الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي  

3 - ضرورة وجود من يعلم تأويل القرآن في الامة إلى يوم القيامة

وبما ان القرآن كتاب هداية للعالمين ولا يعلم تأويله ساير الناس فلا بد من وجود من يعلم تأويله في الامة إلى يوم القيامة، وان ضرورة تأويل المتشابه الموجود في القرآن على محكمه، تقتضى ضرورة وجود من يعلمه، واذ قد حصر عقلا ونصا في الكتاب العزيز في الله والراسخين، فلا بد من بقائهم إلى يوم القيامة ولما جرت سنة الله في نبيه صلى الله عليه واله وسلم كما قال: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم.. آل عمران 144) (انك ميت وانهم ميتون.. الزمر 30).

وقد ختم الله تعالى به النبوة فقال عز من قائل: (ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) الاحزاب 40 فلا محالة يكون تأويل القرآن إلى يوم القيامة لمن عده الله تعالى من الراسخين وهم آل محمد عليهم السلام، بل قد شرفهم تعميما للنبى الاكرم ولهم بعنوان واحد (الراسخون في العلم) وعرفهم في هذه الاية وساير الايات بما يخصهم بالائمة الطاهرين من آل محمد صلوات الله عليهم اجمعين.

وقد حققنا دلالة آيات من سورة آل عمران وخصوصا آية التأويل منها على حصر الراسخين فيهما، في بحث التأويل، وفى كتابنا في الوحدة الجامعة بين آيات السور، كما حققنا دلالة آيات 54 إلى 70 من سورة النساء على تعيينهم في بقية آل ابراهيم من هذه الامة وهم على عليه السلام واولاده المطهرون، وأوضحنا دلالة آيات على لزوم الرجوع اليهم ومنها قوله: (وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تاويلا). الاسراء 35

4 - عدم وجود من يعلم تاويل القرآن او يدعيه من غير آل محمد عليهم السلام

ولا يشك احد من المسلمين ولا غيرهم في ان النبى صلى الله عليه واله وسلم كان يعلم تأويل القرآن، ولا ينبغى الشك في ضرورة وجود من يعلمه لما توفى صلوات الله عليه كما أنه لم يعرف في المسلمين غير على عليه السلام من يعلم تأويل القرآن أو يدعيه، فاذا الطاعن على النخعى في تأويل الايات ان كان طعنه وانكاره على تأويل آل محمد المعصومين عليهم السلام للايات، استخفافا بشأنهم ومنزلتهم وانكارا على ما فضلهم الله تعالى بالرسوخ في العلم وجعلهم شركاء النبى صلى الله عليه واله وسلم، فهل بعد لزوم الاعتراف بضرورة وجود من يعمل تأويله إلى يوم القيامة.

بجد الطاعن غير على واولاده من العترة الطاهرة عليهم السلام من يعلمه ممن ملك الامر بعد وفاة النبى صلى الله عليه واله وسلم من آل تيم، وعدى، وامية، ومروان، والاعراب؟ ! او تطيب نفسه ان لا تخضع لعلم آل محمد وعترته؟؟ بيته ومن جعلهم النبى احد الثقلين الذين تركهما في امته إلى يوم القيامة لئلا يضلوا بعده، و جعل احدهما من الاخر، ومنع عن التفريق بينهما وأمر بالتمسك بهما، ثم يخضع لمن قهرو ملك الامر ثم لمعاوية ويزيد وابناء امية ومروان وآله وهشام ووليد وسفاح ورشيد ومأمون ومتوكل وأشياعهم، او تخضع لابى هريرة واخوانه والحسن البصرى، وقتاده وعكرمة، ومجاهد واضرابهم وتعدهم حملة علوم القرآن، حينما لم تخضع لعلى عليه السلام باب مدينة علم النبى، وللحسن والحسين سيدى شباب اهل الجنة، وللسجاد على بن الحسين، ولمحمد بن على باقر علم النبيين وللصادق أبى عبدالله جعفر بن محمد واولادهم الطاهرين عليهم السلام.

قتل الانسان ما أكفره.

5 - اختصاص علم تأويل القرآن وباطنه بمحمد وآله الطاهرين

واذ حققنا في محله ان الراسخين هم محمد وعلى واولادهما الطاهرون عليهم السلام وانه لم يدعى العلم بتأويل القرآن الا هؤلاء ولم ينكره عليهم احد، فأعلم انه قد ثبت بالاخبار الكثيرة وفيها الصحاح، وبلغت حد التواتر اختصاص محمد و آله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين في العلم بتأويل القرآن وباطنه وتنزيله وانه لم يجمع لاحد غيرهم ظاهره وباطنه، وانهم الذين عنده علم الكتاب ونشير إلى بعضها.

فروى الكلينى في اصول الكافى ج 1 229 باب انه لم يجمع القرآن كله الا الائمة عليهم السلام باسناد صحيح عن بريد بن معاوية قال قلت لابى جعفر عليه السلام (قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب الرعد 43) قال: ايانا عنى، وعلى عليه السلام أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبى صلى الله عليه وآله.

وباسناد صحيح عن ابن محبوب عن عمرو بن ابى المقدام عن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادعى احد من الناس انه جمع القرآن كله كما انزل الا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى الا على بن ابيطالب عليه السلام والائمة عليهم السلام من بعده.

وبأسناد آخر عنه عليه السلام انه قال ما يستطيع احد ان يدعى ان عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الاوصياء. وبأسناده عن عبدالرحمان بن كثير عن أبى عبدالله عليه السلام (في حديث ثم قال:) وعندنا والله علم الكتاب كله.

قلت: والاخبار في ذلك كثيرة اشرنا اليها في كتابنا في علوم القرآن. فلا ينبغى الشك في جواز تأويل الايات بالسماع عن الراسخين في العلم آل محمد صلى الله عليه واله وسلم وبالرواية عنهم عليهم السلام فلا طعن على النخعى واضرابه في رواية التأويل عنهم او التأويل على الرواية المأثورة عنهم.

6 - عدم انفراد الشيعة برواية تاويل الايات

وليست رواية تأويل الايات عن الراسخين في العلم امرا منكرا يستحق بها مثل النخعى لعنا وسبا او توجب كفره وزندقته، بل بعد ما صحت رواية التأويل وشاعت عن غيره كان الانكار على مثله جهالة وعداء‌ا وعصبية، وان شئت فانظر كتب اعلام التفسير مثل الثعلبى، والطبرى، والقرطبى والاتقان للسيوطى من الجمهور فقد كثر منهم تأويل الايات وروايتها.

منها: تأويل الشجرة الطيبة بالرجل المسلم، او المؤمن، او خصوص ابراهيم الخليل عليه السلام او خصوص الشجرة النبوية محمد وآله الطاهرين عليهم السلام، و تأويل الشجرة الخبيثة بالكافر كما في روايات ابن عباس، وابن عمر وغيرهما.

اخرجها الطبرى في تفسيره ج 13 203 إلى ص 212، والقرطبى ج 9 359 في ذيل قوله تعالى: الم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار. ابراهيم 29 والاخبار المأثورة عن ائمة اهل البيت عليهم السلام في تأويل الشجرة الطيبة بالشجرة النبوية المحمدية كثيرة ذكرها اصحابنا في كتبهم منهم الكلينى في اصول الكافى ج 1 221.

ومنها ما ورد في تأويل قوله تعالى: واذ قلنا لك ان ربك احاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا. الاسراء 60 ببنى امية او بنى مروان.

رواه اصحابنا الامامية في روايات كثيرة بطرقهم كما رواه الجمهور ايضا بطرقهم.

ففى تفسير الطبرى ج 15 112 باسناده عن سعد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بنى فلان ينزون على منبره القردة، فساء‌ه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات.

قال وانزل الله عزوجل في ذلك (وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس..) وفى تفسير القرطبى ج 10 282 في تأويل الاية ورؤيا النبى صلى الله عليه واله وسلم عن ابن عباس: وقال في رواية ثالثة انه عليه السلام رأى في المنام بنى مروان ينزون على منبره نزو القردة، فساء‌ه ذلك، فقيل: انما هى الدنيا، فسرى عنه، (إلى ان قال:) وهذا التأويل الثالث قاله ايضا سهل بن سعد، قال سهل: انما هذه الرؤيا هى ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يرى بنى امية ينزون على منبره نزو القردة، فاغتم لذلك، وما استجمع ضاحكا من يومئذ حتى مات صلى الله عليه واله وسلم فنزلت الاية مخبرة ان ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس و امتحانا.

وقال في ص 286: وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو امية، وان النبى صلى الله عليه واله وسلم نفى الحكم (إلى ان قال) وقد قالت عايشة لمروان: لعن الله اباك و أنت في صلبه، فأنت بعض من لعنه الله.

وقال الفخر الرازى في التفسير ج 20 236: قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بنى امية ينزون على منبره نزو القردة، فساء‌ه ذلك، و هذا قول ابن عباس في رواية عطاء.

وفى ص 237 قال ابن عباس: الشجرة: بنو امية يعنى الحكم بن ابى العاص قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في المنام ان ولد مروان يتداولون منبره.

7 - حسن التأويل وفضل الشيعه بمعرفة التأويل باتباعهم لآل محمد وعترته

لم يدرك الجمهور من غير المشيعة حقيقة التأويل فانكرته وعادوه جهلا كما قيل: الناس اعداء ما جهلوا، وبما ان تأويل المسموع بالمراد والمعقول في الكلام كتأويل المبصر والمرئى في المنايا والاحلام امر دقيق لا يصل اليه الافهام، بل تقصر عن درك المبدء والمنتهى.

ثم تحويله إلى المسموع والمبصر عقول ساير الناس، ولا يظهر الله تعالى على غيبه وعلى ما يبعد عن العقول والحواس أحدا، الا من اختاره واجتباه وارتضاه واصطفاه: آدم ونوحا وابراهيم و آل ابراهيم وآل عمران، ومحمدا وآله الطاهرين عليهم السلام ثم علمهم تأويل الاحاديث، احاديث التكوين والتدوين وتأويل آياته، وجعلهم حجته على عباده، لكن استكبر قوم وأضلوا بعد ما ضلوا، وعتوا عن الطاعة لله ولرسله ولاصفيائهم عليهم السلام وتركوا هدى الله، ثم اتبعوا هداهم وأهوائهم، فعموا وصموا، ثم أنكروا ذلك على المهتدين والمتمسكين بالعترة الطاهرة وبالعروة الوثقى التى لا انضمام لها إلى يوم القيامة.

وقد حققنا في بحث التأويل حقيقته ومراتبه وفضله وسيره في القرآن الكريم ومن صنف وما صنف في التأويل، ومن رواه من اصحابنا، وقد كثرت مؤلفات اصحابنا الامامية فيما افردوا للتأويل وذكر الاخبار الواردة فيه، غير ما خصوا به من ابواب كتبهم في الايات المؤولة بمحمد وآله الطاهرين مثل اصول الكافى ج 1 190 و 194 و 206 و 207 و 218 و 221 وغير ذلك من ابواب كتابه وقد ذكر جملة منها العلامة المجلسى في بحار الانوار ج 24 في ابواب كثيرة بل ذكر في كل جزء من كتابه في احوال النبى والائمة عليهم السلام بابا في تأويل الايات بهم فلاحظ وتدبر واغتنم.

وذكر شيخنا العلامة في (الذريعة) قسما من مصنفات اصحابنا في تأويل الايات.

8 - عدم انفراد النخعى برواية تاويل آية الصلوة.

قد روى غير واحد من اصحابنا تأويل الصلوة بمحمد وآله الطاهرين عليهم السلام، وكذا تأويل الذكر بهم وتأويل الفحشاء والمنكر بالرجال.

منها ما رواه الكلينى في اصول الكافى ج 2 595 1 كتاب فضل القرآن باسناده عن سعد الخفاف عن ابى جعفر عليه السلام في حديث طويل في القرآن و تمثله يوم القيامة، وفى آخره في تكلم القرآن: قال قلت جعلت فداك يا أبا جعفر وهل يتكلم القرآن؟ فتبسم، ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعننا، انهم اهل تسليم، ثم قال: نعم، يا سعد والصلاة تتكم ولها صورة وخلق وتأمر وتنهى قال: فتغير لذلك لونى وفلت: هذا شئ لا استطيع ان اتكلم به في الناس (إلى ان قال) فقال: (ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) فالنهى كلام، والفحشاء والمنكر رجال، ونحن ذكر الله، ونحن أكبر الحديث.

ومنها ما رواه العياشى في تفسيره ج 1 128 421 عن زرارة عن عن عبدالرحمان بن كثير في قوله: حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين.

البقرة 238 قال: الصلوة: رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: وأمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن والحسين عليهم السلام، و (الوسطى) أمير المؤمنين عليه السلام و " قوموا لله قانتين " طا؟ عين للائمة.

ورواه في البحار ج 7 154، والبرهان ج 1 223.

ومنها ما في البحار ج 24 303 باب انهم الصلوة والزكاة وساير الطاعات عن داود بن كثير قال قلت لابى عبدالله عليه السلام: أنتم الصلاة في كتاب الله عزوجل، وأنتم الزكاة وأنتم الحج؟ فقال: يا داود نحن الصلوة في كتاب الله عزوجل، ونحن الزكاة ونحن الصيام، ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام، ونحن البلد الحرام، ونحن كعبة الله، ونحن قبلة الله، ونحن وجه الله، قال الله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، ونحن الايات، ونحن البينات. وعدونا في كتاب الله عزوجل: الفحشاء والمنكر، والبغى، والخمر، والميسر والانصاب، والازلام، والاصنام، والاوثان والجبت والطاغوت، والميتة والدم، ولحم الخنزيز.

يا داود ان الله خلقنا فأكرم خلقنا وفضلنا وجعلنا أمناء‌ه وخزانه على ما في السماوات وما في الارض، وجعل لنا اضدادا وأعداء‌ا، فسمانا في كتابه وكنى عن أسمائنا بأحسن الاسماء وأحبها اليه، ويسمى أضدادنا وأعداء‌نا في كتابه، وكنى عن اسمائهم وضرب لهم الامثال في أبغض الاسماء اليه والى عباده المتقين.

ومنها ما رواه ايضا ص 303 15 عن أبى عبدالله عليه السلام انه قال: نحن اصل كل خير ومن فروعنا كل بر، ومن البر: التوحيد، والصلاة، والصيام، وكظم الغيظ والعفو عن المسئ، ورحمة الفقير، وتعاهد الجار، والاقرار بالفضل لاهله، وعدونا أصل كل شر، ومن فروعهم كل قبيح وفاحشة فمنهم الكذب والنميمة، والبخل، والقطيعة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وتعدى الحدود التى امر الله عزوجل، وركوب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن من الزنا، والسرقة، وكل ما وافق ذلك من القبيح، وكذب من قال: انه معنا، وهو متعلق بفرع غيرنا.

اقول: والروايات في ذلك كثيرة اورد جملة منها في هذا الباب من بحار الانوار وغيره وسيأتى التفسير والتوضيح للمراد منها.

فمنها ما رواه في البحار ج 24 286 باب انهم الصلاة والزكاة وساير الطاعات وأعدائهم الفواحش والمعاصى في بطن القرآن. عن بصائر الدرجات باسناده عن المفضل عن أبى عبدالله عليه السلام في حديث طويل في السؤال والجواب عمن زعم ان الفرائض رجل، وان الفواحش رجل قال عليه السلام.

واخبرك انى لو قلت ان الصلوة والزكوة وصوم شهر رمضان والحج، والعمرة والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والمشعر الحرام، والطهور والاغتسال من الجنابة، وكل فريضة كان ذلك هو النبى صلى الله عليه واله وسلم الذى جاء به من عند ربه لصدقت، لان ذلك كله انما يعرف بالنبى ولو لا معرفته ذلك النبى والايمان به والتسليم له ما عرف ذلك، فذلك من من الله على من يمن عليه، ولو لا ذلك لم يعرف شيئا من هذا، فهذا كل ذلك النبى صلى الله عليه واله وسلم وأصله، وهو فرعه، وهو دعانى اليه ودلنى عليه وعرفنيه وأمرنى به وأوجب على له الطاعة فيما أمرنى به، لا يسعنى جهله، وكيف يسعنى جهل من هو فيما بينى وبين الله؟ وكيف لى لو لا انى اصف ان دينى هو الذى أتانى به ذلك النبى ان اصف الدين غيره وكيف لا يكون ذلك معرفة الرجل، وانما هو الذى جاء به عن الله، وانما انكر الدين من أنكره بأن قالوا: (أبعث الله بشرا رسولا. الاسراء 94)، ثم قالوا: (أبشر يهدوننا. التغابن 6)، فكفروا بذلك الرجل وكذبوا به، وقالوا (لو لا نزل عليه ملك. الانعام 8). الحديث بطوله.

فلاحظ وتدبر وجه تأويل الفرائض والمحللات بمحمد و آله، والفواحش والمنكرات بأعدائهم وان مبدئيتهم تبليغا، واقامة، وشرطية ولا يتهم كل ذلك اوجب صحة اطلاق الفاظها عليهم بعلاقة العلية والمبدئية التى هى ملاك التأويل، كما ان مبدئية أعداء الله ورسوله وأعداء آل محمد لسد ابواب الحق وفتح ابواب الفواحش واقامتهم لها وشرطية التبرى عنهم، كل ذلك اوجب اطلاق الفواحش والبغى والمنكر عليهم لعلافة المبدئية كما عرفت.

نعم يظهر من رواية المفضل وجود جماعة في عصر الامام الصادق عليه السلام قد خرجوا بالشرك عن الدين بتأويل الفرائض برجل والمنكرات برجل ثم تركوا الفرائض وحللوا المحرمات وهؤلاء قد خرجوا من الدين وجاوزوا حدود الله، وحكم الامام عليه السلام بشركهم وكفرهم. فلاحظ كى لا تغفل ولا يشتبه الامر عليك.

9 - لم يكفر النخعى ولم يطعن بروايته تأويل الصلوة

واذ عرفت ما تلونا عليك وانه لا يصح طعن النخعى وتكفيره بما عرفت نقول: لم يكفر ولم يطعن بما سمعت لاجل تأويله الصلوة بمحمد وآله الطاهرين عليهم السلام، اذ لو لم تكن عليه رواية فلم يكن في نفسه امرا منكرا يوجب كفره، وان وجوب المحافظة على الصلوات والصلوة الوسطى خاصة من بينها يقتضى وجوب المحافظة على من أقام الصلوات والصلوة الوسطى بالاولوية القطعية وقد ثبت بالنصوص الكثيرة ان هؤلاء أقاموا الصلوة وقد بذلوا مهجهم في سبيل اقامتها وسبيت نسائهم وهتك حريمهم وقتل الحسين عليه السلام مع اهل بيته بالطف اقامة للدين ومحافظة للصلوة. على انه قد ورد بطرق كثيرة صحيحة بل استفاضت الروايات في ان الاسلام بنى على خمس أولها الصلوة وخامسها الولاية وفى بعضها: ولم يناد بشى كما نودى بالولاية.

واذ اوجبت المحافظة على الصلوات منها وجبت المحافظة على اعظمهن وهى الولاية، وبما ان امير المؤمنين عليه السلام بمنزلة نفس رسول الله صلى الله عليه واله كما في آية المباهلة فهو بمنزلته في التخصيص كما في الصلوة الوسطى ولعل النخعى واضرابه قد اتبعوا الروايات التى تقدمت الاشارة إلى بعضها من تفسير الواجبات والمحللات بمحمد وآله، وتفسير المنكرات بأعدائهم على وجه فسرت به في جملة من الروايات لا كما زعمته الخطابية فلاحظ البحار ج 24 284 حديث المفضل كما تقدم.

10 - بدء تكفير النخعى من تأويل الفحشاء والمنكر بالرجال

واذ ظهر لك الامر في تأويل الصلوة، فلا تعجب ان يبدء الطعون والتكفير للنخعى من تأويله الفحشاء والمنكر بالرجال، كما سبق في تصنيفه في الحميرى الشاعر الذى يمدح اهل البيت، ويشتم اعدائهم من السلف، وفى هشام بن الحكم المجاهدفي امر الامامة، وابطال المذاهب غيرها، مع انك قد عرفت ان وجه التأويل والقول بأن محمدا واله الصلوة والزكاة وساير الطاعات والمحللات، هو مبدئيتهم لها واشتراطها بولايتهم كما ان وجه تأويل اعدائهم بالفحشاء والمنكر والبغى هو مبيدئيتهم لها ولزوم التبرى منهم، ومع هذا التأويل كيف يوجب هذا القول كفر النخعى وزندقته او يدعى أحد كون النخعى ممن أشار المفضل اليهم وحكم الامام بكفرهم وشركهم لتحليلهم ترك الواجبات وارتكاب المحرمات؟ ! ونعوذ بالله من الكذب والبهتان والعدوان.

 

رواية النخعى تمثل الشيطان

واما السابع من الامور التى طعنوا بها في مذهب النخعى، هو روايته تمثل الشيطان في صورة الفيلة للنبى الاكرم صلى الله عليه واله وسلم عند الصفا على ما ذكره الخطيب في تاريخه ج 3 290 في محمد بن مزيد المعرف بابن أبى الازهر، الحاقا له بصاحب الترجمة في الوضع والكذب ورواية المناكير مثل هذه بل خص الخطيب هناك ابن ابى الازهر بتضعيف آخر مؤيدا الضعفه وهو روايته حديث المنزلة وهو قول النبى صلى الله عليه واله وسلم لعلى عليه السلام: (اما ترضى ان تكون منى بمنزلة هارون من موسى، الا انه لا نبى بعدى).

قلت: ولقد أظهر الخطيب عناده في تضعيفه لرواة الشيعة بالتأييد المذكور وأثبت ما حققناه في محله من ان الخطيب واضرابه ومن قبلهم من رواة أحاديثهم، ربما يتركون أصل رواية فضائل آل محمد عليهم السلام مهما تيسر او يهملون روايتها عن ثقاتهم، او يروون بعض فضائلهم في ابواب غير مناسبة بعيدة عن الانظار، وهل هذا الا ارضاء‌ا لانفسهم في كتمان فضائلهم وشحا على ما فضلهم الله تعالى به وخوفا على ظهور عنادهم وتعصبهم بترك روايتها بوجه مطلق وتلبسيا وتغريرا للجاهلين وتأبيدا للغافلين؟ ! كما انهم ربما يروون فضائلهم الثابتة الحقة المتواترة والمشهورة عن رواة غير معروفين عندهم او عن رواة متهمين بالكذب وبرواية المناكير لاجل تشيعهم، ثم يجاهدون في تحقيق رجال السند ويضعفوهم بما احبوه، وغير ذلك من وجوه كتمانهم الحق من فضائل آل محمد عليهم السلام، وهل هذا الا ارادتهم اطفاء نور الله بافواهم؟ ! كما انهم جاحدوا في اكثار رواية فضائل مكذوبة للصحابة الغير المرضييين عن على واولاده الطاهرين واسناد الموضوعات إلى ائمة اهل البيت والرواة من شيعتهم حق جاوزا لحد البخارى وأذنابه حيث اكثروا رواية الطعن في على عليه السلام عنهم بل كرر ذكرها في مواضع من كتابه، ومنها حديث تكنيته عليه السلام بأبى تراب وتزويجه ببنت أبى جهل على سيدة النساء سلام الله عليها وغير ذلك مما حققنا بطلانه في كتابنا (الاحاديث الموضوعة والمحرفة) بل اكثروا واطنبوا وضخموا الكتب، ارضاء‌ا لملوك آل امية وأتباعهم بروايتهم الفضائل في غير عليه عليه السلام من الخلفاء وفى بعض ازواج النبى صلى الله عليه واله وسلم واشياعهم والقبائل باسانيد مقطوعة او مرسلة او مرفوعة او مضمرة، او عن رجال غير معروفين، او معروفين بالكذب ووضع الحديث والاكثار عن النبى صلى الله عليه واله وسلم او المتهمين بامور غريبه حتى الخمارين، ثم أهملوا تحقيق أسانيدها وصفحوا و أعرضوا عما علموا منهم مما لم يسكتوا عنه حينما رووا فضائل آل محمد عليهم السلام.

بل اكثروا الرواية عن أمثال هؤلاء في الجسم، والصورة، وما تعالى الله شأنه وتقدست أسمائه عن امثاله علوا كبيرا، بل رووا عنهم في نسبة الافعال القبيحة والرجس إلى الانبياء والى سيدنا محمد صلى الله عليه واله وسلم وعليهم السلام مما طهرهم الله تعالى ويطول بذكرها، بل رووا عن امثالهم في ضياع القرآن وغير ذلك من الفضائح، روايات كثيرة كل ذلك شكرا منهم لما رووه من فضائل اعداء آل محمد عليهم السلام.

فاذا عرفت هذا نقول توضيحا لفساد طعن الخطيب في الرجلين بالحديثين: اما حديث المنزلة الذى تفرد ابى ابى الازهر بروايته فصحته متنا اوضح من ان يطنب ببيانه، واما صحته سندا فكفى بالخطيب واذنابه وهنا في القول وميلا في الحكم، وجورا في الشهادة بالوضع والكذب والمنكرية، تواتر الحديث سندا ورواية اعلام الرواة المعروفين عند المسلمين له، وكثرة الكتب المفردة المخصوصة بهذا الحديث وموافقة مضمونه للايات والاخبار على ما حققنا دلالتها في محله.

واما حديث تمثل الشيطان الذى اشترك ابن ابى الازهر مع النخعى في روايته، فقال الخطيب بعد ذكر اختلافهما في لفظ الحديث مشيرا إلى القصة ما لفظه: والقصه الاولى منكرة جدا، وانحفظها باسناد آخرواه، أ؟ ناناه على بن احمد المقرى حدثنا عثمان بن احمد الدقاق حدثنا ابوعبدالله محمد بن احمد بن يحيى بن بكار حدثنا اسحاق بن محمد النخعى حدثنا احمد بن عبدالله الفدائى حدثنا منصور بن أبى الاسود عن الاعمش عن ابى وائل عن عبدالله قال قال على بن أبيطالب: رأيت النبى صلى الله عليه واله وسلم عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه، فقلت ومن هذا الذى يلعنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم؟ قال: هذا الشيطان الرجيم، فقلت: يا عدو الله لاقتلنك ولاريحن الامة منك.

قال: ما هذا جزائى منك ! قلت: وما جزاؤك منى يا عدو الله؟ قال: والله ما ابغضك أحد الا شاركت أباه في رحم امه. وهكذا رواه القاضى ابوالحسين بن الاشنانى عن اسحاق بن محمد النخعى وهو اسحاق الاحمر وكان من الغلاة، واليه تنسب الطائفة المعروفة بالاسحاقية.. قلت: ليس ما تشبس به الخطيب الغريق في بحر الطعن على الشيعة الا حشيشا او ما هو اهون منه. اما اولا فان الحديث لا يرفع برجال سنده قبل اسحاق النخعى، فان عثمان بن احمد الدقاق قد غمز فيه الجمهور وطعنوا فيه بروايته الفضائح وان شئت فراجع اعتدال الميزان للذهبى ج 13 31، ولسان الميزان لابن حجر ج 4 131 وغيرهما.

كما ان محمد بن احمد بن بكار الذى نسب الرواية إلى النخعى مجهول الحال، حتى ان الخطيب مع بسط يده في امثال ذلك أمسك عن توثيقه او مدحه بوجه.

وثانيا ان الوضع لو كان فهو من غير النخعى، اذ لا يعقل رواية الشيعى المحب لعلى عليه السلام لمثله، فان الشيعى هو الذى يعتقد بطهارة على عليه السلام من كل رجس ووهم و خيال باطل وعصمته من كل خطيئة وخطأ وزلل وسفاه، كما هى مقتضى ادلتها ومنها آية التطهير، وكذا يعتقد انه بمنزلة نفس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما دلت عليه ادلة كثيرة منها آية المباهلة، وانه باب مدينة علم النبى صلى الله عليه واله وسلم، وهو عنده بمنزلة هارون من موسى، وغير ذلك من فضائله، فكيف يعقل رواية هذا الشيعى المحب لسيده ومولاه امثال هذه الفضائح؟ ! وانه يهم على قتل الشيطان المتمثل لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم في صورة الفيل عند الكعبة بمحضره الشريف، بلا استيذان وأمر منه، وغير ذلك من امارات الوضع مما يطول بذكره.

ولا بأس ح بالتحقيق في مضمون الحديث اتماما للبحث، فنقول انه قد اشتمل على امور: احدها تمثل الشيطان في صورة الفيل. وهذا ليس امرا منكرا ولا عجيبا، بل هو نوع من سلطانه بعدما صح تمثله بصور مختلفة، فقد تمثل للمشركين في صورة شيخ كبير من أهل نجد يوم الندوة، وفى صورة منبه بن الحجاج يوم العقبة، وفى يوم بدر مع جند من الشياطين في صورة رجال من بنى مدلج، وقد تمثل للانبياء عليهم السلام حتى انه تمثل ليحيى عليه السلام في صورة عجيبة، وغير ذلك مما يطول بالاشارة اليه، بل اخرج البخارى في صحيحه ج 4 149 باب ابليس، تمثله في صورة المار بين يدى المصلى، وايضا تمثله لابى هريرة وتمثله في صورة صحابى يحدث عن النبى صلى الله عليه واله وسلم. اخرجه مسلم في صحيحه ج 1 9.

ثانيها شركة ابليس في الولد فهذه ليست مما تقبل الانكار، فضلا عن كون روايتها موجبا للطعن في مذهب الراوى، فانها موافقة لظاهر الكتاب العزيز الذى لا يأتيه الباطل فقال عز من قائل: قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء‌ا موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك و شاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا. الاسراء 65 فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. النحل 100 فاذا أصل شركة ابليس في الاولاد في الجملة أمر لا ينكره أحد الا وخرج من الدين بانكاره الضرورى من ضرورياته مما نزل به الكتاب.

ثالثا: ان المفسرين ذكروا في تفسير شركته في الاموال والاولاد وجوها فتارة انها اصابة المال من حرام وأخذه من غير حقه، والولد من زناكما عن ابن عباس وغيره. واخرى ما يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ومن الاولاد ما قتلوهم وأتوافيهم من الجرائم كما عن الضحاك وغيره. وثالثة التسمية باسم الاصنام وغير ذلك مما يطول بذكره. والتحقيق ان الشركة وهى المساهمة باعتبار اضافتها إلى نفس الاموال واولاد، هى في عموم ما تتحقق فيه من الافعال، بلا تقيد بالتحصيل والصرف الخارجى او الانشائى وساير انواع الصرف والانفاق، والتمتع والتسمية وغيرها، فان التقييد بوجه منها يقتضى تقدير المضاف، وهو خلاف الاصل، وادعاء الانصراف إلى بعضها ان صح، فهو بالنسبة إلى اصل الوجود كما هو مقتضى الحديث لا إلى ساير لواحقه ومتعلقاته. بل يقتضى اطلاق (وشاركهم) الشركة بجميع انواعها وأحوالها و افرادها، والتقييد ببعضها يحتاج إلى الدليل، وليس في كلام المفسرين أثر منه. كما قد اعترف بالشمول غير واحد من أعلامهم فراجع القرطبى ج 10 289، والطبرى ج 14 173، وج 15 119 122، وتفسير الفخر الرازى ج 21 6.

رابعها: ان جعل الضمير (هم) مفعولا به وطرفا للمشاركة ربما يقتضى امكان تحقق ما فيه الشركة للشيطان من الاباحة والملكية والاختصاص وساير التصرفات الانشائية والخارجية كما تكون لبنى آدم فيها في عرض واحد، كساير الشركات بين بنى آدم بعضهم مع بعض، فيكون من قبيل حق واحد او قول واحد من الشريكين وبينهما ويتبعض لكل منهما مشاعا نصفه او ثلثه وهكذا، ولا يصح من احدهما التصرف الا مع موافقة الاخر.

وهذا يوافق ما رواه العامة، اذ قد رووا عن ابن عباس، ومجاهد والضحاك تفسير الاية بذلك وتأويل شركة ابليس في الاولاد، بالزنا بامهاتهم، بل قال الطبرى في ج 15 121: واولى الاقوال في ذلك بالصواب: ان يقال: كل ولد ولدته انثى، عصى الله بتسميته ما يكرهه الله او بادخاله في غير الدين الذى ارتضاه الله، او بالزنا بأمه، او قتله ووأده، او غير ذلك من الامور التى يعصى الله بها، بفعله به، او فيه، فقد دخل في مشاركة ابليس فيه من ولد ذلك المولود له او منه، لان الله لم يخصص بقوله (وشاركهم في الاموال والاولاد بمعنى الشركة فيه بمعنى دون معنى الخ.

بل رووا عن مجاهد قال: اذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على احليله فجامع معه. ذكره القرطبى في تفسيره ج 10 289. وعن عايشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ان فيكم مغربين، قلت: يا رسول الله وما المغربون؟ قال: الذين يشترك فيهم الجن. ذكره القرطبى ج 10 289. وعن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في حديث قال: وكل ولد بغية فهو للشيطان. ذكره القرطبى هناك.

خامسها: ان لشركة الشيطان مع بنى آدم وجوها وأنواعا ومراتب، وليست هى: ما يبدو للانظار العامية من المساهمة العرضية المادية الخارجية فحسب، بل الاطلاق المستفاد من الاية الكريمة يقتضى الشمول للجميع، الا ان تمنع عنه حجة من العقل أو الكتاب أو السنة.

فمنها الشركة الطولية وهى الشركة في مبادى الفعل ومتممات الفاعلية والاعمال الجانحية من الارتسام التصورى، ثم التسويل، ثم تزيين السوء وارائته حسنا، ثم الاختيار، ثم الهم، ثم العزم، ثم الارا؟ ة التى تعقب تحريك العضلات والجوارح نحو الفعل من أنحاء ميادين محاربة الشيطان مع الله تعالى وشقاقه وحداده، فمن نصره الله ورجح عقله على نفسه وشهواته وغضبه: جنود الشيطان، فقد فاز. ويختلف حدود النصر والغلبة بالاستقلال والتبعية والشركة، على ما حققناه وفصلنا في مباحث الرياء والضمائم المحرمة في النيات.

وقد اشير إلى وجوه من سلطة الشيطان وتصرفه في بنى آدم من هذا النوع في القرآن الكريم مثل (الوسوسة) كما في سورة الاعراف 21، و (النزغ) كما في الاعراف 200، ويوسف 100، والاسراء 53، و (الكيد) كما في النساء 76، و (الانساء) كما في الانعام 68، ويوسف 42، و (التزيين) كما في الانفال 48، والنحل 63، و (الوعد والوعيد والتمنية) كما في البقرة 268، والنساء 120، و (التخويف) كما في آل عمران 175، و (ايقاع العداوة والبغضاء) المائدة 90، والاعراف 22 و (الازلال) كما في آل عمران 155، والبقرة 36، و (الاضلال) كما في النساء 60، و (الافتان) كما في الاعراف 27، (والاتباع) كما في الاعرف 21، و (الرجز) كما في الانفال 11 و (الوحى) كما في الانعام 121، و (الاستحواذ) كما في المجادلة 19، و (القيض) كما في الزخرف 36، و (المرد) كما في النساء 117، والصافات 7، والحج 8، و (النجوى) كما في المجادلة 10، و (التنزل) كما في الشعراء 210، و (الاخوة) كما في الاسراء 27، و (الولاية) كما في الاعراف 27، و (الخلوة) كما في البقرة 14 و (الاز) كما في مريم 68، و (التكفير) كما في البقرة 102 والاسراء 27 وغير ذلك مما لا يخفى على الخبير.

ومنها الشركة بايتان الشياطين بعض ما يصدر عادة من بنى آدم من الاعمال المتعارفة بينهم كالحمل والبناء، والرفع والوضع والتصوير والتخريب والغسل والذبح والطاعات وغير ذلك، واتيانهم ما يقصدون فعله بمباشرتهم، كل ذلك: اما جزاء وشكرا وتظيما منهم لبنى آدم، كما ورد في بعض الاخبار ونظيرها من خدمة الملائكة لصالحى عباد الله وانبيائه واوليائه عليهم السلام، وكذا خدمة الشياطين لهم تسخيرا من الله تعالى لهم فقال تعالى: (..وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين... ولسليمان الريح عاصفة تجرى بامره.. ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين. الانبياء 82 فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الاصفاد. ص 38. ولسليمان الريح.. ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن امرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاعمن محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا. سبا 13 واما تسخيرا من بنى آدم لهم بالرياضات، فيخدموهم ويباشرون بما قصدوه من الاعمال. قال تعالى: وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن.. الجن 6 واما ايذاء‌ا منهم على بنى آدم على ما هو طبعهم او انتقاما منهم لبعض ما صدر عن بعض بنى آدم، وهذا كما في المصروعين ومن اصابهم الجن والجنة واشير اليه في بعض الايات والاخبار كما قد دلت الايات والاخبار على تعويذات لهم من شرهم.

ثم ان الشركة في هذا القسم انما هى باعتبار وقوع الارادة المبدئية من بنى آدم والعمل من الشياطين، كما ان الطوليته باعتبار صدور لفعل من الشيطان وحده والارادة والمبدئية من بنى آدم ولا اشكال في ذلك ذاتا ووقوعا وصدقا ولا ينبغى الكلام فيه. وهذه الشركة عكس القسم الاول منها كما لا يخفى.

ومنها: الشركة والمساهة العرضية المادية الخارجية في اتيان عمل و واحد قابل للشركة كقطع خشب او رفع حجر او قتل واحد وكل عمل متكثر بالذات واقع على واحد. وهذه هى الشركة العرفية.

والظاهر انه لا اشكال في ذلك عقلا وربما يوافقه ظاهر بعض الايات والاخبار مما اشرنا اليها وغيرها.

والاشكال في صدور عمل واحد مادى من انسان وشيطان مندفع بما يندفع به الاشكال في صدوره من الشياطين فيما كانوا مستقلين بالعمل بالاولوية فتدبر.

ومنها: الشركة والمساهمة العرضية المادية الخارجية في عمل واحد بالتأكيد والتكميل ونحو ذلك من مراتب وجوده لا اصله والكلام في ذلك يظهر مما تقدم. ثم ان في شركة الجن والشيطان مع بنى آدم في احكام الاعمال وآثارها التوليدية القهرية او الاختيارية كالملكية والزوجيته، والضمان وغير ذلك من الاضافات والنسب كلام ليس هنا محله.

سادسها: ان الشركة باقسامها قد تتفق مع اللمس والمس، وبما ان اللمس ومس الشيطان لبنى آدم مما يساعده العقل وظواهر الايات والاخبار فشمول اطلاق (شاركهم) مما لا محذور فيه. بل ربما يظهر من بعضها وقوعه فقال تعالى: الذين يأكلون الربوا لا يقومون الا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس.. البقرة 257 ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذاهم مبصرون الاعراف 202 واذكر عبدنا ايوب اذ نادى ربه انى مسنى الشيطان بنصب وعذاب ص 41 نعم ان كيفية مس الشيطان ولمسه كاستفزازه بنى آدم بصوته والجلب عليهم بخيله ورجله، ومشاركته لهم في الاموال والاولاد عجيبة كخلقه، غير مبينة صريحا في الكتاب العزيز.

وليس ما في غير واحد من الروايات من شركته عند الجماع ضروريا يجب الايمان به ولا امرا ضرورى البطلان يجب الكفر به فرد علمه إلى الراسخين هو الصواب وان كان ايكال تحقيق ذلك إلى محله وترك التطويل بالتعرض له هو الاولى.

سابعها: انه قد ورد في جملة من الاخبار الاشارة إلى بعض المعاصى الموجبة لشركة الشيطان في الولد، والى ما يوجب الوقاية من شركته، والى تعيين بعض من شرك فيه الشيطان من العصاة، أوردها اصحاب الصحاح والمسانيد ومشايخ اصحابنا في ابواب متفرقة يطول بالاشارة اليها. فمنها ما أخرجه الكلينى في باب البذاء من كتاب الايمان والكفر من اصول الكافى ج 2 323، باسناده عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ان الله حرم الجنة على كل فحاش بذى، قليل الحياء لا يبالى ما قال ولا ما قيل له فانك ان فتشته لم تجده الا لغية او شرك شيطان، فقيل يا رسول الله وفى الناس شرك شيطان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اما تقرء قول الله عزوجل: (وشاركهم في الاموال والاولاد) الحديث.

ومنها ما أخرجه ايضا في الصحيح عن عبدالله بن سنان عن أبى عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: اذا رأيتم الرجل لا يبالى ما قال، ولا ما قيل له فانه لغية أو شرك شيطان.

ومنها ما أخرجه ايضا في الصحيح عن ابى بصير عن أبى عبدالله عليه السلام قال ان من علامات شرك الشيطان الذى لا يشك فيه ان يكون فحاشا لا يبالى ما قال ولا ما قيل فيه.

ومنها ما رووه في التعوذ من شركة الشيطان في الولد عند اتيان الاهل فأخرج البخارى في صحيحه ج 1 48 كتاب الوضوء باب التسمية على كل حال وج 4 148 و 151 باب ابليس وكذا ج 8 102 باب ما يقول اذا أتى اهله، بأسناده عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه واله وسلم قال: لو ان احدكم اذا أتى أهله قال: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره (شيطان ابدا موضع) واخرجه ابن ماجه في السنن ج 1 618.

وروى الكلينى في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبدالله عليه السلام قال اذا دخلت بأهلك فخذ بناصيتها واستقبل القبلة وقل اللهم بأمانتك أخذتها وبكلماتك استحللتها، فان قضيت لى منها ولدا فاجعله مباركأ من شيعة آل محمد، ولا تجعل للشيطان فيه شركا ولا نصيبا. وروى الكلينى والشيخ والصدوق في الصحيح عن ابى بصير عن أبى عبدالله عليه السلام في حديث، في آداب المتزوج ودعائه: ولا تجعله شرك شيطان.

قلت: وكيف يكون شرك شيطان؟ فقال ان الرجل اذ ادنا من المرأة وجلس مجلسه حضره الشيطان فان هو ذكر اسم الله تنحى الشيطان عنه (إلى ان قال): قلت: فبأى شيى يعرف هذا جعلت فداك؟ قال: بحبنا وبغضنا. وغير ذلك مما رواه في الوسائل ج 4 79 وغيره.

وقد أخرج الحافظ الحسكانى في شواهد التنزيل ج 1 346 باسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن محمد عليهما السلام نحوه مع تفاوت بوجوه منها الاستدلال؟ (وشاركهم..).

قلت: قد ورد فيما يوجب شرك الشيطان وما يعرف به روايات كثيرة يطول بذكرها فاذا كان البذاء ونظائره، مما يكشف عن شركه، فكيف لا يكون اعظم المحرمات منه وهو بغض على عليه السلام كذلك؟ ! ثامنها: ان انكار الخطيب حديث شركة الشيطان الذى رواه جماعة منهم لحافظ ابوالمؤيد الخوارزمى الحنفى المتوفى 548 في مناقبه ص 232 باب في فضائل له شتى وغيره ممن ذكرناه في محله، ان كان لاجل سببها وهو بغض الامام امير المؤمنين على عليه السلام، فهذا عجيب، كيف؟ ! ولا ينكره الا من كان يتهم نفسه ببغض على عليه السلام، وحاشا مثل الخطيب عن بغضه عليه السلام ! ! او من لا يعرف ما نزل فيه من الايات وقد كان بمنزلة نفس النبى كما في آية المباهلة وما وردت من الاخبار والروايات في فضله وفضل من يحبه، وما دل على ذم بغضه وذم من يبغضه، وهذا مما يعرفه الاعراب فضلا عن مثل الخطيب وأضرابه من الاعلام، وقد رواه اعلام الامة من الجمهور ومن اصحابنا بطرق واسانيد والفاظ متقاربة عن جماعة كثيرة من الصحابة.

منها ما عن النبى الاكرم صلى الله عليه واله وسلم قال: من احب عليا فقد أحبنى ومن أبغض عليا فقد ابغضنى ومن آذى عليا فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله. اخرجه ابن عبد البرفى الاستيعاب ج 3 37، والحافظ محب الدين الطبرى في ذخائر العقبى ص 65.

ومنها ما اخرجه الحاكم في المستدرك ج 3 130 باسناد صحيح على شرط الشيخيين عن عوف بن ابى عثمان النهدى قال قال رجل لسلمان: ما أشد حبك لعلى عليه السلام؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: من احب عليا فقد احبنى، ومن ابغض عليا فقد ابغضنى.

بل روى بطرق عن عدة من الصحابة مثل ذلك ص 128 وص 142.

بل في ذلك اخبار آخر اوردناها في محله عن جماعة من اكابر الصحابة مثل على عليه السلام، وابن عباس، وعمرو بن شاس الاسلمى، وامة سلمة، وعمار بن ياسر، وابى ذر.

كما روى اعلام الامة بطرقهم واسانيدهم عن النبى صلى الله عليه واله وسلم انه لا يحب عليا عليه السلام الا مؤمن ولا ببغضه الا منافق. بل قال ابن عبد البر في الاستيعاب ج 3 37: روت طائفة من الصحابة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لعلى عليه السلام: لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق.

وان شئت فراجع مسند احمد بن حنبل ج 2 57، وسنن ابن ماجة ج 1 28، وسنن الترمذى ج 5 643 وباب 21 من المناقب 635، والاستيعاب لابن عبد البرج ج 3 37، والاصابة لابن حجر ج 2 503 وتاريخ بغداد ج 2 255 في محمد بن الحسين ابى طاهر، والتاج في الجامع بين الصحاح ج 1 22 عن مسلم والترمذى والنسائى، وابن عساكر في تاريخ دمشق ج 2 190، وذخائر العقبى ص 65، والجوامع بين الصحاح وغير ذلك مما بطول بالاشارة اليه مما ذكرناه في محله من طرق الجمهور وطرق اصحابنا الامامية.

كما رووا بأسانيدهم وطرقهم عن جماعة كثيرة من الصحابة قول النبى صلى الله عليه واله وسلم في على عليه السلام: (انه منى). وكل ذلك موافقة لما في الكتاب العزيز في آية المباهلة من فرض على عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (انفسنا).

فأخرج البخارى في باب مناقب على بن ابيطالب باسناده عن النبى صلى الله عليه واله وسلم قال: لعلى أنت منى، وأنا منك. وان شئت النظر إلى بعض ما رووه في ذلك بألفاظه فلاحظ مستدرك الحاكم ج 3 110 و 120 و 217 من كتاب معرفة الصحابة، والاصابة ج 2 503، وتفسير ابن كثير ج 3 466، وسيرة الحلبى ج 3 66 في عمرة القضاء، وسيرة دحلان ج 2 91، والاستيعاب ج 3 46، والطبرى ج 3 17 غزوة احد، وص 154، والسنن لابن ماجة ج 1 29 وغير ذلك مما يطول بذكره.

بل روى أعلام الجمهور عن جماعة من الصحابة في عهد النبى يعرف المنافقون ببغضهم لعلى عليه السلام فأخرج ابن عبد البرفى الاستيعاب ج 3 47 باسناده عن جابر قال: ما كنا نعرف المنافقين الا ببغض على بن ابيطالب عليه السلام. وقد روى بالفاظ واسانيد كثيرة كما أخرجه ابن عساكر في تاريخه ج 2 218 إلى ص 223 بطرق والفاظ متقاربة.

وأخرج الحاكم في المستدرك ج 3 129 باسناد صحيح على شرط مسلم عن ابى ذر الغفارى قال: ما كنا نعرف المنافقين الا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات، والبغض لعلى بن أبيطالب عليه السلام.

قلت: والاخبار في ذلك كثيرة ذكرناها في محله واعترف بذلك ابن ابى الحديد في الشرح ج 9 501 فقال: انه ورد في حقه عليه السلام: (ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الا ببغض على بن ابيطالب عليه السلام)، وهو خبر محقق مذكور في الصحاح. انتهى.

وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ج 2 218 و 219 باسانيد والفاظ مختلفة عن ابى سعيد الخدرى وابن عباس، وكذا الترمذى في السنن ج 5 635 كتاب المناقب وغيرهم ممن يطول بذكرهم.

بل أخرج جماعة من الحفاظ وأئمة الحديث امر النبى صلى الله عليه واله وسلم بعرض الاولاد على محبة على بن أبيطالب عليه السلام واختبارهم بها.

منهم: الحافظ عبيد الله بن عبدالله بن احمد الحسكانى الحنفى النيسابورى فاخرج في شواهد التنزيل 343 ذيل (وشاركهم في الاموال والاولاد) باسناده عن جابر بن عبدالله الانصارى في حديث طويل في تمثل الشيطان لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم بمنى و في آخره: فقال: معاشر الانصار أعرضوا اولادكم على محبة على، فان أجابوا فهم منكم، وان أبوا فليسوا منكم، الحديث.

ومنهم الحافظ شيخ الامامية في عصره الصدوق في علل الشرايع(142) فاخرج باسناده عن جابر بن عبدالله الانصارى الحديث نحوه.

وأخرج ايضا في العلل 142 4 باسناده عن ابى الزبير المكى قال: رأيت جابرا متوكيا على عصاه وهو يدور في سكك الانصار ومجالسهم وهو يقول على خير البشر، فمن ابى فقد كفر، يا معشر الانصار ادبوا اولادكم على حب على عليه السلام، فمن آبى فانظروا في شأن امه.

واخرج ايضا في العلل 145 13 باسناده عن ابى أيوب الانصارى قال: اعرضوا حب على عليه السلام على اولادكم، فمن أحبه فهو منكم، ومن لم يحبه فأسالوا امه من اين جاء‌ت به، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول لعلى بن أبى طالب عليه السلام: لا يحبك الا مؤمن، ولا يبغضك الا منافق، او ولد زنية، او حملته امه وهى طامث.

واخرج الشيخ ابن المعلم محمد بن محمد بن النعمان المفيد في الارشاد ص 27 في باب لذلك روايات منها ما باسناده عن جبلة قال سمعت جابر بن عبدالله بن حرام الانصارى يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذات يوم جماعة من الانصار، فقال لنا: يا معشر الانصار بوروا اولادكم بحب على بن أبى طالب عليه السلام، فمن أحبه فأعلموا انه لرشدة، ومن أبغضه فاعلموا انه لغية.

الصفحة اللاحقة الصفحة السابقة