دور الوراثة والمحيط في البناء التربوي

 

أثبتت الدراسات التربوية والإجتماعية الأثر الواضح للوراثة والمحيط الإجتماعي في تكوين شخصية الإنسان؛ حيث تنعكس على; جميع جوانب هذه الشخصيّة الجسدية والنفسية والروحية؛ فإنّ أغلب الصفات تُنقل من الوالدين والأجداد الى الأبناء، إمّا بالوراثة المباشرة أو بخلق الإستعداد والقابلية للاتصاف بهذه الصفة أو تلک، ثم يأتي دور المحيط التربوي ليقرر النتيجة النهائية للشخصيّة، وهذا ما سنتعرض لبيانه باختصار في هذه المقالة.

اولاً: دور الوراثة.

من الحقائق الثابية والتي لا لبس فيها وهي أنّ الأبناء يرثون من الآباء (الأب والأم) خصائصهم وصفاتهم الجسمية والعقلية والنفسية، وكذلك يرثون من الأجداد بعض هذه االخصائص والصفات. وقد دلّت كثير من الروايات على أنّ الإنسان يرث الخصائص من جميع آبائه وأجداده، عن الإمام الصادق عليه السلام : (إنّ الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق خلقاً جمع كل صورة بينه وبين أبيه الى آدم، ثم خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولنّ أحد هذا لايشبهني ولايشبه شيئاً من آبائي).(1)

وقد أثبت العلم الحديث هذه الحقيقة من أنّ (وراثة المولود لايحددها أبواه المباشران فقط، بل هو يرث جدوده وآباء جدوده وجدود جدوده وهكذا... وبديهي أنّ معظم وراثة الإنسان تنحدر من آبائه الاقربين، وأنّ أثر الجدود الأباعد يقل كلما زاد بعدهم، وعلى هذا نستطيع القول: بأن نصف الوراثة من الأبوين، وربعها من الجدود، وثُمنها من آباء الجدود وهكذا).(1)

والوراثة لها دور أساسي في نقل بقية الصفات، ولهذا أكد الرسول الأعظم محمد صلي الله عليه و آله  على حسن الاختيار في الزواج، فقال: (تخيروا لنطفكم، فإنّ العرق دسّاس)(2)

ومصطلح (العرق) يقابله في الاصطلاح المعاصر مصطلح الجينات. وتحذير رسول الله صلي الله عليه و آله  من العرق الدساس ناظر الى الصفات النفسيّة والروحية والخلقية التي تنتقل بالوراثة، أو يكون العامل الوراثي خالقاً للإستعداد في نفس الوليد، حتى يأخذ صفة من الصفات التي يحملها الوالدان أو الأجداد.

وإذا ما أردنا أن نحدد الخصائص والصفات المنقولة بالوراثة، نجد أنّ الوراثة تؤثر في تحديد أغلب خصائص وصفات الشخصية، حيث تخلق الإستعداد في النفس، فإذا وجدت البيئة المناسبة نمت وترعرعت بالإتجاه المناسب لها. والخصائص والصفات التي يمكن توريثها هي بأختصار: (1) الصفات الجسمية (2) الصفات العقلية، كحدة الذكاء أو االبلادة (3) الطباع والسجايا، کالإهتمام أو عدم المبالاة، وحدّة الطبع. وهناك من الباحثين من يذکر الميل في أعضاء الجسد نحو القوة أو نحو الضعف، والمزاج العصبي وغرابة الطبع، وشواذ الحالات العصبية(3).

فالخصائص والصفات المنقولة بالوراثة إذن تنقسم إلى نفسية وعقلية وخلقية، وهي إمّا أن تنتقل بصورة مباشرة أو تخلق الإستعداد للإتصاف بها، و فيما يلي بيان مختصرة عن کل واحدة منهما:

الأولى: الخصائص والصفات النفسية والعقلية:

الأمراض النفسية تنتقل بالوراثة من الوالدين، أو أحدهما إلى الأبناء، ولهذا حذّر الإمام محمد الباقر عليه السلام  من الإنجاب من المرأة المجنونة؛ خوفاً من انتقال الجنون منها إلى الطفل، ولما سئل عن ذلك قال:

(لا، ولكن إن كانت عنده أمة مجنونة فلا بأس بأن يطأها ولايطلب ولدها)(1).

وقد دلّت الدراسات الحديثة على أنّ الوراثة تؤثر في النمو العقلي، والصحة العقلية والإنفعالية، حيث تتوقف مكانة الإنسان في المجتمع على كفاءاته التي تحددها الوراثة إلى حد بعيد، بل أن المواقف والعقائد تتأثر بشكل أو بأخر بمكانة الإنسان في الحياة، وهكذا فإنّ الوراثة تؤثر ولو بصورة غير مباشرة في المواقف والعقائد والقيم(2).

وهناك من الخصائص والصفات النفسية التي تتأثر بالوراثة كالشجاعة، وهذه الصفة لها تأثرها الواضح على شخصية الإنسان في أغلب جوانبها، كما في القصة المعروفة عن زهير بن القين حينما ذكرّ العباس عليه السلام  بشجاعته في يوم العاشر من المحرم، وكيف أنّ أميرالمؤمنين اختار امرأة ولدتها الفحول من العرب.

الثانية: الخصائص والصفات الخلقية:

لاتقتصر الوراثة على الخصائص والصفات النفسية والعقلية، التي تنتقل بصوة مباشرة أو غير مباشرة، بل تتعداها إلى الخصائص والصفات الخَلقية والسلوكية، إمّا بالمباشرة وإمّا بخلق القابلية والإستعداد للإتصاف بها، وقد يصعب تشخيص الوراثة على المحيط في أجواء الأسرة، فالطفل ينشأ ويترعرع في ظل الخصائص والصفات الخلقية التي يتصف بها والداه أو أحدهما بالتقليد وبالمحاكاة.

وقد حذّر أهل البيت (علهيم السلام) من تزويج المنحرفين لتحصين العائلة والأولاد من الانحراف، قال الإمام الصادق عليه السلام  : (من زوّج كريمته من شارب خمر فقد قطع رحمها).(3)

ويقول الدكتور كاريل: (إنّ سُكر الزوج أو الزوجة حين الاتصال الجنسي بينهما يعتبر جريمة عظيمة، لأنّ الأطفال الذين ينشأون في ظروف كهذه يشكون في الغالب من عوارض عصبية ونفسية غير قابلة للعلاج)(4).

ولتأثير الوراثة على الخصائص والصفات الخلقية نسوق مثالاً من تاريخنا الإسلامي نقارن فيه بين اُسرتين: اُسرة بني هاشم واُسرة بني أمية، ففي الاُسرة الاُولى كان رسول الله صلي الله عليه و آله  وأمير المومنين عليه السلام  والأئمة من ولده، وفي الاُسرة الثانية كان أبوسفيان ومعاوية ويزيد ومروان وعبدالملك، والاختلاف بين الاُسرتين واضح المعالم، حيث القمة في الخلق والسمو والرفعة والمُثل، في قبال الإنحراف الكلي والانحطاط التام في أغلب جوانب الشخصية.

ثانياً دور المحيط التربوي.

تشترك الوراثة مع المحيط في البناء التربوي بحيث لايمكن فصل بعضهما عن البعض الآخر، لأنّهما متكاملان، حيث تخلق الوراثة القابلية والإستعداد للإتصاف بهذه الصفة أو تلك إن وجدت المحيط التربوي المناسب، وتشترك الوراثة مع المحيط في خلق الشخصية بما في ذلك المتبنيات العقائدية والقيم، ومع هذا يبقى للمحيط التربوي دور متميز في البناء التربوي، وهذا واضح من خلال النظرة إلى الواقع، و من خلال متابعة مسيرة الإنسانية التي لا تخلو من نبي مرسّل او وصي نبي، يقومان بخلق المحيط التربوي المناسب للاصلاح في المجتمع.

والمحيط التربوي يشمل جميع مواقع التأثير في الواقع الإجتماعي وأهمها: الاُسرة، الأصدقاء، حلقات الذكر، المسجد، علماء الدين.

(1) الاُسرة: وهي المحيط التربوي الأساسي المسؤول عن إعداد الطفل للدخول في الحياة الإجتماعية، ليكون عنصراً صالحاً فعّالاً في إدامتها على أساس الصلاح والخير والبناء الفعّال، وهي مسؤولة بالدرجة الاُولى عن النشأة والترعرع، وهي التي تحدد مسار الإنسان السلوكي في المجتمع.

 (2) الأصدقاء والأصحاب: يتأثر الإنسان وخصوصاً في مراحل حياته الاُولى بأصدقائه وأصحابه، حيث تنعكس آراؤهم ومشاعرهم على مقومات شخصيته، عن طريق الاحتكاک والتلقين وكذلک الإستهواء، والتي تهيأ العقول للتلقي، والقلوب للإستجابة، والإرادات للممارسة. ويتأثر الإنسان بأصدقائه من حيث متبنياته الفكرية ونظرته الى الكون والحياة، ومن ثم مواقفه العملية وممارسته السلوكية.

(3) المجالس وحلقات الذكر: وهي ذات بيئة إجتماعية متكاملة تترك آثارها الملموسة على الإنسان تأثراً بالجماعة التي تتألف منها هذه الحلقات، حيث تخلق أجواءً تربوية فكرية وسلوكية تؤثر تدريجياً على المشاركين فيها، وقد أطلق رسول الله صلي الله عليه و آله  على مجالس الذكر وحلقاته مصطلح (رياض الجنّة).(1)

(4) المساجد: وهي من أهم الأجواء الإيمانية والتربوية، التي تسهم بشكل فعّال في تربية الإنسان واصلاحه وتغييره، والمسجد خير محيط للإنسان للإرتباط بالله سبحانه وتعالى، حيث يجعل الإنسان يعيش أجواءً معنوية وروحية يتعالى فيها على أثقال الحياة ويتسامى  فيها فكراً وعاطفة ثم سلوكاً.

(5) العلماء: حيث لهم سلطان على الناس وخصوصآً علماء الدين؛ لأنّ لهم قدسية خاصة يؤثرون من خلالها على الأفكار والعواطف والإرادات، ولهم دور فعّال في بناء الإنسان والتصدي لجميع ألوان الانحراف الذي يهدد فكر المجتمع وسلوكه ومسيرته التأريخية، وهم ليس مجرد معلمين لطقوس دينية أو فروض منطقية، بل أنّهم قادة روحيون يتحملون مسؤولية الهداية والإصلاح والتغيير. ولمقام العلماء دور واضح في إصلاح الناس أو إفسادهم تبعاً لصلاح العلماء أو فسادهم.

قال امير المؤمنين عليه السلام : (إنّ كلام الحكماء إذا كانه صواباً كان دواءً، وإذا كان خطأ كان داءً).(2)   والحمد لله رب العالمين.

 



 


(1) علل الشرائع، الشيخ الصدوقي: ص 103، المكتبة الحيدرية، النجف (1385هـ).

(1) علم النفس التريوي، د.فاخر عاقل: ص 39،دارالعلم للملايين، بيروت، 1985.

(2) المحجّة البيضاء، الفيض الکاشاني: 3/93، جامعة المدرسين، قم،ط2.

(3) انظر سيکولوجية النمو و الارتقاء، د. عبد الفتاح دويدار، ص81، دارالنهضة العربية.

(1)  وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج2، ص85، مؤسسة آل البيت، قم، ط1، 1412هـ.

(2) انظر علم النفس التربوي، فاخر عاقل: ص62، 63.

(3) الكافي: 5، ص 347

 (4)الطفل بين الوراثة والتربية: ص78.

(1) انظر مكارم الاخلاق، الطبرسي:ص 312.

(2) شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد: ج 19 ص 271.