الأقليات المسلمة ترسم الجغرافية السياسية ديمقراطيا

د. نضير الخزرجي 

مرت على وجه البسيطة أمم وأجيال وأقوام، طويت تحت عباءة النسيان أكثرها، والقليل منها نلمحها مما تركته من آثار، والقلة القليلة لا زال النفس يصعد في صدرها وينزل، وإذا ما أنعمنا البصر في ما آلت إليه، سيقفز في ناظرينا وجودها القائم منذ عهود طويلة بفضل مشاريع حيوية ابتنتها لنفسها على صعيد فردي وعلى صعيد مجتمعي، فظلت هذه المشاريع تنمو كشجرة مثمرة تغذي أصحابها.

 

والمشروع بغض النظر عن أغراضه يحمل معه أعواد ديمومته، فهو البناء والاستمرارية، وهو يعادل البقاء، والبقاء يساوي الحياة، فالمشروع إذن هو الحياة، فيحيى الشخص إسماً وإن عفّر تراب القبر رسمه، كما أن المشاريع المفيدة تكسب عزّاً لأبناء صاحب المشروع وأحفاده، وهي في الوقت نفسه تكسب المجتمع عزا وفخرا.

وأعظم المشاريع وأبقاها تلك التي ترتبط بشخصية فاعلة، ويتقرب منها طلباً لرضاها، فمرة ينسب المشروع إلى الممول نفسه، ومرة ينسب إلى شخصية أممية يسعى الممول إلى التسمي بتلك الشخصية التي تمثل الخير أو أنها الخير كله، ويبلغ الحب مبلغا بحيث يوقف الواهب رأسمال المشروع وعائداته وريعه لشخصية مرموقة أو جمعية خيرية، وبالتالي فهو يحاول الظفر بالأجر المعنوي في دنياه وآخرته، وحتى الذي لا يؤمن بجنة أو نار فإنه يوقف جزءاً من ثروته على مشاريع خيرية وهو يعلم في قرارة نفسه أن مشروعه سيدوم من بعده وتستفيد منه أجيال مختلفة، وهو ما يشعره بالسعادة والغبطة، فهذا الشعور يحمل في طياته إيمان الواقف أو المتبرع بديمومة الحياة، ويفيض رغبة جامحة في الخلود. 

فالمرء حيث وظف أمواله وطاقاته، والخلود كل الخلود للمشروع الذي يرتبط بشخصية عظيمة أعطت أغلى ما تملك لله والإنسانية من أجل صلاح الأرض وإعمار النفوس والأبدان، ولذلك تخلد المشاريع بخلود عناوينها، لأن أي نشاط يصب في صالح البشرية هو مشروع ناجح وخيره عميم، وما كان لسعادتها كان لله، وما كان لله كان حقاّ على رب البشرية أن يطرح فيه البركة والنمو، لأن ما كان لله ينمو، والنماء هو الديمومة والبقاء، والبقاء هو السعادة والهناء، والهناء هو الخير العاجل والخلود الآجل.

وحيث أن الارتباط بالخالد هو رغبة كل إنسان يتطلع إلى الخلود بعد رحيله عن ظهر الأرض، فإن الكثير من المشاريع الخيرية في أغراض شتى ارتبطت بشخصية سبط النبي محمد (ص) الإمام الحسين (ع) بوصفه قتيل العِبرة والعَبرة، ولا تكاد بقعة من بقاع الأرض تخلو من مشروع خيري حسيني وضع فيها الواهب أو الواقف ماله فيه لخدمة الإنسانية، وهي في معظمها تدار بشكل طوعي، ولأن دائرة المعارف الحسينية يقع على عاتقها متابعة هذه المشاريع، فقد أفرد مؤلفها البحاثة الشيخ محمد صادق الكرباسي بابا خاصا من مجموع أبواب الموسوعة الستين، إذ صدر حديثا (1431 هـ  2010 م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن الجزء الأول من كتاب "معجم المشاريع الحسينية" في 420 صفحة من القطع الوزيري. 

حركة التاريخ 

يمثل التاريخ حركة الزمن في طول حركة الإنسان والأمم، والتاريخ هو منظومة حوادث تصنعها حركة هذه الأمة أو تلك، وللظروف دخل فيها، ولكن الظروف هي الأخرى من عمل الإنسان حتى وإن بدت عفوية، فالتاريخ في محصلته النهائية هو من صنع الإنسان نفسه، والأمة كأية أمة لا تعيش ظروفها الآنية منقطعة عن الماضي لأن تاريخها الآني هو حصيلة تراكمات لتاريخ سابق لصيق بحركة أسلافها، وهي في الوقت نفسه حلقة وصل لحركة أخلافها، ولذلك تشدد كل أمة متمدنة وحضارية على تقويم ذاتها حتى تنقل لمن يخلفها من الأبناء والأحفاد تجربة طيبة، وهذا التوجه ينطبق على حركة الإنسان في المجتمع وحركة المجتمع في الأمة وحركة الأمة في الواقع الإنساني. 

ولا شك أن مكونات التاريخ لا تسبح في فضاء مفتوح وإنما تتحرك على الأرض، ومساحة الأرض تتقلص أو تتوسع تبعا لحركة المجتمع ولما يحمله من مشاريع لحياة البشرية وسعادتها، ولذلك يعين البحاثة الكرباسي في "معجم المشاريع الحسينية" فصلا واسعا تحت عنوان "النشأة الإسلامية للتاريخ والجغرافية" يتناول بالتأريخ والأرقام والنسب حركة الإسلام والمسلمين من المدينة المنورة العاصمة الأولى المتشكلة سنة 1 للهجرة حتى يومنا هذا، وهو في جولته التاريخية والجغرافية يتابع نشأة المسلمين للتاريخ والجغرافية عبر القرون، محاولا في الوقت نفسه اقتناص المشاريع التي أنشأها المسلمون وأوقفوها باسم الإمام الحسين (ع) بلحاظ أن نهضة الإمام الحسين المكملة لحركة التغيير التي انطلقت في مكة المكرمة على يد النبي الأكرم محمد (ص) الذي قال في سبطه: "حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً" (صحيح الترمذي: 13/195).

وفي حركته البحثية يتوقف المؤلف عند نهاية كل قرن ليخرج بأهم حصيلة تركتها حركة المسلمين على مستوى التاريخ والجغرافية من توسع أو انحسار وقيام حكومة أو اندثار أخرى، وقد لاحظ وهو ينهي "معجم المشاريع الحسينية" بنهاية القرن الرابع عشر الهجري (1979 م) أن هناك تعمداً من قبل بعض الهيئات غير المسلمة بتقليل عدد نفوس المسلمين بخاصة في المجتمعات التي يشكل فيها المسلمون أقلية، وقد يصل الفرق إلى 300 مليون إنسان مسلم.

ويلاحظ أن البعض من المسلمين على مستوى أفراد ومؤسسات يأخذ بالأرقام الغربية كمسلّمة دون تمحيص، ولكن الأكيد وحسب ما أعلن عنه السيد مونسينغور فيتوريو فورمنتي (Monsinfnor Vittorio Formenti)  معد كتاب "أرقام الفاتيكان الإحصائية للعام 2008 م" أن أعداد المسلمين فاقت أعداد المسيح الكاثوليك فالمسلمون يبلغون 19 في المائة من سكان الأرض في مقابل 17,4 في المائة هم كاثوليك، في حين يبلغ نسبة كل المسيح وفق إحصائية الفاتيكان 33 في المائة، وقد أخذت الإحصائية بعدد سكان الأرض لعام 2006 م الذي بلغ 6,6 مليار، ووفق نسب الفاتيكان التي تمثل رأس الكنيسة الكاثوليكية فإن نفوس الكاثوليك بلغ 1,1 مليار إنسان فيما ارتفع عدد المسلمين إلى 1,3 مليار إنسان (جريدة مترو   METRO اللندنية اليومية بتاريخ الجمعة 9/10/2009 م)،  وأكد معد الإحصائية هذه الأرقام في لقاء صحافي مع جريدة (LOsservatore Romano) الأسبوعية الصادرة عن الفاتيكان. (انظر: تقرير مراسلة وكالة رويتر سيلفيا ألويسي Silvia Aloisi- بتاريخ 30/3/2003 م)، بيد أن المحقق الكرباسي يقرر حسب ما توصل إليه في جدول إحصائي أن: (نسبة المسلمين في العالم هي الثلث ونسبة المسيحيين هي الثلث ونسبة الأديان الأخرى مجتمعة هي الثلث، فإذا كان نفوس العالم ستة مليارات فإثنان منها مسلمون حسب ما توصلنا إليه في مجموعة تحقيقاتنا).

الشعر يؤرِّخ 

إن أي مشروع وبشكل عام هو عبارة عن مكان، والبناء المرتبط بمقدس يعتبر تاريخ إقامته حدثا بارزاً إن كان على مستوى بلد أو مستوى أمة، ولذلك جرى العرف على إقامة الاحتفال عند وضع حجر الأساس لمشروع ربحي أو غير ربحي، وقص الشريط عند الإنتهاء منه أمام الجمهور وعدسات التصوير كنوع من الإشهار والإعلان، ولا تبتعد مثل هذه الحوادث والمناسبات عن اهتمام الشعراء والناظمين أصحاب الحس والشعور، من هنا فلا يخلو مهرجان أو احتفالية من قصيدة لشاعر باعتبار أن الشاعر صوت الأمة والقصيدة ملح الاحتفالية، والأهم من ذلك هو بروز نوع جديد من الشعر يؤرخ للحدث المعني ببيت أو شطر بيت بعد كلمة تاريخ وتصريفاتها، يكون العجز في معظم الأحيان هو مدار التأريخ والتوثيق، ويسمى مثل هذا النوع من الشعر بـ "حساب الجُمَّل" أو "الحساب الأبجدي" حيث يصوغ الشاعر تاريخ المشروع بكلمات بليغة في سياق البيت، وبحساب مجموع قيم الأحرف يتضح تاريخ إقامة المشروع، وذلك باعتماد الحروف الأبجدية (أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخذ ضظغ) وهي مجموع 28 حرفا يبدأ الترقيم برقم (1) مقابل حرف الألف وينتهي برقم (1000) مقابل حرف الغين، وهي حسب تسلسل الأبجدية تسعة من الحروف للأرقام الآحاد (1-9) (ألف- طاء) وتسعة للعشرات (10-90) (ياء- صاد) وتسعة للمئات (100-900) (قاف- ظاء) وينفرد الحرف الأخير (الغين) للرقم ألف. 

ولم يتم الوقوف على تاريخ بدء هذا الفن من النظم في مجال توثيق الحدث، ولكن الثابت أن حساب الجمل كان مستعملا في غابر التاريخ في مجال الحساب وتوثيق الحدث رقميا، فاستعمله العرب في العصر الجاهلي وبعده، فكان يشار للرقم بكلمات وكذلك يشار إليه بالحروف، فيقال على سبيل المثال لعدد الدراهم (247) مائتان وسبعة وأربعون درهما، وقد يشار إليه بكلمة "زمر" بلحاظ أن قيمة الراء (200) وقيمة الميم (40) وقيمة الزاي (7)، ومثل ذلك يقال لتاريخ وقوع حدث دون ذكر الرقم، فإذا قيل على سبيل المثال بدأ الفاطميون ببناء جامع الأزهر الشريف سنة (طنش) وانتهوا منه سنة (أسش) فهي إشارة إلى سنة (359 هـ) و(361 هـ).

ويرى البعض أن هذا النمط من التوثيق النظمي للحدث لم يكون معروفا في العهد الإسلامي الأول، حيث لم تصلنا نماذج منه، وحسب الأديب العراقي السيد محمد علي بن محمد الموسوي النجار المولود في الحلة سنة 1341 هـ (1922 م) والذي اشتهر بهذا النمط من النظم: "والمشاهد في كتب الأدب إن هذا النوع من الشعر ذاع بين الشعراء في القرنين الحادي عشر والثاني عشر من الهجرة وما بعده. وأغلب الظن أن هذا النوع من الشعر نشأ في أوائل القرن العاشر من الهجرة ونما وترعرع في القرنين الحادي عشر والثاني عشر منها" (ديوان التاريخ الشعري للشاعر السيد محمد علي النجار: 18، جمع وتقديم حسام الشلاّه)، لكن الأديب العراقي تيسير بن سعيد الأسدي المولود في كربلاء سنة 1390 هـ (1970 م) والذي ينظم على هذا المنوال، يرى أن: "هذا الفن ظهرت أولى بوادره في بداية القرن الثالث الهجري مما شكّل بداية للكثير من التواريخ الشعرية ارتبط بتدوين أحداث مهمة ظهرت على الساحة الإسلامية في تلك الفترة العصيبة وتوالت عملية استخدام التاريخ الشعري في القرون اللاحقة ليشكل فنّاً مهماً من فنون الشعر العربي" (مؤرخات الأسدي:المقدمة).

وليس التاريخ الشعري بالأمر الهين، لأن قيمة التأريخ ليس في ضم الحروف وما يقابلها من الأرقام إلى بعضها، بل إن المهم في البيت أن يعطي معنى مفيدا بكلمات منضودة أدبيا يكون مكملا للصدر أو مجموع الأبيات التي تسبقه. 

وصار هذا الفن ملازما لمعظم المشاريع والحوادث والمناسبات في الأفراح والأتراح، ولا يخلو مشروع ذو بعد اجتماعي أو ديني من قطعة شعرية وتاريخ شعري، ومثال ذلك ما ورد في الصفحة 29 من الجزء الأول من معجم المشاريع الحسينية في توثيق تاريخ بناء سقاية الحاج علي بن عبد الحميد البغدادي الخزرجي الشهير بالحاج علي شاه البغدادي (1857- 1909 م) جد والدي والمدفون في المرقد الحسيني الشريف بجنب مقبرة الشهداء- بوصف سقاية الماء واحدة من المشاريع الخيرية المقامة باسم الإمام الحسين (ع)، يقول الشاعر العراقي السيد مرتضى بن محمد الوهاب (1916- 1973 م) الذي اشتهر بالتاريخ الشعري، وهو يوثق لتاريخ السقاية التي أقيمت في كربلاء سنة 1324 هـ (1906 م) من بحر المنسرح:

أنشأ علي شاه من مآثره  سقاية وردها من العسل

يجري بها الماء بارداً عذباً من منهل بالرحيق متصل

باسم الحسين استهل تاريخاً  (يفيض بالطف سلسبيل علي)

ووضعت هذه الأبيات المنقوشة على القاشاني في الجانب الأيمن ومثلها على الجانب  الأيسر، ولم يبق منها إلا الجانب الأيمن، فالسقاية الخارجة من المنزل في زقاق الصفارين والذي شهد مسقط رأسي، قائمة إلى يومنا هذا كمعلم من معالم مدينة كربلاء التاريخية مع توقف إسالة الماء فيها (ديوان السيد مرتضى الوهاب: 88، جمع وتحقيق: سلمان هادي آل طعمة).

ولا يخفى أن سقاية السابلة من الأعمال الخيرية المباركة، وهي ذات مردود دنيوي وأخروي للقائم عليها والعامل بها، وفي هذا يقول نبي الإنسانية محمد بن عبد الله (ص): "من سقا الماء حيث يوجد فكأنما أعتق نفسا ومن سقى الماء حيث لا يوجد فكأنما أحيا نفسا" (تاريخ دمشق: 2/376).

أماكن وأسماء 

ولأن المكان ملازم للمشروع الذي ينطلق منه العاملون والناشطون فإن أول ما يقفز إلى العين في المشاريع المتصلة بحبل الولاء للإمام الحسين (ع) ونهضته هو الأسماء والمسميات بخاصة أماكن اجتماع المحبين، فكل تسمية تعبر عن ثقافة ذلك المجتمع ولغته وأساليبه في إدارة المشروع، وهذا الأمر يتابعه الدكتور الكرباسي بشيء من التفصيل والتدقيق، ولعلَّ أول ما يتبادر إلى الذهن من المشروع الحسيني هو مسمى "الحسينية" وقد تعارف الناس على أنها المكان الذي تقام فيه شعائر إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) في عاشوراء، ورغم أن المفردة من حيث اللغة ليست علماً بذاتها، لكنها أصبحت علماً فيصح إضافتها إلى مفردات أخرى، فيقال الحسينية الأحمدية أو الحسينية الحيدرية، ويكثر استخدام مفردة الحسينية عند أهل العراق. 

وتتعدد الأسماء بتعدد الثقافات واللغات والقوميات، فيقال النادي الحسيني كما هو عليه أهل لبنان، ويقال المأتم كما هو عليه أهل البحرين، ويقال "إمام باره" كما هو عليه أهل الهند، فكلمة "بارة" هي الموضع أو البيت المقدس، ويقال لها "إمام بارگاه" كما هو عليه أهل باكستان، و"بارگاه" بمعنى بلاط الملك والعظيم أو خيمته فهي بلاط أو خيمة الإمام، ويقال لها "التكية" وهي مفردة عربية كما يؤكد المحقق الكرباسي وهي من جذر (وكأ) استعملها الأتراك وعادت إلى العرب والإيرانيين، ولعل أول من استخدم اسم التكية هم المتصوفة، لكنها سرت على الأماكن التي يقام فيها مجلس رثاء الإمام الحسين (ع)، ويقال للحسينية "دار الحسين" بوصف المشروع موقوفاً للإمام الحسين فالداخل فيه إنما يدخل دار الحسين.

كما وهناك مسميات أخرى، فيقال للحسينية "سورا" وهي تعني الشعائر كما عند أهل أندونيسيا، ويقال للحسينية "العزية" بكسر الأول أي مكان إقامة العزاء وتكثر في المنطقة الشرقية لمجالس النساء، وتسمى لدى البعض "عزاخانه" أي بيت العزاء ويستخدمها الناطقين باللغة الأردوية، ويقال لها "مأتم سرا" أي دار المأتم كما عند الناطقين بالفارسية والأردوية، ومن المسميات الأخرى مصطلح "المنبر" وهي أيضا من  المفردات العربية ولها استخدامات مختلفة فمرة يشار إلى أعواد المنبر ومرة يراد مكان إقامة العزاء، وقد يقال لها "المحفل" ويراد منها الحسينية، كما يراد من المحفل مكان إقامة المراسيم الدينية مثل محافل قراءة القرآن الكريم التي يكثر وجودها في العراق وإيران والشام، وقد يقال لها "كاشانه" أي دار العزاء.

ومع أنَّ إقامة مراسم العزاء على سيد شباب أهل الجنة (ع) هو الشائع في هذه الأماكن بمختلف مسمياتها، لكنها في واقعها ملتقى المسلمين في كل حي وزقاق، وتقام فيها الإحتفالات في الأعياد والمواليد، كما تقام فيها مآتم العزاء على الراحلين من أهل الحي والمنطقة، كما تقام في الكثير منها مراسم الزواج، وهي إلى جانب هذه الفعاليات دور عبادة تقام فيها الصلوات اليومية الخمس وصلاة الجمعة وصلاة العيدين، فالحسينيات ومسمياتها هي مشاريع عبادية واجتماعية معاً. 

حضور واعد 

من الثابت أن الأقليات المسلمة في البلدان غير المسلمة أصبحت رقما ملحوظا بخاصة في الغرب، وبدأت بعض الحكومات والأحزاب الناشطة تمد جسور التواصل معها، لأن حجمها وتزايدها يوما بعد آخر بارتفاع معدلات الولادات أو بالتحول إلى الإسلام يجعلها في موقع القوة، فعلى سبيل المثال فإن الحكومة البريطانية ومنذ عقد راحت تبدي اهتماما بالمناسبات الدينية للمسلمين وتستضيف قادة المسلمين على الإفطار وتحضر أعيادهم التي تعقد في ساحة الطرف الأغر (Trafalgar Square) بلندن من كل عام، كما وأن القناة الأولى الرسمية (BBC) ولأول مرة في تاريخها قدمت في غرة شهر رمضان العام 2010 م وفي نهاية النشرة الخبرية المسائية التهاني للمسلمين بحلول شهر رمضان المبارك مع الإعلان عن زمن شروق وغروب الشمس مع وضع خلفية تمثل مسجد لندن الكبير (Regents Park Mosque).

ومن التطورات الإيجابية أن مسلمي بريطانيا ولأول مرة في تاريخهم دخلوا الانتخابات البرلمانية والمحلية التي جرت في أيار مايو 2010 م بشكل منظم مما أكسبهم مقاعد جديدة في مجلس العموم وفي المجالس المحلية، فقد ارتفع عدد النواب المسلمين في مجلس العموم إلى  ثمانية نواب 3 من النساء وذلك من أصل 90 مرشحا 22 منهم من النساء، في حين كان العدد في انتخابات 2005 م أربعة نواب وفي انتخابات 1997 م نائبا واحدا هو السيد محمد سرور الذي ترشح عن حزب العمال في وسط غلاسكو في اسكتلندا فضّل في الانتخابات الأخيرة ترك الترشيح لنجله أنس سرور الذي فاز بالمقعد، كما وأنه لأول مرة في تاريخ الانتخابات البريطانية يدخل اثنان من المسلمين مجلس العموم ممثلين عن حزب المحافظين. 

وبفضل الوعي المتزايد لمسلمي بريطانيا ونشاطهم فإن ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية قامت في العام 2010 م وضمن الاحتفالات السنوية في ذكرى ميلادها (Queens birthday honours) بتكريم 25 ناشطا وناشطة مسلمة في المجالات الخدمية كافة، في حين بلغ عدد الهندوس والسيخ 14 عضوا و12 عضوا من الأقلية اليهودية. (جريدة مسلم نيوز، العدد 255، الصفحة 9، بتاريخ 30/7/2010 م)

وهذه التحولات المشهودة في الحياة السياسية للمسلمين في بريطانيا هي بمثابة بوصلة للمسلمين في أي بلد فيه نظام برلماني حزبي، حيث يحتم على المسلمين وبخاصة الجيل الجديد الانخراط في الأحزاب الوطنية من أجل الوصول إلى مراكز القرار والعمل لصالح المسلمين والبلد معاً. 

وحتى يضعنا الدكتور الكرباسي على الواقع السكاني لكل بلد وهو في معرض الحديث عن بدء الوجود المسلم ونشأة التاريخ الإسلامي بفعل امتداد رقعة المسلمين تاريخيا وجغرافيا، فإنه أفرد بابا مستقلا وفق الحروف الهجائية للحديث عن كل بلد مسلم أو ذات أقلية مسلمة، حيث ضم الجزء الأول من "معجم المشاريع الحسينية" البلدان التالية: آذربايجان، إثيوبيا، الأرجنتين، الأردن، وأرمينيا. 

وإلى جانب العشرات من الفهارس المهمة الميسرة لحركة البحث عن المعلومة في متون الكتاب وهوامشه، خصص المؤلف في نهاية الكتاب مقدمة باللغة الفولانية للزعيم الروحي في السنغال وغرب أفريقيا الشريف الحسن حيدر الحسني ونجله رئيس مؤسسة المزدهر العالمية الشريف محمد علي حيدر الحسني أكّدا أن شخصية نهضوية إصلاحية رائدة كالإمام الحسين (ع): (يستحق بامتياز بل تقصر في حقه عشرات الكتب بل ألوفها لتشرح ما كان يحمله من قيم وأهداف وما قدمه في سبيل العقيدة والإنسانية وفي إقامة الأمت وإصلاح العوج في دين الله الذي هو أغلى ما يتوخاه المرء إن صلح ويرجوه الشخص وإن طلح، ذلك لأنه دين القيّمة، ذلك لأنه قيم الإنسانية، ذلك لأنه أسس الفطرة)، ووجدا أنه: (ما جاءت دائرة المعارف الحسينية تلك الموسوعة التي لم ير النور مثلها في العدة والعدد إلا لتنير الدرب لمن يريد أن يفهم الحقيقة ويدرس الواقع الذي مشى عليه ذلك الإمام العظيم وتلك الشخصية السماأرضية حيث نسي نفسه وما يمتلكه وذاب في الإله الذي عبده باستحقاق وخرج ليصلح ما أفسده المفسدون)، وبعد اطلاعهما على الكتاب ومحتواه خرجا بحصيلة مفادها: (كان هذا الجزء رائعاً للغاية اختصر فيه تاريخ الإسلام لمن يمل من المطولات ويكلفه الكثير للوصول إلى المؤلفات والمصنفات فجاءت تمهد لمعرفة مواطن المسلمين وقدراتهم وتحفظ لنا إحصاءات دقيقة بكل موضوعية ليرفع الحيف والميل الذي تعرضت لها الأمة الوسطى والتي جاء دينها ليكون دستوراً لكل شعوب العالم لما انطوى على مفاهيم الإنسانية والحق وتطبيق العدالة).

إعلامي وباحث عراقي  .. الرأي الآخر للدراسات- لندن

alrayalakhar@hotmail.co.uk