صلح الإمام الحسن بين الواقع والأوهام

عادة ما تكون الأحكام التي نطلقها, اعتماداً على مخيلاتنا, خاطئة وبعيدة عن الواقع؛ وذلك لأّنها لم تنبع عن دراسة ميدانية للظروف والأحوال المحيطة بالشيء المراد الحكم عليه، فليس من يسمع كمن يرى, وليس من يرى كمن يشعر بالشيء ويتحسس وجوده.

فلو جئنا بمفردة من التأريخ الإسلامي, كثرت حولها التأويلات, وتعامل معها البعض سلباً؛ لأنّها لم توافق نفسيته وانطباعه أو رؤاه الخاصة.

هذه المفردة هي صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام , التي أخذ يُشنع بها الجاهلون والغافلون أو المتغافلون عن حقيقته الإمام  عليه السلام  ومقامه, على الإمام  عليه السلام ، ظناً أنّ ذلك سيحقق لهم شيئاً من أهدافهم ومآربهم، جاعلين هذا الأمر واحداً من الخدشات في شخصية الإمام  عليه السلام , تحطيم الصرح العظيم الذي يمتلكه أصحاب المذهب الحق المتمثل بالإئمة عليهم السلام سيرة وقولاً، والمحاولات ما تزال مستمرة, لكن الله تعالى يقف لها بالمرصاد؛ لأنّه قال في كتابه المجيد: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)([1]).

وحرصاً منا على توضيح الموقف وإستجلائه سنعمل على تسليط الضوء على الظروف والأحوال التي أحاطت بالإمام عليه السلام , ودفعته إلى الصلح, ولكن نرى أن نبدأ قبلها بمقدمة توضح فيها مشروعية الصلح في الإسلام.  

 

مشروعية الصلح في الإسلام

يقف الصلح كموقف عملي إلى جانب الحرب والجهاد بغية تحقيق الأهداف التي يرومها صاحب الموقف هنا هو الإسلام, فكما شُرّع في الإسلام الجهاد, وكان واحداً من فروعه العشر المهمة، كان للصلح نصيب من ذلك بعض الشيء, فمتى ما صار نيل الهدف مرهوناً بالصلح فيتوجب حينها العمل به, ومتى ما صار في الحرب والجهاد ابتعادٌ عن الأهداف يكون الصلح هو الأرجح, وهذا ما تحكيه لنا قصة التأريخ الإسلامي, فكان فيها من المواقف ما يدلّ بصراحة على مشروعية الصلح، وإلاّ فما الباعث على إبرام النبيّ صلي الله عليه و آله الصلح مع المشركين, وهم ألدّ أعدائه, بل هم الذين طردوه من بلده، ألم يكن من الأولى أن يقاتلهم ليقتصّ منهم لدماء المسلمين, وفي مقدمتهم عمّه حمزة سيد الشهداء,؟لماذا مال إلى الصلح مع أنّه كان قوياً، ورغب بالمهادنة وهم ضعفاء أمامه, وتحمل أن يرفع لقب الرسالة من أمام اسمه؟ فهو لم يقدم على ذلك إلاّ لهدف أسمى, وغاية أعلى, وقراءة للمستقبل بشكل أدق.

ففِعلُ الرسول هذا كاشف عن مشروعية الصلح حينما تقتضيه الظروف, وجوازه عندنا يكون لابدُّ منه، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى.

فلم يبقَ مجال لطرح الإشكال أو الشبهة حول مشروعية موقف الصلح, إلاّ أنّه سيبقى بحاجة إلى بيان سبب الصلح وبذوره, وهل كان هذا من أول الأمر بعد تسلم الإمام المجتبى  عليه السلام لافة أم أنّه كان نتيجة تراكمات صعبة عاشتها الأمة الإسلامية يومها؟إليك بسط الحديث وتفصيله.

 

حال الأمة والإمام  عليه السلام :

في البدء لم يكن الإمام عليه السلام يفكر بالصلح، ويكشف عن ذلك بعض الرسائل التي أرسلها إلى معاوية, حيث كان موقف الإمام موقفاً حازماً معه، فمعاوية وبعد علمه بوفاة أمير المؤمنين  عليه السلام وبيعة الناس للإمام الحسن عليه السلام  دسّ رجلاً من حمير إلى الكوفة, وآخر من بني القين إلى البصرة, ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا الأمور على الإمام عليه السلام ,لمّا عرف الإمام بذلك أمر بإخراج الحميري من عند لحّام بالكوفة، فأخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة ليستخرجوا القيني من بني سليم فأخرج وضربت عنقه, بعدها كتب الإمام عليه السلام  إلى معاوية كتاباً جاء فيه: (أما بعد فإنّك دسست إليّ الرجال كأنك تحب اللقاء، لا أشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله، وبلغني عنك أنك شمتّ بما لم يشمت به ذووا الحجى...) ([2])، فالرسالة واضحة في الإنذار بالحرب, وقاطعة لآمال معاوية في الإستيلاء على الكوفة.

وهكذا استمرت الرسائل بين معاوية والإمام الحسن  عليه السلام , حتى بلغت خمس رسائل, يلمح معاوية في بعضها بالصلح، والإمام عليه السلام  على الرّغم من ذلك كان مصراً على مواصلة المسير والمنهج الذي خطه أمير المؤمنين  عليه السلام , المنهج الذي يقتضيه التكليف الإلهي لإتمام الحجة على الخصوم، وأرسل الإمام  عليه السلام  إليه رسالة كانت من  أكثر رسائله شمولية، وتتضمن موارداً مهمة:

(من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان...

أما بعد فإنّ الله جلّ جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين ومنّةً للمؤمنين وكافة الناس أجمعين (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفاه الله غير مقصّر ولا وانٍ، وبعد أن أظهر الله به الحقّ ومحق به الشرك وخصّ به قريشاً خاصة, فقال له: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) فلمّا توفيَّ تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه, فرأت العرب أن القول ما قالت قريش وأن الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد, فأنعمت لهم وسلّمت إليهم، ثمّ حاججنا قريش بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها, إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنتصاف والاحتجاج، فلما صرنا أهل بيت محمد وأولياءه إلى محاجّتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالإجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعَنَت منهم لنا، فالموعد الله, وهو الولي النصير.

ولقد كنّا تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا وسلطان نبيّنا، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله صلي الله عليه و آله  ... .

وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عزّ وجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم أو الصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحقّ به منك ليطفيء الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك سيرتُ إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)([3]).

وهذه الرسالة واضحة في موقف الإمام عليه السلام  وصموده وعدم التفكير بالصلح قط، وبدأ تحرّك معاوية وتعبئته للجيوش, وكتب لعماله بموافاته لغزو العراق, وكان يذكر لهم أنّ بعض أشراف الكوفة وقادتهم كتبوا إليه يلتمسون منه الأمان لأنفسهم وعشائرهم, ولا يبدو هذا إلاّ محض كذب, خصوصاً وإنّ المعركة وبوادرها لم تتضح حتى يخافوا على أنفسهم, ولكنه بذلك يقرب انتصاره في أعين أتباعه وممّا يزيدهم ثباتاً على باطلهم.

ولو فرضنا صحة هذا الكلام فيكون أول خذلان ارتكبه أهل الكوفة بحقّ الإمام الحسن عليه السلام , فقد جاء في مذكرة له رفعها معاوية إلى جميع عمّاله وولاته: (أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤونة عدوكم وقتلة خليفتكم، إنّ الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله, فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جائتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل وأهلك الله أهل البغي والعدوان...) ([4]).

وبالطبع عندما تصل هكذا رسالة إلى عمّاله سيكون لها دور كبير في الاستعداد للحرب, وهذا ما دفع ولاته إلى تحريض الناس وحثّهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله صلي الله عليه و آله ، فالتحقت به قوى كبيرة لا ينقصها شيء من العدة والعدد.

ولما تجمّعت عند معاوية تلك القوة من المغرر بهم والمضلّلين وأصحاب المطامع, زحف بهم نحو العراق, وكان هو على رأسهم وقد بلغ عددهم ستين ألفاً, وقيل أكثر, ومهما كان عدد جيشه فقد كان مطيعاً لمعاوية ممتثلاً لأوامره, منفذاً لرغباته, وطوى به البيداء حتى وصل جسر منبج ـ وهو بلد قديم يبعد عن حلب يومان ـ وأقام فيه.

فهذا معسكر معاوية العدد ستون ألفاً، الطاعة عمياء, اتحاد على الباطل، قائد يتوسل بالكذب والخداع لينال الملك والحكم لا الخلافة, كما يظهر في كثير من رسائله مع الإمام الحسن عليه السلام .

ويقف في المقابل جيش الإمام الحسن عليه السلام  وكان حاله وبدايات تشكيله, كالتالي:

كانت بداياته تثاقلية غير نشطة, ويظهر ذلك بعدما اجتمع أهل الكوفة على نداء حجر بن عدي بالتهيؤ للمسير, وقال الإمام الحسن g بعد الثناء والحمد:

(.. أما بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)([5]) فلستم ـ أيها الناس ـ نائلين ما تحبون إلاّ بالصبر على ما تكرهون, إنه بلغني أنّ معاوية بلغه أنا كنّا أزمعنا المسير إليه فتحرك لذلك، فأخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة..) فسكتوا, فكان لهذا الموقف المتخاذل أثر كبير على الخلّص من المؤمنين, مما دفع بعدي بن حاتم الطائي أن يقول لهم: (سبحان الله! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيّكم؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة؟ فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب؟ أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها؟)([6]) فخرج أول القوم وعسكر هناك.

وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري, ومعقل بن قيس الرياحي, وزياد بن صعصة التيمي, فأنبّوا الناس ولاموهم وحرضوهم, ثم نزل وخرج الناس, فعسكروا ونشطوا بالخروج, فخرج الإمام عليه السلام  بهم وخلّف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, وأمره بحثّ الناس ليلتئم العسكر.

تقدم الجيش ولكن هل هو على اتجاه واحد, ويطمح إلى هدف واحد؟ تتضح الصورة الحقيقية لذلك عندما نلاحظ الاتجاهات المتضادة التي يتشكل منها هذا الجيش, وهي كالتالي:

أ- الخوارج: وهم من خرجوا على طاعة الإمام علي عليه السلام , ووقفوا بوجهه, وجدوا بالانضمام إلى جيش الإمام الحسن عليه السلام  حلاًّ وسطاً في محاربة معاوية, وهؤلاء يمتازون بعدم التسليم وعدم الطاعة, وتكفي أدنى شبهة ليغيروا موقفهم، كما حدث بعد ذلك.

ب- الفئة الممالئة للحكم الأموي، وهي على قسمين.

القسم الأول: الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم ويحقق مطامعهم, فاضمروا الولاء للشام حتى تسنح لهم الفرصة.

القسم الثاني: الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في النفوس تجمعت من العهود السالفة, أو لحسابات شخصية.

ج ـ الفئة المتأرجحة، التي لا مسلك معين لها ولا جهة مستقلة, وإنّما هدفها ضمان السلامة وبعض المصالح من الجهة المنتصرة, فتترقب هذه الجهة عن كثب إلى من ستتحول الأمور.

د ـ الفئة التي تسيّرها العصيبات أو الأقليات.

هـ ـ الفئة المؤمنة المخلصة، وهي القلة الخيّرة التي يذوب صوتها في زحام الأصوات المعاكسة لها.

إذن فجيش الإمام عليه السلام  يتشكل من هذا الخليط غير المتجانس, الذي لا يربط بين فئاته هدف واحد, فهو بناء هش, سريع التحطيم والانهدام, فالإمام عليه السلام لم يكن غائباً عن واقع حال جيشه وإمكانياته المعنوية على القتال, حتى أنّه عليه السلام  خاطبهم في المدائن بكلمات وضعت النقاط على الحروف، فقال لهمg: (... وكنتم في مسيركم إلى صفين، ودينكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وأنتم بين قتيلين، قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره، وأما الباقي تخاذل، وأما الباكي فثائر) ([7]).

كما أنّ هذه الحال لم تغب عن معاوية, فبدأ يحوك الخطط لبلوغ مآربه.

هكذا كان العسكران، فكيف ستكون المواجهة ومن سينتصر؟

جوابه أوضح من أن يذكر بالألفاظ، بل وبدأت بوادر التفكك والخيانة والخذلان ونفوذ الخطط الأموية إلى معسكر الإمام, بدءاً بخيانة ابن عم الإمام, الذي كان يقود مقدم الجيش, الذي خرج للاستطلاع ومعه اثنا عشر ألفاً، بعدما وصل إلى مسكن وعسكر فيها مقابل العدو  وجهاً لوجه, حيث انطلقت دسائس معاوية تشق الطريق, لتجد الأرض الخصبة لنموها فأشاعوا: (أنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلِمَ تقتلون أنفسكم؟).

وكان ذلك باعثاً على الشك والحيرة في نفس القائد, حتى وصلت رسائل معاوية تحمل في طياتها عوامل الإغراء, فكانت تمسّ الوتر الحساس في نفس ابن عباس من حبه للتعاظم.

وجاء في رسالة منه: (إنّ الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلّم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي كنت متبوعاً وإلاّ فعلت, فأنت تابع) وجعل له فيها ألف ألف درهم.

وهكذا استجاب لداعي الخيانة, فترك معسكر الإمام ليلاً ليدخل في حمى معاوية، وينبلج الصبح عن جيش فقد قائده، فرقصت قلوب المنافقين, ودمعت عيون المخلصين، ومع ذلك لم يغير الإمام موقفه في قتال معاوية فاستنقذ الموقف قيس بن سعد بن عبادة ليلملم شتات المعنويات المنهارة وإعادة العزيمة مرّة أخرى إلى ذلك الجيش.

لم يقف أثر استسلام عبيد الله عند مسكن وحسب, بل وصل صداه إلى المدائن, حيث يعسكر الإمام عليه السلام  مع جيشه هناك, وتفاقمت الأمور وازدادت الأنباء التي تحكي عن مراسلات ومكاتبات بين القادة والجنود من جهة, ومعاوية من جهة أخرى, حتى دسّ معاوية إلى عدّة ممّن انضموا إلى معسكر الإمام, كعمرو بن حريث, والأشعث بن قيس, وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وقد أفرد إلى كل واحد منهم بعين من عيونه، أنّه إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم، وجندٌ من أجناد الشام، وبنت من بناتي).

فبلغ الإمام عليه السلام  ذلك فستألم ولبس درعاً وسترها, فكان لا يتقدم للصلاة إلاّ كذلك، حتى أنّه وكما يذكر صاحب أعيان الشيعة([8]) أنه قد رماه أحدهم في الصلاة بسهم, فلم يثبت فيه: لما عليه من اللامة.

وتتوالى الخيانات في جيش الإمام  عليه السلام لمّا أرسل قائداً من كندة بأربعة آلاف، وعندما نزل الأنبار بعث إليه معاوية بخمسمائة ألف درهم، ووعده بولاية بعض كور الشام والجزيرة، فصار إليه في مئتين من خاصته، ثم بعث رجلاً من مراد ففعل كالأول, بعد ما حلف الأيمان التي لا تقوم لها الجبال من أنّه لا يفعل, وأخبر الإمام بأنه سيفعل كصاحبه.

فكانت هذه الخيانات تلقي بظلالها على نفسية الجند والقادة في تلك المعسكرات وفي معسكر المدائن, حتى عمّت الفوضى والتمرد وأخذت ترتفع أرقام الفارين يوماً بعد آخر؛ الأمر الذي لا يمكن تفسيره منطقياً إلا بوجود توافقات وتآمرات خيانية، الأمر الذي جعل الإمام  عليه السلام  يقف بجيش قوامه خُمس قوام جيش معاوية الذي كان عدده ستين ألفاً، وهذا بحسب الموازين العسكرية يعتبر إنهياراً كبيراً.

 

الموقف الأسوء

عمد معاوية بمنافقيه وعيونه مستفيداً من ضعاف النفوس بنشر الإشاعات الكاذبة وحبكها بنحو دقيق في كلا معسكري جيش الإمام عليه السلام  (المدائن, مسكن) حتى يفصم ما تبقى في الجيش من تماسك، فصارت الإشاعات مرة تخوّن قيس بن سعد وتتحدث عن مصالحته مع معاوية, وأخرى تتجه إلى معسكر قيس لتتحدث عن صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية, وثالثة أنّ قيساً قد قتل وغيرها.

وهكذا طوقت موجة الشائعات المتدفقة جناحي جيش الإمام  عليه السلام  فكانت سبباً في زلزلة فئات كثيرة.

وفي غمرة هذه الأحداث جاء وفد من الشام مؤلف من المغيرة بن شعبة وعبد الله بن كريز وعبد الرحمن بن الحكم, وهو يحمل كتباً من أهل العراق, وما تكنّه ضمائر البعض ليطلع الإمام الحسن  عليه السلام على ذلك، وبعد ذلك عرض هذا الوفد الصلح على الإمام بشروط مناسبة, ولكن الإمام لم يشأ أن يعطيهم من نفسه ما يرضي به طموح معاوية, فأجابهم بجواب لم يشعرهم فيه بقبول الصلح، بل ظل يعظهم ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ ويذكرهم بمسؤوليتهم أمام الله ورسوله.

ولما رأى المغيرة ورفاقه أن الدور الأول قد فشل ولم ينجح, والإمام ظل صامداً أمام كل تلك المؤثرات القوية، شرعوا بتطبيق وتمثيل الدور الثاني الذي أعدّ مسبقاً, وذلك لمّا خرج الوفد من مقصورة الإمام مستعرضاً مضارب الجيش الذي كان يترقب النتائج (رفع أحدهم صوته ليسمعه الناس، إن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء, وسكّن الفتنة، وأجاب إلى الصلح...) ([9]).

وهكذا مثلوا دورهم أروع تمثيل, وتفجّرت كوامن الفتنة, ولاحت في الأفق بوادر المحنة.

فأراد الإمام أن يمتحن أصحابه ويختبر نياتهم ويرى طاعتهم, فأمر أن ينادى بالصلاة جامعة, ثم قام خطيباً فقال:

(... أما بعد فإنّي والله لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة، وأنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، وأني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم, فلا تخالفوا أمري ولا تردّوا علي رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا).

وأخذ الناس ينظرون بعضهم إلى بعض وهم يقولون: ما ترونه يريد؟ واندفع بعضهم يقول: والله, يريد أن يصالح معاوية ويسلّم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل.

ثم شدوا على فسطاطه وانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته، ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزري فنزع مطرفة عن عاتقه: فبقي الإمام عليه السلام جالساً متقلداً السيف بغير رداء، ثم بعد ذلك ركب فرسه وأحاط به طوائف من شيعته وخاصته, فمنعوا منه من أراده, ودعا ربيعة وهمدان فدفعوا الناس عنه, حتى مرّ في مظالم ساباط, بَدَرَ إليه رجل من بني أسد يقال له الجرّاح بن سنان, فأخذ بلجام بغلته وبيده معول, وقال: الله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل, ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم. والجرّاح هذا من  الذين قلنا فيهم تكفيهم أدنى شبهة لتنقلب الموازين عندهم، وأمثال هذا لو بدأت الحرب لكان من أوائل المعترضين أو الفارّين، وأمثاله كثيرون, هذا إن لم يسلّموا الإمام لمعاوية فيقتله أو يمنّ عليه.

 

الحل الأسلم

 هذه المواقف المتخاذلة والمشينة دفعت الإمام أن يفكر بطريقة أخرى في التعامل مع الموقف، فالحرب خاسرة لا محالة وسيقاتل فيها ويُقتل الخلص من شيعته والذين يمثلون يومها حملة الدين المحمدي الأصيل، حيث كانت في نظر الكثيرين ـ الذين قايسوا الإمام علي عليه السلام  سابقاً مع معاويةـ إنما هي إن لأجل الملك والحكم, ولا دخل للإسلام وحاكميته في الأهداف والنوايا عن المتقاتلين, فسعى الإمام أن يغيّر المواجهة بطريقة أخرى يكشف من خلالها معاوية وحقيقته أمام المجتمع الإسلامي, ويصبح المجتمع بنفسه يطالب بالقضاء على بني أمية ولا يبقى مغرراً به, فاختار الإمام عليه السلام  الصلح كرهاً؛ لقلة الناصر وعدم الطاعة والانصياع لأمره.

قبل الإمام عليه السلام  الصلح, ولكنه لم يعترف بمعاوية كخليفة وحاكم شرعي، وكان لذلك الصلح دور كبير في كشف زيف معاوية وحقيقة نواياه؛ وذلك لأن معاوية حاول أنّ يظهر نفسه كرجل مسالم يدعو إلى السلام والصلح عبر رسائله للإمام الحسن عليه السلام , فكان خطاب معاوية السلمي هذا أخطر حيلة كما اعتبره الباحثون، فلو رفض الصلح وأصرّ على الحرب فلا يخلو ذلك:

إمّا أن يكون هو الغالب ومعاوية المغلوب، وهذا الاحتمال لا تساعد عليه الأوضاع الراهنة يومها, ولو فرضنا ذلك واقعاً فليس مغبته إلاّ تظلّم الناس لبني أمية, وظهورهم بأقسى مظاهر المظلومية, فماذا يكون موقف الإمام حينها؟

أمّا لو كان هو المغلوب فأول كلمة ستقال: إن الحسن هو الذي ألقى بنفسه إلى التهلكة؛ لأن معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء, فأبى وبغى، وعلى الباغي تدور الدوائر, وعندها يصل معاوية إلى بغيته ومناه.

فقبول الصلح أدق من هذا وذاك, فأراد الإمام أن يظهر حال معاوية وما ستره في قرارة نفسه قبل أن يكون غالباً أو مغلوباً.

وبدون أن يزجّ الناس في حرب, ويحملهم على ما يكرهونه من إراقة الدماء, فمعاوية المسلم ظاهراً العدو للإسلام حقيقة وواقعاً كان يخدع الناس بغشاء دقيق من الدين؛ خوفاً من رغبة الناس إلى الإمام الحسن وأبيه عليهم السلام من قبل، فأخلى الإمام له الميدان حتى يُظهر ما يُبطن.

وفور إبرام الصلح صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين وقال: (إنّي ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا...)

فهدّت جميع مساعيه, وتهدمت كل مبانيه, وظهر الحق وزهق الباطل, وبصلح الإمام الحسن عليه السلام ـ الذي فضح معاوية، ومهّد الطريق لثورة الإمام الحسين عليه السلام ، وشهادته التي قضت على يزيدـ انقرضت الدولة السفيانية بأسرع وقت, وإلاّ لذهبت جهود جدّهما  صلي الله عليه و آله  ادراج الرياح, وصار الدين دين آل أبي سفيان، دين الغدر والفسق والفجور، دين إبادة الصالحين، واستبقاء الفجرة الفاسقين.



([1]) الصف: 8

([2]) مقاتل الطالبيين: 33.

([3]) مقاتل الطالبيين: 35ـ36.

([4]) مقاتل الطالبيين: 38ـ39.

([5]) الأنفال:46.

([6]) أعيان الشيعة: 568.

([7]) الملاحم والفتن: 3621.

([8]) أعيان الشيعة: 569.

([9])) تاريخ اليعقوبي: ج2 ص215.