مظاهر التبري وحدود ممارساته

لم يكن ثمة كتاب عندنا ـ نحن المسلمين ـ أصدق من كتاب الله تبارك وتعالى, ولم نعرف على وجه البسيطة ولا تحت أفق السماء أصدق مضموناً ولفظاً منه؛ لأنّه من الله عزّ وجلّ وحسب.

وهذا الكتاب السمّاوي العظيم ـ والذّي مرّ بفترات ظلمٍ متعمّدة وغير متعمّدة ـ قد  رسم لنا خطوط دستوره العظيم, ولوائح أسسه العالية بشتى الأساليب والطرق, فهو تارةً ينذر وأخرى يبشّر وثالثة يرشد ورابعة يدعو وهكذا... وقد ذكر لنا ذلك عندما بيّن لنا مهمّة الرسول الأعظم صلي الله عليه وآله حيث يقول عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)([1]) .

وهو اليوم كما كان بالأمس لازال غضّاً طريّاً ولا زالت ألحانه تفوح من شفتي رسول الله صلي الله عليه وآله ولا زال السقاؤون يقفون ليسمعوا تراتيل الإمام زين العابدين  عليه السلام , وهو يتلو آياته([2]).

وهو ذات القرآن, الذّي كان كبّار الأولياء والأوصياء, بل وحتى الأصفياء يجلسون فيذكرون غوامض الأسرار, ومكنون العلم المخزون, ومعاجزه, وأشياء أخرى , مما حيرّت العقول, وأذهلت الألباب.

هذا الكتاب المقدّس هو الذي علّم البشرية مظاهر الحق ونشره, وقول الصواب وذكره, صادعاً في تعليمهم السبيل وما يراه لهم عذباً سلسبيلاً, شريطة أن لا يخافوا لومة لائم, ولا إنتقاص ناقصٍ.

قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (وأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ...).

إلى أن يقول عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)([3]) .

هذا الكتاب علّمنا أشياء كثيرة, كانت ظاهرة التبري وممارسته مما لها النصيب من ذلك.

التبري ظاهرة قرآنية:

لقد تعرّض القرآن الكريم في بعض آياته الشريفة إلى التبري, تارة من أفراد, وأخرى من مجاميع, كما في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ)([4]).

وقوله تعالى: ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)([5]).

وغيرها من الآيات الشاملة بإطلاقها للبراءة من كل عملٍ مخالفٍ لما يريده الباري عزّ وجلّ؛ وإن تجلّى ذلك في البراءة من الشرك والكفر؛ لكونهما أجلى مظاهر القرون الخالية.

والشاهد على أن المقصود مطلق المظاهر قوله تبارك وتعالى: ( أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)([6]). الدال على أن مطلق الأعمال التي لا ترتضيها الشرائع هي محلّ للبراءة والتبرّي.

التبري معانية واستعمالاته:

التبري كما نصّ عليه بعض أهل اللغة أنّه مأخوذ من برأ, قال الراغب الأصفهاني: (أصل البرء والبرآء والتبري: التقصّي, فما يكره مجاورته؛ ولذلك قيل: برأت من المرض وبرئت من فلان, وتبرأت وأبرأته من كذا, وبرأته, ورجالٌ برئ, وقوم برآء وبريئون...)([7]).

وقد يستعمل فيعطي معنى يفهم بحسب ما يضاف إليه, كما في إضافته للجرح فيقال:( برأ الجرح بمعنى شفائه وسكون ألمه)([8]) وقد يضاف إلى العيوب والأمراض والعاهات فيصير بمعنى التنزيه والتطهير. كما في قوله تعالى: ( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ)([9]).

وقوله عزّ وجلّ: ( لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا)([10]). وغيرها من الآيات الشريفة الأخرى.

وقد ينبه الباري ـ تباركت أسماؤه ـ إلى نفسه كما في سورة براءة, حيث يقول عزّ وجلّ: ( ِأَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )([11]).

فيكون بمعنى أنّ الله قطع صلته بهم وما عاد بينه عزّ وجلّ وبينهم أي عهدٍ وميثاق.

وقد ينبه الباري عزّ وجلّ إلى رسول  صلي الله عليه وآله فيكون بنفس المعنى أحياناً كما في أول سورة براءة, حيث يقول (تباركت أسماؤه): (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)([12]). إلى غير ذلك.

وقد يكون التبري من صفات النقص كمالاً في صفات أخرى, كما جاء في الروايات الشريفة:

(إنّ التوكل هو التبري من الحول والقوة وانتظار ما يأتي به لقدر)([13]).

(وإنّ النبل هو التبري عن المخازي)([14]).

(وإنّ مفتاح الخير, التبري من الشر)([15]).

التبرّي في السنة الشريفة:

كما أنّ التبري ظاهرة قرآنية فهوظاهرة حديثيّة أيضاً, ولم تكن النصوص الشريفة خالية عنه, بل لا نبالغ إذا قلنا بأنّ النصوص والروايات تعرّضت لهذه الظاهرة أكثر من القرآن الكريم. ونحن نقتصر على ذكر بعضها:

أولاً: ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال: ( أمّا إنّه سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم, مندحق البطن, يأكل ما يجد, ويطلب ما لا يجد, فاقتلوه ولن تقتلوه, إلاّ وإنّه سيأمركم بسبي والبراءة منّي, فإمّا السب فسبّوني فأنّه لي زكاة ولكم نجاة, وأمّا البراءة فلا تبرؤوا مني, فأنّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة)([16]).

قال ابن الحديد: (... الأشبه عندي أنه عنى معاوية, لأنّه كان موصوفاً بالهظم وكثرة الأكل وكان بطناً)([17]).

ثانياً: ما رواه أبو مريم الأنصاري عن الإمام الباقر عليه السلام , قال: (خطب عليّ  عليه السلام  على منبر الكوفة فقال: سيعرض عليكم سبي فسبونّي, وإن عرض عليكم البراءة مني؛ فإنّي على دين محمد  صلي الله عليه وآله )([18]), وغيرها من النصوص.

هذا, وقد عقد العلاّمة المجلسي رحمه الله  في موسوعته القيمة (بحار الأنوار) باباً كاملاً في عقوبة سب الإمام أمير المؤمنين  عليه السلام والبراءة منه([19]).

وفي أصول الكافي عن أبي عبد الله  عليه السلام  عن رسول الله  صلي الله عليه وآله  أنه قال لأصحابه: (أيّ عُرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم, وقال بعضهم: الحج والعمرة, وقال بعضهم: الجهاد, فقال رسول الله  صلي الله عليه وآله : لكل ما قلتم فضلٌ وليس به, ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله, والبغض في الله, وتوالي [تولي] أولياء الله, والتبري من أعداء الله) ([20])

فأوثق عُرى الإيمان هو موالاة أولياء الله, والبراءة من أعداء الله عزّ وجلّ, بينما نجد أن معاوية بن أبي سفيان كان يحمل الناس على البراءة من أمير المؤمنين  عليه السلام  والذي هو التبري من الدين, كما قال المازندراني في شرح أصول الكافي: التبري من عليّ يساوقه التبري من دين محمد  صلي الله عليه وآله )([21])

والحال أنه هناك مجموعة من الروايات تؤكّد عكس مقال ابن أبي سفيان وأتباعه, فهي تؤكّد على البراءة من أعداء علي بن أبي طالب  عليه السلام .

منها: ما رواه إبن عباس قال: (إنّ لعلي بن أبي طالب في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس قوله: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) فهو المؤذن بينهم يقول: ألا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقّي)([22]).

 

فرق بين السب والبراءة:

وقد ينقدح في ذهن القارئ العزيز أنه لماذا جوّز وأباح الإمام أمير المؤمنين  عليه السلام  لشيعته السب دون البراءة, والحال أنهما قبيحان على حد سواء, أو أنّ السب أكثر فحشاً من التبري؟!.

قال ابن أبي الحديد: (فإن قيل: فأي فرق بين السب والبراءة, وكيف أجاز لهم السب ومنعهم من التبري, والسب أفحش من التبري؟ فالجواب: أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك فإنه لا فرق عندهم بين السب والتبري منه, في أنّ كلاً منهما فسق وحرام وكبيرة, وأنّ المكره عليهما يجوز له فعلها عند خوفه على نفسه, كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف, ويجوز إن لا يفعلها وأن قتل, إذا قصد بذلك إعزاز الدين, كما يجوز له أن يسلّم نفسه للقتل ولا يظهر كلمة الكفر إعزازاً للدين.

وإنما استفحش  عليه السلام  البراءة؛ لأنّ هذه اللفظة ما وردت في القرآن إلا من المشركين, ألا ترى إلى قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)([23]) وقال الله تعالى: (أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُه)([24]) فقد صارت بحكم العرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصّة. فإذن يُحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة على تحريم لفظ السب, وإن كان حكمهما واحداً)([25]).

أقول: لا داعي لهذه التحليلات بعد أن ذكرنا كلام الإمام أمير المؤمنين  عليه السلام  بأنّ البراءة منه معناها البراءة من دين محمد  صلي الله عليه وآله  أي البراءة من الإسلام وهو معنى الكفر بالله تبارك وتعالى والارتداد الفطري, كما أشار إليه  عليه السلام  بقوله: (فإني ولدت على الفطرة)

حدود ممارسة التبري:

ليس من المعقول جداً, أن يكون الله تبارك وتعالى لطيفاً بعباده, يقربهم الى طاعته, ويبعدهم عن معصيته, من دون جبر أو إكراه, ثم لا يرسم لهم حداً في ممارسة طقوسهم الدينية, بعد أن بلغنا أنه (ما من واقعةٍ إلا ولها حكم)([26]).

وأي واقعةٍ أهم وأجدر بأن ترسم لها الحدود من ظاهرة لو بقيت بلا بيان لكان الأمر ليس أحسن حالاً من حاطب الليل, أو ضارب النبل في حشاشة العساكر في الليلة المنكدرة نجومها, المظلمة كواكبها.

فمن هنا صار من اللازم علينا أن نعرف حدود ممارسة التبري بعد أن عرفنا ـ ولو بشكل إجمالي ـ أنّه ظاهرة ذكرها القرآن وسنة رسول الله  صلي الله عليه وآله .

 قال المفيد رضي الله عنه: (إنها قد تجب أحياناً وتكون فرضاً, وتجوز أحياناً من غير وجوب, وتكون في وقتٍ أفضل من تركها, وقد يكون تركها أفضل, وإن كان فاعلها معذوراً ومعفواً عنه, متفضلاً عليه بترك اللوم عليها)[27].

وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي  رحمه الله : (ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس, وقد روي رخصته في جواز الافصاح بالحق عنده)([28]).

وقال الشيخ الطبرسي ـ  رحمه الله ـ: (قال أصحابنا التقية جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة, وربما وجب فيها لضربٍ من اللطف والاستصلاح, وليس تجوز من الأفعال في قتل المؤمن, ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين)([29]).

وقال الشيخ الشهيد الأول في قواعده:(التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة, فالواجب إذا علم أوظن نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين, والمستحب إذا كان لا يخاف ضرراً عاجلاً ويتوهم ضرراً آجلاً او ضرراً سهلاً أو كان تقية في المستحب... ثم قال: التقية تبيح كل شيء حتى إظهار كلمة الكفر, ولو تركها حينئذٍ أثم إلا في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت عليهم السلام فأنه لا يأثم بتركها, بل صبره إما مباح أو مستحب, وخصوصاً إذا كان ممن يقتدى به)([30]).

قال العلامة المجلسي ـ  رحمه الله ـ: (الأخبار في البراءة من طرق الخاصة والعامة مختلفة, والأظهر في الجمع بينها أن يقال: بجواز التكلّم بها عند الضرورة الشديدة وجواز الامتناع عنه وتحمل ما تترتب عليه)([31]).

وقال  رحمه الله  أيضاً في موضع آخر بعد أن روى عن أبي عبد الله  عليه السلام  أنه قال: (ما منع ميثم ـ  رحمه الله ـ من التقية [فوالله] لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ) لعل وجه الجمع بين أخبار التقية وعدمها في التبري الحمل على التخيير, فيكون هذا الكلام منه  عليه السلام  على وجه الأشفاق بأنّه كان يمكنه حفظ النفس بالتقيّة, فلم تركها) ([32]).

ولا إشكال أنّ أمثال رشيد الهجري وميثم التمّار وقنبر وحجر وأمثالهم من الأولياء قد نالوا مقاماً عند الأئمة صلي الله عليه و آله مع أنهم تركوا الرخصة في التقية والأخذ بها ولم نعرف خبراً ولو ضعيفاً في ذمهم أو الانقاص منهم, مما يُشعر أنّ حدود ممارسة ظاهرة التبري منوطة بالمكلف نفسه, فإن شاء فعل وإن شاء اتقى, وفي كلا الأمرين يكون مأجوراً على ذلك, وعليه تفسر الروايات التي مدحت هؤلاء العظماء مثل ما روي عن رشيد رحمه الله.

أن بنته قالت:

(إنه قال: قال لي حبيبي أمير المؤمنين  عليه السلام : يا رشيد, كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين, أيكون آخر ذلك إلى الجنّة؟

قال: نعم يا رشيد, وأنت معي في الدنيا والآخرة: قالت: فوالله, ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين  عليه السلام  فابى ان يتبرأ منه, فقال له ابن زياد: فبأي ميتةٍ قال لك صاحبك تموت؟

قال: أخبرني خليلي ـ صلوات الله عليه ـ أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرء منه, فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني, فقال: والله لأكذبن صاحبك, قدموه واقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه, فقطعوه ثم حملوه إلى منزلنا, فقلت له: يا أبت, جعلت فداك هل تجد لما أصابك ألماً؟ قال: لا والله يا بنيه, إلا كالزحام بين الناس, ثم دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجعون له فقال: آتوني بصحيفة ودواةٍ أذكر لكم ما يكون مما أعلمنيه مولاي أمير المؤمنين  عليه السلام  فأتوه بصحيفةٍ ودواةٍ, فجعل يذكر ويملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات, ويسندها إلى أمير المؤمنين  عليه السلام  فبلغ ذلك ابن زياد, فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه, فمات من ليلته تلك ...)([33])

والخلاصة:

إنّ التبري ظاهرة قرآنية وسنة سنها لنا الباري عزّ وجلّ, حيث ذكر لنا أسلوب الأنبياء والأولياء في ذلك, وأنّ الأحاديث الشريفة نطقت بذلك وجعلت ثواب الثابتين على عدم التبري من الدين هو الكون في أعلى عليين, ورخصّت من لا يتمكّن من الثبات, وأنه طريق التقيّة وحفظ الدماء كما ذكرنا ذلك في رواية رشيد الهجري.

فحدود ممارسة التبري منوطة بالمكلّف نفسه, فإن أراد مقام الأصفياء كميثم ورشيد وحجر وقنبر وسعيد بن جبير وأمثال هؤلاء العظماء صنع ما صنعوا, وإلا أخذ برخصة التقية في حقن دمه؛ لأنه الأهم ما دام دفعه يكون باللسان دون الجنان كما تقدّمت آراء كبار الطائفة في ذلك,

وقصة عمار بن ياسر  رحمه الله  وأبويه أكبر شاهد على ما ندعيّه.



([1]) الأحزاب: 45 ـ 46.

([2]) انظر: الكافي, محمد بن يعقوب الكليني: 2, 616, وح11.

([3])  المائدة: 48ـ 54.

([4])  الزخرف: 26.

([5])  التوبة: 114.

([6]) يونس: 41.

([7]) مفردات ألفاظ القرآن: 121 مادّة gt;برأlt;.

([8])  انظر: تاج العروس44:1, القاموس المحيط8:1.

([9]) آل عمران: 49.

([10]) الأحزاب: 69.

([11]) التوبة: 3.

([12]) التوبة:1.

([13]) عيون الحكم والمواعظ: 57.

([14])  المصدر نفسه: 178.

([15])  المصدر نفسه: 488.

([16]) شرح نهج البلاغة بن ابي الحديد, ج4, ص54: 1: 105, خط 57.

([17])  شرح نهج البلاغة: بن ابي الحديد,ج4, ص54.

([18])  الغارات: ابراهيم بن محمد الثقفي, ج1 ص85..

([19])  بحار الأنوار: 311:39, باب 88.

([20])  الكافي, 126:2 وح6.

([21])  شرح أصول الكافي, ج9 ص123.

([22])  شواهد التنزيل: ج1 ص 267.

([23]) التوبة: 1.

([24]) التوبة: 3.

([25]) شرح نهج البلاغة, ج4, ص113.

([26]) عوائد الأيام: 125.

([27]) اوائل المقالات, المفيد, ص118.

([28]) مجمع البيان, الطبرسي, ج2ص, 274. بحار الأنوار المجلسي, ج29, ص330.

([29])  مجمع البيان, الطبرسي, ج2, ص273ـ274.

([30])  القواعد والفوائد, الشهيد الاول, ج2,ص157ـ 158.

([31]) بحار الأنوار, المجلسي, ج39, ص329.

([32]) بحار الأنوار, المجلسي, ج42, ص127.

([33]) الأختصاص: 77.