مذاهب على الصراط

  بعد رحيل الرسول المصطفى صلي الله عليه وآله إلى الرفيق الأعلى، ومرور الزمان، واتساع رقعة الدولة الإسلامية واجه المسلمون مسائل مختلفة في الفقه والعقيدة لم يكونوا قد ابتلوا بها في زمن رسول الله صلي الله عليه وآله، ولم يكن النصّ الديني بظاهره يسعفهم في حلّها، وبيان موقف الإسلام منها، ممّا دعا المسلمين آنذاك إلى البحث والاجتهاد لاستنباط حكمها ممّا بين أيديهم من آيات وروايات، بيد أنّ استنباط الحكم وتعيين العقيدة لم يكن دائماً على وفق الموازين العلميّة بل قد تكون هناك عوامل عديدة لها دور كبير في صناعة فكرة ما أو رأي، كالتوجّهات السياسية، والمطامع الدنيوية.

ومن يراجع التاريخ يجد ذلك واضحاً.

نعم ، هناك علماء أفذاذ وشخصيات مخلصة لدينها، ولربّها لم تؤثّر فيهم تلك العوامل ، ونأوا بأنفسهم عن الضلال ، معتصمين بدين الله الحنيف، قائدهم العلم ، ودليلهم الإيمان والتقوى ، فلم يتّبعوا الهوى ، ولا أضلتهم السياسة .

وفي ظلّ هذه الظروف ، وبين طلاب السياسة والدنيا ، وطلاب الحقيقة والآخرة نشأت المذاهب في العالم الإسلامي ، وقد اندرست جملة منها بمرور الأيام ، وبقيت أخرى حيّة إلى يومنا هذا .

وبعد ما يربوا على الألف عام يفتح المسلم عينه ليجد نفسه أمام طرق متعددة ، ومذاهب مختلفة مع أنّ الدين عند الله تعالى واحد وهو الإسلام ولن يقبل بسواه ، قال تعالى : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )(1)

فيجد المسلم نفسه أمام خمسة مذاهب إسلامية يتمسّك بها المسلمون كافّة وكلّ واحد من هذه المذاهب يدّعي لنفسه أنّه الحقّ مع أنّها مختلفة في كثير من مسائلها الفقهية وحتى العقائدية .

فهل يا ترى يجوز لهذا المسلم أن يتمسّك بأيّ مذهب شاء خصوصاً وأنّ بعض هذه المذاهب قد لعبت السياسة والأهواء والجهل دوراً في تكوّنها ، أم أنّه يجب عليه البحث والتنقيب للوصول إلى المذهب الحقّ الذي يمثّل واقع الإسلام ؟

اعتقد أن الجواب البديهي هو لابدّ من السعي للوصول إلى المذهب الحقّ لنضمن به سعادة الدنيا والآخرة .

ومن هنا ينبغي لنا التعرّف على مؤسّسي هذه المذاهب لكي نعرف الأعلم منهم والأورع والأتقى بحيث لا يقوده الجهل إلى ضلالة ، ولا يسلمه عدم الورع إلى مخالفة المولى تبارك وتعالى من أجل إرضاء النفس أو السلطان ، فيحكم بغير حكم الله .

لابدّ أن ندرس شخصية كلّ إمام من هؤلاء الأئمة لكي نعرف من هو الأحق بالاتباع ، (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (2) هكذا علّمنا القرآن.

عندما نرجع إلى مسيرة هؤلاء العلماء الذين صاروا أئمة لطوائف المسلمين نجد أنّهم ليسوا على مرتبة واحدة في العلم ، ولا في درجة واحدة من التقوى والورع ، فمنهم من قيل عنه بأنّه: كاد الدين ، ومَن كاد الدين فليس من أهله(3) .

وقيل في إمام آخر : أحصيتُ على (فلان) سبعين مسألة ، وكلّها مخالفة لسنة الرسول ، وقد اعترف (هو) بذلك(4).

واتّهموا بعضَهم بأنّه : ثقيل حلولي بغيض مجسم(5).

ومنهم من شهد له الجميع واتفقوا على أعلميته وأفضليته على سائر من عاصره ، وقد شهد له بذلك حتى أئمة المذاهب الأخرى ، فهذا أبو حنيفة ـ إمام المذهب الحنفي ـ يقول : ما رأت عين أعلم من جعفر بن محمد(6). ويقصد أستاذه الإمام الصادق إمام المذهب الجعفري ، وهكذا يقول الإمام مالك ـ إمام المذهب المالكي ـ : ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على بال بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً.

وهناك أقوال كثيرة للعلماء المعاصرين له ، والمتأخّرين عنه أمثال الجاحظ(7) وابن حجر الهيثمي، وغيرهم، يشيدون بهذه الشخصية الفذة ، ممّا يدلّ على كون هذا الرجل هو الأحق بالاتباع من غيره الذين هم أنفسهم يعترفون بأنّهم دونه في العلم والفضل ، بل ويفتخر بعضهم بأنّه تتلمذ على يدي هذا الإمام الكبير .

بعد هذا فلا بدّ للمسلم المتدين الذي يبتغي مرضاة الله أن يبحث عن دينه بجدّ وينتخب الشخصية التي يقتدي بها ؛ لكي توصله إلى الأمان من سخط الله وغضبه.

فإنّ مقارنة بسيطة بين أئمة المذاهب الإسلامية ـ بشرط أن تكون على وفق الموازين العلمية ، بعيدة عن التعصّب الأعمى ـ يمكن أن يصل المؤمن من خلالها إلى المذهب الحق الذي يمثّل بحق الدين الإسلامي الذي أراده الله لعباده ولا يرضى من أحد بغيره . 

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)([1]).  

........)

 



(1) آل عمران: 85

(2) من الآية 35 من سورة يونس.

(3) العلل، احمد بن حنيل ج2، ص547 و ج3، ص164، تاريخ بغداد ج13، ص401.

(4) انظر: اظواء البيان الشنقيطي، ج7، ص361.

(5) انظر: الفايق في غريب الحديث، جار الله الزمخشرين ،ج1، ص7.

(6) انظر: جامع اسانيد ابي حنيفة،ج2 ص222.

(7) انظر: مناقب ابن شهر آشوب، ج4، ص248.

([1]) يوسف: 108