كلمة في الشجاعة والتهّور

 

ثمة معنى يتبادر إلى الأذهان عند سماع هذه الکلمة (الشجاعة)، ولعلّه نفس ما يُدرک عندما يطرق سمعنا کلمة (الجبن), من باب أنّ الأمور تعرّف بأضدادها، ومهما بلغت معرفتنا بالشجاعة فهي لا تعدو أن تکون معرفة ناقصة، متصوّرة على آثار الشيء، وهذا أمر يحتاج إلى تفکير و إمعان نظر وتأمل في حقيقة هذه الخصلة والصفة التي نجدها في أکثر موارد الصراع الخارجي والنفسي.

فما هي الشجاعة؟ أهي خوض أوار المعارک وغمارها؟! أو هي أعمق من هذه الکلمات؟! ولعلّ في تعريف العلماء لهذا الخُلق ما يروي ظمأ المتسائل، فقد ذهبوا إلى القول بأنّ الشجاعة هي: (قوة القلب والإقدام والجرأة والصبر وقت الشدة).

فهي جرأة وإقدام وقوة قلب وثبات وصبر، کل ذلک نابع عن الهدف والغاية التي تقف وراء ذلک الهدف، الذي أقرّه العقل ونادى به، ومن ثمّ تاقت إلى فعله نفسه، فيستمدُّ القلب قوته وصموده وصلابته من مدى إيمانه وصلابة موقفه واعتقاده بهدفه، وهذا بدوره يکشف عن جعل الروايات الشجاعة باعث ودافع لکثير من الأخلاق الحسنة على خلاف التهوّر، وإليک استعراض لجانب من تلک الروايات؛ لتبيان علاقة الشجاعة بغيرها من الأخلاق:

عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : (أشجع الناس أسخاهم)([1])، وعنه عليه السلام : (ثمرة الشجاعة الغيرة)([2])، وقال کذلک: (أشجع الناس من غلب الجهل بالعلم)([3]). وروي عنه عليه السلام : (لو تميّزت الأشياء لکان الصدق مع الشجاعة)([4]).

ومن الروايات المؤيّدة لقولنا من أنّ الشجاعة هي قوة القلب والإقدام والجرأة الناتجة من اتباع العقل و الإيمان بهدفه و غايته؛ ما ورد عن الرسول الکريم صلي الله عليه وآله : (ألا أخبرکم بأشدکم وأقواکم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال أشدکم وأقواکم الذي إذا رضى لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحقّ، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق)([5]).

وکذلک ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام  في وصف المؤمن: (إنّ المؤمن أشدّ من زبر الحديد، إنّ زبر الحديد إذا دخل النار تغيّر، وإنّ المؤمن لو قُتل ثم  نُشر، ثم قُتل لم يتغيّر قلبه)([6]).

 وعدَّ الأئمة عليهم السلام الإنسان شجاعاً قوياً متى ما غلب هواه و أطاع عقله، فعن أبي الحسن عليه السلام  قال: (أقوى الناس أعظمهم سلطاناً على نفسه) ([7])، وقال أيضاً: (لا قوي أقوى ممّن قوي على نفسه فملکها، ولا عاجزاً أعجز ممّن أهمل نفسه فأهلکه)([8]).

إذن فالشجاعة تدعو الإنسان إلى کل ما هو کريم و خليق من صفات حميدة وحمية و غيرة وسخاء وشهامة و عزّة و أنفة ورحمة و شفقة. فالشجاعة تحمل دائماً هدفاً مقدّساً وغاية نبيلة.

وأمّا إذا خلا الإقدام وقوة القلب عن الهدف السامي والغاية النبيلة و الواعز الملکوتي وطاعة العقل؛ فإنّ المواقف ستتخذ أشکالاً جديدة متفاوتة، وأساليب بعيدة عن الإنسانية والأخلاق الفاضلة، وهذا ما يعبّر عنه بالتهوّر أو الإلقاء بالتهلکة، لأنّ کل ما سيجنيه من فعاله هو في تباب؛ ذلک أنّ الدافع والباعث للقيام بها هو هوى النفس والطاعة لها، وكيف لجموح النفس أن يحدَّه حدٌّ، وأنّى للنفس وهي التي تتوق لنيل کل رغبة ولو على حساب دماء الآخرين ومصائبهم، فتأخذ بيده إلى جهنّم وإلى رکوب العار، وستکون باعثاً لکل خلق سيء, ويتحول ذلک الإقدام إلى کل ما هو شنيع، يندى له الجبين من اعتداءٍ على الآخرين، وسلبٍ لحقوقهم بالقوة، أو قتل کل مخالف ولو بالرأي.

 

موارد الشجاعة:

بعد التوضيح المتقدّم صار الأمر أکثر وضوحاً،  فالشجاعة لا تقتصر على الخوض في سوح المعارک دون رهبة أو خوف، بل اتسعت ميادينها لتشمل سوح المعارک على کل المستويات النفسية والاجتماعية والعلمية،  فأول معرکة على الإنسان أن يخوضها بشجاعة هي معرکته مع أعدى أعدائه، وهي نفسه التي بين جنبيه، فإن کان النصر حليفه کان في غيرها أکثر أملاً في الانتصار، ثمّ يتقدّم به الحال لخوض معرکة المجتمع بأمواجها المتلاطمة وتعرجاتها والتواءاتها، وعليه أن يتخذ المواقف الشجاعة بوجه الأباطيل والأخطاء، لا سيّما تلک الأخطاء التي يُراد أخفاؤها، قد يکون الموقف بالسيف ولا يکون باللسان، وقد يکون بالعمل، وبنصرة المظلوم والوقوف إلى جانبه، فالتضحية في سبيل الآخرين دون تردّد هو الآخر يمثّل قمة الشجاعة، وهکذا الوقوف إلى جانب الحقّ في الأحوال کلها.

فباللسان متى ما اقتضى الأمر إلى البيان وکشف الأسرار، ويتعدّى إلى العمل ومنه إلى السيف، وهذا هو تطبيق للأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، فهو يحتاج إلى شجاعة، وإرادة قوية، وعزيمة صلبة للقيام بذلک.

وهناک معرکة لا يخوضها إلاّ النزر القليل من أصحاب العلم  والهمم العالية، وهي الکشف عن الحقائق العلمية، والتي يؤدّي کشف النقاب عنها إلى النزول عند أهل المقابر، أو تحمل الشتائم والسباب من الجهال و بسطاء العقول، فکلما کانت العواقب وخيمة احتاج الأمر إلى قوة قلب وإقدام لقول الحقيقة، بعد ما يحکم العقل بلزوم ذلک، وهذا ما دأب عليه الکثير من علمائنا عندما يصبح قول الحقيقة في کفّة وفي الکفّة الأخرى الضرر والأذى، فلم يتوانوا عن القيام بوظائفهم وقول ما عليهم قوله، وصفحات التاريخ مليئة بالمواقف الشجاعة التي صارت قدوة لکل حرٍ شجاع.


 


[1]ـ عيون الحكم والمواعظ: 117.

[2]ـ المصدر السابق: 207.

[3]ـ المصدر السابق: 115.

[4]ـ المصدر السابق: 117.

[5]ـ معاني الأخبار: 366.

[6]ـ بحار الأنوار: 64/ 303، 304.

[7]ـ عيون الحكم والمواعظ: 116.

[8]ـ المصدر السابق: 534.