الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  
الصفحة 285
6. لم يسلم أحد قبل سعد
أخرج البخاري في باب مناقب سعد، قال: عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص قال: ما أسلم أحد إلاّ في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإنّي لثُلُثُ الاِسلام. (1)
إنّ معنى الرواية كما ذكره ابن حجر هو انّه لم يسلم أحد قبله، ولما وقف ابن حجر على بطلانه، عاد يوَوِّل المرويّ عن سعد، ويقول: والسبب فيه انّ من كان أسلم في ابتداء الاَمر كان يخفي إسلامه، ثمّ أوضح معنى قوله وانّي لثلث الاِسلام بأنّه أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي وأبا بكر وقد كانت خديجة أسلمت قطعاً ولعلّه خصَّ الرجال.
وعلى أيّة حال فلم يكن سعد أوّل من أسلم لا خفاءً ولا علانية، وقد تضافرت الروايات على أنّ أوّل من أسلم هو علي بن أبي طالب، و إليك بعض ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصدد.
1. أخرج الحاكم في مستدركه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: أوّلكم وارداً ـ وروداً ـ على الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب. (2)
كيف يكون هو أوّل من أسلم مع أنّ حديث بدء الدعوة يشهد بوضوح انّعليّاً (عليه السلام) هو أوّل من أسلم.
روى الطبري في تاريخه: انّه لما نزل قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبينَ) دعا النبي عليّاً (عليه السلام) فقال له : يا علي إنّاللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الاَقربين، إلى أن قال: فلما جاء القوم خاطبهم بقوله: يا بني عبد المطلب
____________
1 . صحيح البخاري: 5|22، باب مناقب سعد.
2 . الحاكم، المستدرك: 3|136 وصححه تاريخ بغداد: 2|81.

الصفحة 286

إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، فقام علي (عليه السلام) ، وقال: أنا يا نبيّ اللّه فأخذ برقبته، وقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. (1)
2. قال الحاكم النيسابوري: ولا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ انّ علي ابن أبي طالب (رض) أوّلهم إسلاماً. (2)
3. وقال ابن عبد البر: اتّفقوا على أنّ خديجة أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدقه فيما جاء به ثمّ علي بعدها. (3)
4. وقال المقريزي: وأمّا علي بن أبي طالب فلم يشرك باللّه قط، وذلك انّ اللّه تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد، فعندما أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي وأخبر خديجة وصدّقت كانت هي، وعلي بن أبي طالب وزيد ابن حارثة يصلون معه... إلى أن قال: فلم يحتج عليّ(رض) أن يُدعى ولا كان مشركاً حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان عمره عندما أوحى اللّه إلى رسوله ثماني سنين وقيل سبع سنين، وقيل: إحدى عشر سنة، وكان مع رسول اللّه في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله. (4)
روى ابن الاَثير عن أبي يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أُريد أنْ ابتاع لاَهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس بن عبد المطلب، وكان رجلاً تاجراً، فأنا عنده جالس حيث انظر إلى
____________
1 . تاريخ الطبري: 2|216 وللحديث مصادر كثيرة اكتفينا بما ذكر.
2 . المعرفة:22.
3 . الاستيعاب: 2|457.
4 . الامتاع: 42.


الصفحة 287

الكعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثمّ قام مستقبل الكعبة، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة، فقلت: يا عباس أمر عظيم، قال العباس: أمر عظيم تدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد اللّه ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته، انّابن أخي هذا أخبرني انّ ربّه ربّالسماء والاَرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ولا واللّه ما على الاَرض كلّها أحد على هذا الدين غير هوَلاء الثلاثة. (1)

7. دخول الاَُمّة قاطبة الجنة بشفاعة النبيّ
أخرج أبو داود، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة نريد المدينة، فلما كنّا قريباً من عَزْوَرا نزل ثمّ رفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه ساعة ثمّ خرّ ساجداً.
ذكره أحمد ثلاثاً: قال: «إنّي سألت ربي وشفعت لاَُمتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً شكراً لربي، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربّي لاَُمّتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربي لاَُمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجداً لربي. (2)
____________
1 . أُسد الغابة: 3|414ـ 415؛ ورواه النسائي في خصائصه: 3؛ ولاحظ الاستيعاب: 2|559. وكان النبي يصلّي إلى الكعبة قبل الهجرة و إنّما صلّى إلى بيت المقدس في المدينة بعدها إلى سبعة عشر شهراً.
2 . سنن أبي داود: 3|90 برقم 2775.


الصفحة 288

إنّ الامعان في الآيات الواردة حول الشفاعة تثبت بأنّها حقّ خاص باللّه سبحانه يأذن لعدّة خاصّة من عباده المقربين، ولا يأذن لهم أن يشفعوا إلاّ في حقّ عدّة معينة، فقد وضع القرآن حدوداً وقيوداً في الشافع والمشفوع له.
إنّ الشفاعة في حقّ من قطعوا صلتهم باللّه سبحانه فلم يوَمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، منتفية قطعاً لا تنالهم شفاعة الاَنبياء.
قال سبحانه: (يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَد جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُردُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الّذي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (الاَعراف|53) . وقال سبحانه: (وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعين) (المدثر|46 ـ 48).
وثمة روايات متضافرة تحدد شفاعة الاَنبياء، ومع ذلك فكيف ورد في هذه الرواية انّ الاَُمّة بقاطبتها عادلها وظالمها، تقيّها وفاجرها، صالحها وطالحها على حدّ سواء في الشفاعة، واللّه سبحانه يقبل شفاعة نبيّه في حقّهم؟!
ولا يراد من الاَُمّة في الرواية إلاّ من آمن باللّه ورسوله وإن فسق وفجر وخضب الاَرض بإراقة دماء الاَبرياء.
8. عمر أفظّ وأغلظ من رسول اللّه
أخرج البخاري في صحيحه، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده نسوة من قريش يكلّمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمنَ فبادرن الحجاب، فأذن له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل عمر ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يضحك.
فقال عمر: أضحك اللّه سنَّك يا رسول اللّه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):


الصفحة 289

عجبت من هوَلاء اللاتي كنَّ عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: فأنت أحقّ أن يهبن يا رسول اللّه، ثمّ قال عمر: يا عدوّات أنفسهنّ أتهبنني ولا تهبنَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اِيهاً يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قطّ إلاّ سلك فجّاً غير فجِّك». (1)
وثمة شكوك تحوم حول تلك الرواية:
أوّلاً: انّ ظاهر الرواية انّ النبي اجتمع مع نسوة من قريش وهنّ أجنبيات من دون أن يضرب ساتر بينهما، وهذا لا يليق بأن ينسب إلى موَمن فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويعلم ذلك من خلال بيان أمرين:
الاَمر الاَوّل: انّ التعبير بقوله: «وعنده نسوة من قريش» يعرب انّفيهنّ أجنبيات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ فلو كان المراد زوجاته لكان اللازم التعبير بالزوجات لا بنسوة من قريش.
على أنّ بعض زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكنَّ من قريش فمثل ميمونة بنت حُييّ بن أخطب كانت يهودية فأسلمت، ومارية القبطية أهديت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنجبت له إبراهيم.
وقوله يستكثرنه بمعنى انّهنّ يكثرن الكلام عنده لا أنّهن يطلبن نفقة كثيرة.
الاَمر الثاني: انّ الاجتماع كان بعد نزول آية الحجاب، بشهادة انهن ابتدرن للحجاب عندما أقبل عليهنّ عمر بن الخطاب.
ولازم هذين الاَمرين أن يجتمع النبي مع نساء أجنبيات دون أن يضرب ساتر بينهما.
____________
1 . صحيح البخاري: 5|11، باب مناقب عمر.ونقله مسلم في صحيحه:7|115 باب فضائل عمر.


الصفحة 290

ثانياً: انّ لازم صحّة الخبر أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والعياذ باللّه ـ فظاً غليظ القلب وإن كان أقلّ من فظاظة عمر، مع أنّه سبحانه ينفي عنه هذه التهمة، قال سبحانه: (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران|159) إلاّ أن يحمل على جهل النسوة بحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأفته.
ثالثاً: انّ ظاهر قوله: إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قط إلاّسلك فجّاً غير فجّك» يدل على عصمته وكونه من المخلَصين ودخوله في قوله سبحانه: (ولاَُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاّعِبادكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ) (الحجر|39ـ40).فالشيطان عندما يلتقي مع الاَنبياء لا يسلك فجّاً غير فجّهم بل يقابلهم فيوسوس إليهم: قال سبحانه : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطان قالَ يا آدَمُ) (طه|120) ولكنّه عندما يلتقي مع عمر، يسلك فجّاً آخر، فهل يصحّ ذلك يا تُرى؟!
وثمّة رواية أُخرى عن جابر رواها مسلم ربما تكون قرينة على تفسير الحديث السابق.
روى مسلم، عن جابر بن عبد اللّه، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد الناس جلوساً ببابه لم يوَذن لاَحد منهم، قال: فأذن لاَبي بكر ودخل، ثمّ أقبل عمر فأستأذن فأذن له فوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حوله نساوَه واجماً ساكتاً، قال: لاَقولنّ شيئاً أُضحك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال : يا رسول اللّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة : يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألنّرسول اللّه ما ليس عنده فقلن: واللّه لا نسأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهنَّ شهراً أو تسعاً وعشرين ثمّ نزلت إليه هذه الآية: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاََزْواجِكَ ـ حتى بلغ ـ لِلْمُحْسناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) (الاَحزاب|28ـ 29).


الصفحة 291

فبدأ بعائشة وقال: يا عائشة إنّي أُريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول اللّه؟فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول اللّه استشير أبويّ؟ بل أختار اللّهورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهنّ إلاّأخبرتها، انّاللّه لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسِّراً. (1)
وعلى ضوء هذا الحديث يكون المراد من نساء قريش هو زوجاته ونساوَه، ولا يكون اجتماعه اجتماعاً مع أجنبيات، ولكنّه وإن رفع الاِشكال الاَوّل لكنّه زاد في الطين بلّة، لاَنّه يصرح بأنّ كلاً من الشيخين قاما ليجآ ويضربا بنتيهما (زوجتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ) مع أنّهما كانتا تطلبان النفقة الواجبة التي عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة قولهما: (فقلن واللّه لا نسأل رسول اللّه شيئاً أبداً ليس عنده) فعند ذلك كان سوَالهما سوَالاً شرعياً، وطعن الشيخين وضربهما أمراً غير مشروع بالمرة، إلاّ أن يكون تكلمهما وضربهما لاِيجاد السرور ورفع الحزن عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثمّ إنّه ليس فيما رواه مسلم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: إيهاً يا ابن الخطاب «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً... الخ » عين ولا أثر ولا أظن أحداً من المحدثين يتمسّك في المقام لاِثبات صحّة ما سقط في حديث مسلم بقاعدة «تقدم النقيصة على الزيادة وانّ القول بسقوط الزيادة عن رواية مسلم أولى من القول بأنّ الراوي أضاف من نفسه بلا وعي» فانّ تلك القاعدة إنّما تتمشى إذا لم تكن قرينة على العكس، فانّه من البعيد أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمدح عمر بن الخطاب وينساه الراوي، أو يمدحه وعنده من هو أفضل منه وأقدم منه إسلاماً، فانّ ذلك يعد نوع إهانة لاَبي بكر.
____________
1 . صحيح مسلم: 4|187، باب تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلاّ بالنية.


الصفحة 292

وعلى أيّة حال فالروايتان ـ على الرغم من رواية مسلم والبخاري لهما ـ لا يخلوان من إشكالات وتساوَلات، والنفس لا تسكن لما جاء فيهما.

9. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً
أخرج مسلم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثمّ انصرف إلينا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربّي أن لا يهلك أُمتي بالسَّنَةِ فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أُمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. (1)
هذا ما رواه مسلم عن سعد، ولكن روى الاِمام أحمد، عن معاذ بن جبل نفس الرواية بنحو آخر، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه، فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليتَ صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت اللّه عزّ وجلّثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليَّ. (2)
فالنبي حسب رواية سعد سأل اللّه سبحانه الثلاثة التالية:
1. أن لا يهلك أُمّته بالسّنة، والمراد بها المجاعة العامّة التي تعم الجميع، لا أن تصيب ناحية دون أُخرى.
2. أن لا يهلكهم بالغرق.
____________
1 . صحيح مسلم: 8|171ـ172، باب هلاك هذه الاَُمّة بعضهم ببعض.
2 . مسند أحمد: 6|317.


الصفحة 293

3. أن لا يجعل بأسهم بينهم.
ولكن الثلاثة التي سألها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية معاذ بن جبل (1) ، عبارة عن الاَُمور التالية: 1. أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم.
2. أن لا يهلك أُمّته غرقاً.
3. أن لا يجعل بأسهم بينهم.
فالحديثان يشتركان في الثاني والثالث دون الاَوّل.
وقد رواه مسلم أيضاً عن ثوبان بنحو آخر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي سألت ربّي لاَُمّتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ بعامّةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربي قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يرد وإنّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضاً و يسبي بعضهم بعضاً. (2)
فقد جاء في هذا الحديث السوَالان المقضيان دون الثالث، كلّ ذلك يعرب عن اضطراب الحديث في النقل ولا يصحّ الاعتماد عليه.
ثمّ إنّ ثمة تساوَلات وهي:
1. انّ النبي سأل أن لا يهلك أُمّته، فما هو المراد من هذا السوَال؟ أسأل أن لا يكون غلاء في صقع معين من نواحي الاَمصار الاِسلامية، أو المراد هو المجاعة العامة التي تُهلك الاَُمة من رأس؟
____________
1 . لاحظ ص 86.
2 . صحيح مسلم: 8|171، باب هلاك هذه الاَُمّة بعضهم ببعض.


الصفحة 294

أمّا الاَوّل فلم يستجب دعاوَه، فما أكثر الغلاء في الاَقطار الاِسلامية لا سيما في العصر الحاضر .
وأمّا الثاني فالدعاء كان أمراً لغواً لاَنّه سبحانه وعد في الذكر الحكيم بقاء الاَُمّة الاِسلامية إلى يوم القيامة، قال سبحانه: (أَنَّ الاََرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُون) (الاَنبياء|105) وقال سبحانه: (هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة|33) وقال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاََرْضِكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَر بَعْدَذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ) (النور|55).
2. انّ السوَال الاَخير أي «لا يجعل بأسهم بينهم» من الاَدعية التي لا تستجاب أبداً، لاَنّه على خلاف السنن السائدة في الكون، و الاختلاف أمر طبيعي لكافة أبناء البشر، فكيف يطلب النبي من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم وهو القائل: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة؟
رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. (1)

10. اللّه ليس بأعور
أخرج أحمد في مسنده، عن داود بن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه،
____________
1 . المستدرك على الصحيحين: 1|128، وقد أشبعنا الكلام في هذا الموضوع عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل، فلاحظ.


الصفحة 295

عن جدّه سعد انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه لم يكن نبي إلاّ وصف الدجال لاَُمّته، ولاَصفنّه صفة لم يصفها أحد قبلي، انّه أعور و انّ اللّه عزّ وجلّ ليس بأعور. (1)
هذا الحديث يثبت العضو للّه سبحانه، وانّ للّه عيناً، لكنّه ليس أعور، واللّه سبحانه أجلّ من التجسيم. وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل.
11. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنّة
أخرج مسلم عن عامر بن سعد، قال سمعت أبي يقول: ما سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لحيٍّ يمشي انّه في الجنّة إلاّلعبد اللّه بن سلام. (2)
إنّ أثر الوهن باد على هذا الخبر بوضوح لانطوائه على تناقض سافر للحديث التالي.
أخرج أبو داود في سننه، عن عبد الرحمان بن الاَخنس، انّه كان في المسجد فذكر رجل عليّاً (عليه السلام) فقام سعيد بن زيد، فقال: «أشهد على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّي سمعته وهو يقول عشرة في الجنّة: النبيّفي الجنة، وأبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعلي في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير بن العوام في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنّة ، و عبد الرحمان بن عوف في الجنّة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت: قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد. (3)
____________
1 . مسند أحمد: 1|176.
2 . صحيح مسلم : 7|160، باب فضائل عبد اللّه بن سلام؛ و أخرجه أيضاً البخاري: 5|37، باب مناقب عبد اللّه بن سلام.
3 . سنن أبي داود: 4|211 برقم 4649.


الصفحة 296

وهذا التناقض بين الحديثين يجرّنا إلى القول بوضع أحد الحديثين أو كليهما، ومن البعيد أن لا يسمع سعد ما سمعه سعيد بن زيد من النبيّ في حقّ العشرة المبشرة بالجنة مع أنّه هو منهم.
أضف إلى ذلك أنّ لازم صحّة الخبر الاَوّل أن يصل عبد اللّه بن سلام اليهودي ـ الذي أسلم وبث طائفة كبيرة من الاِسرائيليات في أوساط المسلمين ـ مرتبة يتفوّق فيها على أكابر الصحابة وأعيانهم الذين ضحوا بنفسهم ونفيسهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه.
ثمّ إنّ الذي يسيء الظن بصحة الحديث الثاني انّالناقل هو سعيد بن زيد وهو أحد تلك العشرة المبشرة.
وما أحسن ما يقال: «بأبي زوجة تمدحها أُمّها» وأقول: «بأبي راوٍ ينقل عن النبي انّه من أهل الجنّة».
إنّ طبيعة الحال تقتضي أن يدلي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله في حشد كبير، يحضره أكثر العشرة المبشرة بالجنة، لا أن يدلي بكلامه هذا أمام أحدهم خاصّة، ولا يبوح هو أيضاً بما سمعه إلاّ عندما رأى نيل الناس من عليٍّ (عليه السلام) وذكره بالسوء.


الصفحة 297

 

19
أبو هريرة


(21ق.هـ ـ 57هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة
1. محاولة عفريت من الجن قطع صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. الشيطان إذا سمع الاَذان ولى....
3. وجوب الجهاد تحت راية كلّ بر و فاجر.
4. قبول التوبة مع عدم الندم.
5. النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يمنع من كتابة الحديث.
6. من هو خالق اللّه؟
7. انّ اللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً.
8. سليمان يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة.
9. موسى يفقأ عين ملك الموت.
10. روَية اللّه بالعين الباصرة.
11. لا تملاَ النار حتى يضع الرب رجله فيها.
12. نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا.
13. نقض سليمان حكم أبيه داود.
14. ظهور موسى عرياناً أمام الملاَ.
15. اتهام أُولو العزم من الاَنبياء بالعصيان.
16. شك الاَنبياء وتفضيل يوسف على نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) .
17. نبي من الاَنبياء يحرق قرية النمل.
18. أيوب يحثي رجل جراد من ذهب في ثوبه.
19. النبي يوَذي ويجلد ويسب ويلعن من لا يستحق.
20. التلاعب بحديث بدء الدعوة.
21. إيقاع الفعل في وقت لا يسعه.
22. امة مسخت فأراً .
23. أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت
24. أبو هريرة ينسب ما سمعه عن الفضل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
25. إبراهيم يخاصم ربّه .
26. دخول امرأة في النار بسبب هرّة.
27. في إحدى جناحي الذبابة داء وشفاء.


الصفحة 298

إنّ أبا هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، اختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، وقد نقل الذهبي أقوالاً عشرة في اسمه ورجّح انّ اسمه عبد الرحمان بن صخر، كما نقل الاَقوال في اسم أبيه، ولا يهمُّنا التحقيق في اسمهما فقد سرد هشام [بن محمدج بن الكلبي نسب أبيه، بقوله:هو عمير بن عامر بن ذي الشرى بن طريف بن عيّان بن أبي صعب بن هُنيَّة بن سعد بن ثعلبة إلى أن ينتهي إلى نصر بن الاَزد. (1)
ويكنّى أبا هريرة لهرّة صغيرة كان مغرماً بها.
قال ابن قتيبة: إنّ أبا هريرة كان يقول: وكُنِّيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها. (2)
وأخرج ابن سعد في ترجمة أبي هريرة في الطبقات بالاسناد إليه، قال: كنت أرعى غنماً، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت إذا كان الليل وضعتها في شجرة، وإذا أصبحت أخذتها فلعبت بها فكنّوني أبا هريرة. (3) إسلامه
اتّفقوا على أنّه أسلم بعد فتح خيبر، يقول أبو هريرة:
خرج النبي إلى خيبر وقدمت المدينة مهاجراً ،فصلّيت الصبح خلف سِباع ابن عُرفُطة ـ كان استخلفه ـ فقرأ في السجدة الاَُولى [كذاج بسورة مريم، وفي الآخرة (ويلٌ للمُطفِفين) .
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 2|578 برقم 126.
2 . ابن قتيبة: المعارف:158.
3 . الطبقات الكبرى لابن سعد:4|329. وقد جرت سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تبديل الاَسماء والكُنى غير الحسنة، إلى الحسنة منهما ولكنّهص أبقى كنية أبي هريرة على حالها و لم يُغيّرها ، فما هو السرّ في ذلك؟!


الصفحة 299

فقلت: ويل لاَبي، قلّ رجل كان بأرض الاَزد، إلاّ وكان له مكيالان، مكيال لنفسه، و آخر يبخس به الناس. (1)
وعلى ذلك فقد أدرك من عهد الرسالة أربع سنين، إذا صحّ وقوع غزوة خيبر في شهر محرم الحرام، وهو بعدُ محل خلاف بين كُتّاب السيرة النبويّة. ولكن ، قال ابن أبي خالد: حدثنا قيس بن أبي حازم، قال لنا أبو هريرة: صحبت رسول اللّه ثلاث سنين. (2)
والجمع بين القولين هو انّ النبي أمّر العلاء بن الحضرمي في البحرين وبعث معه أبا هريرة موَذِّناً له، فلو لبث فيها سنة واحدة، فقد صحب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ثلاث سنين، و إن أدرك من عهد الرسالة أربع.
ويظهر مما وَصف به أرض الاَزد وما دعا به على والده بقوله: «ويل لاَبي» أنّ منبَته لم يكن منبَت خير، و قد روى هو أيضاً: انّه قال لي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ممن أنت؟ قلت: من دوس، قال: ماكنت أرى انّ في دوس أحداً فيه خير (3).

كثرة أحاديثه
يصفه الذهبي بقوله: الاِمام، الفقيه، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول اللّه، أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحُفاظ الاَثبات، حمل عن النبي علماً كثيراً طيّباً مباركاً ـ لم يُلْحق في كثرته ـ و عن أُبيّ و أبي بكر و عمر و أُسامة وعائشة والفضل وبُصرة بن أبي بُصرة، وكعب الحبر.
حدَّث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، فقيل بلغ عدد أصحابه
____________
1 . سير أعلام النبلاء:2|589.
2 . مسند أحمد:2|475و مختصر تاريخ ابن عساكر:29|182.
3 . مختصر تاريخ ابن عساكر:29|181.


الصفحة 300

ثمانمائة، ثمّ نقل عن صاحب التهذيب أسماء من له رواية عنه في كتب الاَئمّة الستة. (1)
وبلغ مسنده 5374 حديثاً، المتّفق في البخاري و مسلم منها 326، وانفرد البخاري بـ 93 حديثاً، ومسلم بـ 98 حديثاً. (2)
ولم يتفق لاَحد من الصحابة ذلك الحجم الهائل من الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى الرغم من أنّه لم يكن يكتب الحديث ولكنّه حفظ هذا العدد الهائل من الروايات عن ظهر قلب.
وقد روى سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه، عن أخيه همام، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما أحد من أصحاب رسول اللّه أكثر حديثاً عنه منّي، إلاّما كان من عبد اللّه بن عمرو، فانّه كان يكتب و كنت لا أكتب. (3)
وعلى ضوء ذلك فيلزم أن يكونا متكافئين في نقل الحديث مع أنّ المروي عن عبد اللّه بن عمرو أقل بكثير عمّا روي عن أبي هريرة .
فإذا كان المروي عن أبي هريرة 5374 حديثاً، فلازمه أن يكون المروي عن عبد اللّه بن عمرو مثل هذا أو أكثر، مع أنّ المروي عنه سبعمائة حديث، فتكون النسبة بينهما هي السُّبْع، وهذا إن دلّعلى شيء فإنّما يدل على ضعف الاعتماد على مروياته.
وقد اعتذر المعلِّق على سير أعلام النبلاء عن هذا الفارق الشاسع بين الراويتين بوجوه ضعيفة لا يُركن إليها. فمن جملة ما اعتذر به: «انّ عبد اللّه كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلّت الرواية عنه» (4) وفي الوقت
____________
1 . سير أعلام النبلاء:2|578 برقم 126.
2 . سير أعلام النبلاء:2|578 برقم 126.
3 . مختصر تاريخ ابن عساكر: 29|191.
4 . سير أعلام النبلاء: 2|599.


الصفحة 301

نفسه يذكر في الوجه الرابع ما يخالف ذلك و يقول: «إنّ عبد اللّه كان قد ظفر بالشام بحِمْل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدِّث منها، فتجنّب الاَخذ عنه لذلك كثير من أئمّة التابعين».
إنّ عناية عبد اللّه بكُتب أهل الكتاب والنظر فيها والتحديث منها يعرب عن اشتغاله بالتعليم أكثر من العبادة، أو مثلها ولو كان أبو هريرة يحسن القراءة والكتابة أو يمارسها لنقل من حِمْل ذلك الجمل ما شاء.
وعلى أية حال فقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 2740 حديثاً. (1) ضولكن الموجود في مسند أبي هريرة تأ عمر علوش أكثر من ذلك حيث بلغ عدد أحاديثه من المسند والموقوف والمعلّق إلى 6428، وقد جمع ما روي عنه في ثلاثة أجزاء أسماه «التمام الحسن» وهو تتمة جامع المسانيد والسنن تأليف عماد الدين ابن كثير القرشي، طبع في دار الفكر، بيروت.

ملامح من شخصيته
يظهر ممّا روي عنه من الاَقوال والاَفعال انّه كان كثير الهزل، يمارس على كبر سنّه ما يمارسه الاَطفال من الاَفعال.
يقول ابن قتيبة نقلاً عن أبي رافع: كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير فيلقى الرجل، فيقول: الطريق قد جاء الاَمير.
وربّما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون
____________
1 . انظر المسند الجامع:16 و17و18، ولكن المسند الجامع ليس بجامع لا في هذا المورد، ولا في موارد أُخر، وقد وقفنا على روايات لاَبي هريرة في الصحيحين والسنن لم تُذكر في الجامع.


الصفحة 302

بشيءحتى يلقي نفسه بينهم و يضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرُّون.
وربّما دعاني إلى عشائه بالليل، فيقول: دع العراق للاَمير، فانظر فإذا هو ثريدة بزيت. (1)
ونقل عن سعد بن أبي مالك القرظي، قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للاَمير. (2)

حبّه للثروة
يدل ما أثر عنه من فعل وقول انّه كان رجلاً محبّاً للمال وذاخراً له، فلنأت ببعض النماذج الدالة على ذلك:
فعن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا أمسك عنه تكلّم. (3)
روى إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: انّعمر قال لاَبي هريرة: كيف وجدت الاَمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، و نزعتني وقد أحببتها.وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين.
فقال: ما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً.
قال: من أين أصبتها ؟ قال: كنت أتّجر، قال: أنظر إلى رأس مالك و رزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال. (4)

صلته بالبيت الاَموي
وممّا لا يمكن إنكاره انّه كان له صلة وثيقة بالبيت الاَموي، ولذلك كان
____________
1 . ابن قتيبة، المعارف، ص 158.
2 . أبو نعيم، حلية الاَولياء:1|384.
3 . سير أعلام النبلاء:2|615.
4 . المصدر السابق:2|617ـ 618.


الصفحة 303

ينوب مروان بن الحكم في المدينة.
يقول ثابت بن مشحل: قال: كتب الوليد إلى معاوية بموت أبي هريرة، فكتب إليه: أنظر من ترك فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل إليهم معروفاً فانّه كان ممن نصر عثمان و كان معه في الدار. (1)
روى عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة فيقبض على رمانتي المنبر قائماً ويقول: حدثنا أبو القاسم الصادق المصدوق، فلا يزال يحدِّث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الاِمام للصلاة جلس.(2)
هذا وغيره يدل على أنّه كان عثمانيّ الهوى، أمويّ النزعة وإن كان لا يتجاهر به إلاّ انّه يعلم من أحواله، ومع ذلك ففي أحاديثه ما يظهر منه التعاطف مع الحسنين (عليهما السلام) .

دراسة الاِطراءات الواردة في حقّه
قد رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إطراءات عديدة في حقّ أبي هريرة، تشير إلى أنّه كان موضع اهتمام من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلّمه من العلوم النبوية ما لم يُعلّم غيره، ودعا له أن لا ينسى ما تعلمه، فلو ثبتت تلك الروايات، فهو كما قال الذهبي: سيد الحفاظ الاَثبات، ولكن تلك الاِطراءات لم تنقل عن غير طريق أبي هريرة إلاّ القليل، فلنذكر بعض ما رواه هو:
1. روى انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ قلت: أسألك أن تعلمني ممّا علّمك اللّه، فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأنّي أنظر إلى النمل يدبّ
____________
1 . الحاكم النيسابوري، المستدرك:3|508و512.
2 . الحاكم النيسابوري، المستدرك:3|508و512.


الصفحة 304

عليها فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه.
قال: أجمعها فصرها إليك، فأصبحت لا أسقط حرفاً ممّا حدثني.
2. و قال يوماً: إنّكم تقولون انّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللّه، وتقولون ما للمهاجرين والاَنصار لا يحدّثون مثله، و إنّ إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاَسواق، وكان إخواني من الاَنصار يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرىًَ مسكيناً من مساكين الصفّة، ألزم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ملء بطني، فأحضُر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول اللّهفي حديث يحدِّثه يوماً:
انّه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثمّ يجمع إليه ثوبه الاّ وعى ما أقول، فبسطت نمرة عليَّ، حتى إذا قضى مقالته، جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك من شيء.
3. روى الزهري، عن الاَعرج، عن أبي هريرة ،قال: قال أتزعمون انّي أكثر الرواية عن رسول اللّه ـ واللّه الموعد ـ انّي كنت امرأً مسكيناً أصحب رسول اللّه على ملءِ بطني وإنّه حدَّثنا يوماً، وقال: من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي، ثمّ قبضه إليه (1) لم ينس شيئاً سمع مني، ففعلت. فوالذي سمعته منه. (2)
وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر الاسنادين: والاسنادان جميعاً محفوظان صححهما الشيخان. (3)
____________
1 . كذا في المصدر الصحيح ثمّ يقبضه إليه.
2 . سير أعلام النبلاء: 2|595.
3 . فتح الباري: 1|104.


الصفحة 305

وهاهنا سوَالان:
الاَوّل: لماذا خصّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الكرامة بأبي هريرة دون سواه من أصحاب الصفة، ولا أظنُّ انّه لم يكن يوجد بينهم من هو عدل لاَبي هريرة في النيل بهذه الكرامة؟
والثاني: ما معنى انّه بسط ثوبه وأفضى النبي جميع مقالته في ثوبه ثمّهو قبضه إلى صدره فصار ما ألقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عجيناً مع روحه ونفسه فلم ينس ما سمعه أبداً؟
فلو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد أن يُخصِّص هذه الكرامة بأبي هريرة لكان له أن يضع يده على صدره ويدعو له كما فعل ذلك مع غيره نظير، الاِمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . كلّهذه النصوص المنتهية إليه تجعل الاِنسان في حيرة من أمر هذا الرجل.

أبو هريرة متهم في روايته
يظهر ممّا نقله الذهبي وغيره انّ الرجل كان متهماً في روايته بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في عهد الخلافة وبعدها، وإليك بعض ما نقله في ذلك المقام.
1. أخرج غير واحد من الموَرّخين والمحدّثين، عن السائب بن يزيد انّه سمع عمر يقول لاَبي هريرة: لتتركنّالحديث عن رسول اللّه وإلاّ لاَلحقنّك بأرض الدوس. (1)
وقال لكعب: لتتركنّ الحديث أو لاَلحقنَّك بأرض القردة. (2)
لم يكن الخليفة مانعاً عن التحديث بقلة، ولذلك كان يقول: «أقلّوا الرواية
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 2|601.
2 . سير أعلام النبلاء: 2|601.


الصفحة 306

عن رسول اللّه »وإنّما خالف أبا هريرة في تكثيره.
2. روى ابن عجلان أنّ أبا هريرة، كان يقول: إنّي لاَحدِّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمن عمر ، لشجّ رأسي.
3. روى الشعبي قال: حدث أبو هريرة فسرد عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام حتى ارتجَّت الاَبواب.
4. روى إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكثرت يا أبا هريرة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: أي واللّه يا أُمّاه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المِكْحَلةُ، ولا الدهن، قالت: لعلّه.
5. لما أرادوا أن يدفنوا الحسن في الحجرة النبوية وقع خصام.
قال الوليد بن رباح: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: واللّه ما أنت وال،وانّ الوالي لغيرك، فدعه ـ يعني حين أرادوا دفن الحسن (عليه السلام) مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ولكنّك تدخل فيما لا يعنيك، إنّما تريد إرضاء من هو غائب عنك ـ يعني معاوية ـ.
فأقبل عليه مروان مغضباً، وقال: يا أبا هريرة، إنّ الناس قد قالوا أكثر أبو هريرة الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما قدم قبل وفاته بيسير. (1)
6.أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبو هريرة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفضل الصدقة ماترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.
ويقول العبد: اطعمني واستعملني.
ويقول الابن: اطعمني إلى من تدعني؟
فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 2|605.


الصفحة 307

قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.(1)
ورواه الاِمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.(2)
انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيبضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول اللّهعدل عمّا ذكره أولاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.
وبعد هذا فهل يصح توثيقه؟!
هذه النصوص تعرب عن أنّ الرجل كان متهماً في عصره، وإن كان هو يبرّر عمله بأنّ الآخرين كانوا منشغلين بالصفق في الاَسواق أو بالمرآة والمكحلة والدهن، ولكن كان في القوم من لم يكن له ذلك الشأن كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأُبيّ بن كعب وأبي أيوب الاَنصاري وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو، إلى غير ذلك من أقطاب الحديث، الذين كان لهم شغف بنقل الحديث وضبطه وتحديثه، ومع ذلك لم يبلغ حديث أكثرهم معشار ما نقله أبو هريرة.
كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة فيحدِّث، ثمّ يقول: يا صاحب الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئاً؟
فلما قضت صلاتها، لم تُنكر ما رواه، لكن قالت: لم يكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يسرد الحديث سردكم.
وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدِّث به أبو هريرة شيئاً ؟ فقال: لا، ولكنّه اجترأ، وجبُنّا.
____________
1 . صحيح البخاري:7|62، 63، باب وجوب النفقة على الاَهل والعيال من كتاب النفقات.
2 . مسند أحمد: 2|252.


الصفحة 308

فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. (1)
قال ابن عساكر: إنّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا لها: إنّ أبا هريرة يقول: إنّ الطيرة في الدار والمرأة والفرس، فقالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله إنّما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك.
وعن عائشة انّها قالت لاَبي هريرة: إنّك تحدّث عن رسول اللّه أشياء ما سمعتها منه؟! فقال لها مجيبا: إنّه كان يشغلك عن تلك الاَحاديث، المرآة والمُكْحُلة. (2)
هذه النصوص توقفك على حقيقة الحال وانّ الرجل كان متّهماً في روايته في عصره، ولكن القول بعدالة الصحابة حال بين المحققين والتحقيق في رواياته ومروياته، ولولا ذلك لما أخذوا بكثير ممّا عزاه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

التحديث بنصف ما معه
يظهر ممّا رواه أبو هريرة انّه إنّما حدَّث بنصف ما وعاه عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وحبس النصف الآخر لاَنّ الظروف لم تساعد لبثّه.
روى البخاري، عن المقبُري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول اللّه وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. (3)

التدليس في الحديث
قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة، يقول: كان أبو هريرة يدلّس.
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 2|607.
2 . مختصر تاريخ ابن عساكر:29|195ـ 196.
3 . صحيح البخاري: 1|31، باب حفظ العلم من كتاب الايمان.


الصفحة 309

وذكره ابن عساكر في تاريخه والحافظ ابن كثير في البداية. (1)
ولما كانت شهادة شعبة تحطُّ من مكانة أبي هريرة عاد الذهبي ناقضاً للقاعدة، فقال:
قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه، فانّ تدليسهم عن صاحبٍ أكبر منهم، والصحابةكلّهم عدول.
وأنت خبير بأنّ التدليس من أسباب الضعف، فكيف صار هناك من أسباب الفخر، حيث قال: إنّتدليسهم عن صاحب أكبر منهم.
وقد أشار الحافظ ابن كثير في البداية إلى تفسير كلام شعبة، بقوله: وكان شعبة يشير بهذا إلى حديث: «من أصبح جنباً فلا صيام له» فانّه لما عوتب عليه، قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وسيوافيك عند دراسة أحاديثه انّه نسب هذا الحديث إلى الرسولص، فلمّا شهد غير واحد من الصحابيات على خلافه، قال: أخبرني به الفضل بن العباس.
وأيّ تدليس كان أعظم من ذلك؟ بل كان ينسب ما سمعه من كعب الاَحبار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو من أسوأ التدليسات، وها نحن نوقفك على نموذج من هذا النوع من التدليس الذي كان يرتكبه أبو هريرة.
روى الطبري عن أبي نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر.
قال: وكان متكئاً فاحتفز، ثمّقال: وما ذاك؟ قال: زعم انّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كانّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم.
____________
1 . انظر سير أعلام النبلاء:2|608 قسم التعليقة.


الصفحة 310

قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووضعت أُخرى غضباً ، ثمّ قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الاِسلام، اللّه أجل وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك و تعالى (وَسخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائبَيْن) إنّما يعني دوَوبهما في الطاعة فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما انّهما دائبان في طاعته؟! قاتل اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على اللّه وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه.
قال: ثمّ استرجع مراراً وأخذ عُوَيداً من الاَرض فجعل ينكته في الاَرض، فظلّ كذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّه رفع رأسه ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما فقلنا: بلى رحمك اللّه.... (1)
وهذا النسج الخرافي للقصة التي حاكتها مخيّلة كعب وأضرابه، رواها أبو هريرة مباشرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
روى ابن كثير في تفسير سورة التكوير:
حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد اللّه الداناج، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمان بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه، فحدث، قال: حدثنا أبو هريرة: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة، فقال الحسن: وما ذنبهما؟
فقال: أحدثك عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول أحسبه، قال: وما ذنبهما. (2)
ترى أنّ حديثاً واحداً يرويه رجل عن كعب، وفي الوقت نفسه يرويه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبما انّ كعباً لم يدرك النبي «صلى
____________
1 . تاريخ الطبري: 1|44.
2 . تفسير ابن كثير: 7|221، تفسير سورة التكوير.


الصفحة 311

الله عليه وآله وسلم» لم يستطع أن ينسبه إليه وبما انّ أبا هريرة أدرك عصر الرسالة أخذ بالتدليس فنسب ما سمعه عن كعب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .وأيّ تدليس أسوأ من ذلك؟ وليس هذا إلاّ من مقولة الكذب المنافي للعدالة.
ومما يقضى منه العجب ما ذكره أبو جعفر الطحاوي لتصحيح هذا الاَثر حيث قال: إنّ الشمس والقمر كالملائكة الموكلين لاَهل النار، معذِّبان لاَهل النار لا معذَبان فيها، إذ لا ذنوب لهما (1)
يلاحظ عليه: أنّ التفسير خلاف ما فهمه المخاطبون بهذا الحديث، مضافاً إلى أنّه لا يناسب قوله «عقيران» وما العقر إلاّ لتعذيبهما.
وحيث إنّ أهل السنة ذهبوا إلى عدالة الصحابة بأجمعهم أخذوا بروايات أبي هريرة وأمثاله دون أدنى تحقيق، و إذا فتشوا عن اسناد الرواية فإنّما يفتشون عمّن ورد اسمه قبل الصحابة، فإذا وصل الكلام إليهم يكسر القلم ويُضبط اللسان فلا كلام فيهم و إن صدر عنهم ما صدر.
إنّ تقديس جميع من أسموهم بالصحابة لمجرد أنّهم رأوا الرسولص أو سمعوا حديثه أو صاحبوه ولو زمناً قصيراً ممّا لا يمكن تصديقه، لاَنّ مجرد الصحبة لا يُضفي على المصاحب ثوب القداسة ولا يخلق حوله هالة من التقديس بعد ما شهد القرآن والسنّة على كون لفيف منهم مصدراً للفتنة والفساد، وهذا هو الذكر الحكيم يصرّح ويقول:
(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تعلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(التوبة|101).
وهوَلاء الذين مردوا على النفاق كانوا مندسّين بين الصحابة، ولم يكن عددهم قليلاً، وإلاّ لما استأثروا باهتمام بالغ من قبل القرآن الكريم في غير واحد من سوره وآياته.
____________
1 . مشكل الآثار: 1|48.


الصفحة 312

إنّه سبحانه يصف بعض الصحابة بالفسق ويقول:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فتَبَيَّنُوا) (الحجرات|6).
فمن هذا الفاسق الذي أخبر القرآن عنه بين صحابته؟ و ما هو إلاّ الوليد ابن عقبة الذي صاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعواماً عديدة.
وليس الوليد نسيج وحده في هذا المضمار، بل انّ كثيراً من الصحابة تركوا النبي قائماً حينما كان يخطب للجمعة وخرجوا من المسجد طلباً لحطام الدنيا، فنزل قوله سبحانه: (فَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَـهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقين) (الجمعة|11).
أترى أنّ من يرجح اللهو وحطام الدنيا على صلاة الجمعة يكون من القدِّيسين و من العدول الذين تنبض قلوبهم بذكر اللّه ويخافون يوماً قمطريراً ؟!
ويكفي من السنة ما وردت حول ارتداد الصحابة عقب وفاة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وقد رواها البخاري في كتاب الفتن. (1)
وقد جمعها ابن الاَثير في جامعه فبلغت عشرين حديثاً فلاحظ. (2)

وفاته
توفي أبو هريرة سنة 57 وقيل 58 وهو ابن 78، قيل مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان أميراً على المدينة لعمِّه معاوية بن أبي سفيان. (3)
وقد مضى الرجل وعزّي إليه أحاديث كثيرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي بين صحيحةتعلو على هامّاتها سمات الصحة والاتقان، وسقيمة مخالفة لكتاب اللّه والسنّة الثابتة والعقل الحصيف، فمن أراد تنزيه السنة النبوية
____________
1 . صحيح البخاري: 9|42، كتاب الفتن.
2 . جامع الاَُصول:10|468ـ473، باب صفة الحوض من كتاب القيامة.
3 . ابن الاَثير: أُسد الغابة:5|317، قسم الكنى.


الصفحة 313

وتمحيصها، فعليه بدراسة روايات هذا الصحابي، وكفانا موَونة ذلك ما ألّفه العالمان الكبيران أحدهما شيعي والآخر سني، فالاَوّل هو العلم المفرد المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي فقد فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الاَُمّة ونشر كتابه المعروف بـ«أبو هريرة».
وأمّا الثاني فهو الكاتب المجاهد محمود أبو رية موَلف كتاب «أبو هريرة شيخ المضيرة» فقد بلغا الغاية في دراسة رواياته.ولقد صدرنا في بعض ما ذكرناه في المقام عمّا أفاده العلمان لا سيما ما أفاده العلاّمة شرف الدين العاملي «طيب اللّه رمسه».

ولنذكر شيئاً من روائع أحاديثه
1. أخرج مسلم، عن سعيد بن المسيب انّ أبا هريرة أخبره انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّاللّه، فمن قال: لا إله إلاّاللّه عصم منّي ماله ونفسه إلاّبحقه وحسابه على اللّه.
وفي لفظ آخر عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّاللّه، ويوَمنوا بي، و بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّبحقها، وحسابهم على اللّه. (1)
وهذه الرواية نقلت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متضافرة، نقلها غير واحد من الصحابة.
2. أخرج مسلم، عن أبي سهيل، عن أبيه ،عن أبي هريرة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. (2)
3. أخرج أحمد ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: للصائم فرحتان: فرحة في الدنيا عند إفطاره، وفرحة في الآخرة. (3)
____________
1 . صحيح مسلم:1|39، باب الاَمر بقتال الناس.
2 . صحيح مسلم: 1|56، باب خصال المنافق.
3 . مسند أحمد:2|345.


الصفحة 314

4. أخرج أحمد، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : رُبّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظه من قيامه السهر. (1)
5. أخرج ابن ماجة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أعان على قتل موَمن بشطر كلمة لقي اللّه عزّ وجلّ: مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللّه . (2)
6. أخرج الترمذي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال:المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والموَمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم. (3)
7. أخرج أحمد، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :من سنّ سنّة ضلال اتّبع عليها، كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، و من سنّ سنّة هدى فاتّبع عليها كان له مثل أُجورهم من غير أن ينقص من أُجورهم شيء. (4)
8. أخرج الترمذي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: إنّ الدين النصيحة، إنّالدين النصيحة، إنّالدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولاَئمّة المسلمين وعامتهم. (5)
9. أخرج الترمذي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:
سئل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الاَعمال أفضل،
____________
1 . مسند أحمد:2|373.
2 . سنن ابن ماجة: 2|874 برقم 2620.
3 . سنن الترمذي: 5|17 برقم 2627.
4 . مسند أحمد:2|504ـ 505.
5 . سنن الترمذي: 4|324 برقم 1926.


الصفحة 315

وأيّالاَعمال خير؟ قال: إيمان باللّه ورسوله، قيل: ثمّ أيّ شيء؟ قال: الجهاد سنام العمل، قيل : ثمّ أيّ شيء يا رسول اللّه؟ قال: ثمّ حجّ مبرور. (1)
10. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«إيّاكم والظلم، فانّ الظلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، فانّ اللّه لا يحب الفاحش المتفحش، وإيّاكم والشحّ، فانّه دعا مَنْ كان قبلكم، فقطعوا أرحامهم، ودعاهم فاستحلوا محارمهم. (2)
هذه طائفة من روائع رواياته، ولكن عزيت إليه روايات سقيمة لا يصحّ عزوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمخالفتها للمعايير العامة لصحّة الحديث التي استوفينا الكلام حولها في صدر الكتاب وإليك نزراً منها.

1. محاولة عفريت من الجن قطع صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
أخرج مسلم في صحيحه، عن ابن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّعفريتاً من الجنّ جعل يفتك (3) عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة، و انّ اللّه أمكنني منه فذعته، (4) فلقد هممت أن أربطه إلى جانب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم، ثمّ ذكرت قول أخي سليمان: ( رَبِّ اغفِرَ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنبَغِي لاَحَدٍ مِن بَعْدِي) فردّه اللّه خاسئاً. (5)
____________
1 . سنن الترمذي: 4|185 برقم 1658.
2 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 170 برقم 487.
3 . العفريت: العاتي المارد من الجن: الفتك: هو الاَخذ في غفلة وخديعة.
4 . خنقته ، وفي نقل فدعته: دفعته دفعاً شديداً.
5 . صحيح مسلم: 2|72، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والآية 35 من سورة ص .


الصفحة 316

وفي الحديث تساوَلات:
أوّلاً: انّ المنقول عن أبي هريرة يختلف مضمونه مع ما نقل عن أبي سعيد الخدري، حيث نقل عنه الاِمام أحمد:«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام فصلّى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي فمازلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها،ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية، من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. (1)
كما انّ مضمونه يختلف عمّا رواه نفس مسلم، عن أبي الدرداء، في ذلك المقام . قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعناه يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّقال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، و رأيناك بسطت يدك؟ قال: إنّ عدو اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. (2)
والظاهر وحدة الواقعة، والاختلاف في المضمون بيّن غني عن البيان، كلّذلك يسلب الاعتماد على هذه النقول مع وحدة الواقعة.
وثانياً: انّ الرواية تعرب عن أنّ لاِبليس وجنوده سلطة على النبي «صلى
____________
1 . مسند أحمد:3|82.
2 . صحيح مسلم:2|73، باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة.


الصفحة 317

الله عليه وآله وسلم» حيث أخذه في غفلة وخديعة، كما يشهد عليه قوله «يفتك»، وهذا ما يكذبه الكتاب العزيز ويقول: (إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُون ) (النحل|99)وحمل السلطة على خصوص الاِغواء خلاف الاِطلاق.
وثالثاً: انّ الرواية تدل على مشاهدة الناس للجن، ولذلك صمَّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يربط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن، على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه، مع أنّه خلاف القرآن الكريم، حيث يقول: (إِنَّهُ يَراكُم هُوَ وَقَبيلُهُ مِنْحَيْثُ لا تَرَونَهُمْ)(الاَعراف|27).
وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر، وعلى فرض الصحّة فأهل المدينة من تلك الاَغلبية الذين لا يستطيعون روَية الجن.
ورابعاً: الرواية تدل على أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انصرف عن عمله، لاَنّه ذكر قول أخيه سليمان :(ربِّ اغْفِر لي وَهَبْلي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لاََحَدٍ مِنْ بَعْدِي) فلاَجل ذلك ردَّ اللّه ذلك الجن خاسئاً ذليلاً صاغراً مطروداً.
ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافهص، وذلك لاَنّها لا تدل على أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو الملك المبني على قدرة قاهرة واستخدام الجن والاِنس والطير إلى غير ذلك مما جاء في الذكر الحكيم من الجنود، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد؟
فنفس الرواية حاكية على أنّها مندسة بين الروايات ، فنجلّ ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستدل بآية على أمر ليس فيها دلالة عليه.

2. الشيطان إذا سمع الاَذان ولّى ...
أخرج أحمد، عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، قال: قال


الصفحة 318

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا سمع الشيطان الاَذان ولّى وله ضراط حتى لا يسمع الصوت. (1)
أقول: نحن لا نعلِّق على هذا الحديث شيئاً، ولكن هل للشيطان قدرة على هذا العمل الذي هو من شوَون الموجود المادي؟!
ثمّ على فرض صحته، فالاَذان ظاهرة مستمرة بين المسلمين حسب اختلاف الآفاق، والشيطان له إحاطة بالبشر فهو يواجه في كلّحين أذاناً في البلدان المختلفة، فهل يقوم بذلك العمل حسب استمرار الاَذان في بلدان المسلمين ليلاً ونهاراً ؟ لا أدري ولا المنجم يدري ولا القراء يدرون!!
إضافة إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إنساناً حَييّاً حسب ما ورد في الروايات، فمن البعيد أن يتفوّه بتلك الكلمة.

3. وجوب الجهاد تحت راية كلّ برّ وفاجر
أخرج أبو داود في سننه، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كلّمسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر. (2)
أقول: الجهاد لا ينفك عن التصرف في الاَنفس والاَعراض والاَموال، فكيف يجب مع أمير فاجر، مع أنّه ربما يدعو إلى العيث والفساد والعصيان وقتل الاَبرياء وهتك الاَعراض وغصب الاَموال؟
____________
1 . مسند أحمد:2|411.
2 . سنن أبي داود: 3|18 برقم 2533.


الصفحة 319

ولقائل أن يحمل الرواية على ما إذا دعا الاَمير الفاجر إلى البرّ والاِحسان، ولكنّه في غير محله، لاَنّ معرفة ذلك في ميادين الجهاد أمر صعب جداً لو لم يكن بمتعذر.
فمن مارس الجهاد في ساحات الوغى ، يعلم انّه لا يمكن لمجاهد أن يتفحص في الاَُمور المشتبهة ويأخذ بالبر ويترك خلافه. فالحقّانّ الجهاد إنّما هو مع إمام عادل لا الاَعم من البرّ والفاجر، والرواية من صنائع يد السياسة التي تبغي من وراء ذلك إضفاء المشروعية على الجهاد تحت لواء الطلقاء وأبناء البيت الاَموي.
ولكن المروي عن أئمّة أهل البيت خلاف ذلك.
قال الاِمام الرضا (عليه السلام) :والجهاد واجب مع الاِمام العادل. (1)
وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : إنّ القتال مع غير الاِمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. (2)
إلى غير ذلك من الروايات.

4. قبول التوبة مع عدم الندم
أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يحكي عن ربّه عزّوجلّ، قال: ذنب عبد ذنباً، فقال: اللّهمّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب، ثمّ عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي
____________
1 . الوسائل: 11، كتاب الجهاد، الباب 1، الحديث 24، من أبواب جهاد العدو.
2 . المصدر نفسه، الباب 12، الحديث 1، من أبواب جهاد العدو.


الصفحة 320

ذنبي، فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذّنب، ثمّعاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك. (1)
يلاحظ عليه : أنّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة في المستقبل، وإلاّفلو لم يعزم على ترك المعاودة فهو دليل على عدم ندمه.
فإذا كان هذا حقيقة التوبة التي يصبح التائب معه كمن لا ذنب له، فلم تكن متحققة في توبة الرجل فكيف قُبلتْ توبته؟
وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على ما فعل من المعصية، والعزم على ترك المعاودة إليها في المستقبل، وهذا هو الذي دعا إليه الذكر الحكيم بقوله: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوبَةً نَصُوحاً) (التحريم|8).
قال الراغب: التوبة النصوح: ما يصرف صاحبه عن العودة إلى المعصية، أو ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع إلى ما تاب منها. (2)
وعلى ذلك ففي الرواية ملاحظتان:
الاَُولى: انّالظاهر من الرواية انّ التوبة لم تكن جامعة للشرائط ومنها الندم على ما مضى، بل كان يذنب رجاء غفران الرب له من دون الندم، وهذه الفكرة من الوهن بمكان، لاَنّ الربّ إنّما يغفر الذنوب إذا تاب العاصي توبة نصوح،
____________
1 . صحيح مسلم: 8|99، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب؛ صحيح البخاري:9|145، باب قول اللّه تعالى(يريدون أن يبدّلوا كلام اللّه) .
2 . وقد تضافرت الروايات عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ المراد من التوبة النصوح هو أن يتوب الرجل من العمل السيّء ثمّ لا يعود إليه أبداً، أخرجه السيوطي عن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن مسعود وابن عباس، ومجاهد، وقتادة (الدر المنثور:8|227).


الصفحة 321

نابعة من الندم، على ما مضى فكيف قبلت توبته في كلّمرّة؟
الثانية: انّ قوله سبحانه: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» هو في الواقع رخصة في ارتكاب الآثام والمعاصي دون أي وازع، وحاشا للّه أن يرخّص للعبد في ارتكاب المعاصي إلى ما شاء بمجرد انّه غفار للذنوب وإن عصى وتاب إلى ما شاء اللّه.

5. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمنع من كتابة الحديث
أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال:
كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟
فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب اللّه؟ فقلنا: ما نسمع، فقال: اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه أو خلّصوه، قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.
قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدَّث عنك؟ قال: نعم، تحدَّثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعده من النار. قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدَّث عن بني إسرائيل؟ قال: نعم. تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا تحدَّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه. (1)
وفي الحديث ملاحظات:
الاَُولى: انّ هذا الحديث يعارض مع كثير ممّا يدل عن أنّ النبيرخّص في الكتابة، ونحن نذكر موجزاً ممّا وقفنا عليه، وقد مرّ أيضاً في المقدمة.
____________
1 . مسند أحمد:3|12.


الصفحة 322

1. ما رواه البخاري، عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل (شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين. ألا وإنّها لم تحلَّ لاَحد قبلي ولم تحلَّ لاَحد بعدي ـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن،فقال: اكتب لي يا رسول اللّه فقال: اكتبوا لاَبي فلان ـ إلى أن قال: ـ كتب له هذه الخطبة. (1) 2. روى البخاري، عن أبي هريرة، يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب. (2) 3. ما رواه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغَّط، قال: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه. (3) 4. عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء

____________

1 . صحيح البخاري: 1|29ـ 30، باب كتابة العلم، الحديث 112.

2 . المصدر نفسه: 1|30، باب كتابة العلم، الحديث 113.

3 . صحيح البخاري: 1|30، باب كتابة العلم.


الصفحة 323

سمعته من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حق. (1) 5. ما رواه نفس أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : استعن بيمينك وأومأ بيده للخط. (2) إلى غير ذلك من الروايات الحاثة على كتابة السنة قولاً وتقريراً التي هي فوق المال الذي هو زينة الحياة الدنيا، وقد أمر سبحانه أن يكتب الدين وقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ ـ إلى أن قال: ـ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ)(البقرة|282). الثانية: انّ أبا هريرة كان أُمياً لا يجيد القراءة والكتابة كما مرّفي حديث وهب بن منبه عن أخيه همام (3) فكيف يقول كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟ ولاَجل ذلك سأل رسول اللّه أن يدعو له بعدم النسيان. قال: قلت: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه، قال: ابسط رداءك فبسطته فغرف بيديه، ثمّ قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئاً بعده. (4) الثالثة: انّ الرواية تصرح بأنّ أبا هريرة ومن كان معه من الجماعة الذين

____________

1 . سنن أبي داود:3|318برقم 3646، باب في كتاب العلم؛ مسند أحمد:2|162؛ سنن الدارمي:1|125، باب من رخَّص في كتابة العلم.

2 . سنن الترمذي:5|39برقم 2666.

3 . لاحظ ص 300 من هذا الكتاب.

4 . صحيح البخاري: 1|31، باب حفظ العلم.


الصفحة 324

كانوا يكتبون الحديث جمعوا ما كتبوا ثمّ أحرقوه بالنار، وهو معارض لما تضافر عن الخليفة الثاني من انّه أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً. (1) فلو كان هناك حظر عن تدوين الحديث إلى حد فهم أبو هريرة وأضرابه انّه يجب اعدام ما كُتِب بالاحراق، لما شاور عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابة الحديث، بل منع عنها بلا تشاور، فاستخارته شهراً يدل على عدم صدور نهي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . الرابعة: انّ ظاهر قوله: «قلنا أي رسول اللّه أنتحدث عنك؟ قال: نعم تحدثوا عني ولا حرج» لا يلائم مع منعهم عن كتابة الحديث إذ أيّ فرق بين صيانة الحديث بالكتابة أو صيانته بالتحدّث، فما هو الوجه من التفريق بين الكتابة والتحديث؟ وتصور انّ كتابة الحديث يوجب اختلاطه بالقرآن فهو اعتذار بوجه أسوأ، فانّ القرآن معجزة بلفظه و معناه لا يشابهه غيره ولا يخالطه شيء، وقد مرّ تفنيده في مقدّمة الكتاب فلاحظ. والعجب مما نقله عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أجاز التحدّث عن بني إسرائيل، قال: تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. كيف يجوّز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التحدّث عن بني إسرائيل مع أنّهم كانوا يحرّفون التوراة والاِنجيل، وكانوا يتاجرون بكتبهم المحرفة؟ قال ____________ 

1 . تقييد العلم، ص 49.


الصفحة 325

سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ)(البقرة|79). لا أدري ماذا يستفيد المجتمع الاِسلامي من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات التي لعب بها الدهر والزمان، وكانت النقلة طيلة الزمان يتاجرون بما جاء فيها ويروون ما يوافق أهواء الجهاز الحاكم؟ والحديث وُضع لجواز التحديث عن بني إسرائيل، وقد حدَّث أبو هريرة عن طريق كعب الاَحبار عنهم ـ أعاذنا اللّه من شرورهم ـ وأكثر ما يرويه أبو هريرة من القصص عن بني إسرائيل منتهية إلى أُستاذه كعب الاَحبار ـ الذي قال في حقه: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة (1) وإن صبّها في قالب الحديث عن الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .6. من هو خالق اللّه؟ روى مسلم عن يزيد بن الاَصمّ قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليسألنّكم الناس عن كلّشيء حتى يقولوا: اللّه خلق كلّشيء، فمن خلقه؟! (2) وأخرج أيضاً عنه، قال: قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا هذا اللّه، فمن خلق اللّه؟ قال: فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الاَعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللّه فمن خلق اللّه؟! فأخذ حصىً بكفه فرماهم، قال: قوموا صدق خليلي.(3) والحديث يعرب انّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُعلِّم أبا هريرة

____________

1 . سير أعلام النبلاء: 2|600.

2 . صحيح مسلم:1|84 ـ85، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.

3 . صحيح مسلم:1|84 ـ85، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.


الصفحة 326

جواب السوَال، ولذلك لما سأله الاَعراب أخذ حصىً بكفّه فرماهم وأمرهم بالقيام. مع أنّ هذا بعيد عن أدب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ السوَال لائق بالبحث، لاَنّه يخطر هذا السوَال في ذهن كثير من الناس، فالمترقب من الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تنبأ عن مستقبل أبي هريرة أن يُعلّمه الجواب. والحديث إمّا مكذوب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى فرض الصحّة فهو يعرب عن عدم استعداده لتلقي الجواب. مع أنّ الاِمام أحمد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه علم الاَُمّة جواب هذا السوَال، فقال: قال: قال جعفر: بلغني انّ النبيقال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قبل كلّ شيء، واللّه خلق كلّ شيء، و اللّه كائن بعد كلّ شيء. (1) ولعلّ مراده من جعفر هو جعفر بن بُر الذي روى عنه مسلم، الحديث المتقدّم في صحيحه. والجواب في غاية المتانة، لاَنّه سبحانه ليس ظاهرة مسبوقة بالعدم، حتى يُسأل عن علّة الاِيجاد، فإذا كان واجبَ الوجود، كان موجوداً في الاَزل والاَبد، ولا يتصور له العدم حتى يُسأل عن علّة الوجود، والتفصيل في محلّه.7. انّاللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً أخرج البخاري في صحيحه، عن همام، عن أبي هريرة ،عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ( وزاد أحمد من طريق سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً) فلمّا خلقه، قال:

____________

1 . مسند أحمد:2|539.


الصفحة 327

اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيُّونك فانّها تحيتك وتحيَّة ذريتك. فقال : السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللّه فزادوه «ورحمة اللّه» فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعدُ حتّى الآن. (1) وفي الحديث عدّة إشكالات تسقطه عن الاعتبار وتجعله في عداد الموضوعات: الاَوّل: انّ الظاهر انّ الضمير على صورته يرجع إلى اللّه تبارك وتعالى وهو نفس القول بالتجسيم ولا يرجع إلى آدم، إذ يكون مفاد الحديث عندئذٍ أشبه بتوضيح الواضحات، لاَنّ كلّشيء مخلوق على صورته لا على صورة غيره، وإنّما يفيد معنى جديداً وهو الاِخبار بكرامة آدم وانّه مخلوق على صورة اللّه سبحانه، إذا عاد الضمير إلى اللّه سبحانه، وعلى هذا يلزم أن يكون للّه صورة طولها ستون ذراعاً. والذي يدل على أنّ الضمير يرجع إلى اللّه سبحانه هو ما روى نفس أبي هريرة في غير مورد. فقد روى هذا الحديث بصور مختلفة فتارة رواه كما سمعت وأُخرى بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فانّ اللّه خلق آدم على صورته.(2) وثالثة بأنّه إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح اللّه وجهك ووجه من أشبه وجهك، فانّ اللّه خلق آدم على صورته. (3) وربما يوَوَّل الحديث بإرجاع ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى اللّه تبارك وتعالى بمعنى انّ اللّه عزّوجلّ خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها

____________

1 . صحيح البخاري: 8|50، كتاب الاستئذان ، باب بدو السلام؛ صحيح مسلم:8|149، باب يدخل الجنة أقوام افئدتهم مثل أفئدة الطير من كتاب الجنة، ولاحظ ارشاد الساري:5|319 في باب خلق آدم وذرّيته من كتاب بدء الخلق، فقد جاء فيه: في سبعة أذرع عرضاً

2 . صحيح مسلم : 8|32، باب النهى عن ضرب الوجه من كتاب البر والصلة والآداب.

3 . البخاري: الاَدب المفرد، ص73و74 برقم 173و174.


الصفحة 328

بعد هبوطه منها، إذ أنشأه تاماً مستوياً طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعة أذرع لم يتغير من حال إلى حال ولم يكن مثل ذريته حتى تكون نطفة ثمّ علقة إلى أن يكون رجلاً سوياً بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآها عليها بنوه في الاَرض. ولكن التأويل باطل جداً لمخالفته ما نقلناه عنه، كما يخالف ما روي عنه مرفوعاً: خلق آدم على صورة الرحمن. (1) كما يخالف ما روي عنه انّ موسى ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر فقال: اشربوا يا حمير، فأوحى اللّه إليه عمدت إلى خلق خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير. (2) كلّ هذه الاَحاديث تدل على أنّ الرواية لا تقبل التأويل. الثاني: انّه إذا كان طول آدم ستين ذراعاً فلازم تناسب أعضائه أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعاً وسُبع الذراع، وإذا كان عرضه سبعة أذرع يجب أن يكون طوله أربعة وعشرين ذراعاً ونصف الذراع، لاَنّ عرض الاِنسان مع استواء خلقه، بقدر سبعي طوله، فما بال أبي هريرة يقول طوله 60 ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً؟! فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوَّهاً في تركيبه؟! الثالث: انّ تحية السلام إنّما شرعت في دين الاِسلام وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما حسدكم اليهود على شيء كما حسدوكم على السلام، فلولا اختصاصه بهذه الا َُمّة ما اختصوهم بالحسد عليه، فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث: «فلما خلق اللّه آدم، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك فانّها تحيتك وتحية ذريتك». وعلى أية حال فما رأي أُولي النظر في هذا الخبر؟ وماذا يقولون في قول أبي هريرة: ولم يزل الخلق ينقص بعده حتّى الآن ؟ (3)

____________

1 . إرشاد الساري: 5|319.

2 . كتاب تأويل مختلف الحديث، ص 180.

3 . عبد الحسين شرف الدين: أبو هريرة: 63ـ 66.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة