الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 353
19. النبي يوَذي ويجلد ويسبّ ويلعن من لا يستحق
أخرج البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة انّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: فأي موَمن سببُته فاجعل ذلك قربة إليك يوم القيامة. (1)
وأخرج مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :
اللّهمّ إنّما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أولعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة.
وفي رواية أُخرى: فإنّما أنا بشر فأيّ الموَمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة. (2)
وقد أخرجها مسلم بطرق كثيرة.
كما أخرجها أيضاً في صحيحه عن أبي سفيان عن جابر. (3)
وموردها لا يخلو عن صورتين:
الاَُولى: أن يصدر السب واللعن والجلد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مبرّر شرعي كما إذا قامت البينة على استحقاق شخص للّعن والسبّ والجلد ولكن كانت البينة كاذبة فعند ذلك يرجع التقصير إلى البينة لا إلى النبي الاَعظم حتى يسأل الرب بجعله له زكاة ـ مضافاً ـ إلى أنّ هذه الصورة لا تناسب صدر الرواية على بعض صورها، لاَنّه يقول : اللّهمّ إنّما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، ومعناه انّه ربما يستفزّه الغضب إلى جلد من لا يستحق الجلد، بلا مبرّر شرعي، وهكذا الحال في اللعن والسب.
الثانية: أن يصدر كلّ ذلك بلا مبرّر شرعي كما هو الظاهر من قوله: «إنّما
____________
1 . صحيح البخاري: 8|77، باب قول النبي من آذيته فاجعله له زكاة رحمة من كتاب الدعوات.
2 . صحيح مسلم:8|25، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك.
3 . صحيح مسلم:8|25، باب من لعنه النبي أو سبّه أو دعا عليه.

الصفحة 354

محمد بشر يغضب» فتعرَّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه إنسان عادي ربما يغضب بلا مبرّر ويلعن ويسب كذلك، وعندئذ تكون الرواية مردودة لوجوه:
1. لو صحّ الفرض يكون النبي عندئذٍ عاصياً في فعله غير معصوم من الذنب في هذه الحالة، ومرتكباً (العياذ باللّه) للقبيح وخارجاً عن طاعة اللّه سبحانه، فهل يجوز لمسلم أن ينسب إليه تلك الفرية الشائنة؟
كيف وهو أفضل الخليقة وأشرف أنبياء اللّه ورسله الذين وصفهم اللّه سبحانه بقوله:(غَيْرِ المَغْضُوبِعَلَيْهِمْ وَلا الضّالّين) ، (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ والصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)(النساء|69).
2. كيف تصف الرواية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه بشر يغضب كما يغضب البشر مع أنّ المروي عن طريق عبد اللّه بن عمرو خلافه.
روى عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا:
أتكتب كلّ شيء تسمعه، ورسول اللّه يتكلم في الرضا والغضب، فأمسكت عن الكتابة، وذكرت ذلك لرسول اللّه، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج عنه إلاّ حقّ.
وفي رواية أُخرى: قلت: يا رسول اللّه أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلاّحقّاً. (1)
3. كيف يسبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يلعن أو يجلد أو يوَذي، وقد قال سبحانه:(وَالَّذِينَ يُوَْذُونَ المُوَْمِنِينَ وَالمُوَْمِناتِ بِغَيِْر مَااكْتَسَبُوا فَقَد
____________
1 . مختصر جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، باب الرخصة من كتاب العلم، ص 36.


الصفحة 355

احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الاَحزاب|58).
كيف يمكن وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما جاء في هذه الرواية من أنّه ربما يشتم ويسبَّ وهو القائل: «سباب الموَمن فسوق». (1)
والروايات في ذم السب و اللعن بغير مبرر كثيرة.
ولعلّ السبب من وضع هذا الحديث هو التقرب إلى آل أبي عاص و سائر بني أُمية حتى يتدارك بذلك ما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من لعنهم وسبّهم كما في قوله تعالى:(وَما جَعَلْنَا الرُوَْيَا الّتِي أَرَيْناكَ إِلاّفِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّطُغْياناً كَبِيراً)(الاسراء|60).
والشجرة الملعونة هي الاَُسرة الاَموية أخبره اللّه تعالى بتقلبهم على الحكم وقتلهم ذريته، وعيثهم في أُمته، فما روَي النبيمستجمعاً ضاحكاً حتى توفي كما رواه الحاكم في مستدركه. (2)
فعند ذلك صار بنو أمية وبنو العاص كلّهم ملعونين إلاّمن ثبت إيمانه وقد أخرج الحاكم انّ الحكم بن أبي العاص استأذن عليه مرّة فعرف (صلى الله عليه وآله وسلم) صوته وكلامه، وقال: ائذنوا له، عليه لعنة اللّه وعلى من يخرج من صلبه إلاّ الموَمن منهم. (3)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا بلغ بنو أُمية أربعين، اتخذوا عباد اللّه خولاً، و مال اللّه نحلاً، وكتاب اللّه دغلاً. (4)
وكان لا يولد لاَحد مولود إلاّ أُوتي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فدعا له، فأُدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون. (5)
____________
1 . صحيح مسلم: 1|58، باب قول النبي :سباب المسلم فسوق.
2 . المستدرك:4|480، كتاب الفتن والملاحم.
3 . الحاكم، المستدرك:4|481، كتاب الفتن والملاحم.
4 . الحاكم، المستدرك:4|479، كتاب الفتن والملاحم.
5 . الحاكم، المستدرك:4|479، كتاب الفتن والملاحم.


الصفحة 356

إلى غير ذلك من الروايات الصادرة في العهد النبوي عنهص حيث يلعن فيها النبي طائفة ، فأراد أبو هريرة بوضع هذا الحديث التقرب إليهم.

20. التلاعب بحديث بدء الدعوة
أخرج البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، انّ أبا هريرة قال:
قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أنزل اللّه عزّ وجلّ: (وَأَنْذِرْ عََشيرَتَكَ الاََقْرَبِين) (الشعراء|214) ، قال: يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم لا أُغني عنكم من اللّه شيئاً، يا بني عبد مناف لا أُغني عنكم من اللّه شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا عمة رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مال لا أغني عنك من اللّه شيئاً. (1)
نلفت نظر القارىَ الكريم إلى أُمور:
الاَوّل: انّ الآية نزلت في السّنة الثالثة من البعثة في مكة المكرمة أي قبل 17 عاماً من إسلام أبي هريرة.
فكيف هو يقول: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أنزل اللّه عزّ وجلّ:(وَأَنْذِرْ عَشيرتَكَ الاََقْربين) وهل هذا إلاّ تدليس حيث يشهد على الروَية والسماع ولم يكن واحد منهما ؟ ولذلك قالوا: إنّأبا هريرة كان يدلس.
الثاني: الظاهر ممّا رواه الطبري وغيره انّ المدعوين كانوا رجال البيت الهاشمي ولم يشارك فيها أحد من النساء، فقد بلغ عدد القوم إلى 45 رجلاً، فكيف يخاطب النبي عمته صفية وبنته فاطمة (عليها السلام)؟!
الثالث: انّالمشهور انّ فاطمة(عليها السلام) قد ولدت في العام الخامس
____________
1 . صحيح البخاري:4|6و7 باب هل يدخل النساء والولد في الاَقارب من كتاب الوصايا.


الصفحة 357

من البعثة وقد كان بدء الدعوة في العام الثالث في مكة المكرمة فكيف يخاطب اِبنته التي لم تولد. ولو افترضنا أنّها ولدت قبل ذلك العام فلم تكن في بدء الدعوة على مبلغ النساء الكبار حتى تخاطب بما جاء في الرواية،وقد تزوجت بعليّ (عليه السلام) في العام الثاني للهجرة أي بعد اثنتي عشرة سنة من قصة بدء الدعوة، فكيف تكون آنذاك على مبلغ النساء الكبار صالحة له لتلقي الخطاب الوارد فيه؟!
الرابع: انّالخطاب المناسب لبدء الدعوة هو الدعوة إلى توحيده سبحانه ورسالته وإلى الاعتقاد بيوم المعاد ليدخلهم في حضيرة الاِيمان، والقوم بعدُ غير موَمنين بتوحيده وجزائه، فكيف يخاطب واحداً بعد واحد بأنّي لا أغني عنكم من اللّه شيئاً؟ فإنّ هذا الخطاب يناسب دعوة الموَمنين الذين آمنوا باللّه ورسله.
الخامس: انّ أبا هريرة تصرف بالرواية فلم يذكر ما هو الواقع المهمّ في تلك الحادثة، وقد نقل المحدّثون والموَرخون ما خطبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الحشد العظيم الذي كان يشكِّل معظم رجال بني هاشم، فقال: مخاطباً إياهم بقوله: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الذي لا إله إلاّهو انّي رسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس عامة، واللّه لتموتُنَّ كما تنامون، و لتبعثُنَّ كما تستيقظون، ولتحاسبُنَّ بما تعملون، وانّها الجنَّة أبداً والنار أبداً».
ثمّ قال:
«يا بني عبد المطلب انّي واللّهما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، انّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
ولما بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه ـ أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم إذ كان واحد منهم يفكِّر في ما يوَول إليه هذا الاَمر العظيم، وما


الصفحة 358

يكتنفه من أخطار ـ قام علي (عليه السلام) فجأة وهو آنذاك في الثالثة أو الخامسة عشرة من عمره، وقال وهو يكسر بكلماته الشجاعة جدار الصمت والذهول:
أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك على ما بعثك اللّه.
فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): اجلس، ثمّكرّر دعوته ثانية وثالثة، وفي كلّمرّة يحجم القوم عن تلبية مطلبه، ويقوم علي و يُعلن عن استعداده لموَازرة النبي، ويأمره رسول اللّه بالجلوس، حتى إذا كان في المرة الثالثة أخذ رسول اللّه بيده والتفت إلى الحاضرين من عشيرته الاَقربين وقال:«إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم (أو عليكم) فاسمعوا له، وأطيعوا».
فقام القوم يضحكون، ويقولون لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع وجعله عليك أميراً. (1)
ترى أنّ أبا هريرة أسقط ما هو المهم في تلك الواقعة من إضافة الوصاية والوزارة لعلي في بدء الدعوة، وقد أعرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الاِمامة والنبوة توأمان لا يتخلفان بمعنى أنّ لكل نبي خليفة.

21. إيقاع الفعل في وقت لا يسعه
أخرج البخاري عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:
خُفِّفَ على داود القراءة، فكان يأمر بدابته لتُسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني القرآن. (2)
وفي الحديث إشكالان واضحان:
____________
1 . تاريخ الطبري: 2|62 و63؛ تاريخ الكامل:2|40 و41؛ مسند أحمد:1|111 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:13|210 و211؛ وغيرها من المصادر المتوفرة.
2 . صحيح البخاري:6|85، باب تفسير سورة الاِسراء من كتاب التفسير.


الصفحة 359

الاَوّل:إنّما نزل الزبور على داود والقرآن على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال سبحانه:(وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (الاِسراء|55) وقال سبحانه: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا القُرآن لاَُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ) (الاَنعام|19).
فكيف يقرأ داود ما لم ينزل عليه؟ اللّهم إلاّإذا أُريد من القرآن زبوره، لكنّه على خلاف الظاهر.
والثاني: كيف يمكن قراءة القرآن أو الزبور في وقت لا يسعه؟ فانّ إمكان إيقاع الفعل في زمان يسعه شرط عقلي لا مناص عنه، فكما يمتنع وضع الدنيا في البيضة، فهكذا يمتنع قراءة ما يستغرق زمناً طويلاً في مدة قصيرة مهما عجّل في القراءة.

22. أُمّة مُسخت فأراً
أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):
فُقدت أُمّة من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلت ولا أراها إلاّ الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الاِبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته.
قال أبو هريرة فحدثت هذا الحديث كعباً، فقال: أنت سمعته من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قلت: نعم، قال: ذلك مراراً.
قلتُ: أ فأقرأ التوراة، قال إسحاق في روايته لا ندري ما فعلتْ. (1)
____________
1 . صحيح مسلم: 8|226، باب في الفار و انّه مسخ؛ وأخرجه أيضاً البخاري في 4|128، في باب، خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال من كتاب بدء الخلق والاستفهام في قوله: أفأقرأ التوراة، استفهام انكار أي لا علم عندي إلاّما سمعت من النبي (عليه السلام) .


الصفحة 360

أقول: إنّ نبي العظمة لا يتكلم إلاّعن وحي فما جاء في الرواية من الاستدلال يخالف ذلك الاَصل بالكلية، وذلك لاَنّ حصيلة الاستدلال هو انّ تلك الاَُمّة المفقودة مُسخت فأراً بشهادة اشتراك الفأر مع الاِنسان في خصيصة، وهي إذا وضع بين يدي الفأر لبن الشاة فتشربه وإذا وضع بين يديها لبن الاِبل فلا تشربه.
وهذا النوع من الاستدلال لا يركن إليه إلاّ الاِنسان المغفّل.
أوّلاً: انّ لازم ذلك انّه لم يكن للفأر أي وجود قبل مسخ هذه الاَُمّة وإنّما خلقه سبحانه حينما مسخت تلك الاَُمّة، ولو قيل بوجودها قبله لبطل الاستدلال من رأس.
وثانياً: انّه لا مانع من أن يكون بين الاِنسان وبعض أصناف الحيوان وجه اشتراك في بعض الاَُمور، فلا يدل ذلك على اشتقاق أحدهما من الآخر.
ولعمري انّ الجبين يندى من هذه الخرافة التي تسرّبت إلى كتب الحديث.

23. أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت
أخرج مسلم عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الاَشجعي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه:
قل لا إله إلاّاللّه أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تُعيِّرني قريش، يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع لاَقررت بها عينك، فأنزل اللّه: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاء) (القصص|56).
وأخرج أيضاً عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمِّه عند الموت:


الصفحة 361

قل لا إله إلاّاللّه أشهد لك بها يوم القيامة، فأبى فأنزل اللّه: (إنّك لا تَهدي مَنْ أَحْبَبْت) . (1)
أقول: إنّ ذلك الحديث ممّا تكذّبه القرائن الكثيرة الدالة على إسلام أبي طالب ويمكن أن نلخصها في ثلاثة طرق:
1. دراسة ما خلّف من الآثار العلمية و الاَدبية.
2. الاَُسلوب العملي الذي نهجه في المجتمع.
3. آراء أقربائه وأصحابه.
ونحن نستطيع إثبات إيمان أبي طالب من خلال هذه الطرق.
فإنّ الاَشعار (2) والخطب التي خلّفها أبو طالب تدل بجلاء لا لبس فيه على إيمانه وإخلاصه.
كما انّسيرته العملية وسلوكه المتميز في السنين العشر الاَخيرة من عمره خير شاهد على إيمانه العميق وصلته الوثيقة باللّه سبحانه.
وكم له من المواقف الجليلة مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
فانّإيمانه بابن أخيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عميقاً إلى درجة انّه أخذه إلى المصلّى واستسقى به، مُقسماً به على اللّه تعالى أن يكشف العذاب عن قومه، ويرسل رحمته عليهم فاستجاب اللّه دعاءه وأنزل عليهم غيثاً وافراً ممرعاً، بقيت قصته في ذاكرة التاريخ.
وأيضاً كان إيمان أبي طالب برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) راسخاً بمكان انّه جازف بحياة أبنائه للحيلولة دون تعرض رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
____________
1 . صحيح مسلم:1|41، باب أوّل الاِيمان قوله لا إله إلاّاللّه من كتاب الاِيمان.
2 . انظر ديوان أبي طالب : 32.


الصفحة 362

لخطر القتل والاغتيال ولئلا يمسّه أعداءه بسوء، فكان يضجع ولده علياً في فراشه كي لا يصيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيُّ مكروه.
ورغم ذلك كلّه، فقدأوصى أولاده حين وفاته قائلاً:
«أُوصيكم بمحمد خيراً فإنّه الاَمين في قريش، وهو الجامع لكلّمن أُوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنئان، وأيم اللّه لكأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البرّ في الاَطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاوَها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه، أحوجُهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده». (1)
وأخيراً فيجدر بنا أن نسأل أقاربه المقربين حول إيمانه، لاَنّ أهل البيت أدرى بما في البيت.
لما مات أبو طالب جاء علي (عليه السلام) إلى رسول اللّهفآذنه بموته، فتوجع توجعاً عظيماًوحزن حزناً شديداً، ثمّ قال له امض فتولّغسله، فإذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل فاعترضه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو محمول على روَوس الرجال، قال: «وصلتْك رحم يا عم، وجزيت خيراً! فلقد ربّيت وكفّلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً».
ثمّ تبعه إلى حفرته، فوقف عليه مخاطباً إياه، قائلاً:
«أما واللّه لاستغفرنَّ لك، ولاَشفعنَّ فيك شفاعة يعجب لها الثقلان». (2)
وفي الختام انظر إلى صلافة الرجل كيف يحكي القصة، فكأنّه كان حاضراً في المجلس، فعرض النبي الشهادة على عمه فأبى، مع أنّ أبا طالب التحق بالرفيق الاَعلى سنة 10 للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين، في حين أسلم أبو هريرة
____________
1 . السيرة الحلبية:1|351ـ 352.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:14|76.


الصفحة 363

في العام السابع من الهجرة، وبذلك يتحقق ما ذكرناه من أنّ أبا هريرة كان يدلس.
ولا شكّ انّ ما رواه من الموضوعات لصالح الجهاز الاَموي الحاكم للحطّ من شأن الاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) برمي أبيه بالكفر حين وفاته.

24. أبو هريرة ينسب ما سمعه عن الفضل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبي بكر، قال: سمعت أبا هريرة يقصّ يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنباً فلا يصم.
فذكرت ذلك لعبد الرحمان بن الحارث(لاَبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمان وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنهما ـ فسألهما عبد الرحمان عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصبح جنباً من غير حلم (1) ثمّ يصوم.
قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمان، فقال مروان: عزمت عليك إلاّما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. (2)
قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كلّه، قال: فذكر له عبد الرحمان.
فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك، قال: نعم، قال: هما أعلم ثمَّ ردّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
____________
1 . أي مدركاً الفجر متيمماً وطاهراً بالطهارة الترابية.
2 . يريد بذلك الاِشفاق على أبي هريرة حتى لا يتسع خطأه حيث ألزمهما بالذهاب إلى أبي هريرة وإعلامهما ما ذكرا حتى يتدارك الرجل خطأه.


الصفحة 364

قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان، قال: كذلك كان يصبح جنباً من غير حلم ثمّ يصوم. (1)
وعلى هذا لا يبقى أي اعتماد بأحاديثه إذ ينسب ما سمعه من كعب إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما سمعه من الفضل إليه أيضاً، فبهذه التدليسات الواضحة يخرج عن كونه ثقة في الحديث، أُسوة في الرواية.

25. إبراهيم يخاصم ربّه
أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب انّك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول اللّه: إنّي حرّمت الجنة على الكافرين. (2)
وفي الحديث تساوَلات وتأملات يجعلها في عداد الموضوعات:
الاَوّل: يتضمن الحديث انّ إبراهيم كان يتصور بأنّ عذاب أبيه يوم القيامة يعود عليه بالخزي، وذلك مما لا يتخيّله مسلم واع فكيف بإبراهيم خليل الرحمن، لاَنّه سبحانه أعلن منذ بدء الخليقة انّه خلق الجنة للموَمنين والنار للكافرين.
الثاني: انّه سبحانه : يحكي انّإبراهيم تبرّأ من أبيه بعد ما تبين انّه عدو للّه قال سبحانه: (ما كانَ للنّبي والّذينَ آمَنُوا أَنْيَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَو كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصحابُ الجَحيم* وَ ما كان اسْتِغْفارُ إِبْراهيمَ لاََبيهِ إِلاّ عَنْ مَوعِدِةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أنّهُ عَدُوٌّ للّهِ تَبَـرّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبراهيمَ لاََوّاهٌ حَليم) (التوبة|113ـ 114).
____________
1 . صحيح مسلم:3|137، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب من كتاب الصوم.
2 . صحيح البخاري:6|111، باب تفسير سورة الشعراء من كتاب التفسير.


الصفحة 365

وسياق الآية يكشف عن أنّ التبري كان في الحياة الدنيا، ومع ذلك فكيف يطلب له النجاة يوم القيامة ويشتكي إلى اللّه تبارك وتعالى؟!
وللعسقلاني كلام نذكره بنصه: اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه فقيل: كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات آزر مشركاً، وهذا أخرجه الطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس و اسناده صحيح، وفي رواية: «فلما مات لم يستغفر له»، و من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، قال: «استغفر له ما كان حياً فلما مات أمسك» و أورده أيضاً من طريق مجاهد وقتادة و عمرو بن دينار نحو ذلك، وقيل إنّما تبرأ منه يوم القيامة لما يئس منه حين مسخ على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها. (1)
وضعف الوجه الثاني واضح، لاَنّه على خلاف سياق الآية، والآية بصدد تعليم أصحاب الرسول من أنّه ليس لهم الاستغفار للمشركين اقتداء بإبراهيم حيث إنّه بعد ما تبيّن انّ أباه عدو للّه تبرأ منه ولم يستغفر إلى آخر حياته فيجب أن يقتدوا به، فجعل ظرف التبري يوم القيامة مخالف لسياق الآية.
قال الرازي في تفسيره في وصف إبراهيم (عليه السلام) بالاَواه والحليم ما لفظه:
اعلم انّه تعالى إنّما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لاَنّه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل، ومن كان كذلك فانّه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبيّن تعالى انّه مع هذه العادة، تبرّأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لما ظهر له إصراره على الكفر فأنتم بهذا المعنى، أولى ولذلك وصفه أيضاً بأنّه حليم، لاَنّ أحد أسباب الحلم رقة القلب وشدة العطف لاَنّ المرء إذا كان حاله هكذا، اشتد حلمه عند الغضب. (2)
____________
1 . فتح الباري: 8|500ـ 501.
2 . مفاتيح الغيب:16|211، في تفسير الآية 114 من سورة التوبة.


الصفحة 366

وربما يقال انّاللّه إذا أدخل أباه النار فقد أخزاه لقوله سبحانه:(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَفَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمينَ مِنْ أَنْصار ) (آل عمران|192).
وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد. (1)
وما ذكره أخيراً توهم باطل، لاَنّه سبحانه قطع الصلة بين الكافر و المسلم قال سبحانه:(وَنادىنُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْـحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِح )(هود|45ـ46).فلا يعود خزي الوالد إلى الولد، بعد انقطاع الصلة، كما لا يعود خزي أبي لهب إلى النبي الاَعظمص.

26. دخول امرأة في النار بسبب هرّة
أخرج البخاري في صحيحه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الاَرض. (2)
وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه، عن هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
عُذِّبت امرأة في هرة لم تُطعمها ولم تُسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الاَرض. (3)
____________
1 . فتح الباري: 8|501، نقلاً عن الكرماني في شرحه على صحيح البخاري.
2 . صحيح البخاري: 4|130، باب خمس من الدواب فواسق يقتلنّفي الحرم من كتاب بدء الخلق.
3 . صحيح مسلم:7|44، باب تحريم قتل الهرة من كتاب قتل الحيات وغيرها.


الصفحة 367

أقول: إنّ قوله: في هرّة بمعنى بسبب هرة.
وقد استشهد الاَُدباء بهذا الحديث على أنّ «في» تأتي بمعنى «اللام» وعلى هذا فيجب أن تكون المرأة مسلمة موَمنة حتى يكون الحبس هو السبب الوحيد لدخولها في النار ولا يصحّ حملها على الكافرة، لاَنّها تدخل النار سواء حبست أم لا، وعلى ذلك فكيف يُدخل سبحانه عبداً موَمناً النار بسبب قتل هرّة؟
أخرج أحمد في مسنده، عن الشعبي، عن علقمة، قال: كنّا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت: أنت الذي تحدث انّ امرأة عذبت في هرّة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها ؟ فقال: سمعته منه، يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال عبد اللّه بن أحمد: كذا قال أبي.
فقالت: هل تدري ما كانت المرأة؟ انّ المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، و انّ الموَمن أكرم على اللّه عزّ وجلّ من أن يعذبه في هرّة، فإذا حدثتَ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فانظر كيف تحدّث. (1)
وكلام السيدة عائشة لا يخلو عن نقاش، فانّ ظاهر الحديث انّ سبب الدخول هو الحبس لا الكفر ، فلو كانت كافرة فهي تدخل النار على كل حال سواء حبست الهرة أم لم تحبسها، فالحديث رواية مصطنعة اختلقتها يد الدّس لا سيما انّ أبا هريرة كان له شغف كبير بالهرة حيث كان يلعب بها، فلما وقف انّ امرأة قامت بهذا العمل عزَّ عليه قتل الهرة فصنع ذلك الحديث.

27. في جناحي الذبابة داء وشفاء
أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن حنين، قال: سمعت أبا هريرة ،
____________
1 . مسند أحمد:2|519.


الصفحة 368

يقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثمّ لينزعه، فانّ في إحدى جناحيه داءً والاَُخرى شفاءً. (1)
ومعنى الحديث: فليغمسه كلّه حتى يغسل كلا الجناحين بالماء ويقابل الداء بالدواء، وقوله: ثمّ لينزعه إشارة إلى انّالماء سيشرب و المرق يوَكل بعد طرحها.
وعلى ذلك فأحد جناحي الذباب داء وفي الجناح الآخر دواء فيزول ذلك الداء بفضل الدواء عند غمس كلا جناحيه.
هذا هوالمفهوم من الرواية.
والاعتقاد بصحّة الحديث مشكل جدّاً وقد كشف العلم من أنّ الذباب يحمل في جناحيه الجراثيم المهلكة والمضرة، ولم أر أحداً من العقلاء، يتفوّه بهذه المقالة.
مضافاً إلى أنّ الذباب قذر تتنفر القلوب من روَيته، فكيف يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغمسه إذا سقط في الماء الذي فيه طعام أو شراب، ثمّ أكل أو شرب ما في ذلك الاِناء؟!
هذه إلمامة عابرة بروايات أبي هريرة التي تركت مضاعفات خطيرة على الحديث النبوي.
ومن تفحص ما رواه في الجنة والنار و ما يقصه من بني إسرائيل لوقف على أنّ أبا هريرة كان قصّاصّاً ذا خيال واسع يخلق أساطير في أبواب مختلفة ويسوقها في قالب الحديث، فمن أراد التفصيل فليدرس رواياته في الصحيحين.
____________
1 . صحيح البخاري: 4|130، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإنّ في إحدى جناحيه داء وفي الاَُخرى شفاء من كتاب بدء الخلق.


الصفحة 369

 

20
عقبة بن عامر الجُهَني


(... ـ 58هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. النبي يلعن المحلِّل والمحلَّل له
2. النبي يلبس الحرير
3. كلّ ميت يختم على عمله إلاّ المرابط
4. أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص
5. حقّ الضيافة يوَخذ عنوة
عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو الجهني، يكنى أبا حماد، روى عنه أبو عشّانة، انّه قال: قدم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا في غنم لي أرعاها فتركتها ثمّذهبت إليه، فقلت: تبايعني يا رسول اللّه، قال: فمن أنت، فأخبرته، فقال: أيّما أحبّ إليك، تبايعني بيعة أعرابية، أو بيعة هجرة؟
قلت: بيعة هجرة، فبايعني.
وكان من أصحاب معاوية بن أبي سفيان، وولي مصر وسكنها، وتوفي بها سنة 58 هـ، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو أيّوب، وأبو امامة وغيرهم.


الصفحة 370

ومن التابعين: أبو الخير، وعلي بن رباح، وأبو قبيل، وسعيد بن المسيب وغيرهم، وشهد صفين مع معاوية، وشهد فتوح الشام، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق، وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن.
قال الذهبي: له في مسند بَقيّ خمسة وخمسون حديثاً (1) ولكن جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 112 حديثاً (2)
نذكر من روائع رواياته التي يدل سمو معانيها على صحّة مضمونها شيئاً ثم نعرج إلى أحاديثه السقيمة.

روائع أحاديثه:
1. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عُشّانة، انّه سمع عقبة بن عامر، يقول: لا أقول اليوم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مالم يقل. سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
من كذب قال ما لم أقل فليتبوّأ بيتاً من جهنَّم. (3)
2. أخرج مسلم في صحيحه، عن مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ أحقّ الشّرط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج.(4)
3. أخرج أحمد في مسنده، عن الحسن، عن عقبة بن عامر انّ نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: إذا أنكح وليان فهو للاَوّل منهما، وإذا باع من رجلين فهو للاَوّل منهما. (5)
4. أخرج أحمد في مسنده، عن قيس الجذاميّ، عن عقبة بن عامر
____________
1 . طبقات ابن سعد: 4|343؛ أُسد الغابة: 3|417؛ سير أعلام النبلاء: 2|467 برقم 90.
2 . المسند الجامع: 15|83.
3 . مسند أحمد: 4|159.
4 . صحيح مسلم: 4|140، باب الوفاء بالشروط في النكاح.
5 . مسند أحمد: 4|149.


الصفحة 371

الجهنيّ، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: من أعتق رقبة مسلمة فهي فداوَه من النّار. (1)
5. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن شماسة انّه سمع عقبة بن عامر على المنبر، يقول: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: الموَمن أخو الموَمن، فلا يحلّ للموَمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتّى يذر. (2)
6.أخرج ابن ماجة، عن عبد الرحمان بن شماسة، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: المسلم أخو المسلم، ولا يحلّ لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب، إلاّبيّنه له. (3)
7. أخرج ابن ماجة، عن أبي سعيد الرعينيّ أنّ عبد اللّه بن مالك اليحصبي أنّ عقبة بن عامر أخبره: انّ أُخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة، وأنّه ذكر ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: مُرها فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيّام. (4)
8. أخرج النسائي، عن ابن مجيرة، عن عقبة بن عامر: انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: خمس من قبض في شيء منهنّ فهو شهيد: المقتول في سبيل اللّه شهيد، والغرق في سبيل اللّه شهيد، و المبطون في سبيل اللّه شهيد، و المطعون في سبيل اللّه شهيد، والنفساء في سبيل اللّه شهيد. (5)
9.أخرج أحمد في مسنده، عن فروة بن مجاهد اللخني، عن عقبة بن عامر، قال: لقيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: لي: يا عقبة بن عامر، صل من قطعك، واعط من حَرَمك، واعفو عمن ظلمك. (6)
____________
1 . مسند أحمد: 4|147.
2 . صحيح مسلم: 4|139، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه.
3 . سنن ابن ماجة: 2|755 برقم 2246.
4 . سنن ابن ماجة: 1|689 برقم 2134.
5 . سنن النسائي: 6|37.
6 . مسند أحمد: 4|158.


الصفحة 372

10. أخرج مسلم في صحيحه عن مرثد، عن عقبة بن عامر، قامعلى قتلى أُحد، ثمّ صعد المنبر كالمودّع للاَحياء والاَموات، فقال: إنّي فرطكم على الحوض وانّ عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة، إنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم، قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على المنبر. (1)
هذا شيء من روائع رواياته، وإليك نزراً من رواياته السقيمة التي تعزى إليه ولا تمتلك الضوابط التي أومأنا إليها في صدر الكتاب، وإليك بيانها.

1. النبي يلعن المحلِّل والمحلّل له
أخرج ابن ماجة في سننه عن أبي مصعب مشرح بن هاعان، قال: قال عقبة بن عامر: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: هو المحلِّل، لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له. (2)
وروى عكرمة، عن ابن عباس: قال: لعن رسول اللّه المحلل والمحلل له.
أقول: ورد النصّ في القرآن الكريم على أنّ من طلّق زوجته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قال سبحانه: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْـرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ) (البقرة|230).
وعلى ضوء ذلك فمن تزوج مطلقة ثلاثاً لم يرتكب أمراً محرّماً ولا مكروهاً، غاية الاَمر لو طلّقها يجوز للزوج المطلِّق نكاحها من بعد طلاق المحلِّل وإلاّ فتبقى الزوجة في حبالته.
____________
1 . صحيح مسلم: 7|68.
2 . سنن ابن ماجة: 1|622 برقم 1936.


الصفحة 373

وإذاً فما هو المبرّر للعن المحلّل؟! وأوضح منه لعن المحلَّل له، فانّاللعن رهن ارتكاب أمر محرم أو مبغوض من قبل الشارع.
نعم لو شرطت الزوجة طلاقها في العقد الثاني بعد المسّ فالنكاح باطل إذا قلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد، أو الشرط باطل والنكاح صحيح، فلا يحلّللزوج الثاني إلاّ إذا ذاق الزوج الثاني عُسيلتها، وذاقت الزوجة عُسيلته فلو طلق عن رضا واختيار فتحل للزوج الاَوّل فما هو وجه اللّعن؟
وتعليل اللعن بارتكاب فعل مكروه ممنوع موضوعاً وحكماً .
2. النبي يلبس الحرير
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، انّه قال: أهدي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فرّوج (1) حرير فلبسه، ثمّصلى فيه، ثمّ انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثمّ قال: لا ينبغي هذا للمتقين. (2)
إنّ لبسهص الفرّوج، إمّا كان قبل تحريم الحرير على الرجال أو بعده، فالثاني لا يصحّ أن ينسب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَنّه ينافي عصمتهص.
وأمّا الاَوّل فلبسه وصلاته كانت جائزة وعندئذ فما هو وجه التعبير عن ذلك العمل الحلال بقوله: «ثمّ انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثمّ قال: لا ينبغي هذا للمتقين»؟! فانّه لا يناسب مكانة العمل الحلال، ويحتمل أن يكون ذيل الحديث من تصورات الراوي.
ويوَيده ما رواه مسلم، عن جابر بن عبد اللّه، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبس يوماً قباءً من ديباج أُهدي له ثمّ أوشك أنْ نزعه، فأرسل به إلى عمر
____________
1 . الفروج هو قباء له شق من خلفه.
2 . صحيح مسلم: 6|143، باب إباحة لبس الحرير للرجل إذ كان به حكة أو نحوها.


الصفحة 374

بن الخطاب، فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول اللّه؟ فقال: نهاني عنه جبرئيل، فجاءه عمر يبكي، فقال: يا رسول اللّه كرهت أمراً واعطيتنيه فمالي؟ قال: إنّي لم أعطكه لتلبسه انّما أعطيتكه تبيعه، فباعه بألفي درهم. (1)
والظاهر وحدة الواقعة ولكن ليس في الحديث الثاني ما في الحديث الاَوّل من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نزعه نزعاً شديداً كالكاره له.

3. كلّ ميت يختم على عمله إلاّالمرابط
أخرج الدارمي عن مشرح، قال: سمعت عقبة بن عامر، يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: كلّ ميت يختم على عمله إلاّالمرابط في سبيل اللّه فانّه يجزى له عمله حتى يبعث. (2)
الحديث ظاهر في الحصر، و لكنّه يخالف ما نقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّمن ثلاث.
أخرج ابن ماجة، عن عبد اللّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خير ما يخلِّف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعملُ به من بعده. (3)
والحديث يدل على أنّ غير المرابط أيضاً لا يختم على عمله.
نعم لو حاولنا الجمع بين الروايتين فلا محيص من حمل الحصر الاَوّل على الحصر الاِضافي لا الحقيقي، وإن كان الحمل على خلاف الظاهر.
____________
1 . صحيح مسلم:6|141.
2 . سنن الدارمي: 2|211، باب فضل من مات مرابطاً؛ وأخرجه أحمد في مسنده:4|150.
3 . سنن ابن ماجة: 1|88 برقم 241 باختلاف يسير في اللفظ.


الصفحة 375

4. أسلم الناس و آمن عمرو بن العاص
أخرج الترمذي، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. (1)
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث أبي لهيعة عن مشرح بن هاعان وليس اسناده بقوي.
أقول: تشير الرواية إلى أنّ عمرو بن العاص آمن بلسانه وقلبه و الآخرون أسلموا بلسانهم لا بقلبهم، وهذا ممّا يخالف الواقع، إذ قد آمن قبله أُناس من المهاجرين الذين اتّفق المسلمون على إيمانهم وتصديقهم، كعلي بن أبي طالب وعبد اللّه بن مسعود وجندب بن جنادة(أبي ذر) وجعفر الطيار، وحمزة بن عبد المطلب، ولفيف من الاَنصار كأُبي بن كعب وأسعد بن زرارة وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وعندئذٍ فلو صحت الرواية فلابدّ أن يحمل الناس على طائفة خاصة من قريش وغيرهم الذين آمنوا مع عمرو بن العاص، فهوَلاء أسلموا ـ إسلام الاَعراب ـ و عمرو بن العاص آمن، فلاحظ.

5. حقّالضيافة يوَخذ عنوة
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، انّه قال: قلنا يا رسول اللّه انّك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقّ الضيف الذي ينبغي لهم. (2)
____________
1 . سنن الترمذي: 5|687 برقم 3844.
2 . صحيح مسلم: 5|138، باب الضيافة ونحوها من كتاب اللقطة.


الصفحة 376

أقول: الضيافة سيرة عقلائية قامت على أساس تكريم الضيف الوارد وتبجيله واحترامه عن طيب نفس.
وأمّا إذا لم تكن مصحوبة بطيب النفس فتفقد الضيافة معناها، وتزيد في الطين بلّة إذا قام الضيف بأخذ حقّه من المضيِّف جبراً وعنفاً فهذا ينبت العداوة والبغضاء بينهما، فلا يصلح للاِسلام الداعي إلى الاَخاء والتسامح أن يأمر الضيف بأخذ حقّه من المضيف.
ولما كانت الرواية على خلاف الاَصل الثابت في الاِسلام، أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يحلّ مال امرىَ مسلم إلاّبطيب نفسه» أو قوله: «الناس مسلّطون على أموالهم»، ذهب شرّاح الحديث إلى تأويله بتأويلات مجانفة عن الحق.
من حمله على المضطرين، أو تأويله بأنّ المراد من أخذ الحقّ هو الاَخذ من أعراضهم بالاَلسنة وذكر لوَمهم وبخلهم للناس والعيب عليهم وذمهم إلى غير ذلك من الوجوه الموَوِّلة.
والتأويل الاَوّل وإن كان لا بأس به في ذاته، لكنّه يخالف ظاهر الحديث، وأمّا الثاني فبعيدعن روح الاِسلام وهو أن يسوِّغ للضيف ذكر أخيه باللوَم، والاَخذ من عرضه بحجّة انّه لم يضيّفه، وقد ذكر الاِمام النووي تأويلات أُخرى.(1)
أضف إلى ذلك انّه يخالف ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي شريح العدوي، قال: سمعت أُذناي وأبصرت عيناي حين تكلّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته يا رسول اللّه؟ قال: يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام، قال: قال: فما وراء ذلك فهو صدقة عليه.
____________
1 . شرح صحيح مسلم، للنووي: 12|275.


الصفحة 377

وقال: من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. (1)
ومعنى الحديث انّه ليس وراء ذينك الاَمرين شيء آخر وهو أخذ حقّ الضيافة من المضيِّف.
____________
1 . صحيح مسلم: 5|138، باب الضيافة ونحوها من كتاب اللقطة.


الصفحة 378

 

21
جبير بن مُطعِم


( ... ـ 59هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. لعرشه سبحانه اطيط كاطيط رحل الاِبل
2. نزول اللّه في كلّليلة إلى السماء الدنيا
ابن عَدِّيّ بن نوفَل بن عبد مناف بن قصيّ، شيخ قريش في زمانه، أبو محمد، ويقال أبو عدي القرشي النوفلي، ابن عمِّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
من الطلقاء الذين حَسُن إسلامُهم،وقد قدم المدينة في فداء الاَُسارى من قومه.
وكان أبوه هو الذي قام في نقض صحيفة القطيعة،وكان يحنو على أهل الشِّعب ويصلْهم في السرّ، ولذلك يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر:
«لو كان مُطْعِم بن عديّ حيّاً وكلّمني في هوَلاء النّتنى لتركتهم له» وهو الذي أجار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رجع من الطائف حتى طاف بعمرة.
روى عنه: ولداه محمد ونافع، وسليمان بن صرد، وسعيد بن المسيب،


الصفحة 379

وأبو سلمة بن عبد الرحمان،وعبد الرحمان بن أزهر، وعبد اللّه بن باباه، ويحيى بن عبد الرحمان بن حاطب، و إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف.
توفي جبير بن مطعم سنة تسع و خمسين. (1)
وقدجمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت ثلاثين حديثاً. (2) عزيت إليه روايات رائعة وأُخرى سقيمة.

فمن روائع رواياته
أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن أبي سليمان، عن جبير بن مطعم، أنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية». (3)
وقد رويت عنه ما لا تستقيم مع الضوابط التي تلوناها في صدر الكتاب.

1. للعرش اطيط كاطيط الرحل
أخرج أبو داود، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جدّه، قال: أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرابي، فقال: يا رسول اللّه، جهدت الاَنفس،وضاعت العيال، ونهكتِالاَموال، وهلكت الاَنعام فاستسق اللّه لنا، فإنّا نستشفع بك على اللّه، ونستشفع باللّه عليك.
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 3|95 برقم 18.
2 . المسند الجامع: 4|461 برقم 85.
3 . سنن أبي داود: 4|232 برقم 5121.


الصفحة 380

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ويحك، أتدري ما تقول؟ وسبَّح رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فمازال يسبِّح حتى عُرفَ ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال: ويحك، انّه لا يستشفع باللّه، على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللّه؟ إنّعرشه على سماواته لهكذا ـ و قال باصابعه: مثلَ القبَّة عليه، و إنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب. (1)
قال الطيبي في عون المعبود:
1. «لهكذا» بفتح اللام الابتدائية دخلت على خبر «إنّ » تأكيداً للحكم.
2. «قال بأصابعه» أي أشار بها.
3..«مثل القبّة عليه» قال القارىَ: حال من العرش أي مماثلاً لها على ما في جوفها.
قال الطيّبي: هو حال من المشار به، و«في قال» معنى الاِشارة، أي أشار بأصابعه إلى مشابهة هذه الهيئة وهي الهيئة الحاصلة للاَصابع الموضوعة على الكف، مثل حالة الاِشارة.
4. و«انّه» أي العرش.
5. «ليئطُّ» بكسر الهمزة وتشديد المهملة أي يُصوِّت.
6. «به»أي باللّه تعالى.
7. «أطيط الرحل» أي كصوته، والرحل كور الناقة.
8. «بالراكب» أي الثقيل.
وفي النهاية: أي انّالعرش ليعجز عن حمله وعظمته، إذ كان معلوماً ان
____________
1 . سنن أبي داود: 4|232 برقم 4726.


الصفحة 381

أطيط الرحل بالراكب إنّما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله. (1) ووصفه سبحانه بهذا النحو لاَجل افهام الاَعرابي بأنّه من له هذه العظمة لا يكون شفيعاً، لدى الغير.
هذا هو مفاد الحديث وهو كما ترى نص في التجسيم وذلك:
أوّلاً: أثبت للّه مكاناً، وهو العرش وأخلى العالم كلّه من وجوده المحيط القيوم.
ثانياً: أثبت انّ اللّه مماس للعرش مماسّة الراكب بالرحل.
ثالثاً: أثبت له الثقل الذي هو من خصائص المادة، وانّ العرش يئنّ من حمله، كما يئنّ الرحل من ثقل الراكب.
هذا هو التجسيم الواضح الذي عليه اليهود و الوثنيون . تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وقد انقسم المحدثون وغيرهم في تفسير هذه الرواية ونظائرها التي يعبّر عنها في علم الكلام بالصفات الخبريّة إلى طوائف.
الاَُولى: المشبهة:وهم الذين يجرون هذه الصفات على اللّه سبحانه بنفس المعاني المرتكزة في أذهان الناس دون أيّ تصرف، ولذلك قالوا: إنّ للّه يدين ورجلين وعينين مثل الاِنسان.
ويعرفهم الشهرستاني في ملله و نحله بقوله:
أمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء، والوجه واليدين والجنب، والمجيء والاِتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند إطلاق هذه الاَلفاظ على الاَجسام، وكذلك ما ورد في الاَخبار من الصورة وغيرها في
____________
1 . عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 13|14.


الصفحة 382

قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرّحمن» و قوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» و قوله: «قلبُ الموَمن بين أصبعين من أصابع الرّحمن» وقوله: «خَمَّر طينةَ آدم بيده أربعين صباحاً» وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي» وقوله:«حتى وجدتُ بردَ أنامله على كتفي» إلى غير ذلك، أجروها على ما يتعارف في صفات الاَجسام، وزادوا في الاَخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فانّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه (اللّه) فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، و انّ العرش ليئط من تحته كاطيط الرحل الجديد، و انّه ليفضل من كلّ جانب، أربع أصابع، وروى المشبهة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «لقيني ربّي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله». (1)
ولا أظن لمسلم أن يعتنق التشبيه والتجسيم فانّه كفر وضّاح مخالف للذكر الحكيم، لاَنّه سبحانه ليس كمثله شيء.
الثانية: المفوضة: وهم طائفة من الاَشاعرة اختاروا مسلك التفويض، وحاصله: الاِيمان بكلّ ما جاء من القرآن والسنة من الصفات التي وصف اللّه سبحانه نفسه بها إجمالاً، وتفويض ما يراد منها إليه، وربّما يظهر ذلك من الرازي، حيث يقول: إنّ هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها غير ظاهري، كما يجب تفويض معناها إلى اللّه ولا يجوز الخوض في تفسيرها. (2)
يلاحظ عليه: انّ معنى التفويض تعطيل العقول عن التفكير في المعارف والاَُصول، فكأنّ القرآن الغاز نزلت على قلب النبيوليس كتاب هداية وتعليم وإرشاد، قال تعالى: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلٍّ شَيءٍ) (النحل | 89) فإذا كان
____________
1 . الملل والنحل:1|105ـ 106.
2 . أساس التقديم، ص 223 كما في علاقة الاثبات، ص 102.


الصفحة 383

تبياناً لكلّشيء، فلماذا لا يكون تبياناً لنفسه أيضاً ؟
وكيف يكون الواجب، الاعتقاد من دون فهم معناه؟ وما فائدة ذلك الاعتقاد إذا لم يعلم واقع المعتَقَد ومفهومه؟
ومذهب التفويض يلازم ترك البحث في قسم من الآيات الواردة في القرآن الكريم فكأنّها وردت للقراءة والتلاوة لا للفهم والدراية ولا للتدبّر والتفكر.
قال سبحانه: (أَفَلا يَتَدبَّرُونَ القرآنَ أَمْ عَلى قُلوبٍ أَقْفالُها) (محمد|24).
الثالثة: المثبتة للصفات بلا تكيف: انّ هذه الطائفة تجري الصفات الخبرية على اللّه سبحانه بالمعنى المتبادر منها، لكن مع التنزيه عن التشبيه والتجنب عن التكييف.
قال الاِمام الاَشعري في الاِبانة: «وانّ اللّه استوى على عرشه»، كما قال: (الرّحمنُ على العرشِ استوى) (1) انّ له وجهاً بلا كيف، كما قال: 54321وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والاِِكْرام) (2) وانّ له يدين بلا كيف، كما قال: 54321خَلقْتُ بِيَدَيّ) (3) وكما قال: (بَلْيَداهُ مَبْسُوطَتان) (4) وانّ له عيناً بلا كيف، كما قال: 54321تَجرِي بِأَعْيُنِنا) (5).(6)
يلاحظ عليه: أنّ هذا المذهب جَمع بين الضدين أو النقيضين، فمن جانب يحاول أن يجري الصفات بالمعنى المتبادر منها في العرف، ومن جانب آخر ينفي الكيفية، ومن المعلوم انّ الجمع بينهما جمع بين الوجود والعدم، و ذلك لاَنّ واقع اليد بالمعنى العرفي و هكذا العين بالمعنى اللغوي، يتقوّم بالكيفية فنفيها في مورده سبحانه نفي لهذه الصفات بمعانيها العرفية، فكيف يُثبتها بمالها من المعاني العرفية مع نفي الكيفية، لاَنّاليد مثلاً حقيقة في اليد بما لها من
____________
1 . طه: 5.
2 . الرحمن: 27.
3 . ص: 75.
4 . المائدة: 64.
5 . القمر: 14.


الصفحة 384

الكيفية فنفي الكيفية في الحقيقة نفي للاَمر المقوّم بمالها من المفهوم العرفي.
وبعبارة أُخرى انّإجراء هذه الصفات على اللّه سبحانه بنفس معانيها العرفية لا ينفك عن إثبات الكيفية والسمات البشرية لها، لاَنّ المفروض انّها وضعت لمعان بكيفيات خاصة، فإثبات العين بالمعنى العرفي، و نفي الكيفية إثبات للشيء حين نفيه، و بذلك يظهر انّ عقيدة الاَشعري أعني الاِثبات بلا كيف يلازم التعقيد و الاِبهام في العقيدة.
ولو صحّ إثبات هذه المعاني على اللّه بقيد نفي الكيف، فليصح أن يقال: إنّ اللّه جسم لا كالاَجسام، عرض لا كسائر الاَعراض.
وبطلانه من الوضوح بمكان.
الرابعة: الموَوّلة
المراد من الموَولة من يحملون هذه الصفات على المعاني الكنائية، مثلاً يفسرون اليد بالنعمة، والقدرة، والاستواء على العرش بالاستيلاء، وإظهار القدرة، وهوَلاء هم المعتزلة، وربّما يوجد بين المحدثين من يعتقد بذلك.
قال الخطابي في تفسير الحديث الذي نحن بصدده:
هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن اللّه تعالى وعن صفاته منفية، فعُقِل ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنّما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة اللّه وجلاله جلّ جلاله، وإنّما قصد به افهام السائل بقدر فهمه إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام و ما لطف منه عن إدراك الافهام. (1)
____________
1 . عون المعبود: 13|15.


الصفحة 385

أقول: إذا أريد من التأويل: هو صرف ظاهر القرآن والسنة عن معناه الجُمْلي والمضمون التصديقي لاَجل كونه مخالفاً للعقل، فهو أمر غير صحيح وذلك لاَنّ الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة منزّهان عمّا يخالف صريح العقل ولا أظن انّ مسلماً واعياً يتفوه بذلك.فالتأويل بغية رفع التعارض بين العقل و النقل، أمر مرفوض لامتناع وجود التعارض بين النقل القطعي والعقل الصريح حتى نعالجه بالتأويل، فأحد الاَمرين باطل، امّا النقل، وامّا العقل.
وأمّا إذا أريد من التأويل: هو صرف الكلام عن معناه التصوري والمضمون الابتدائي والتأكّد من معناه التصديقي والجُمْلي، فهذا أمر معقول جدّاً عملاً بما دعا إليه القرآن الكريم بالتدبّر في آياته وليس هذا تأويلاً في الحقيقة.
وعليه فتفسير آية الاستواء واليد والعين بما ذكر في الكلام السابق إنّما هو تأويل بالنسبة إلى الظهور الابتدائي الاِفرادي لكلّ من العين و اليد و الاستواء، بأفرادها.
وأمّا بالنسبة إلى الظهور التصديقي والمضمون الجملي لهذه الآيات فليس تأويلاً، وإنّما هو حمل على المعنى العرفي لا على خلافه.
مثلاً قولنا: زيد كثير الرماد، له ظهور تصوري وهو انّ لزيد رماداً كثيراً وظهور تصديقي وهو انّه جواد، فلو صحّ التأويل فإنّما هو بالنسبة إلى المعنى الاِفرادي لكلّ من لفظي الرماد و الكثير وأمّا بالنسبة إلى المعنى الجملي فليس تأويلاً بل من قبيل حمل اللفظ على ظاهره.
وهذا هو الحقّ القراح في تفسير الصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم، وانّه يجب على المفسر التفتيش عن الظهور الابتدائي أو الاِفرادي، ثمّ الظهور النهائي و الجُمْلي، بالامعان في القرائن الموجودة في نفس الآيات امّا قبلها أو بعدها، فتفسيرها اعتماداً عليها، ليس تأويلاً، ولو أطلق عليه فإنّما هو


الصفحة 386

باعتبار ظـهوره البدائي لا النهائي. نعم ما ذكرنا إنّما يتمشّى في آيات الذكر الحكيم لا في مثل الرواية فانّه نصّ في التجسيم غير قابل للتأويل المقبول عند العقلاء، وإنّما يصلح الكلام له إذا كان المعنى الثاني ملازماً للمعنى الاَوّل في نظر العرف كالجود في كثير الرماد، والمراقبة في العين، والتدبير في الاستواء على العرش، لا في مثل الرواية فهي ساقطة من رأس.
والعجب انّ القوم طرقوا في تفسير الرواية كلّ باب ولم يطرقوا باب القرآن والعقل.
وهذا هو مصنّف عون المعبود قد بسط الكلام في نقل الحديث واسناده وما ذكره المحدثون حول سنده فانتهى إلى تسويد عشرين صفحة في هذا المورد وغفل عن أنّ مفتاح حلّ تلك المعضلة بيد القرآن والعقل، لا في الرجوع إلى كلمات المحدثين ولا المناقشة في الاسناد.
ثمّ إنّ البيهقي ـ من الاَشاعرة التي تميل إلى التنزيه ـ ناقش في سند الحديث، وقال: هذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار ،عن يعقوب بن عتبة. وصاحبا الصحيح لم يحتجا به، وإنّما استشهد مسلم بن الحجاج بمحمد بن إسحاق في أحاديث معدودة اظنهنّ خمسة قد رواهنّ غيره إلى آخر ما ذكر.(1)

2. نزول اللّه في كلّليلة إلى السماء الدنيا
أخرج أحمد في مسنده، عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبيقال: ينزل اللّه عزّ وجلّ في كلّليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ حتى يطلع الفجر. (2)
____________
1 . عون المعبود: 13|9، ولاحظ الاَسماء و الصفات للبيهقي.
2 . مسند أحمد:4|81.


الصفحة 387

ويكفي في كون الحديث مندسّاً في الاَحاديث الاِسلامية انّه يثبت النقلة والحركة للّه تبارك و تعالى أوّلاً، كما يثبت له مكاناً ثابتاً مستقراً فيه ثانياً، ونداءً ثالثاً.
و من الواضح انّ كلّ ذلك من صفات الممكن لا الواجب، فليس له سبحانه مكان خاص حتى ينتقل منه إلى السماء الدنيا وليس له صوت و نداء، ومع غض النظر عن ذلك، فما هي فائدة هذا النزول إلى السماء الدنيا ؟ إذ في وسعه أن يغفر لكلّ المستغفرين من دون أن يتحمل أعباء الحركة. وما فائدة هذا النداء الذي لا يسمعه أحد من العباد؟
كلّذلك يجعل الحديث في عداد الموضوعات التي تسرّبت إلى الاَحاديث الاِسلامية.
نعم ربّما يوَول الحديث بأنّه كناية عن نزول رحمته في الليل إلى طلوع الفجر، ولكنه تأويل باطل لا يصار إليه بلا قرينة، فإنّ الكناية بلفظ عن معنى إنّما يصحّ إذا كانت بين المعنيين ملازمة عرفية، بحيث ينتقل العرف من المعنى الاَوّل إلى المعنى الثاني كقولنا: زيد طويل النجاد، الملازم لكونه شجاعاً، لا ما إذا لم يكن كذلك، فلا يكنّى بالنزول إلى السماء الدنيا، عن نزول رحمته ولم يلتزم القائل بهذا المعنى إلاّ لرفع التعارض بين النقل و العقل.
وللاِمام الطاهر موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) كلام حول هذه الرواية: روى يعقوب بن جعفر الجعفري عنه (عليه السلام) قال: ذكر عنده قوم يزعمون انّ اللّه تبارك و تعالى ينزل إلى السماء الدّنيا، فقال: إنّ اللّه تبارك وتعالى لا ينزل، ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد،ولم يحتج بل يحتاج إليه، وهو ذو الطول، لا إله إلاّهو العزيز الحكيم، أمّا قول الواصفين: إنّه تبارك وتعالى ينزل فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلُّ متحرك محتاج إلى من يحركه أو


الصفحة 388

يتحرك به، فظن باللّه الظنون فهلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدٍّ تحدّوه بنقص أو زيادة أو تحرّك أو زوال أو نهوض أو قعود، فانّ اللّه جلّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين وتوهم المتوهمين، وتوكّل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. (1)
____________
1 . الصدوق، التوحيد،183، باب نفي المكان برقم 18.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة