والقوارير يتسقَّطن النون خارج أبجدية الرجل!

د. نضير الخزرجي

لطالما تغنى اليسار بتحرير المرأة ولطالما تغنى اليمين بالحرية والليبرالية ولطالما وقف التيار الإسلامي في موضع الدفاع عن حقوق المرأة وهو يواجه تيارات اليمين واليسار الذي تتهم الإسلام بمعاداة المرأة وحقوقها، مما يعطي الانطباع المشكوك في أصله في أن دفاع اليسار واليمين ما هو إلا محاولة معلومة الأغراض لمحاصرة الإسلام في عُقر داره عبر محاصرة دعاته، ولأن تحرير المرأة عنوان خطير يمكن أن يجرها وراءه من كل اتجاه وتيار، فإن المحركين الواقفين خلف الستار لا يألون جهدا في رجم الإسلام بكل نقيصة لا لأنه يمارس الظلم بالضد بالمرأة وإنما هي محاولة لوضع العصي في عجلته التي تزحف على القطاعات الإنسانية خارج المحيط العربي والإسلامي، وإلا هل سألت المرأة المسلمة نفسها لماذا تتقبل المرأة الغربية الإسلام وهي التي تعيش في بحبوحة الحرية، فلماذا تتخلى عن حرية الغرب وتقيد نفسها في عبودية الإسلام!

هذا التحول لدى المرأة الغربية هو بحد ذاته يكسر عصا الآخرين، فالمرأة الغربية هي أقدر من غيرها على إجراء مقارنة بين الأديان والمعتقدات في مجال الحريات، وبخاصة في عدد غير قليل من البلدان الغربية التي تدرس في مدارسها الأديان بأنواعها الأرضية والسماوية مثل بريطانيا، فلو كان الإسلام يقيد حرية المرأة لما أقدمت النساء الغربيات على التحول نحو الإسلام، ومن طبيعة الإنسان أنه يبحث عن حريته بوصفها عملية فطرية تنبعث من ناموس الحياة، وليست عاقلة مَن تحبس نفسها خلف أسوار دين لا يحترمها ولا يقدر خصوصياتها. بل إن المجتمع الغربي مبتلى بمرض فرار النساء من البيوت ففي إحصائية حديثة قدمتها الجمعيات الخيرية البريطانية العاملة مع ملف المفقودين أشارت أنه تم منذ نيسان 2009 م حتى نيسان 2010 م الإبلاغ عن 330 ألف مفقودة ومفقود، وذلك بزيادة الثلث عن السنة التي قبلها (انظر جريدة مترو اليومية METRO- لندن، صفحة 5 بتاريخ 4/1/2011 م).

 

ولاشك أن القراءة المغلوطة للحرية هي التي تقلب الموازين فتجعل الرجل متسلطا والمرأة مغلوبة على أمرها، تكافح وتنافح الذكر من أجل إثبات ذاتها، ناسين أو متناسين أن حرية المرأة لا يعني تساويها مع الرجل في كل شيء جسمانيا ونفسيا ومعنويا، فكما أنَّ العدالة لا تعني تساوي الجميع في الأجر أو تساوي المهندس والعامل في العطاء، إذ من الظلم الفاحش تساويهما، فإن من الظلم حمل المرأة على ممارسة دور الرجل أو حمل الرجل على ممارسة دور المرأة لأن بعض الأدوار كينونية ذاتية ليس للعامل الخارجي دخل وهي تجري مجرى الخلقة الإنسانية، ولذلك -وعلى سبيل المثال- تحتاج المرأة من الطاقة يوميا 2000 سعرة حرارية في حين أن الرجل يحتاج إلى 2500 سعرة، وتستطيع المرأة أن تزيد من السعرات بما يصل حجم سعرات الرجل أو أكثر ولكن بعد فترة سيصيب جسدها الترهل والسمنة، ويستطيع الرجل خفض السعرات الحرارية إلى مستوى المرأة أو أدنى ولكنه بمرور الزمن سيصاب بالضعف والهزال، فالعدالة الجسدية والتوازن في الهورمونات لكل من الذكر والأنثى لا يعني التساوي في تقبل الطاقة الحرارية، وعدم التساوي لا يعني فضيلة لأحدهما على الآخر بقدر ما هي عملية توازن في الحياة الدنيا قدرها رب العباد.

ولكن المرأة يصيبها ما يصيب الرجل في المُلمات، فهي ليست بمعزلٍ عن طوارق الأيام وحوادثها، كما أن أنوثتها لا تعني تقوقعها على ذاتها حتى وإن كانت تقوم الليل وتصوم النهار، بل أن عددا غير قليل من النساء ممن يوصفن بالتقوى كان لهن دور كبير في الحياة اليومية، وبعضهن غيَّرن وجه التاريخ لأنَّ المرأة في واقعها مدرسة لصناعة الأجيال، وهذه الحقيقة نلمسها بوضوح من خلال تتبع سيَر النساء اللواتي حضرن واقعة كربلاء عام 61 هـ وشهدن مصرع سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (ع)، وقد وضعنا البحاثة الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي في جانب من الصورة من خلال كتاب "معجم أنصار الحسين ..النساء" في جزئه الأول، وفي الجزء الثاني الذي صدر حديثا (نهاية 1431 هـ = 2010 م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 398 صفحة من القطع الوزيري يفتح لنا نوافذ على جوانب من الصورة، مما يجعلنا منبهرين أمام عظمة الإسلام الذي فتح مغاليق الأبواب أمام حرية المرأة لتأخذ موقعها الفاعل في الشؤون الحياتية المختلفة.

 

خلط تاريخي

وليس بخاف على أحد أن المرأة في كثير من البلدان لم تصل إلى مرحلة العدالة في التعامل البشري، وهذه حقيقة مرة يؤكدها واقع الحال، وبخاصة في مجال التعليم، لأن التعليم الناجح يرفع الكثير من مشاكل الأمة، والأمة المتعلمة أمة حضارية، والأمة التي يقتصر تعليمها على الرجل أمة عرجاء، فالقيمومة في أوسع مدياتها هي مسؤولية الرجل في إدارة المنزل، أي أن القيمومة بحد ذاتها ليست شهادة فخرية وإنما مسؤولية واقعية ومن يفتقد شروط المسؤولية ويسدر في وادي اللا أبالية تنتزع منه القيمومة، ومن لا يملك حق القيمومة المنزلية ِمن باب أولى أنْ لا يملك هذا الحق خارج البيت.

وعند قراءتنا لسيرة النساء اللواتي ورد ذكرهن في واقعة كربلاء نكتشف أمورا كثيرا ربما غيَّبتها أقلام وتيارات فكرية أرادت أن تمحو من ذاكرة الإنسان شخصية المرأة المسلمة في العهد الإسلامي الأول، وما نجده من قراءات مغلوطة عن الدور المقهور والمسلوب للمرأة هو في واقعه جزء من الخلط المعرفي والتاريخي بين دورها في العهد الجاهلي ودورها في العهد الإسلامي، ومحاولة البعض وسم الممارسات البشرية بالإسلام، على الرغم من أن تعاليم الإسلام لم تكن وقفا على الرجل، وأن ممارسات النبي محمد (ص) وأهل بيته جاءت لتردم تلك الهوة التي أوجدتها الثقافة الجاهلية بين الرجل والمرأة، بل الهوة الكبيرة التي خلقتها عهود من الثقافة الجاهلية التي ميزت بين امرأة وأخرى، فكان العربي يأنف الزواج من غير العربية، ويرفض الزواج من الإماء، وحتى يتم فكُّ هذه العقدة الجاهلية، فإن الرسول وهو من أشرف الأنساب العربية تزوج من مارية بنت شمعون القبطية المتوفاة سنة 16 هـ وهي أم ابنه إبراهيم، وأعتق صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيد الإسرائيلية المتوفاة سنة 50 هـ وتزوجها، واعتق زيد بن حارثة القضاعي المستشهد في مؤته سنة 8 هـ وزوّجه ابنة عمته بنت الحسب والنسب زينب بنت جحش المتوفاة سنة 20 هـ، وعلى خطاه سار أبناء فاطمة بنت محمد (ع).

لكن ثقافة الجاهلية هي التي تسود في بعض مراحل الحياة، فيحل التخالف بدلَ التحالف، ويصبح بغض الآخر أنفة ورفعة!، وينقل لنا التاريخ أن حفيد النبي محمد (ص) الإمام علي بن الحسين (ع) زوّج أمّه الحاضنة له بعد وفاة أمه في نفاسها من أحد خدمه واسمه زيد فأنجبت له عبد الله، ولما كانت الحاضنة بمثابة الأم فإنَّ الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان (26- 86 هـ) كتب إليه يلومه ويقول له: (إنك قد وضعت شرفك وحسبك)، فرد عليه الإمام السجاد (ع): "إن الله تعالى رفع بالإسلام كل خسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللؤم فلا لوم على مسلم وإنما اللوم لوم الجاهلية، وأما تزويج أمِّي فإني إنما أردت بذلك برها"، ولأن الإمام السجاد ينطق عن القرآن وعن جده المصطفى (ص)، فإنَّ الحاكم عبد الملك بن مروان وقف لكتابه إجلالا وقال: (لقد صنع علي بن الحسين أمرين ما كان يصنعهما أحد إلا علي بن الحسين فإنه بذلك قد زاد شرفاً)، وفي بعض المصادر أنه قال: (إن علي بن الحسين يتشرَّف من حيث يتضع الناس).

ولأن الناس بعد فترة من رحيل النبي (ص) قد نسوا سنته صلوات الله عليه وآله في الزواج من غير الحرات في مفهوم ذلك الزمان، فإن أهل المدينة كانوا يكرهون الزيجات المختلطة، وقد انقلب الحال ولو بشكل جزئي بخاصة بعد أن ظهر في المدينة المنورة ثلاثة من الرجال وهم الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي (ع) (33- 92 هـ)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي (37- 107 هـ)، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي (ن 35- 106 هـ)، فالأول هو الإمام الرابع من أئمة المسلمين، والثاني هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة، والثالث من فقهاء المدينة السبعة الذين يشار إليهم بالبنان، وهؤلاء الثلاثة على بعض الروايات هم أولاد خالة، وأمهاتهم بنات الملك الإيراني يزدجرد بن شهريار الساساني المتوفى سنة 30 هـ، فالعلوي والبكري والعمري كلهم لجد أمّي واحد، وكان ظهورهم في المدينة قد أعاد ولحد ما التوازن إلى المجتمع العربي الذي كان ينظر بعين الدونية إلى المرأة غير العربية، وقد اشتهر في التاريخ: أن أهل المدينة كانون يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا الناس فقهاً وورعاً فرغب الناس في السراري.

ورغم أن الدكتور الكرباسي لا يوافق هذا الرأي الذي يذهب إليه أرباب التاريخ على اعتبار أن النكاح من الإماء كان قائما منذ عهد الرسول محمد (ص) وبدأ به (ص) أولاً، ولكني أرى أن الردة عن الإسلام والرجوع إلى ثقافة الجاهلية سرت في المجتمع العربي المسلم في القرن الأول الهجري كما يؤكدها بعض النصوص والوقائع التاريخية، وما قام به أبناء الخلفاء الثلاثة كان محاولة ذكية من الإمام علي (ع) كما في مظان الرواية لإرجاع الأمَّة إلى سابق ثقافتها الإسلامية في التعامل مع الجنس البشري دون تمييز.

ومن المفارقات المؤلمة أن هذه الثقافة لازالت قائمة إلى اليوم في عدد غير قليل من البيوتات العربية وغير العربية، فالعربي لا يزوج أو يتزوج من غير العربية، وبالعكس، على أن هذه الثقافة تكثفت وتأصلت حتى وصل الأمر إلى الإمتناع عن التزاوج لأسباب مناطقية أو جغرافية أو مذهبية، ولذلك ساهمت الهجرات القسرية والطوعية للمسلمين على مر التاريخ وبشكل كبير في إذابة جليد الثقافة الجاهلية.

ومن غريب المفارقات التي يناقشها الكتاب وهو يتعرض إلى شخصية بنات الملك الفارسي يزدجرد اللواتي أسرن في عهد الخليفة عثمان بن عفان (13-35 هـ)، أن الثقافة الجاهلية حاولت أن توصم شيعة أهل بيت النبي محمد (ص) بالفارسية تعويلا على زواج الإمام الحسين بن علي (ع) من السيدة شاه زنان بنت يزدجرد الساسانية المتوفاة سنة 33 هـ وأنجبت له علياً وهو عربي هاشمي وجده الحاكم الرابع بعد النبي محمد (ص)، مع أن إحدى شقيقتيها تزوجت من محمد بن أبي بكر وأنجبت له القاسم وهو عربي تيمي وجده أول حاكم بعد النبي محمد (ص)، والثانية تزوجت من عبد الله بن عمر وأنجبت له سالماً وهو عربي عدوي وجده ثاني حاكم بعد النبي محمد (ص).

وهذه المفارقة تشبه إلى حد بعيد المفارقة القائلة أن معاوية بن أبي سفيان المتوفى سنة 60 هـ هو خال المسلمين دون غيره لكون النبي محمد (ص) تزوج من خالته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان المتوفاة سنة 44 هـ ، فالثقافة الأموية أوقفت الخؤولة على معاوية وحجبتها عن محمد بن أبي بكر (10- 38 هـ) وهو شقيق عائشة بنت أبي بكر زوج النبي المتوفاة سنة 57 هـ، ومن المؤلم أنه قتل بأمر من معاوية بن أبي سفيان حيث كان واليا على مصر لخليفة المسلمين الإمام علي (ع) وقبره في القاهرة.

ولا شك أن الأثر الإيجابي الذي تركه زواج أبناء الهاشمي والتيمي والعدوي من بنات يزدجرد الساساني، ترك الأثر مثله زواج فاطمة بنت الحسين بن علي (51- 117 هـ)- وهي ممن حضر كربلاء- من الحسن المثنى بن الحسن بن علي (39- 92 هـ) ومن بعده عبد الله المطرف بن عمرو بن عثمان بن عفان المتوفى سنة 96 هـ، فالزواج من العلوي ومن ثم العثماني ساهم في نشر الحديث النبوي ولذلك تكثر الرواية عنها في كتب الحديث كما أنَّ أولادها أسسوا دولة لهم، ولذلك يقرر الشيخ الكرباسي: (أن أنجالها كان لهم الدور البارز في نشر أخبارها ورواياتها والفرصة كانت سانحة لهم حيث أن أبناء الحسن المثنى كانوا حسنيين وهم حكموا بلاد المغرب وكان أولهم الأدارسة وكان لا يزاحمهم هناك أحد ولم يعيشوا الإضطهاد في المغرب العربي، ومن جهة أخرى فإن أبناء عبد الله المطرف كانوا عثمانيين وهؤلاء لم يعيشوا في مأزق كما عاش الحسينيون في المشرق العربي، فكلاهما نشروا مآثر أمهم).

 

نقلة معرفية

لأن المرأة هي الحاضنة للبشرية، فإنها حلقة الوصل بين المجتمعات، بل أن عددا غير قليل من الحروب التاريخية والصراعات القبلة والعرقية والدينية وأمثالها أطفأتها زيجة بين المتخاصمين، فالمصاهرة عامل مساعد على إطفاء نار الأحقاد، على أن الهجرات التي وقعت في التاريخ الإسلامي من الدول الإسلامية باتجاه الخارج سببتها حروب مذهبية كانت عاملا من عوامل انتشار الإسلام، وفي الوقت نفسه من دوافع المصاهرة والمعاشرة، وبالطبع فإن الهجرة تترك هي الأخرى أثراً سلبيا، وبخاصة عندما يصبح المسلمون في بلدان بعيدة عن العاصمة الإسلامية عرضة لحروب دينية تجبرهم على تغيير هويتهم الدينية تحت حد القتل كما حصل في الأندلس وغيرها من الدول الأوروبية أثناء الحروب الصليبية.

ومن محاسن البحث الذي أجراه المحقق الكرباسي لبيان هوية وشخصية نساء كربلاء، أنه اكتشف أمورا جديدة كانت غائبة عن الآخرين، بل أستطيع الجزم أنه تفرد في اكتشاف ما لم يقع عليه علماء الإسلام خلال أربعة عشر قرنا، فقد اكتشف وجود أسر كاملة في أميركا وبعض الدول الاسكندنافية تعود في جذورها إلى أسر عربية وبعض الأسر تنتسب إلى أهل البيت (ع)، وجاء هذا الاكتشاف من خلال البحث عن شخصية شاه زنان وهي زوجة الإمام الحسين (ع)، فمن طبيعة البحث الذي يقدمه الشيخ الكرباسي في هذا المعجم أنه يذكر نسب المرأة المعنية من الأب والأم، ولما كانت معظم الأقوال تذهب أن شاه زنان هي ابنة الملك الساساني يزدجرد، لكن الأقلام توقفت عن ذكر نسب أمها، وحين لم يهتد المؤلف إلى النسب من كتب السير والتاريخ التي تزخر بها المكتبة العربية والإسلامية فإنه استعان بالمشجرات الأجنبية، واستطاع بعد جهد جهيد أن يصل إلى نسب زوجة الإمام الحسين (ع) من أمها عبر مشجرة أميركية تعود بجذورها إلى ما قبل العهد الإسلامي وحتى يومنا هذا.

والمفاجأة في هذا الاكتشاف أن بعض المشجرات الغربية تحكي عن نسب هاشمي لبعض الأسر، والمفاجأة الأخرى أن أسماء الجدود تتحول إلى أسماء عربية كلما اقتربنا بالمشجرة إلى القرون الهجرية الأولى، مما يعني أن هذه الأسر تعود بجذورها إلى قبائل عربية وقريشية، لكن تقلبات الأحوال والأزمان أبعدت أجدادهم خارج حدود الدولة الإسلامية آنذاك، فالحديث ليس عن هجرات قريبة في القرن الرابع عشر الهجري أو الذي قبله وإنما عن هجرات في القرون الهجرية الأولى، وبذلك استطيع القول أن الفقيه الشيخ محمد صادق الكرباسي هو أول باحث إسلامي يسترشد بمشجرات النسب في الدوائر الأميركية والأوروبية لاستحصال معلومات في علم الرجال لشخصيات إسلامية فضلا عن شخصيات غير إسلامية، وهو بذلك يفتح الطريق أمام علماء الحديث والرجال للإستعانة بالمشجرات الغربية ومصرف المعلومات لدى الآخر لسد الفجوات في المعلومات الناقصة لبعض الشخصيات نساءاً ورجالاً، ولاسيما وأن المشجرات الغربية تتحرى شجرة النسب من الأم والأب عموديا وأفقيا، وبالطبع هذا لا يمنع من البحث والتحقيق والتثبت.

 

بين الحقيقة والدراما

لأن ما حصل في كربلاء عام 61  للهجرة كان ملحمة بطولية، فإن وقائع هذه الملحمة التي أعادت للإسلام حياته، شابها الغلو والوضع ومحاولات البعض تحت مدعى الولاء إلصاق ما ليس منها، كما أن بعض الأقلام الأدبية استفادت من قوة قلمها وأدبها في صياغة قصص أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع مستغلة حب الناس إلى سماع ما حصل لأسرة نبيهم محمد (ص) من مصائب، فدبجت القصص الوهمية أو أنها استفادت من حدث حقيقي في خلق القصص حوله وبمرور الزمن صار بعضها المختلق عند العامة حقائق، وإذا أراد المنصف والمحقق إرجاع الحدث إلى مساره الواقعي اتهم بالمجافاة لأهل البيت (ع) أو محاولة طمس الحقائق بنظرهم.

ولأن قلم المحقق ينكسر على أضلاعه ولا يحيد عن الحقيقة إذا اكتشفها لكون الحقيقة ضالته، فإن المحقق الكرباسي يجاذب الحدث معرفيا من كل الأطراف قبل أن يتحالف معه أو يتخالف، حتى وإن كان ما توصل إليه خلاف ما هو مشهور، لأن الذين سبقوه رجال لم يبلغوا العصمة، يصيب قلمهم ويخطئ، فبعض القصص التي تتداولها كتب التاريخ حول شخصيات ورد ذكرها في إطار واقعة كربلاء يشم منها رائحة الوضع، ولذلك لا يألوا جهدا في القول على سبيل المثال: (ومن الواضح أن هذه الرواية هي أشبه بقصص القصاصين وحكاية الحكواتي، وفيها ما يدل على الوضع..).

ومن آفة الكتاب المتأخرين أنهم يستخدمون بعض الأسماء الأجنبية والأخذ عنها وتسويقها للعالم العربي أو الإسلامي على أنهم مستشرقون، وعند التقصي تَكلُّ أداة البحث عن العثور على هؤلاء المستشرقين الذين ينقلون الحديث الحسيني لصالح أنظمة سياسية أو تيارات قومية يراد أن يكون لها من حدث كربلاء نصيب، فعندما يقف المؤلف على قصة ذات علاقة بالحدث الكربلائي يذكرها كتاب "إمام حسين در إيران" أي (الإمام الحسين في إيران) نقلا عن مستشرق مزعوم، يقرر أن المستشرق: (لم نتمكن من التعرف عليه، وربما كان من أساطير المؤلف الذي عرف نفسه بالمترجم)، والكتاب المشار إليه مذكور على ألسنة مستشرقين وهو أشبه بالأساطير منه بالحقائق، ويرى أن النصوص التي وردت في هذا الكتاب وأشباهه: (اختلقها المغرضون وتلقفها القوميون من جهة والطائفيون من جهة أخرى للطعن في الإسلام وقياداته فلابد من الحذر في التعامل معها).

وعلى مثل هذا وقف المؤلف من كتاب "غادة كربلاء" للأديب اللبناني جرجي بن حبيب زيدان (1278- 1332 هـ) الذي يتحدث عن سلمى بنت حجر الكندية المتوفاة بعد عام 64 هـ، فالرواية تتحدث عن بطولات لسلمى الكندية لها علاقة بحدث كربلاء عام 61 هـ، ولكن التحقيق جعل العلامة الكرباسي يرد قصة زيدان ويرى أن الشخصيات التي ذكرها هي: (من خيال جرجي زيدان) وهي: (من نسيج زيدان) وأنَّ: (كل ذلك يزيدنا تشكيكاً في أصل الرواية مما لا يمكن اعتمادها ولا بشكل من الأشكال) فما جاء به جرجي زيدان لا يعدو أن يكون: (رواية، ولا صحة لها وقيمتها قيمة أدبية فحسب)، ويقال مثل هذا في بعض الدراما التلفزيونية والسينمائية فمعظمها من نسج خيال المخرج الذي يراهن على شد ذهن المشاهد حتى ولو جاء الإنتاج على حساب الحقيقة التاريخية.

 

مقدمة نسائية

يعتبر الحديث عن دور للمرأة في النهضة الحسينية وفي عموم الحركة الإسلامية عبر التاريخ، حديث عن حقيقة قائمة، صحيح أن القتل والقتال كُتبا على الرجال دون النساء، ولكن التفصيل الذي أورده المؤلف في هذا الجزء وفي الجزء الأول عن نساء حضرن كربلاء يحكي عن عظيم أفعالهن التي وصلت إلينا بعد أربعة عشر قرنا.

والنساء اللواتي جاء ذكرهن في الجزء الثاني هن: أم أحمد بن عقيل الهاشمي، أم الحسن بنت علي الهاشمية، أم قاسم بن محمد الطيار، أم محمد بن أبي سعيد الهاشمي، خليلة والدة عبد الله الهاشمي،  الخوصاء بنت عمرو الهصائية، سكينة بنت الحسين الهاشمية، سكينة بنت علي الهاشمية، سلافة مربية الإمام السجاد، سلمى بنت حجر الكندية، سلمى أم رافع القبطية، شاه زنان بنت يزدجر الساسانية، صافية (أم فاطمة) الزنجية، صفية بنت علي الهاشمية، الصهباء بنت عباد الثعلبية، عاتكة بنت الحسين الهاشمية، عاتكة بنت زيد العدوية، عاتكة بنت مسلم الهاشمية، غزالة أم عبد الله أمة السجاد (ع)، فاطمة بنت علي الهاشمية، فاطمة بنت الحسن الهاشمية، وفاطمة الصغرى بنت الحسين الهاشمية.

ومن محاسن الصدف أن المقدمة الأجنبية التي تميزت بها أجزاء دائرة المعارف الحسينية في آخر كل جزء من أجزاء الموسوعة التي بلغت حتى يومنا هذا 64 مجلداً جاءت هذه المرة أنثوية كتبتها البروفيسورة سيدة زينب البنغالية الأستاذة في جامعة بنغلاديش حيث قدمت للكتاب وباللغة البنغالية، ورأت أن: (الإمام الذي تدور هذه الموسوعة حول معارفه وشخصيته وآفاق نهضته هو أحد هذه القِمَم التي أخذت طريقها إلى الجلاء في أعلى صورها في عالم لم يعد للخفاء وطمس الحقائق مبررٌ ولا موجب، فكانت هذه الموسوعة إحدى معالم هذا الظهور والتي أخذت على عاتقها بيان عظمة هذا الإمام الذي لا يمكن الإحاطة بكل جوانبه إلا بدراسة متواصلة ومتأصلة)، مؤكدة أن اتساع حجم الموسوعة الحسينية: (يدل على أمرين: الأول: سعة أفق هذا الإمام العظيم بحيث لا يحصر بعامل الزمان ولا بحدود المكان بل ضربت أطناب خيمته في جذور التاريخ وعلى مساحة الفضاء المفتوح ليسع كله ولا يستثني قومية ولا ملّة، بل ولا يقتصر على دين أو مذهب.. الثاني: قدرة سماحة المؤلف وتمكّنه من الموضوع والإحاطة بالأهداف السامية التي وضعها الإمام الحسين عليه السلام لتظهر جلية في مشروع موسوعة مترامية الأطراف ومتعددة الجوانب والأبواب).

إعلامي وأكاديمي عراقي، الرأي الآخر للدراسات بلندن

alrayalakhar@hotmail.co.uk