدثاً في الاِسلام منه، فانّي قد صليت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع أبي بكر و عمر و مع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت قرأت فقل: «الحمد للّه ربّ العالمين». (2)
والرواية لا تخلو من إشكالات:
الاَوّل: انّها تخالف الذكر الحكيم ، يقول سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي وَالقُرآنَ العَظِيم) (الحجر|87).
والمراد من السبع المثاني هو فاتحة الكتاب، وآياته سبع إذا عُدَّت البسملة آية مستقلة وإلاّ تعود ست، قال سبحانه: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم* اَلْحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَومِ الدِّين* إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ* اهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ* صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالين) .
____________
1 . صحيح مسلم: 2|57، باب منع المار بين يدي المصلي، من كتاب الصلاة.
2 . مسند أحمد:4|85.


الصفحة 406

الثاني: انّه يخالف ما روي عن أنس بن مالك، قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لاَُمّ القرآن، ولم يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، فلما سلّم، ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والاَنصار من كل مكان يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للسورة التي بعد أُمّ القرآن. (1)
وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد كالاِمام الشافعي في مسنده. (2)
ورُوي أيضاً عن أنس من طريق آخر قال: سمعت رسول اللّه يجهر بالصلاة ببسم اللّه الرحمن الرحيم. (3)
وهناك روايات تدل على أنّ البسملة جزء من الفاتحة .
1. ما أخرجه الحاكم، عن ابن جريج ،عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْناك سَبْعاً مِنَ المَثاني) قال: فاتحة الكتاب، ثمّ قال: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم*الحَمْدُ للّهِ رَبِّ العالَمين) وقرأ السورة، قال ابن جريج: فقلت لاَبي: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس انّه قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية؟ قال: نعم.
وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، كما أورده الذهبي في تلخيصه وصححه. (4)
2. ما صحّ عن ابن عباس أيضاً، قال: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا جاء جبرائيل فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علم أنّها سورة.
____________
1 . الحاكم، المستدرك:1|233.
2 . لاحظ مسند الشافعي:47.
3 . الحاكم، المستدرك:1|233، وقال: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات.
4 . المستدرك: 2|257، تفسير سورة الفاتحة.


الصفحة 407

وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. (1)
3. ما صحّ عن ابن عباس أيضاً، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم ختم السورة حتى نزل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وقد صرح الحاكم والذهبي في تلخيص المستدرك بصحته. (2)
4. ما صحّ عنه أيضاً قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة، حتى تنزل: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فإذا نزلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علموا أنّ السورة قد انقضت. (3)
قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين،وقد أقرّه الذهبي في تلخيصه.
5. ما صحّ عن أُم سلمة، قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم*الحَمْدُ للّهِِ رَبِّ العالَمين) يقطعها حرفاً حرفاً (4) وقد صرّح بصحّته على شرط الشيخين.
6. وعن أُم سلمةأيضاً من طريق آخر قالت: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ في الصلاة: (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم) فعدّها آية، (الحَمْدُ للّهِِ رَبِّ العالَمين) آيتين، (الرّحمن الرَّحيم) ثلاث آيات ، (مالكِ يَومِ الدّين) أربع آيات، (إِيّاكَ نَعْبُدُوَإِيّاكَ نَسْتَعين) وجمع خمس أصابعه. (5)
7. ما صحّ عن نعيم المجمر، قال: كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ قرأ بأُمّ القرآن حتى بلغ (ولا الضّالين) قال: آمين، وقال الناس: آمين ... ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده انّي لاَشبهكم صلاة برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (6)
8. وعن أبي هريرة أيضاً، قال: كان رسول اللّه يجهر في الصلاة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم. (7)
____________
1 . المستدرك: 1|231.
2 . المستدرك: 1|231.
3 . المستدرك: 1|232.
4 . المستدرك: 1|232.
5 . المستدرك: 1|232.
6 . المستدرك: 1|232.
7 . المستدرك:1|232ـ233.


الصفحة 408

9. ما صحّ عن أنس من طريق آخر، قال: سمعت رسول اللّه يجهر في الصلاة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم. (1)
10. ما صحّ عن محمد بن السري العسقلاني، قال: صليت خلف المعتمر ابن سليمان ما لا أُحصي، صلاة الصبح و المغرب فكان يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها و سمعت المعتمر ، يقول: ما آلو أن اقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن اقتدي بصلاة أنس بن مالك، و قال أنس: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول اللّه . (2)
هذه عشرة كاملة من الروايات الدالة على أنّ البسملة جزء من أُمّ الكتاب، بل من سائر السور أيضاً، وقد نقلها الحاكم أبو عبد اللّه في المستدرك .
وقد نقل الرازي في تفسيره الكبير انّ البيهقي روى الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم في سننه عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر ، و ابن الزبير ، ثمّ قال الرازي ما هذا لفظه:
وأمّا انّ علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) كان يجهر بالبسملة فقد ثبت بالتواتر، و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، قال والدليل عليه: قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) «اللّهمّ أدر الحق معه حيث دار». (3)
ثمّ إنّه أورد حجج المخالفين و قال: والجواب عنها من وجوه:
الاَوّل: قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني:روى عن أنس في هذا الباب ست روايات:
امّا الحنفية، فقد رووا عنه ثلاث روايات:
إحداها: قوله: صليت خلف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد للّه ربّ العالمين.
____________
1 . المستدرك:1|233، باب الحمد بالبسملة.
2 . المستدرك: 1|234.
3 . الرازي، مفاتيح الغيب:1|205.


الصفحة 409

وثانيتها قوله : إنّهم ما كانوا يذكرون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
وثالثتها قوله: لم أسمع أحداً منهم قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية ـ قال ـ :وثلاث أُخرى تناقض قولهم.
إحداها: ذكر انّ أنساً روى أنّ معاوية لما ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والاَنصار، و قد بيّنا انّ هذا يدل على أنّ الجهر بالبسملة كان كالاَمر المتواتر عندهم المسلم فيما بينهم.
وثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبا بكر و عمر كانوا يجهرون ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
وثالثتها: انّه سئل عن الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم والاسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة ـ قال ـ: فثبت انّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل . (1)
وأيضاً ففيها تهمة أُخرى، وهي انّ عليّاً (عليه السلام) كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما تسلم بنو أُمية زمام الحكم بالغوا في المنع من الجهر بها سعياً في إبطال آثار عليّ (عليه السلام) ـ قال ـ : فلعل أنس خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله ـ ونحن مهما شككنا في شيء فلا نشك في أنّه إذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس و ابن المغفل و بين قول علي بن أبي طالب «عليه السلام» الذي بقي عليه طول عمره فإنّ الاَخذ بقول عليّأولى (قال) فهذا جواب قاطع في المسألة إلى أن قال: و من اتخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه و نفسه إلى آخر كلامه. (2)
وبذلك تعلم قيمة خبر عبد اللّه بن مغفل، وقد أورده ابن رشد عند التكلم في البسملة ونقل عن ابن عبد البرّ انّ ابن مغفل رجل مجهول. (3)
____________
1 . إلى هنا انتهى ما نقله عن أبي حامد الاسفرائيني.
2 . مفاتيح الغيب:1|206ـ 207، وقد اقتصرنا في نقل أجوبته على وجه واحد.
3 . بداية المجتهد:1|124.


الصفحة 410

 

24
بريدة بن الحصيب الاَسلمي


( ... ـ62 أو 63هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1.خمس لا يعلمهن إلاّ اللّه2. القضاة ثلاثة
3. الملك لا يدخل بيتاً فيه كلب4. غزا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تسع عشرة غزوة
5. تحرك الجبل والاَمر بثباته 6. ضرب الدف عند رأس الرسولص
7. خير القرون قرني 8. سبق بلال النبي إلى الجنة
بريدة بن الحصيب بن عبد اللّه بن الحارث بن عامر الاَسلمي، يُكنّى أبا حصيب، و«أسلم» فيمن انخزع من بطون خزاعة، قيل: لما هاجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فدعاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الاِسلام فأسلم هو ومن معه، و كانوا زهاء ثمانين بيتاً، فصلّى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) العشاء الآخرة فصلّوا خلفه. وأقام بأرض قومه ثمّ قدم على رسول اللّهبعد أُحد فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية، وبيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من ساكني المدينة ثمّتحوّل إلى البصرة وابتنى بها داراً، ثمّ خرج منها غازياً إلى خراسان فأقام بمرو حتى مات و دفن بها وبقي ولده بها. (1)
____________
1 . طبقات ابن سعد: 4|241ـ 242؛ أُسد الغابة:1|175.


الصفحة 411

روى عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: بعث رسول اللّه عليّاً إلى خالد بن الوليد ليقسِّم الخمس، وقال روح مرّة ليقبض الخمس، قال: وأصبح علي ورأسه يقطر، قال: فقال خالد لبريدة: ألا ترى إلى ما يصنع هذا ؟قال: فلما رجعتُ إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرته بما صنع عليّ (عليه السلام) ، قال: و كنت أبغض عليّاً، فقال يا بريدة: أتبغض عليّاً ؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه، وقال «روح » مرّة: فأحبه فانّ له في الخمس أكثر من ذلك. أخرجه الثلاثة. (1)
أقول: لو صحّ الحديث فقد استأثر عليّ (عليه السلام) بما استأثره من باب انّ خمس الغنائم للّه سبحانه وللرسول ولذي القربى وعلي (عليه السلام) منهم، فلم يكن استئثاراً بمال المسلمين، فأعظم ذنب اقترفه«بريدة»، هو بغضه لصدّيق الاَُمة وأوّل من آمن باللّه ورسوله في الاَُمّة وجاهد بنفسه ونفيسه إلى أن لقي اللّه سبحانه وتعالى في محراب عبادته.
هذا هو الذنب العظيم الذي اقترفه بريدة، لا ما ينقله الذهبي عنه، حيث قال: شهدت خيبر و كنت فيمن صعد الثلمة فقاتلت حتى رُئي مكاني وعليَّ ثوب أحمر، فما أعلم انّي ركبت في الاِسلام ذنباً أعظم عليَّ منه ـ أي الشهرة ـ.(2)
إنّ ما يحكيه الرجل عن مكانه في خيبر لا يعدُّ ذنباً إذا كانت النيّة صادقة، وأمّا إذا كانت النيّة غير صادقة فلا يترتب عليها ثواب لا انّه يعدّذنباً، وهذا يكشف عن قلّة فهمه للدين آنذاك.
وعلى أية حال فقد توفي بريدة سنة 62 أو 63 هـ ، و روي لبريدة نحواً من 150 حديثاً. (3)
____________
1 . أُسد الغابة: 1|176.و«روح» من رواة الحديث واقع في اسناده.
2 . سير أعلام النبلاء: 2|470.
3 . المصدر السابق.


الصفحة 412

وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت مائة حديث (1) .وله روايات يحكي سمّوها عن صحّة نسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وله روايات شاذة عن القواعد الصحيحة، وإليك نزراً من روائع أحاديثه.
روائع أحاديثه:
1. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : العهد الّذي بيننا و بينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. (2)
الظاهر انّالضمير في «بينهم» يرجع إلى العباد بقرينة رواية جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :بين العبد و بين الكفر ترك الصلاة، وروى أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: ليس بين العبد والشرك إلاّ ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك. (3)
ثمّ لو كان ترك الصلاة دليلاً على إنكار وجوبها، فالتارك كافر كفرَ جحود، وأمّا لو كان التركُ، تركَ تساهل وتسامح، فالكفر كفر النعمة، مثل قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاًوَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمين) (آل عمران|97). فقد فُسِّر الكفر فيها بكفر النعمة بترك الحج تساهلاً، لا عناداً وإنكاراً.
2. أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل الحسن والحسين رضي اللّه عنهما ، عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر،
____________
1 . المسند الجامع: 3|186ـ246.
2 . سنن ابن ماجة: 1|342 برقم 1079.
3 . المصدر السابق: برقم 1078و1080.


الصفحة 413

ثمّ قال: صدق اللّه (إِنّما إِموالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَة) رأيت هذين فلم أصبر. ثمّ أخذ في الخطبة. (1)
3. أخرج النسائي في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: خطب أبو بكر وعمر، فاطمةَ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّها صغيرة فخطبها عليٌّ فزوّجها منه. (2)
نعم كانت فاطمة(عليها السلام) صغيرة ومع ذلك كان تزويجها بعليٍّ ثمة مرجحات وموَهّلات توَهلها للزواج منه (عليه السلام) .
4. أخرج الترمذي في سننه عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: يا عليّ لا تتبع النَّظرة، النَّظرة، فإنّ لك الاَُولى وليست لك الآخرة. (3)
والخطاب في قوله: لا تتبع من قبيل قوله: إيّاك أعني و اسمعي يا جارة، قال سبحانه مخاطباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرين) (الزمر|65).
5. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمت على رسول اللّهذكرت عليّاً فتنقصته، فرأيت وجه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتغير، فقال: يا بريدة ألست أولى بالموَمنين من أنفسهم، قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه. (4)
هذا هو و اقع الحديث، وقد لعب البخاري به وذكره بنحو آخر يخلو من الفقرة الاَخيرة،أعني قوله: «ألست أولى...» حيث قال: عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً إلى خالد ليقبض الخمس،
____________
1 . سنن أبي داود: 1|290 برقم 1109؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه: 2|1190 برقم 3600.
2 . سنن النسائي: 6|62 باب تزوج المرأة مثلها في السن.
3 . سنن الترمذي: 5|101 برقم 2777.
4 . مسند أحمد بن حنبل: 5|347.


الصفحة 414

وكنت أبغض عليّاً وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا، فلمّا قدمنا على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرت ذلك له، فقال: يا بريدة أتبغض عليّاً، فقلت: نعم، فقال: لا تبغضه فانّ له في الخمس أكثر من ذلك. (1)
6. أخرج الترمذي عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّاللّه أمرني بحبِّ أربعة، وأخبرني انّه يحبُّهم، قيل: يا رسول اللّه سمِّهم لنا، قال: عليٌّ منهم ، يقول ذلك ثلاثاً، وأبو ذرّ، والمقداد وسلمان، أمرني بحبِّهم، وأخبرني انّه يحبُّهم. (2)
7. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: حاصرنا خيبر فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له، ثمّ أخذه من الغد فخرج فرجع ولم يفتح له وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :إنّي دافع اللواء غداً إلى رجل يحبّه اللّه ورسوله ويحب اللّه ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له، فبتنا طيبة أنفسنا انّ الفتح غداً، فلما ان أصبح رسول اللّه صلّى الغداة، ثمّ قام قائماً فدعا باللواء و الناس على مصافّهم، فدعا عليّاً وهو أرمد فتفل في عينيه، ودفع إليه اللواء وفتح له.
قال بريدة: وأنا فيمن تطاول لها. (3)
ولعلّ الفاعل في قوله:«ثم أخذه من الغد» هو عمر دون أبي بكر أي أخذ عمر الراية من الغد بشهادة انّ الاِمام أحمد نقله أيضاً عن بريدة في موضع آخر بهذا النحو.
أخرج أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: لما نزل
____________
1 . صحيح البخاري: 5|163، باب بعث علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن.
2 . سنن الترمذي: 5|636 برقم 3718؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه: 1|53 برقم 149.
3 . مسند أحمد بن حنبل: 5|354.


الصفحة 415

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحصن أهل خيبر أعطى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواء عمر بن الخطاب ونهض معه من نهض من المسلمين فلقوا أهل خيبر، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لاَعطينّاللواء غداً...». (1)
هذه نخبة من روائع أحاديثه تلوناها لتكون نموذجاً لما لم نذكر.
نعم عزيت إليه روايات لا تستقيم مع الضوابط و الموازين التي حررناها في صدر الكتاب.

1. خمس لا يعلمهنّ إلاّ اللّه
أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عبيد اللّه بن بريدة، عن أبيه، يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: خمس لا يعلمهنّ إلاّاللّه، إنّ اللّه عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الاَرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت انّاللّه عليم خبير». (2)
لا شكّ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أخبر بأنّ ثمة أُموراً خمسة لا يعلمها إلاّ اللّه يحتم علينا القبول لاَنّه خبر صادق مصدق.
إنّما الكلام إذا حاولنا استخراج هذا الخبر الغيبي من الآية الواردة في آخر سورة لقمان، فالظاهر انّ الآية لا تدل على الانحصار إلاّفي موارد ثلاثة.
أ. علم الساعة: ( إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ الساعةِ) .
ب. العلم بما يكسبه الاِنسان في غده: (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً).
____________
1 . مسند أحمد بن حنبل: 5|358.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 5|353.


الصفحة 416

ج. العلم بالاَرض التي تموت فيها: (وَما تَدْري نفس بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوت)هذه الاَُمور الثلاثة مما استأثر اللّه سبحانه علمها لنفسه، وأمّا الاَمران الباقيان فلا دلالة في الآية على الاستئثار.
أمّا الاَوّل أعني قوله: (وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ) فهو اخبار عن كونه سبحانه منزلَ الغيث، ولا دلالة في قوله على استثار علم النزول بنفسه، ويشهد لذلك تغيير الصيغة بين المعطوف عليه و المعطوف.
فالمعطوف عليه جملة اسمية أعني قوله: (عنده علم الساعة) .
والمعطوف جملة فعلية أعني قوله: (وينزّل الغيث) فلو كانت الجملة الثانية هادفة لبيان الانحصار كان الاَنسب أن يقول: «ونزول الغيث»، فتكون الآية بالشكل التالي: انّاللّه عنده علم الساعة ونزول الغيث.
وأمّا الثاني: أعني قوله «ويعلم ما في الاَرحام» فهو بصدد إثبات العلم للّه سبحانه لا بصدد النفي عن غيره، واستفادة النفي منه يحتاج إلى دليل قاطع.

2. القضاة ثلاثة
أخرج الترمذي، عن ابن بريدة، عن أبيه، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحقّ فعلم ذاك، فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار ، وقاض قضى بالحقّ فذلك في الجنة. (1)
والوارد عن أئمّة أهل البيت انّ القضاة أربعة:
أخرج الكليني عن أحمد، عن أبيه (2) رفعه عن أبي عبد اللّه، قال: القضاة
____________
1 . سنن الترمذي: 3|613 برقم 1322.
2 . المراد، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ووالده هو محمد بن خالد.


الصفحة 417

أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم (1) غاً فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة. (2)

3. الملك لا يدخل بيتاً فيه كلب
أخرج أحمد في مسنده،عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه، قال:
احتبس جبريل (عليه السلام) على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: ما حبسك؟ قال: انّا لا ندخل بيتاً فيه كلب. (3)
والحديث من دلائل القول باحتباس الوحي على رسول اللّهوقد ذكر المفسرون تبعاً لاَصحاب الحديث، احتباس الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير قوله سبحانه: (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى) (الضحى|3) وقد اختلفوا في مدّة الاحتباس وسببه اختلافاً كثيراً، يعرب عن كون الحديث منقولاً على غير الوجه الصحيح، أو موضوعاً على لسان النبي ونقل القرطبي (4)
والطبرسي (5) ما نشير إليه من الاختلافات.
أمّا مدّة الاحتباس فقيل: كان اثني عشر يوماً.
قال ابن عباس: خمسة عشر يوماً.
وقيل: خمساً وعشرين يوماً.
____________
1 . وهذا القسم سقط من الحديث النبوي.
2 . الوسائل: 18، الباب الرابع، من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.
3 . مسند أحمد: 5|353.
4 . تفسير القرطبي: 20|92ـ94.
5 . مجمع البيان: 10|764.


الصفحة 418

وقال مقاتل: أربعين يوماً.
فقال المشركون: إنّ محمّداً ودّعه ربُّه وقلاه، ولو كان أمره من اللّه لتاب عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الاَنبياء.
وفي البخاري عن جندب بن سفيان، قال: اشتكى رسول اللّهفلم يقم ليلتين أو ثلاث فجاءت امرأة (زوج أبي لهب) فقالت: يا محمد إنّي لاَرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل اللّه عزّوجلّ: (وَالضُّحى* واللَّيلِ إِذا سَجَى* ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) .
وأمّا سبب الاحتباس ففيه الاَقوال التالية:
1. انّ جرواً دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيتي؟ ما لجبرئيل لا يأتيني؟ قالت خولة: فقلت: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي اللّه ترعد لَحِيْاه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة: دثريني، فأنزل اللّه هذه السورة، ولما نزل جبرئيل سأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن التأخر، فقال: أما علمت أنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.
2. سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : سأخبركم غداً ولم يقل إن شاء اللّه فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبرئيل عليه بقوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشيءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غداً* إِلاّأَن يَشاءَ اللّهُ)(الكهف23 ـ 24). فأخبره بما سأل عنه وفي هذه القصة نزلت (ما ودّعك ربّك وما قَلى).
3. انّ المسلمين قالوا: يا رسول اللّه ما لك لا ينزل عليك الوحي؟
فقال: وكيف ينزل عليَّ وأنتم لا تنقون رواجبكم.


الصفحة 419

ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم، فنزل جبرئيل بهذه السورة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :ما جئت حتى اشتقت إليك، فقال جبرئيل: وأنا كنت أشدّ إليك شوقاً ولكنّي عبد مأمور.
4. عن جندب البجلي قال: كنت مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غار فدميت اصبعه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «هل أنت إلا اصبع دميت، وفي سبيل اللّه ما لقيت» وابطأ عليه جبرئيل، فقال المشركون قد ودع محمد، فأنزل اللّه تبارك و تعالى : (ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) .
هذا ما رواه المحدثون وتبعهم المفسرون في تفسير الآية، وفي الجميع تأملات:
الاَوّل: انّالاختلاف في المدة والسبب خير دليل على أنّ الحديث موضوع على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلو كان السبب موت الجرو تحت السرير فيرجع زمان الاحتباس إلى أوائل البعثة. ولو كان السبب هو عدم الاستثناء، فيرجع زمنه إلى السنة السابعة أو الثامنة من البعثة.
الثاني: كيف يمكن أن نتصور انّ الجرو مات ومكثت جيفته تحت السرير دون أن يشعر بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا أهل بيته، مع انّطبيعة الحال تقتضي أن تكون منتنة في هذه المدّة، فيشعر بها كلّ من مرّ على البيت فضلاً عمن يقطن فيه لا سيما في أجواء حارة كأجواء الجزيرة العربية التي سرعان ما يفسد فيها كلّشيء؟!
الثالث: كيف يكون عدم قصِّ الاَظفار وأخذ الشوارب سبباً لاحتباس الوحي، وهل هذا إلاّ أخذ البريء بذنب المجرم؟! قال سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164).
فعلى ضوء ذلك يجب أن لا ينزل الوحي على أيِّ نبيّ طيلة عمره، لاَنّ


الصفحة 420

الاَنبياء والمرسلين كانوا على مقربة من المشركين والعصاة الذين لم يكونوا يقصُّون أظفارهم ولا يأخذون شواربهم بل يقترفون أشدّ المعاصي.
والحقّ انّه لم يكن هناك أيّ احتباس، بل تعلقت مشيئته تبارك و تعالى بإنزال الوحي بالتدرج حسب طروء الاَسباب والحوادث التي تقتضي نزوله.
قال سبحانه: (وَقالَالَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرآن جُمْلَةً واحِدةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان|32).
وقد أشارت الآية إلى سبب من أسباب نزول الوحي تدريجاً وهو تثبيت فوَاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،لاَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مهما كان إنساناً مثالياً، فهو بحاجة ماسّة إلى إمدادات غيبية من قبل اللّه سبحانه و تعالى في خضمّ الحياة المليئة بالطوارىَ، والحوادث العصيبة، فاتصاله بعالم الغيب تدريجاً يخلق في روحه نشاطاً دوَوباً للعمل، يزيح عنها غبار التعب والهموم وبذلك يثبت قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصلته بعالم الوحي.
وهذا الاَثر الاِيجابي رهن نزول الوحي تدريجاً، وأمّا نزوله دفعة واحدة وإقفال بابه إلى آخر عمره فهو يخلو عن ذلك الاَثر. (1)
هذا، ولنزول الوحي تدريجاً آثار ايجابية أُخرى، أشار إليها الذكر الحكيم في بعض آياته، ولنقتصر على هذا المقدار.
وعلى ضوء ما ذكرنا فلم يكن أيّ احتباس وانقطاع للوحي، وإن زعم المشركون خلافه. وبالتالي لم يكن هناك سبب غير ما ذكرنا وبذلك يظهر وهن الرواية وعدم صحتها.
____________
1 . ما ذكرناه في تفسير الآية(وَقالَ الَّذِينَ كفروا...) هو الاَولى بالاَخذ، وقد ذكر السيد الطباطبائي وجهاً آخر ومثله السيد قطب، فراجع الميزان:15|210ـ 211؛ وفي ظلال القرآن :19|34ـ 35 في تفسير سورة الفرقان.


الصفحة 421

4. غزا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تسع عشرة غزوة
أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: غزا رسول اللّه تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمانٍ منهنّ. (1)
أقول: إنّ غزوات الرسول أكثر ممّا ذكره، فقد بسط الواقدي الكلام في مغازي النبي وسراياه في الجزء الاَوّل ثمّ استنتج ممّا ذكره ما يلي:
فكانت مغازي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي غزا بنفسه تسعاً وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعاً: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف.
وكانت السرايا سبعاً وأربعين سريّة، واعتمر ثلاث عُمَر، ويقال: قد قاتل في بني النضير ولكن اللّه جعلها له نفلاً خاصّة، وقاتل في غزوة وادي القرى في منصرفه عن خيبر وقتل بعض أصحابه، وقاتل في الغابة حتى قتل محرز بن نظلة، وقتل من العدو ستة. (2)
وقد سرد الواقدي أسماء غزواته (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتاب المغازي:
1. غزوة الاَبواء2. غزوة بواط3. غزوة بدر الكبرى 4. غزوة ذات العُشير5. غزوة القينقاع 6. غزوة السويق 7. غزوة قرارة الكُدر8. غزوة غطفان9. غزوة بني سليم 10. غزوة أُحد 11. غزوة حمراء الاَسد12. غزوة بئر معونة 13. غزوة الرجيع14. غزوة بني النضير15.غزوة بني الموعد 16. غزوة ذات الرقاع17. غزوة دومةالجندل18. غزوة المريسيع
____________
1 . صحيح مسلم: 5|200. باب عدد غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتاب الجهاد والسير .
2 . الواقدي، المغازي: 1|7.


الصفحة 422

19. غزوة الخندق20. غزوة بني قريظة 21. غزوة القرطاء 22. غزوة بني لحيان 23. غزوة الغابة24. غزوة الحديبية 25.غزوة خيبر 26. غزوة القضية27. غزوة موَتة 28. غزوتة ذات السلاسل 29. غزوةالفتح.
وقد ذكر ابن هشام قصيدة حسّان الذي عد فيها المغازي، ومطلعها:
ألست خير معد كلّها نفراً * ومعشراً ان هم عموا وإن حصلوا
قوم هم شهدوا بدراً بأجمعهم * مع الرسول فما آلوا وما خذلوا (1)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من تسع عشرة غزوة ويُحتمل أن يكون المراد الغزوات التي شارك فيها بريدة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي عبارة عن تسع عشرة غزوة.
ولكنّه احتمال ضعيف، لاَنّه روي عن بريدة في موضع آخر من صحيح مسلم، أنّه قال:
غزا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ست عشرة غزوة (2)
وعلى كلّتقدير فالرواية مضطربة.

5. تحرك الجبل والاَمر بثباته
أخرج أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، انّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً على حراء ومعه أبو بكر وعمر و عثمان، فتحرك الجبل، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أثبت حراء، فانّه ليس عليك إلاّنبي وصديق وشهيد. (3)
____________
1 . سيرة ابن هشام: 2|200.
2 . مسند أحمد: 5|346.
3 . صحيح مسلم: 5|200 باب عدد غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتاب الجهاد والسير .


الصفحة 423

لا شكّ انّ الاَنبياء والاَولياء يمتلكون قدرة خارقة للعادة يتصرّفون في الكون بإذنه ومشيئته سبحانه ولا غرو في ذلك، فقد قال سبحانه مخاطباً عيسى ابن مريم: (وَإِذْتَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر بَإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طِيراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىَُ الاََكْمَهَ وَالاََبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوتى بِإِذْنِـي) (المائدة|110).
ولكنّهم لا يقومون بخوارق العادات إلاّ لغايات خاصة استدعت الضرورة ذلك، وهي إثبات نبوّتهم واتصالهم بالغيب، وعند ذلك تطرح الاستفسارات التالية، فأي غاية كانت في تثبيت جبل حراء؟
فهل كان ثمة شاك في نبوة النبي وأراد (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا العمل أن يزيل الشك عن قلبه؟!
أو كان وراء حركة الجبل خسف وزلزال مهلك لمن كان عليه؟!
ثمّهل كانت الحركة مختصة بالجبل دون سائر الجبال والاَراضي المتاخمة؟
وبما انّ «حراء» كان جبلاً من جبال مكة وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يأوي إليه في أشهر معدودات قبل البعثة فهل كان هوَلاء الثلاثة موحدين يومذاك حتى يكونوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الجبل؟
ولو افترضنا انّ النبي يأوي إليها بعد البعثة، فقد أسلم عمر بن الخطاب في السنة السادسة من البعثة، فهل كان هناك اجتماع في هذه السنة أو بعدها؟
وأسلم بريدة عند مسير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، فكيف ينقل تلك الحادثة وهي ترتبط بما قبل إسلامه؟!
كلّهذه الاستفسارات تزيد الشك في صحّة الرواية وتجعلها من الموضوعات، وقد لعبت العاطفة الدينية دورها في جعل هذه الرواية.
كما وأخرجها مسلم عن أبي هريرة بنحو آخر، قال: إنّ رسول اللّه «صلى


الصفحة 424

الله عليه وآله وسلم» كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اهدأ، فما عليك إلاّ نبي أو صديق أو شهيد. (1)
وتنتهي الرواية إلى أبي هريرة مع أنّه أسلم بعد الهجرة عام سبع، وقد اضيف فيها علي وطلحة والزبير، وابدل الجبل بالصخرة، كما رواه أيضاً الترمذي عن أبي هريرة في باب مناقب عثمان. (2)

6. ضرب الدفّ عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
أخرج الترمذي في سننه، عن عبد اللّه بن بريدة، قال: سمعت بريدة، يقول: خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول اللّه، إنّي كنت نذرت إن ردّك اللّه صالحاً ان أضرب بين يديك بالدّفّ وأتغنّى.
فقال لها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن كنت نذرت فاضربي، وإلاّفلا، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمّ دخل عليّوهي تضرب، ثمّدخل عثمان وهي تضرب، ثمّ دخل عمر فألقت الدفَّ تحت إستها، ثمّ قعدت عليه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّالشَّيطان ليخاف منك يا عمر، إنّي كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمّ دخل عليّوهي تضرب، ثمّ دخل عثمان وهي تضرب، فلمّا دخلتَ أنت يا عمر ألقتْ الدف. (3)
وقد نقله أحمد على اختلاف.
____________
1 . صحيح مسلم:7|128، باب فضائل طلحة والزبير.
2 . سنن الترمذي:5|624 برقم 3696.
3 . سنن الترمذي: 5|620ـ 621 برقم 3690.


الصفحة 425

فتارة نقل دفَّ الجارية على رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط دون أن يذكر شيئاً من دخول أبي بكر وعمر و عثمان عليه.(1)  وأُخرى نقل دف الجارية مع دخول أبي بكر ثمّعمر دون أن يذكر دخول علي (عليه السلام) وعثمان. (2)
وعلى أيّة حال فقد اتّفق الفقهاء على لزوم كون المنذور أمراً راجحاً لا محرماً ولا مكروهاً، فلا ينعقد النذر إذا كان المنذور مكروهاً فضلاً عن كونه حراماً.
والضرب بالدف امّا مكروه أو حرام، فكيف أجازها النبيالضرب بالدفِّ عند رأسه؟! وقد أخرج أحمد عن أبي أمامة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : قال تبيت طائفة من أُمّتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثمّيصبحون قردة وخنازير ، فيُبعث على أحياء من احيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات. (3)
على أنّالظاهر من الحديث انّ الضرب بالدفّ كان أمراً قبيحاً ولذلك لما دخل عمر ألقت الجارية الدفَّ تحت إستها ثمّ قعدت عليه لتخفيه عن عمر، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بأن ينهاها عن ذلك الاَمر القبيح ولا يسمح لها بالدفِّ على رأسه.
ثمّإنّ ظاهر الرواية انّعثمان دخل وهي تضرب وجلس دون أن تمسك الجارية، وهي تخالف ما رواه ابن أبي أوفى، قال: استأذن أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجارية تضرب الدف فدخل، ثمّ استأذن عمر فدخل، ثمّ استأذن عثمان فامسكت، قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ عثمان رجل حييّ. (4)
ومن البعيد أن تكون الواقعة متعددة.

____________
1 . مسند أحمد: 5|356.
2 . مسند أحمد: 5|358.
3 . مسند أحمد: 5|259.وأخرجه مسلم عن أبي هريرة ج7|185، باب فضل الصحابة.
4 . مسند أحمد: 4|353.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة