فلسفة الانتظار([1])

مقدّمة

لاشّك أنّ لفكرة الانتظار والاعتقاد الأصيل بها ـ لما لها من عمق في نفس الإنسان الموحد أثراً كبيراً في تربية الإنسان وفي سلوكه، كيف لا والانتظار هو دين وديدن الأنبياء والأئمة, وغاية آمالهم بما له من البعد الواسع.

فإنّ الله تعالى أراد من عباده بأن يكونوا في المواطن التي يرتضيها هو، كمجالس الذكر والعبادة التي ترفع عنهم الغفلة, فإنّ الله تعالى هو جليس المؤمنين, فهم ينظرون إلى عظمة وجلال وجهه الكريم, ويترّقبون لطفه وعنايته بهم، فالانتظار ينطلق وينبعث من أعماقهم.

وهكذا فإنّ هؤلاء هم المنتظرون حقاً, والممهدون للوعد الإلهي الكبير المرتقب, الذي تسود فيه العدالة الإلهية الشاملة، فيسيرون في ركبه يجاهدون تحت رايته.

إذن ما نتوخاه من بحثنا هو بلورة حقيقة الانتظار, فإنّ كل موضوع أو مسألة تطرح للبحث وخصوصاً ما يرتبط بالعقيدة, إنّما يكتسب أهمية وواقعية من الناحية العملية، ومن هنا لابد لنا من تحليل هذه المسألة أو ذلك الموضوع من خلال الرجوع إلى القرآن والروايات, ففي الانتظار لا بد أن نأخذ المسألة على عمومها وإطلاقها؛ لنتفاعل مع عمق الفكرة ومالها من بعد قرآني يكشف حال أفراد أو أمة في التعامل مع آيات الله وما وعد الله تعالى عباده من الجزاء على الأعمال, فإنّ القرآن يدعو إلى الاستقلال الفكري والعقيدي (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) ([2]) .

إذن فحقيقة الانتظار ومعرفة أبعاده الأخلاقية في سلوك (الإنسان الفرد أو المجتمع) له أثر عظيم في تكامل وبناء النفس, ومعرفة ماهي الحقوق والواجبات تجاه هذه القضية وماله وما عليه، وهذا أمر يقتضي منا السعي لبلورة هذه الحقيقة وما تعطيه من زخم معنوي للإنسان، مضافاً لما نراه من حاجة ملحة لمعرفة هذه الحقيقة؛ حيث إن الكتب والأبحاث التي تنأولت هذا الموضوع قد ركّزت على الجانب العقيدي والثقافي منه في الغالب.

 وهنا ينبغي أن نرّكز على نكتة مهمة في مجال البحث العقائدي, حيث نرى بعض الكتّاب ينطلق أحياناً من ما يحيط بهذه الحقيقة من إشكالات واختلافات بين المذاهب, فيبدأ بالبحث من حيث إنطلق الآخرون, وهذا الأمر وإن كان له إيجابياته إلاّ أنّ له سلبياته أيضاً, حيث إنّه قد يختزل الحقيقة ولا يعطيها بعدها الواقعي, ويبتعد بها عن التأصيل ممّا يتطلبه البحث العقيدي، وهذه مشكلة البحث العقائدي وما يبتلي به كثير من الباحثين في العقيدة, وبالتالي تسبب في إرباك الإنسان المسلم, ولا يأخذ تصوراً صحيحاً عن عقيدته, وهذه قضية مهمة في الجانب العقيدي لفكرة الانتظار والمهدوية.

أما الجانب الأخلاقي فنحن سعينا في خطوة نرجو أن تكون موفقة مستقبلاً، وذلك بتجلية مفهوم الانتظار وما يتضمّن من تسليط الضوء على تفسير هذه الظاهرة الفريدة، بما لها من بعد واسع مؤثر في سلوك الإنسان المؤمن، ليكون إيماناً وقّاداً يجعله في سلك المنتظرين حقيقة، والله الموفق وهو يهدي إلى السبيل الصحيح.

 

الفصل الأول

حقيقة الانتظار

 

المعنى اللغوي والاصطلاحي:

أمّا لغةً:

قال الراغب الاصفهاني في مفرداته: (نظر: النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص, وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص, وهو الرّوية، قال تعالى: ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ)([3]) أي: تأملوا.

واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة، ونظر الله تعالى إلى عباده، هو إحسانه إليهم وإفاضة نعمه عليهم)([4]) .

وذكر السيد الطباطبائي في الميزان أن: (النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار والإمهال, وإذا عُديّ بإلى, نحو (نظر إليه) كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشيء، وإذا عُديّ بفي, كان بمعنى التأمل والاقتباس)([5]) 

وفي بيان قوله تعالى: ( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)([6])، قال ابن الأثير: (معنى النظر ههنا: الإحسان والرحمة والعطف؛ لأنّ النظر في الشاهد دليل المحبة، وترك النظر دليل البغض والكراهة، وميل الناس إلى الصور المعجبة والأموال الفائقة, والله سبحانه يتقدّس عن شبه المخلوقين, فجعل نظره إلى ماهو للسرِّ واللّب وهو القلب والعمل, والنظر يقع على الأجسام والمعاني, فما كان بالأبصار فهو للأجسام, وما كان بالبصائر كان للمعاني، نظرت فلاناً وانتظرته، إذا ارتقبت حضوره)([7]) .

وقال في الفروق اللغوية: (إنّ الانتظار طلب ما يقدر النظر إليه, ويكون في الخير والشر، وذلك أنّ الإنسان ينتظر طعاماً يعمل في داره وهو لا يشك أنّه يحضر له وينتظر قدوم زيد غداً وهو شاك فيه.

والنظر: طلب ظهور الشيء، والناظر: الطالب لظهور الشيء، والله ناظر لعباده بظهور رحمته إياهم، ويكون الناظر الطالب لظهور الشىء بإدراكه من جهة حاسّة بصره أو غيرها من حواسه... والنظر بالقلب من جهة التفكّر، والانتظار والتوقف لطلب وقت الشيء الذي يصلح فيه, والنظر أيضاً هو الفكر والتأمل لأحوال الأشياء)، وقال أيضاً: (الانتظار والتوقّع فهو طلب ما يُقدّر أن يقع)([8]) .

إذن يُستفاد من مجموع ما ذكر أنّ الانتظار هو ترّقب شيء أو إدراكه بالبصر أو البصيرة.

 

واما في الاصطلاح:

(فهو كيفيّة نفسانّية ينبعث منها التهيؤ لما تنتظره، وضده اليأس)([9]) .

 

المفهوم الاسلامي الصحيح للانتظار

من خلال ما تقدم من بيان المعنى اللغوي والاصطلاحي يمكن لنا أن نقول: إنّ لانتظار: هو ترقّب الوعد الإلهي عاجلاً وآجلاً، وهو يختلف باختلاف حالات البشر وعلمهم وما يحملونه من رؤية كونية وإيديولوجية حول الكون والحياة بمقتضى الإيمان بالغيب، بل لم يقتصر الشعور بهذا الترقّب للتغيير وانتظار المدد على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدّ إلى غيرهم أيضاً من الإيديولوجيات والاتجاهات العقائدية الأخرى، التي ترفض الغيب والغيبيات كالمادية الجدلية، التي فسرت التأريخ على أساس التناقضات([10]), فهم يؤمنون بيوم سعيد، ويوم تسود فيه العدالة وتزول فيه العوائق، فينشأ المجتمع السعيد على كافة المستويات والمجالات، وهكذا نجد أنّ للانتظار حالات فردية أيضاً، سواء لرفع شدة أو بلاء أم جزاء على عمل دنيوي (وأخروي)، لما وعد الله سبحانه وتعالى من الجزاء على الأعمال من خير أو شر.

واحياناً يرتقي إيمان العبد فلا يرى لنفسه عملاً أمام الله تعالى، فهو فقير محتاج كل الاحتياج إلى الله تعالى في كل تصرفاته، لعلمه أنّ النقص في أعماله, فلا سبيل إلى قبول الأعمال إلاّ برحمة الله ولطفه وعنايته بالعبد، وتفضلاً منه تعالى عليه، فلا زال يعمل وينتطر من الله قبول عمله على ما عليه من النقص والضعف.

وأحياناً أخرى يصل الإيمان إلى درجة تهيء العبد إلى درجة ترقب اللقاء، ولذا كلما اشتدّ الحب ازداد التهيؤ للحبيب، بحيث يغفل المنتطر عن جميع ما سواه, ولا يشعر بما يصيبه من الآلام والشدائد الموجعة، فالمؤمن المنتظر لقدوم مولاه كلما اشتدّ انتظاره ازداد جهده واجتهاده.

وعلى العموم فإنّ الانتظار معنى عام ومطلق غير قابل للتخصيص، فهو اصطلاح أطلقه القرآن في التعبير عن حالات مختلفة يمرّ بها الإنسان أو يمرّ بها مجتمع أو أمة من الأمم.

وقد ذكرت الروايات مصاديق متعددة, منها انتظار الرحمة أو انتظار الروح أو انتظار القائم (رحمه الله) وإن كان اليوم الموعود بظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، هو أوسع مصاديق الانتظار وأتمّها، حيث يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ففيه يعم السلام والعدل الإلهي على كافة المستويات, فتجتمع فيه كل المصاديق التي ذكرتها الروايات من الفرج والرحمة، فإنّه وعد إلهي كبير وعد به البشرية جمعاء.

الانتظار قضية تدعو إليها الفطرة

إنّ انتظار الفرج حاجة طبيعية من حوائج الإنسان, وقضية فطرية تمتدّ إلى أعماق الإنسان، لا سيما أنّ له جذوراً في فكر الإنسان ومعتقده الديني، فلم تنفك عنه اذهان المتدينين والمؤمنين بالأديان السمأوية, ولا عن عقائدهم, ومنه المثل المعروف ( إنّ الفرج بعد الشدة) وإن كان للانتظار في أذهان المنتظرين وعقائدهم معان متفأوتة ومختلفة تختلف باختلاف رؤية كل واحد منهم.

وإذا ما رجعنا إلى الأمم السالفة نجد أنّ لمسألة الانتظار معنى أوسع وأشمل في أذهانهم على مرّ القرون العصور، فإنّ له حقيقة تنبض لها قلوبهم لا تخمد فيها حرارة الإيمان رغم طول الانتظار، فإنّه الباعث عندهم على التوهج ومواصلة المسيرة، فلولا الانتظار لخمدت حرارة الإيمان، ولأصابهم اليأس والقنوط.

فالأمل والانتظار لبراهين الله وآياته وبيّناته هما اللذان جعلا الهمة والعزم وحرارة الإيمان في نفوس الأمم, حتى كافح المؤمنون منهم فراعنة الزمان، فهما (الأمل والإنتظار) جعلا مشعل الإيمان وقّاداً لايخمد باليأس, ولا تطاله رياح القنوط العاتية.

وهكذا جرى الحال في الأمم, فلم ييأس المؤمنون بعد نبي الله نوح عليه السلام من التمسك بشريعته ومبادئ دينه، فلولا بصيص نور يضيء لهم الدرب, ويوصيهم على الصبر والاستقامة، فالأمل في تحقق البشائر وانتظار النبي تلو النبي لا سيما الانتظار لإبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام, هو الوقود الذي يشعل فتيل الإيمان في نفوس المؤمنين, ويحفظ حرارته في صدورهم.

وهكذا جرى الحال في الأمم السابقة, فبعد موسى وعيسى عليهما أفضل الصلاة والسلام كان أهل الكتاب وأحبارهم وقسأوستهم مزملين برداء الصبر والانتظار، فهم ينتظرون ظهور النبي الخاتم والمسمى عندهم في التوراة والإنجيل بأحمد والمبشر به من جهة أنبيائهم، و من أجل ذلك رحل المؤمنون وطالبوا الحقيقة من أوطانهم وهاجروا إلى أرض الجزيرة، يتخذون من مكة والمدينة المنورة يثرب وطناً لهم، وينزلون في وديانها وسهولها وجبالها ينتظرون, بل يجادلون الكفار والمشركين, ويتوعدونهم بهذا النبي صلي الله عليه وآله كما عبّر القرآن عن ذلك بقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)([11]) .

 

الفصل الثاني

الانتظار في القرآن والسنة

الإيمان بالغيب والانتظار

قال السيد العلاّمة: (إنّ الغيب خلاف الشهادة, وينطبق على ما لا يقع عليه الحسن، وهو الله سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسن), ثم قال: (والقرآن يؤكّد على عدم القصر على الحسن فقط, ويحرص على اتباع سليم العقل وخالص اللب)([12]).

ثم إنّ الانتظار قد ورد التعبير عنه في القرآن في حالات متنوعة ومتعددة، سواء منها ما يرتبط بحال أفراد أم بحال أمة ومجتمع، فتبيّن كيفيّة تعامل هؤلاء الأفراد أو الأمة مع آيات الله تعالى, ولذلك يختلف المدد الإلهي باختلاف إيمانهم ومدى علاقتهم بالله تعالى وارتباطهم بالغيب.

قال الشهيد مطهري رحمه الله: (إن أنواعاً من الإمدادات الغيبيّة لها وجود في حياة الأفراد, تمنح الفرد أحياناً عزماً وأرادة وربطاً على القلب, وقد تُعدّ له الوسائل المادية أو تبرز هذه الأمدادات بشكل قوة تهدي وتسير...وتلهم الأفكار العلمية)([13]) .

إذن إيمان الإنسان وتقواه وعمله المتواصل هما اللذان يدفعانه إلى ترقّب تلك الإمدادات, مضافاً إلى شعوره بحالات من الرقي المعنوي، وما ذلك إلا نتيجة الإمداد الإلهي والإفاضة منه تعالى على عباده من العلوم والمعارف الإلهية وشدّة الإيمان وقوته، وما تأتيه من أرزاق مادية ومعنوية, ولا يعلم الإنسان كم أعدّ الله تعالى له من خير ورزق عظيمين.

ولا يتصور أحد عندما نقول لابد من الإيمان بالغيب وانتظار الله تعالى في المواطن أن يبقى الإنسان مكتوف اليد لينتظر يد الغيب وفي كل الأحوال, بل أردنا أنّ ننبّه على أنّ للغيب دوراً في حياة الإنسان لابد من أن ينزله الإنسان إلى الواقع العملي, في ضمن مسيرته وسلوكه, خصوصاً ما يرتبط منها بعقيدته، وهكذا في كافة أموره، فلا يكفي للإنسان المسلم المؤمن بالله ويتخذ الإسلام ديناً والإيمان منهجاً أن يقول: أنا انتظر الفرج أو اليوم الموعود ويسكت، فإنّ ذلك قد يكون صرف ادّعاء (لا ينبغي ان يجلس الإنسان في بيته مكتوف الأيدي منتظراً يد الغيب لتنقذه, فهذا الانتظار مخالف لناموس الطبيعة والخلقة)([14]).

فالله تعالى محيط علمه بالأشياء الجارية في العالم, سواء كانت غائبة عنا بالكلية ـ وهو الغيب المطلق الذي لم يطلع عليه إلا الله تعالى،ـ أم كانت مشهودة لنا في بعض الأحيان ويمكن أن تطلّع عليها, فمن شأنها أن يقع عليها شهودنا ويتعلق بها علمنا, فعندما نعلم بها تصير من عالم الشهادة, وعندما نجهلها تصير غيباً، وهو المعبرّ عنه بالغيب النسبي. ومن هنا على الإنسان ترقّب المدد الغيبي, والاستعداد لاستنزاله قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)([15]).

ومن جملة ما أخفي على الإنسان هو الخير والشر من حيث هو خير وشر, فيبقى الإنسان بين الخوف والرجاء، وهذه الحالة هي امتحان واختيار للإنسان، فلا يملك الإنسان لنفسه نفعاً ولا ضراً (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)([16]).

وقال تعالى: (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)([17]) فإنّ إيمانهم الذي يحملونه فيه ريب وشك, فلا تأثير للنذر والآيات فيهم؛ ولذا أمر النبي  عليهما السلام  أن يبلغهم بأيّام العذاب التي مرّت على السابقين عليهم من الأمم, فوعدهم النبي بأنّ العذاب يلاحقهم ولا ينفعهم إيمانهم؛ فهم ينتظرون آية العذاب نتيجة كفرهم, وانتظار النبي صلي الله عليه وآله هو الفوز والنجاة له وللمؤمنين من العذاب، وهذه نتيجة حتمية لا لتبشير النبي صلي الله عليه وآله ذلك ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ)([18]). وهنا ذكر السيد العلامة:( وهو (أي الخطاب) يتضمن انتظار النبي صلي الله عليه وآله  للقضاء بينه وبينهم، وإما تنجيته وتنجية المؤمنين به, فإنّ المنتظر لها هو النبي صلي الله عليه وآله  والمؤمنون لا هو وحده، ولا يتعلق هذا الانتظار بفصل القضاء, بل بالنجاة من النار)([19]) ْ

وفي قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ)([20]) وقوله: (انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)([21]) فالرسول صلي الله عليه وآله  أمرهم بالعمل بما تهوى أأأأنفسهم والانتظار اذا لم يؤمنوا وينقطعوا عن الشرك والفساد بما ألقى إليهم من الحجج, وما أخبرهم به من أنباء الأمم ومن سنته الجارية, وأخبرهم بأنّه ومن آمن معه عاملون ومنتظرون وسوف يعرفون صدق النبأ الإلهي وكذبه([22]).

وقال تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)([23]) قال السيد الطباطبائي: (والمعنى فاعمل وانتظر أنت ومن تبعك, ففي السموات والأرض الذي يتضمن عاقبة أمرك وأمرهم إنما يملكه ربك الذي هو الله سبحانه, دون آلهتهم التي يشركون بها, ودون الأسباب التي يتوكلون عليها حتى يديروا الدائرة لأنفسهم ويحملوا العاقبة إلى ماينفعهم، وإلى ربك الذي هو الله يرجع الأمركله فيظهر من غيبه عاقبة الأمر على ما شاءه وأخبر به، فالدائرة لك عليهم)([24]) .

ومن هناه يظهر لنا أن عواقب الأمور من خير وشر وجزاء على عمل إنّما هو عند الله تعالى, فإليه يرجع الأمر؛ ولذا فإنّ المؤمن حقيقة الإيمان عليه أن يعمل ويختم عمله بالانتظار, بل يقرن عمله بالانتظار, عسى الله تعالى يرفعه بهذا العلم ويقربه إليه وينال رضوان الله ( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ )([25]).

إذن فالإنسان لم يترك سدى, فاللطف الإلهي والعناية الربانية تشمله في شروط معينة وتنتشله من الضلال والضياع والحيرة، وتنجيه في لحظات العجز والخوف والضعف.

الإيمان بالغيب واليوم الموعود

إنّ اللطف الإلهي والعناية الربانية لم تقتصر على الأفراد، وفي الحالات المعينة التي تمر على الإنسان مع ربه، بل يشمل ذلك لأُمة والمجتمع أيضاً، ومن هنا عبّر القرآن الكريم عن أهل الكتاب بقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)([26]) .

(والشهادة هو الحضور والعلم عن حس دلالة على أنَّ المراد بكفرهم بآيات الله انكارهم كون النبيr هو النبي الموعود, الذي بشّرت به التوراة والانجيل, مع مشاهدتهم انطباق الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه)([27]).

عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجل: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)([28]) فقال: (المتقون: شيعة عليّ عليه السلام والغيب: هو الحجة الغائب, وشاهد ذلك قول الله عزّوجل: (وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِين)([29]) .

وعن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) قال: (من آمن بقيام القائم أنه حق)([30])إذن؛ الإيمان باليوم الموعود والإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو إيمان بالغيب، وهو اليوم الذين وعد الله تعالى أن تطبّق فيه الأطروحة الالهية الكاملة والشاملة للبشرية جمعاء, وهو من أعظم مراتب الإيمان بالغيب, وخصوصاً في هذا الزمان, فإنّه يفوق عصر النبوة ويفوق عصر الظهور أيضاً في عظم الثواب، حتى وصف أهل هذا الزمان، بأنهم أفضل من أهل كل زمان, وكما أشارت الروايات إلى صعوبة هذا الزمان، وانّ القابض على دينه كالقابض على الجمرة، وصعوبة هذا الزمان تأتي من جهات متعددة سنذكرها فيما بعد, سواء منها ما يرجع إلى نفس غيبة الامام عليه السلام, الذي في غيبة خسارة عظمى للمؤمنين, أم ما يرجع إلى شدّة الفتن والاضطرابات الحاصلة في الأمة, فهو من أصعب الفترات من حيث التمحيص والابتلاءات وعمق الامتحانات, مما يجعل الفوز فيه يحتاج إلى معاناة ومشقة ولزوم الصراط المستقيم.

فعن الرسول صلي الله عليه وآله  قال: (فإنّ من ورائكم أيام الصبر فيهنّ على مثل قبض على الجمر, للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلاً يعملون بعمله)([31]). .

وفي رواية أخرى (إنّ أهل زمان غيبة القائلين بإمامته المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان؛ لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة العيان، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف أولئك المخلصون حقاً والدعاة إلى دين الله سراً وجهر)([32]) .

 

الانتظار في الروايات

ذكرنا سابقاً أنّ الانتظار معنى عام له مصاديق متعددة, والتي من خلال التفاعل معها يرتقي إيمان الإنسان ويتفاعل مع جميع هذه الأبعاد تمهيداً ليوم الوعد الإلهي الكبير, وتحقق العدل الإلهي على يد المصلح الكبير، والآن نبيّن هذه الحقيقة من خلال عرض جملة من الروايات نجعلها على طوائف.

1 ـ إنّ انتظار الفرج أفضل العبادة أو أفضل الأعمال:

قال الرسول الله صلي الله عليه وآله : (سلوا الله من فضله، فإنّ الله عزّ وجل يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج)([33]) .

وقال أيضاً: (افضل العبادة توقع الفرج)([34]) .

وعن النبي صلي الله عليه وآله : (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج)([35]) .

وعن النبي صلي الله عليه وآله : (أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عزّ وجل )([36]) .

وعنه  صلي الله عليه وآله : (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل)([37]) .

وعنه عليه السلام: (انتظار الفرج من أفضل العمل)([38]).

وهكذا تجد أنّ الروايات أكّدت على أنّه أفضل الأعمال, وقد ورد عن الرسول صلي الله عليه وآله : (أفضل الأعمال أحمزها)([39]) يعنى أكثرها مشقة, وما أصعب الانتظار وما أشقّهُ على المنتظِر، ولا يكون الانتظار والترقب صعب على النفوس التي دخلت ميدان المجاهدة واستعدت للقاء، فلا بد أن يكون الإنسان في كل أفعاله وأحواله وأعماله هو منتظر ومتهيء، وفي الدعاء هو ينتظر في طلب الرزق أو في طلب الغفران, وكما في دعاء الإمام الرضا عليه السلام: (... وقد ألجم الحَذار واشتدَّ الاضطرار وعجز عن الاصطبار أهل الانتظار...)([40]) .

2 ـ إنّ انتظار الفرج من الفرج, بل من أعظم الفرج:

عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (انتظار الفرج من أعظم الفرج)([41]) .

وعن الحسن بن الجهم قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء من الفرج، فقال: أولست تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج؟ قلت: لا أدري إلاّ أن تُعلمني، نعم انتظار الفرج من الفرج)[42] .

3 ـ إنّ انتظار الفرج يعني انتظار الروح أو انتظار الأمر.

عن الإمام علي عليه السلام: (.. انتظروا الفرج ولاتيأسوا من رَوح الله، فإنّ أحب الأعمال إلى الله عزّ وجل مادام عليه العبد المؤمن، والمنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله)([43]).

وعنه أيضاً: (انتظروا الفرج ولا تأيسوا من روح الله، فإن احب الأعمال إلى الله عزّ وجل انتظار الفرج)([44]) .

وعن أبي عبدالله عليه السلامقال: (خرج أمير المؤمنين بالناس يريد صفين حتى عَبَر الفرات, فكان قريباً من الجبل بصفين إذ حضرت صلاة المغرب، فأمعن بعيداً ثم توضأ، وأذّن فلما فرغ من الآذان، انفلق الجبل عن هامة بيضاء، بلحية بيضاء، ووجه أبيض، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته, مرحباً بوصيّ خاتم النبيين، وقائد الغرّ المُحجلين، والأغر المأثور، والفاضل والفائق بثواب الصديقين، وسيد الوصيين، قال له: وعليك السلام يا أخي شمعون بن حموت وصيّ عيسى بن مريم، وروح القدس، كيف حالك؟ قال: بخير، يَرحمك الله، وأنا منتظر روح الله ينزل، فلا أعلم أحداً أعظم في الله بلاءاً ولا أحسن غداً ثواباً ولا أرفع مكاناً منك)([45]) .

4 ـ الانتظار من دين الأئمة:

فعن الإمام الصادق عليه السلام: (من دين الأئمة الورع والعفة والصلاح... وانتظار الفرج بالصبر)([46]) .

 

الفصل الثالث

الآثار والفوائد العملية للانتظار

 

الصبر وعدم اليأس:

عُرِّف الصبر بأنه الهيمنة على الذات وفق الضوابط الشرعية والعقلية.

فمن لوازم الانتظار ومن دعائمه الصبر، فلا انتظار إلاّ بالصبر, ولا يصبر الإنسان إلاّ أن ينتظر عاقبة أمر ويترقبه.

وفي عيون الحكم والمواعظ قال رسول الله  صلي الله عليه وآله : (من انتظر العاقبة صبر) أو (من انتظر العواقب صبر)([47]) إذن فكل عمل يعمله الإنسان إنّما ينتظر عاقبة ذلك العمل, سواء خيراً أم شراً، بل قد ييأس الإنسان من عمله (وهو اليأس الإيجابي كما سيتضح من الرواية الآتية عن الإمام الرضا عليه السلام) وينتظر ما يقدره الله له، وهذا معنى أخلاقي راقي للانتظار يذكره العرفاء.

وعنه صلي الله عليه وآله  قال: (انتظار الفرج بالصبر عبادة)([48]) .

وقال الامام الرضاu: (ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، ما سمعت قول الله عزّ وجل: (وارتقبوا إني معكم رقيب) وقوله:(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) فعليكم بالصبر فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس، وقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم)([49])، والذي تشير إليه الرواية من معنى لليأس غير المعنى الذي سيأتي, وهو بمعنى القنوط, أما هنا فييأس المنتظر من كل عمل يؤديه, وأن يلحّ بالدعاء والمسألة, وينتظر ويصبر, حيث لا عمل ولا إجابة إلاّ برحمة الله الخاصّة, وهذا معنى دقيق كما قلنا فلا تغفل عنه. وقد أُشير لهذا المعنى في قنوت الإمام الرضا عليه السلام ((.. وقد ألجم الحذار واشتدّ الاضطرار وعجَزَ عن الاصطبار أهل الانتظار ..))

بل بالصبر ينال الإنسان الدرجات العظيمة والمقامات الرفيعة (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)([50])، بل عُد الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

وعن أمير المؤمنينu قال: (أفضل العبادة بالصبر والصمت وانتظار الفرج)([51]) .

بالصبر والثبات على المعاناة والامتحان الإلهي؛ لأنّ الإمام المهدي بوجوده الشريف يُمثل القدوة الرائعة العظيمة في الصبر والثبات، حيث شاهد كل هذه الآلام والمحن ويتعرض لها في حياته ويتفاعل معها بطبيعة الحال, ومع ذلك فهو صابر ممتحن في ذات الله، ومن أجل الأهداف العظيمة ينتظر الفرصة للقيام بدوره العظيم, هذا من جهة ومن جهة, أخرى فإنّ جانب من تفسير طول الغيبة بعد وجوده الشريف هو أن تكامل المسيرة من خلال التجارب والمعاناة, حيث تكمل النفوس, وتستعد وتتهيء, بحيث تصبح الأمة مهيئة لحمل هذا الدور وقيام حكومة العدل, وكل ذلك يعطي زخماً معنوياً عظيماً في الصبر والثبات والاستقامة والاستفادة منها في مسيرة التكامل الإنساني.

فيصبح الإنسان بمجمل أعماله ونشاطاته مساهم في وأداء للدور التاريخي في التمهيد, لقيام حكومة العدل الإلهي المطلقة التي يحققها الإمام المهدي.

 

الصبر وصعوبة الانتظار:

لو أردنا أن نمثل لصعوبة الانتظار بمثال عرفي فنقول فيما لو كانت أم تنتظر رجوع ولدها من المعسكر, خصوصاً فيما لو كان البلد في حالة حرب, وفيما لو كان في الخطوط الأمامية، فإنّ الأم في هذه الحالة تعيش حالة الانتظار حقيقة وتترقب قدوم ولدها والفرج عنه ونجاته, إذن انظر إلى الأُم التي يسأورها هذا الأمر, وكم تحتاج إلى الصبر في سبيل التخفيف من صعوبة الانتظار.

الانتظار والدعاء

قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ )([52]) .

وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )([53]) .

(والدعاء والدعوة توجيه نظر المدعو نحو الداعي، والسؤال جلب فائدة أو درَّ من المسؤول يرفع به حاجة السائل بعد توجيه نظره)([54]) .

فعلى الإنسان أن يدعو الله سبحانه بلسان الفطرة صدقاً في الدعاء والطلب, وتوجيه قلبه إلى الله تعالى بالأسباب، فإنّ الدعاء سبب في الإجابة، فما من دعاء إلا وقد استجابه تعالى شأنه؛ لأنّ الله تعالى قال: ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) فلا بد من توجيه النظر إليه تعالى بالصبر والبصيرة وعدم القنوط واليأس(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)([55]) . فعلى الإنسان التعرض لرحمة الله والإلحاح بالدعاء (فإن من أكثر الطَرق أوشك أن يفتح له).

وعن الصادق عليه السلام: (... ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء، فإنه ليس من باب يكثر قرعه إلا أوشك أن يُفتح لصاحبه)([56]) .

وفي عدّة الداعي في رواية محمد بن عجلان, عن محمد بن عبيد الله بن علي بن الحسين, عن ابن عمه الصادق, عن آبائه, عن النبي  صلي الله عليه وآله قال: (أوحى الله إلى بعض أنبيائه فى بعض وحيه: وعزّتي وجلالي لأقطعن أمل كل آمل غيري بالأياس, لأكسونّه ثوب المذلة في الناس, ولأبعدنّه من فَرَجي وفضلي، أيأمل مفاتيح الأبواب وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني؟ ([57]) . )

وكما ورد عن الرسول صلي الله عليه وآله  قال: (سلوا الله من فضله، فإنّ الله عزّ وجل يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج)([58]) إذن فينظر العبد أن يفرج عنه ويقضي حاجته ويرفع عنه كلّ شدّة وبلاء.

وعنه صلي الله عليه وآله : (من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)([59]) .

وفي قنوت الإمام الرضا عليه السلام: (... وقد ألجم الحذار واشتدّ الاضطرار وعَجَز عن الاصطبار أهل الانتظار...)([60]) .

 

الانتظار والصلاة

إن الدخول إلى العبادات من صلاة أو صوم وما فرض الله على الإنسان من واجبات ومستحبات بلا فلسفة الانتظار، هو الذي لا يجعل لتك العبادة روح وتفقد العبادة وزنها, بل تفقد واقعيّتها وما فيها من رصيد روحي ومعنوي للإنسان، يمكن أن ترفع ذلك الإنسان إلى درجات عالية من القرب إلى الله تعالى, فبفلسفة الانتظار سوف تفتح للإنسان أبواب عظيمة في مقام القرب، بل من خلال ما تقدم من الروايات يمكن لنا أن نقول: إنّ الانتظار حاكم على جميع العبادات, وداخل فيها؛ لأنّ العبادة الحقيقية هي التي فيها روح, وهذه الروح هي الباعثة للإنسان للاتصال والارتباط الحقيقي مع المعبود الحقيقي، فلذا يترقب الإنسان حينها اللقاء والارتباط بالمحبوب والمعشوق، وهذا كان دأب الأئمة  عليهم السلام  بل دأب السلف الصالح من علمائنا الربّانيين في الحث على الجلوس وانتظار الصلاة والتفكّر والتدبّر، فما جعلت لصلاة الساهي أو الكسول قيمة, فإنّ لكل شيء باطن وباطن الصلاة هي روح الصلاة.

(وحيث كان الهدف السامي من العبادة هو لقاء الله، كتب مولانا محمد بن عليّ الرضاu إلى محمد بن الفرج في الانصراف من صلاة مكتوبة: ... أسألك الرضا بالقضاء، وبردّ العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك من غير ضراء مضرّةٍ ولا فتنة مُضلّة...)([61]) .

والشعور بضيق الانتظار وشدّة اللقاء هو الذي جعل الرسول صلي الله عليه وآله  يطلب من بلال أن يعجّل باللآذان بقوله: أرحنا يا بلال؟! حيث (كان النبي صلي الله عليه وآله ينتظر وقت الصلاة ويشتد شوقه ويترقب دخوله ويقول لبلال مؤذنه (ارحنا يا بلال)([62]) .

قال الرسول صلي الله عليه وآله : (يا أبا ذر, إنّ الله يُعطيك مادمت جالساً في المسجد بكل نفس تتنفس فيه درجة في الجنة، وتُصلي عليك الملائكة ويكتب لك بكل نَفَس تنفست فيه عشر حسنات, ويمحي عنك عشر سيئات، يا أبا ذر اتعلم في أي شيء نزلت هذه الآية: ( اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)[63]؟ قلت: لا, قال: في انتظار الصلاة خلف الصلاة)([64]) .

وروي عنه صلي الله عليه وآله  أيضاً أنّه سئل عن أفضل الأعمال فقال: (اسباغ الوضوء في السُبرات([65]) ونقل الاقدام إلى الجماعات, وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط)([66]) .

وعنه صلي الله عليه وآله (الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة)([67]) فيمكن لنا أن نستوحي من ذلك أنّه إذا كان الحاكم على العبادة الانتظار فإنّها تسدّ أبواب الشيطان, وتمنع تعلّق النفس بالمادة والماديات, فيصبح بمقدور الإنسان أن يرتقي بعبادته, فيكون لها تجسيد واقعي وعملي به تتحقق حقيقة المراقبة, فلا يبقى مجال للشيطان ولا للهوى والشهوات التصرف في هذا الإنسان, بل يصبح وجود الإنسان وجود إلهي يتحرك وفق إرادة الله في جميع إحواله وشؤونه وهو الجهاد الأكبر؛ لأنّ فيه قهر للعدوين النفس(الأمارة) والشيطان, فما أشرفها من عبادة, وما أروعه من جهاد؛ ولذا عُدّ المنتظر للفرج كالشاهر سيفه أو كالمتشحط بدمه في سبيل الله, فعن النبي عليهما السلام (.. انتظروا الفرج ولا تيأسوا من رَوح الله، فإن احب الاعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج مادام عليه العبد المؤمن، والمنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله)([68]).

بل عبّرت الروايات أنّ المنتظر للصلاة ضيف الله: (إنّ الرجل إذا دخل المسجد فصلى وعقّب انتظاراً للصلاة الأخرى فهو ضيف الله، وحق على الله أن يكرم ضيفه, وأنّه مادام ينتظر في عبادة مالم يغتب)([69]) .

وعن علي عليه السلام قال: (الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة عبادة)([70]) .

 

الأثر التكاملي وبناء النفس

إنّ في الانتظار أثراً تكاميلاً عظيماً, حيث به يقترب الإنسان من تعاليم السماء من الرضا بالقضاء وما قدّر الله تعالى للبشر والاعتماد عليه سبحانه بتدبير الأمور.

فإنّ السعي والمجاهدة والإخلاص وصفاء النية يعطي طاقة روحية للإنسان عظيمة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)([71]) فإنّ الهداية الإلهية على نوعين من الرحمة، رحمة رحمانيّة: وهي الرحمة العامة لكل الموجودات, فبها ديمومة وبقاء الموجودات (كلاً نمّد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وماكان عطاء ربك محظور)([72]), وبعبارة علمية أدق أن الله خلق كل الموجودات بهذه الرحمة بما فيها إبليس (لعنه الله) والنار وجميع الشرور في العالم التي هي خيرات بأنفسها وذاتها، كيف وهو الحكيم الذي رتّب العالم بحكمته أن يخلق الشر المحض, بل خلقها لغلبة الخير فيها، فمن التزاحم والصراعات القائمة في هذا العالم يرتقي الإنسان ويتكامل، وهذا كلام عقائدي دقيق يحتاج إلى بسط أكثر ليس هنا محله؟

ورحمة رحيميّة: فهي رحمة خاصة ولطف من الله وعناية محضة, ينالها الإنسان على أثر أداء وظيفة منوطة إليه أو استعداد خاص به (إن تنصروا الله ينصركم)([73]).

فهذا هو الذي يجعل الإنسان على علاقة مباشرة مع الله تعالى, فيحسّ الإنسان هنا بالخشية منه تعالى, وأنّه في حضور دائم, ويتقلب ويقرأ آيات الله تعالى, فيتعامل مع الموجودات على أنّها آيات إلهية, فيبقى يتذوق هذه الرحمة عبر روافد وقنوات عديدة، منها التعرّض للأيام والليالي والساعات التي بيّنت الشريعة خصوصيتها، وكما ورد في الحديث المعروف: (ألا أنّ لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ولا تُعرضوا عنه), وهنا قد تكفّلت روايات أهل البيت عليهم السلام ذلك بشكل مكثّف، ما يكفي للإنسان في التزّود منه، وقبل ذلك على الإنسان أن يشتغل بتهذيب النفس وتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل, فإنّ ذلك باعث لشدّة الانتظار والترّقب واللطف والعناية الربانيّة، بل أرضية لأن ينال الإنسان درجة عظيمة في الرقي, بل وأرضية للخلاص من الشك والارتياب واليأس, بل يؤهله؛ لأنّه يكون بدرجة المنتظرين للقائم عجل الله تعالى فرجه الشريف (من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر)([74])

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس المحتويات التفصيلية

 

الفصل الأول .......................................................................... 2

حقيقة الانتظار......................................................................... 2

المعنى اللغوي والاصطلاحي................................................... 3

المفهوم الصحيح للانتظار ....................................................... 3

الانتظار قضية تدعو إليها الفطرة............................................... 4

النتائج .................................................................................

الفصل الثاني ........................................................................ 5

الانتظار في القرآن والسنة ...................................................... 5

الإيمان بالغيب والانتظار ........................................................  5

الإيمان بالغيب واليوم الموعود.................................................. 7

الانتظار في الروايات .............................................................. 9

النتائج .................................................................................

الفصل الثالث ...................................................................... 10

الآثار والفوائد العملية للانتظار ................................................ 10

الصبر وعدم اليأس ............................................................... 12

الانتظار والدعاء ................................................................... 12

الانتظار والصلاة ................................................................... 13

الأثر التكاملي وبناء النفس ..................................................... 15

النتائج .................................................................................

 


 


([1]) يعُنى بفلسفة الشيء هو إعطاء مباحث نظرية تحليلية حول ظاهرة ما، سواء علماً، كما يُقال في فلسفة الفقه أو فلسفه الأخلاق, أم كان مفهوماً ما من المفاهيم, أم ظاهرة من الظواهر، ومن هنا نحن نطرق هذا البحث بعنوان فلسفة الانتظار بتحليل هذا المفهوم وبلورة حقيقته من الجانب الأخلاقي.

([2]) البقرة: 170

([3]) يونس: 101.

([4]) مفردات ألفاظ القرآن: ص518.

([5]) الميزان في تفسير القرآن: ج19 ص 162.

([6]) الحديد: 13.

([7]) لسان العرب، ابن منظور: ج14 ص 194.

([8]) الفروق اللغوية: ص88 ـ 89.

([9]) مكيال المكارم: ج2 ص152.

([10]) محمد باقر الصدر،  بحث حول المهدي عليه السلام: ص69 .

([11]) البقرة: 895.

([12]) العلامة محمد حسين الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: ج 1 / 49.

([13]) الشهيد مرتضى المطهري, الإمداد الغيبي في حياة البشرية: 35.

([14]) المصدر السابق.

([15]) الحجر: 21.

([16]) الأعراف: 188.

([17]) يونس: 102.

([18]) يونس: 103.

([19]) العلامة محمد حسين الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: ج 1ص122.

([20]) هود: 121.

([21]) هود: 122.

([22] ) المصدر السابق.

([23]) هود: 123.

([24]) الميزان في تفسير القرآن: ج11 ص74.

([25]) التوبة: 72.

([26]) آل عمران: 70.

([27]) الميزان في تفسير القرآن: ج3 ص294.

([28]) البقرة: 2 ـ 3.

([29]) يونس: 20.

([30]) العلامة محمد حسين الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: ج 1ص50.

([31])محمد صادق الصدر, تاريخ الغيبة الكبرى: ص370.

([32]) محمد صادق الصدر,تاريخ الغيبة الكبرى: 377.

([33]) الطبراني, المعجم الكبير, ج10 ص101.

([34]) ابن عدي، الكامل: ص637.

([35]) ابن بابويه القمي، الإمامة والتبصرة: ص21 .

([36]) محمدي الريشهري,ميزان الحكمة: ج 2 ص182.

([37])الشيخ الصدوق, كمال الدين وتمام النعمة: ص644 .

([38]) مكيال المكارم ج2 ص128 .

([39]) عبد الله الجوادي الآملي,  أسرار الصلاة: ص50 .

([40]) مكيال المكارم: ج2 ص292.

([41]) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: ص370 .

([42]) الشيخ الطوسي، الغيبة: ص459.

([43]) الخصال :ج2ص610 وص 625 .

([44]) ميزان الحكمة ج1 / 182 ح239.

([45]) مكيال المكارم ج2 / 141.

([46]) ميزان الحكمة: ج1, ص182.

([47]) مكيال المكارم: ج2 ص 292.

([48]) ميزان الحكمة: ج1ص187.

([49]) مكيال المكارم: ج2ص262.

   ([50]) السجدة :24.

   ([51]) الخصال: ج2 ص625.

([52]) غافر: 60.

([53]) البقرة: 186.

([54]) الميزان في تفسير القرآن: ج2 ص 32.

([55]) الزمر: 53.

([56]) الميزان في تفسير القرآن: ج2 ص 43.

([57]) المصدر نفسه: ج2 ص42.

([58]) ابن عدي، الكامل: ج2 ص637 . والطبراني، الكبير : ج10 ص124- 125 .

([59]) ميزان الحكمة: ج1 ص28.

([60]) مكيال المكارم: ج2 ص 292.

([61])الشيخ جواد الآملي, أسرار الصلاة: 139.

([62])العلامة الطباطبائي, سنن النبي صلي الله عليه وآله : 304.

[63] آل عمران:200.

([64]) الوسائل: ج4 / 117 ـ 118 الحر العاملي.

([65]) السبرات: جمع سبرة الغداة الباردة.

([66]) الوسائل ج4 ص117 ـ 118.

([67]) المصدر السابق.

([68]) الخصال،ج2 ص610.

([69]) الوسائل: ج4 ص116.

([70]) مستدرك الوسائل: ج3 ص99.

([71]) العنكبوت: 69.

([72]) الإسراء: 20.

([73]) سورة محمد:7.

([74]) الغيبة, للنعماني: ص2000.