مدخل إلى دراسة فقه القرآن

 

القرآن الكريم المعجزة الباهرة للنبي الأكرم صلي الله عليه وآله  فيه من البينات ما حيّرت العقول وأذهلت الألباب, وقد أودع الله تبارك وتعالى فيه الأحكام والمواعظ والإشارات والتبيانات والقصص والعلل والتاريخ والأحداث فصار (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)([1]), (وذكرى للعالمين)([2]), و(عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)([3]), (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)([4]). وإتمّ بحجج الله من الأنبياء والأوصياء بعد أن ختم النبوة بأفضل الأنبياء والمرسلين محمد صلي الله عليه وآله  فصار القرآن والسنة أحدهما يكمل الآخر, فلا يتسنى لأحد أي أحد أن يغمض عينه عن أحدهما ويتوقع رضا الله بعد أن تواتر الحديث عن الصادق الأمين  صلي الله عليه وآله  بأنهما gt;لن يفترقا حتى يردا الحوض)([5]).

فمن هذا المنطق صار القرآن الكريم والأحاديث الطاهرة محل عناية للعلماء, فكتب المفسرون تفسيراً للقرآن وللحديث, ومن أهم تلك التفاسير التفسير الذي يتناول آيات الأحكام والذي نحن بصدده.

 

تأريخ علم فقه القرآن وآيات الأحكام:

لما كان الدين الإسلامي أكمل الأديان وأخرها وجاء من جاء به رحمة للعالمين, حيث قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)([6]).

ولكل زمانٍ ومكانٍ ويجري مجرى الليل والنهار([7]) وجب أن يقدم قانوناً يتكفّل بالحياة الكريمة, ويأخذ بأيدي الناس إلى مافيه السعادة والرقي, فكان القرآن بمعونة السنة الشريفة ذاك القانون الذي يتطلع إليه البشر.

ومن هنا فلا يكون من الغريب أن يهتم العلماء بهذا الدستور الإلهي الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )([8]) وبالسنة الشريفة التي هي عدل ذاك الكتاب (الذي لا ريب)([9]) فيه حيث قال رسول الله صلي الله عليه وآله : gt; إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي, أحدهما أعظم من الآخر, كتاب الله حبلً ممدود من السمآء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي, ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض, فانظروا كيف تخلفوني فيهما)([10]).

فاهتم علماء المسلمين على وجه الخصوص باستيضاح معاني هذا الدستور الإلهي, وقد نال أكثر حظ من هذه المصنفات موضوع الأحكام التي عليها مدار العمل.

وقد ألف الكثير من العلماء من الفريقين في أحكام القرآن أو فقه القرآن منذ بدايات التاريخ الإسلامي, حيث بادر أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من حملة آثارهم رضوان الله عليهم إلى تفسير الكتاب العزيز واستجلاء غوامضه واستخراج أحكامه سبقهم إلى ذلك السابق إلى الإيمان وإلى كل مكرمة مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام وحفيده الإمام محمد الباقر عليه السلام ومن شيعتهم السابقين إلى ذلك أبي حمزة الثمالي, واسمه ثابت بن دينار ... حيث كان من شيعة علي عليه السلام النجباء الثقات, وصاحب الإمام أبا جعفر عليه السلام كما ذكر ذلك ابن النديم في الفهرست([11]).

وأشرنا في كلامنا السابق إلى اهتمام العلماء منذ أوائل التشريع الإسلامي بالقرآن وأحكامه, حتى ألف الكثير من علماء المسلمين في ذلك منذ ذلك الحين ونحن نذكر جملةً من علماء الفريقين نبتدأ بعلماء الطائفة الحقة, لكونهم أصحاب السبق في هذا المجال, كما مرّ عليك في الحديث السابق, وأيضاً قال في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ما نصه: gt; أول من صنف في أحكام القرآن هو محمد بن السائب الكلبي المفسّر الآتي ذكره في طبقات المفسرين. قال بن النديم في الفهرست عند ذكره للكتب المؤلفة في أحكام القرآن مالفظه كتاب القرآن للكلبي رواه عن بن عباس, قلت : وستعرف أنّ وفاة محمد بن السائب سنة 146 وحينئذٍ فقد وهم الجلال السيوطي في كتاب الأوئل حيث قال: أول من صنّف أحكام القرآن الإمام الشافعي فإنّ الإمام الشافعي توفي سنة 204 وله من العمر أربع وخمسون سنة, وذكر في طبقات النحاة أول من كتب في أحكام القرآن هو القاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياتي القرطبي الأندلسي الأخباري اللغوي المتوفى سنة 304 عن ثلاث وتسعين سنة وأياً ما كان, فهو متأخرّ عن محمد بن السائب. اللهم إلا أن يريد أول من صنف في هذا من علماء السنة والجماعة, وحينئذٍ لا ينافي ما ذكرنا من تقدم الشيعة في ذلك ...)([12]).

 

المصنفون في آيات الأحكام:

وإليك قائمة بأسماء بعض الكتب المؤلفة في أحكام القرآن من قبل أعلام الطائفة حسب التسلسل التاريخي:

1ـ أحكام القران, لمحمد بن السائب الكلبي, المتوفى سنة 146هـ..

2ـ أحكام القرآن, لأبي الحسن عباد بن العباسي بن عباد الديلمي القزويني الطالقاني: ( والد الصاحب بن عباد, المتوفى سنة 334 أو 335هـ) .

3ـ فقة القرآن, لقطب الدين الراوندي, المتوفى سنة 573هـ .

4ـ النهاية في تفسير خمسمائة آية, للشيخ أحمد بن عبد الله بن سعيد المتوج أو سعيد بن المتوّج البحراني, المتوفى 800هـ..

5ـ منهاج الهداية, للشيخ أبي ناصر جمال الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن المتوّج البحراني, المتوفى سنة 820هـ .

6ـ آيات الأحكام, للشيخ ناصر بن الشيخ جمال الدين أحمد بن الشيخ عبد الله بن المتوّج البحراني.

7ـ كنز العرفان في فقه القرآن, للشيخ شرف الدين أبي عبد الله مقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد الحلي الأسدي السيوري, المتوفى سنة 826 هـ..

8ـ معدن العرفان في فقه مجمع البيان لعلوم القرآن, للشيخ إبراهيم بن حسن الدرّاق أو الورّاق,  من أهل أوائل المائة العاشرة.

9ـ معارج السؤول ومدارج المأمول في تفسير آيات الأحكام, ويعرف gt;بتفسير الباب) للشيخ كمال الدين الحسن بن شمس الدين محمد بن الحسن الأسترابادي المولد النجفي المسكن, المتوفى في أواخر القرن التاسع.

10ـ تفسير آيات الأحكام, للشيخ شرف الدين علي الشهفينگي أو الشيفتكي, المتوفى سنة 907هـ..

11ـ التفسير الشاهي, للسيد الأمير أبي الفتح بن الميرزا مخدوم الحسيني العريشاهي الجرجاني, المتوفى سنة 976هـ..

12ـ آيات الأحكام للسيد, الأمير أبي الفتح الشرفة, المتوفى سنة 976هـ .

13ـ أيات الأحكام, للشيخ محمد بن الحسن الطبسي, المتوفى سنة 993هـ .

14ـ زبدة البيان في تفسير آيات أحكام القرآن, للشيخ المقدس أحمد بن محمد الأردبيلي, المتوفى سنة 993 هـ .

15ـ التعليقة على زبدة البيان في أحكام القرآن, للأمير فيض الله بن عبد القاهر الحسيني التفرشي النجفي, المتوفى سنة 1025هـ .

16ـ شرح آيات الأحكام في تفسير كلام الله الملك العلام, للميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الاسترابادي, المتوفى سنة 1028هـ .

17ـ مشرق الشمسين وإكسير السعادتين, للشيخ البهائي, بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد, المتوفى سنة 1030هـ .

18ـ تفسير القطب شاهي, أو آيات الأحكام, للشيخ محمد اليزدي, المعروف بشاه قاضي اليزدي, من علماء أوائل الحادي عشر الهجري.

19ـ التعليقة على زبدة البيان في آيات الأحكام, للسيد الأمير فضل الله الاسترابادي, من أعلام القرن الحادي عشر.

20ـ إماطة اللثام عن الآيات الواردة في الصيام, مؤلفة من أعلام القرن الحادي عشر الهجري.

21ـ آيات الأحكام الفقهية, للمولى ملك علي المتوفى, من أعلام القرن الحادي عشر الهجري.

22ـ مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام, للشيخ الجواد الكاظمي, من أعلام القرن الحادي عشر الهجري.

23ـ مفاتيح الأحكام في شرح آيات الأحكام, للسيد محمد سعيد بن سراج الدين قاسم بن الأمير محمد طباطبائي القهبائي, المتوفى سنة 1092.

24ـ التعليقة على زبدة البيان في أحكام القرآن, للفيض الكاشاني محمد بن مرتضى, من أعلام القرن الحادي عشر الهجري.

25ـ التعليقة على زبدة البيان في أحكام القرآن, للسيد الجزائري, المتوفى سنة 1112هـ.

26ـ التعليقة على مشرق الشمسين, للشيخ سليمان بن عبد الله بن علي البحراني الماحوزي المعروف بالمحقق البحراني, المتوفى حدود سنة 1121هـ .

27ـ التعليقة على زبدة البيان في أحكام القرآن, للعلامة محمد بن عبد الفتاح التنكابني المشهور بـ (سراب), المتوفى سنة 1124هـ.

28ـ التعليقة على مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام, للعلامة الميرزا عبد الله بن عيسى التبريزي الأصفهاني, المشتهر بالأفندي, المتوفى حدود سنة 1130هـ .

29ـ إيناس سلطان المؤمنين بأقتباس علوم الدين من النبراس المعجز المبين, للسيد محمد بن علي بن حيدر بن محمد بن نجم الدين الموسوي العاملي الكركي, المعروف بمحمد بن حيدر العاملي المكي, المتوفى سنة 1139هـ .

30ـ تحصيل الاطمينان في شرح زبدة البيان في أحكام القرآن, للأمير محمد بن إبراهيم بن الأمير معصوم بن الأمير فصيح بن الأمير أولياء الحسيني التبريزي القزويني, المتوفى سنة 1149هـ..

31ـ التعليقة على زبدة البيان في أحكام القرآن للشيخ إسماعيل الخاجوئي.

32ـ التعليقة على زبدة البيان في أحكام القرآن, للأمير بهاء الدين محمد بن الأمير محمد باقر المختاري الحسيني النائيني السبزواري, المتوفى أواسط القرن الثاني عشر الهجري.

33ـ قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر, للشيخ أحمد بن إسماعيل بن عبد النبي الجزائري, المتوفى سنة 1151هـ .

34ـ التعليقة على مشرق الشمسين, للشيخ إسماعيل بن محمد بن حسين بن محمد رضا بن علاء الدين محمد المازندراني, المشهور بالخاجوئي المتوفى سنة 1173, أو 1177هـ .

35ـ تقريب الأفهام في تفسير آيات الأحكام, للمفتي السيد محمد قلي بن محمد حسين بن حامد حسيني بن زين العابدين النيشابوري الكنتوري, المتوفى سنة 1260هـ..

36ـ دلائل المرام في تفسير آيات الأحكام, للشيخ محمد جعفر بن سيف الدين الاسترابادي الطهراني, الشهير بـ (شريعتمداري), المتوفى سنة 1263هـ

37ـ الدرر الأيتام في تفضيل تفسير آيات الأحكام, للشيخ علي بن محمد بن جعفر الاسترابادي, الشهير بشريعتمدار, المتوفى سنة 1315هـ .

38ـ درر الأيتام في أنموذج تفسير آيات الأحكام للشيخ علي بن محمد جعفر الاسترابادي الشهير بشريعتمدار, المتوفى سنة 1315, وهو ملخص الكتاب السابق.

39ـ آيات الأحكام, للشيخ محمد باقر بن محمد حسن بن أسد الله بن علي محمد الشريف البيرجندي الكازاري القائيني, المتوفى سنة 1352هـ.

40ـ لب اللباب في تفسير أحكام الكتاب, للسيد أبي تراب بن السيد أبي القاسم بن السيد مهدي الموسوي الخونساري, المتوفى سنة 1346هـ.

41ـ آيات الأحكام, للشيخ إسماعيل بن علي نقي الارومي التبريزي, من أعلام القرن الرابع عشر الهجري.

42ـ تفسير آيات الأحكام, للسيد محمد حسين بن محمود الطباطبائي اليزدي, المتوفى سنة 1386هـ .

43ـ أحكام قرآن, للدكتور محمد الخزائلي, أستاذ جامعة طهران, طبع في طهران سنة 1352 هـ.ش.

44ـ الجمان الحسان في أحكام القرآن, للسيد محمود الموسوي الدهسرخي الأصفهاني, طبع سنة 1403هـ ([13]).

 

المنهج والأسلوب

لقد تفنن أصحاب المصنفات من الفريقين في المنهج والأسلوب الذي كتبوا على أساسه, وأكثر المناهج والأساليب المتبعة أسلوبان:

الأول: ترتيب الآيات حسب السورة الواردة في القرآن الكريم من سورة البقرة إلى آخره.

الثاني: ترتيب الآيات في كتب من الطهارة إلى الديات على غرار الأبواب الفقهية في تصانيف الفقهاء.

والأسلوب الأول أكثر ما يميل إلى المباحث التفسيرية, وأما الأسلوب الثاني فيوجه اهتمامه إلى المسائل الفقهية أكثر من غيرها.

ومن الطبيعي أن تختلف قيمة هذه المؤلفات من الوجهات العلمية ومن بينها كتب هي في القمة من حيث العمق والشمول وسعة آفاق الدراسة.([14])

والأسلوب الأول أشبه ما يكون بالتفسير الترتيبي للقرآن الكريم, حيث ينهج الكاتب فيه تلك المنهجية, فيأتي إلى سورة الحمد (الفاتحة) فيرى ما فيها من آيات لها الصلة بالأحكام, كما نرى ذلك جلياً في كتاب زبدة البيان للمقدس الأردبيلي رحمه الله, حيث رتّب كتابه على هذا المنوال فابتدأ بالبسملة ثم فاتحة الكتاب.

وأما الأسلوب الثاني فهو أشبه ما يكون بالتفسير الموضوعي للقرآن الكريم, حيث إنّ صاحب هذا الأسلوب ياتي بكل آية لها ربط بالطهارة مثلا, فيجعلها في كتاب الطهارة وهكذا يقع في بقية أبواب الفقه, كما صنع الشيخ قطب الدين الراوندي في كتابه فقه القرآن.

 


([1]) النحل: 89.

([2]) الانعام: 90.

([3]) يوسف: 111.

([4]) البقرة: 66.

([5]) مسند أحمد: ج3, ص14.

([6]) الأنبياء: 107.

([7]) تفسير العياشي: ج2, ص203.

([8]) فصلت: 42.

([9]) البقرة: 2.

([10]) مسند أحمد: ج3, ص14.

([11]) الفهرست ابن النديم: 36.

([12]) فقه القرآن , القطب الروندي, ص9.

([13]) مقدمة كتاب فقه القرآن للشيخ محمد اليزدي, بقلم عباس الترجمان من ص9-13 عن مجلة تراثنا العدد الثاني ص15 السنة الرابعة والعدد الثاني ص19 السنة الخامسة.

([14]) مقدمة كتاب فقه القرآن, هبة الدين الراوندي ص9, منشورات مكتبة المرعشي النجفي بقلم السيد أحمد الحسيني الأشكوري.