في رحاب عيد الأضحى

المبارك

 

العيد مناسبة كريمة تعود فيها البسمة إلى الشفاه والفرحة إلى القلوب، وقد جعل الإسلام الاحتفال بالعيد مرتبطاً بمعانٍ ذات قيمة عالية، حيث جعله مظهراً رائعاً لتحقيق العواطف البشرية والروابط الإنسانية، والتقاء الجميع، صغاراً وكباراً على معاني الفرحة والسعادة والشعور بالإلفة والوحدة بين أبناء المجتمع الإسلامي، كما ربطت الشريعة الإسلامية المقدسة بين هذه المناسبة العطرة وبين العبادات التي ترفع من شأن الإنسان واعتباره ليصل بها إلى مراتب روحية ومعنوية عالية.

والأعياد الإسلامية بالمعنى العام كثيرة، لكنها بالمعنى الشرعي للعيد اثنان، عيد الفطر، وهو اليوم الأول من شهر شوال، وعيد الأضحى وهو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة الحرام الذي يتزامن مع فريضة الحج المقدسة، والذي نعيش أجواءه في مثل هذه الأيام.

بعض السنن والآداب:

ولعيد الأضحى آداب ورسوم وأحكام معينة أشارت لها الروايات الشريفة الواردة عن الرسول الكريم محمد صل الله عليه وآله وأيمة أهل البيت عليهم السلام، بعضها يرتبط بليلة العيد والبعض الآخر يرتبط بيومه.

1- ما يرتبط بليلة العيد:

فهي ليلة مباركة وعظيمة الفضل، وفي هذه الليلة تفتح أبواب السماء، وهي أحد الليالي التي يستحب أحياؤها، فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: (يعجبني أن يفرّغ الرجل نفسه في السنة أربع ليال: ليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة من رجب)([1]).

ومن المَسنون في هذه الليلة زيارة سيد الشهداء وريحانة رسول الله الإمام أبي عبد الله الحسين  عليه السلام، ودعاء: (يا دائم الفضل على البرية ...).

2- ما يرتبط بيوم العيد:

إنَّ  يوم عيد الأضحى ذو شرف عظيم، وفيه أعمال كثيرة، منها:

الغسل، وصلاة العيد، وقراءة دعاء الندبة الشريف، وأن يكبّر بالتكبيرات المعروفة، وهي: الله أكبر كبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا. وكذلك يستحب قراءة الدعوات المأثورة قبل صلاة العيد وبعدها، ولعل أفضل الأدعية في يوم عيد الأضحى هو الدعاء الثامن والأربعون من الصحيفة السجادية الكاملة الذي أوله: ( اللهم هذا يوم مبارك...)، وزيارة الامام الحسين عليه السلام.

وحاصل ما تقدم نفهم أن يوم العيد هو يوم عمل وطاعة وخشوع، ويوم فتح صفحة جديدة مع المولى تبارك وتعالى، فلا ينبغي أن يفهم الإنسان المؤمن من يوم العيد أنّه يوم لعب ولهو ولبسٌ للجديد فحسب، فهذا من الخطأ والاشتباه والجناية على النفس.

ومما يوسف إليه إننا نجد في تراثنا الإسلامي بعض الروايات الموضوعة التي من شأنها أن تشوه الصورة الحقيقية لفلسفة العيد، وتُبيّن أنّه يوم لعب ولهو ورفع للمحضورات، كما في الرواية التي ينقلها الطبري عن أم سلمة ـ وحاشا أم سلمة أن تنقل مثل هكذا روايات ـ تقول أم سلمة: كنا في يوم العيد عند رسول الله صل الله عليه وآله فدخلت عليه جارية لحسان بن ثابت ناشرة شعرها وهي تضرب بالدف فمنعتها، فقال رسول الله صل الله عليه وآله: (دعيها أما أنّ لكل قوم عيد وهذا عيدنا)[2].

 وفي رواية أخرى ينقلها البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صل الله عليه وآله ؟ ـ وذلك في يوم عيد ـ فقال رسول الله صل الله عليه وآله: (يا أبا بكر، إنّ لكل قوم عيد وهذا عيدنا)([3]).

فهاتان الروايتان وأمثالهما تصور العيد أنه لعب ولهو، وقد عرفت عند ذكر بعض آدابه والاعمال المطلوبة فيه دوره في ترجمة واقع شخصية المؤمن في الخارج، وسيأتي بيان أكثر لذلك.

أهمية العيد:

إنّ الثابت في الأخبار والروايات أنّ رسول الله صل الله عليه وآله كان يتخذ من يوم العيد يوم خضوع وخشوع وبكاء وابتهال إلى الله عزَّ وجل.

وهكذا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقد كان يجعل من يوم العيد مناسبة لرفع الغفلة عن الإنسان وربطه بالله تبارك وتعالى، فيذكره بمنازل ومواقف يوم القيامة فيقول: (أيُّها الناس، إنّ يومكم هذا يوم يثاب فيه المحسنون ويحشر فيه المسيئون، وهو أشبه يوم بيوم قيامتكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلاكم خروجكم من الأجداث إلى ربكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنة أو النار)([4]).

من هنا ينبغي على الإنسان المؤمن والرسالي أن ينظر إلى مناسبة العيد بعين الجدّ والمثابرة، ويجعل من يوم العيد مناسبة لرفع الغفلة وتقوية العلاقة والرابطة بالله تبارك وتعالى، ويوم لنشر بذور المحبة والسعادة مع المجتمع الذي يعيش معه.



   ([1])مصباح المتهجد: 852.

([2]) صحيح البخاري 2: 3، دار الفكر ـ بيروت.

([3])صحيح البخاري 2: 3، دار الفكر ـ بيروت.

   ([4])المصدر السابق.