قراءة في إستراتيجية الصلح العسكري عند الإمام الحسن (E)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السيد

خليل الشوكي


 


تمهيد

أستيقضت الكوفة بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين (u) على يوم جديد لم تعهده من قبل, فبالأمس خسرت الأمة الإسلامية إمامها وقائدها,الذي أراد لها أن تعيش تحت قيادته حياة هانئة مستقرة ، إلاّ أن الأُمة تعثرت في حركتها لسؤ حظها,فلم تعرف قدر قيادتها, ونكّست رأسها أمام رياح الغدر والجريمة,وغارت في غياهب الخنوع والهزيمة، في وقت كانت تمتلك فرصة ذهبية تؤهلها في أن تشيّد حضارة إسلامية شامخة تستند على ركائز العدل والحرية والرفاه والأمن، غير أن الأمة حينما ينتابها الوهن والخنوع والتشاغل بمصالحها الدنيوية ,تكون عرضة  لرياح المؤامرات العاتية من الخارج, فيغزوها الوهن ويخبطها الضعف,وهذا بالفعل ماحصل لأهل هذه المدينة ,حيث باتت مقروحة الفؤاد لفقدها لإمام المتقين وقائد الغرّ المحجلين، إلا ّأن  الفرصة لازالت تلوح في أفاق الكوفة ولم تخرج من أيديهم,فبادرت مسرعة منذ الصباح الباكر لبيعة الإمام الحسن (u) بعد أن صعد ابن عباس المنبر وخطب فيهم قائلاً: (إن أمير المؤمنين توفي، وقد ترك لكم خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد) فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا، فخرج الإمام الحسن (u) وقد لبس ثوب السواد وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: mلقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون، ولقد كان يجاهد مع رسول الله (7)فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته، فيكتنفه جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه؛ ولقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران (u)، ورفع فيها عيسى بن مريم (u)، وأنزل القرآن، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ([1])،  أيها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن النبي، وأنا بن الوصي، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه، وأنا ابن السراج المنير... وأنا من أهل البيت الذي كان جبرائيل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال تبارك وتعالى لنبيّه: gt;قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىlt;الشورى :الآية23،وقوله تعالى:gt; وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَاlt; فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت، وبعد أن انتهى الإمام (u) من خطبته، قام عبد الله بن العباس ثانيةً يستحث الناس لمبايعة الإمام الحسن (u)فقال:m معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه  وفي الناس إلى ذلك اليوم، كثير ممن سمع نص رسول الله (7)، على إمامته بعد أبيه، فقالوا: ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا وأحقه, قال ابن كثير: mوأحبوه أشد من حبهم لابيهn([2])،  فالتقت الآراء من سائر العناصر الموجودة فيها يوم ذاك، على أنها كانت قلَّ ما تلتقي على رأي,إلاّ أن للإمام الحسن (u) الوقع الخاصّ في قلوب أهل الكوفة ,مما جعله قبلة للأنظار,ومهوى القلوب ومناط الآمال، وملأ أجواء المدينة الجديدة (عاصمة أبيه) بكرائم المكرمات التي تنتقل في آل محمد بالإرث: جود يد، وسجاحة خلق، ونبل شعور، وظرف شمائل، وسعة حلم، ورجاحة عقل وعلم وزهادة وعبادة.

وهكذا وفقت الكوفة لأن تضع الثقة الإسلامية في نصابها المفروض لها، من الله عز وجل ومن العدل الاجتماعي، وبايعته ـ معها ـ البصرة والمدائن وبايعه العراق كافة، وبايعه الحجاز واليمن على يد القائد العظيم (جارية بن قدامة)، وفارس على يد عاملها (زياد بن عبيد)، وبايعه ـ إلى ذلك ـ من بقى في هذه الآفاق من فضلاء المهاجرين والأنصار، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد، ولم يتخلف عن بيعته ـ فيما نعلم ـ إلا معاوية ومن إليه، واتبع بقومه غير سبيل المؤمنين، وجرى مع الحسن (u) مجراه مع أبيه بالأمس. وتخلف أفراد آخرون عرفوا بعد ذلك بالقعّاد([3]).

ويعود الإمام الحسن (u) بعد أن أُخذت البيعة له ـ فيفتح عهده الجديد، بخطابه التاريخي والبليغ، الذي يستعرض فيه مزايا أهل البيت(H) وحقهم الصريح في الأمر، يصارح الناس فيه بما ينذر به الجوّ المتلبد بالغيوم من مفاجئات وأخطار مقبلة تحدق بهم من كل جانب, فيقول (u):mنحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله في أمته، ثاني كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: gt;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول lt;ِ سورة النساء :الآية 59، وقال:gt;ولو ردّوه إلى الرسول وأولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهمlt;([4]).

وهكذا يمضي في خطابه، ويردف قائلاً: mوأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان فإنه لكم عدوٌ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ، فتلقون إلى الرماح أزراً، وللسيوف جزراً وللعمد حطماً([5])وللسهام غرضاً ثم لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، ثم نزل من على منبره، فرتب العمّال، وأمر الأمراء ونظر في الأمورn([6]).

بداية الأزمة

أسفر ذلك اليوم بوجه الجديد,وتبدل الحزن إلى أهزوجة فرح وسرور,وعادت الناس إلى دورهم قريرة العين ,أمنتاً على غدها على خير ما كان يُرجى لها من القوة والنشاط والتعبئة، لولا أن للقدر أحكاماً لا تجري على أقيسة العقول، ولا تسير على رغائب الأنفس، فكان الجوّ السياسي في الكوفة التي تحتفل لأول مرة في تاريخها بتنصيب خليفة، لا يزال مشوباً بشئ من الضبابية ،والتبلبل المريب، وخيّل للكثيرين من أولئك الذين تتحكم فيهم الأنانية والنفعية حتى تتجاوز بهم حدود العقيدة، أنهم إذ يبايعون الحسن بالخلافة، إنما يتسورّون بهذه البيعة إلى إسناد قضاياهم، وإرضاء مطامعهم، عن طريق الخلق الثري الواسع، الذي ألفوُهُ في الحسن بن علي منذ عرفوه بين ظهرانيهم، والذي كان يذكّرهم - دائماً - بخلق جده الأعظم (7)، وكانوا يحفظون من صحابة الرسول أن الحسن أشبه آله به خلقاً وخُلقاً,والواقع إنهم فهموا هذا الخلق العظيم على غير حقيقته، فمن خلال ما فهموه أنهم يسوغ لهم أن يعملوا ما وسعهم العمل لتنفيذ إغراضهم ومأربهم الدنئية, والفاسدة المبرقعة,هؤلاء ظنوا أن القائد الجديد سوف ينتهج منهجاً مغايراً لسيرة أبيه من قبلُ,فتكون لهم الحضوة والقرابة القريبة ,فيعملون ماتحلوا لهم أنفسهم, وتتسابق على مثل هذا الظن كثير من ذوي المبادئ التي لا تتفق وقيّم الإمام الحسن(u) في رأي ولا عقيدة، فبايعوه راغبين، كما يبايعه المخلصون من المؤمنين وعند الصباح تلوح البشائر,ولكن هذه المرة على حساب النفوس الضعيفة التي ذهبت أحلامها أدراج الرياح,بعد أن  باغتهم الإمام (u) بأول يوم جديد بجدية ونشاط وهمة لم يسبق لها مثيل ،حيث قام (u) بإشراف عامّ على إدارة الدولة الإسلامية,وقد أعتصم برأيه في غير تكلّف ولا اكتراث، فليس بعيداُ أن  كان هؤلاء - بعد قليل من الزمن - أسرع الناس إلى الهزيمة من ميادينه لا يلوون على شيء، ذلك لأنهم حين عرّكوا مواطن طمعهم من ليونة الإمام الحسن (u)وجدوها بعد تسلّمه الحكم واضطلاعه بالمسؤولية، أعنف من زبر الحديد.يقول :صعصعة بن صوحان العبدي([7]): m في الكوفة قبة الإسلام وذروة الكلام، ومصان ([8]) ذوي الأعلام، إلا إن بها أجلافاً  تمنع ذوي الأمر الطاعة وتخرجهم عن الجماعة، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعةn وقديماً مرن هذا النمط من (أشباه الرجال) على الشغب والقطيعة والنفور، منذ انتقلت الخلافة الإسلامية إلى الحاضرة الجديدة في العراق بما تحمله معها من الصراحة في الحكم والصرامة في العدل, وكان قلق هؤلاء وتبرمهم ونفورهم نتيجة اليأس من دنيا هذه الخلافة إذ أن المسألة القيادية في المجتمع الإيماني لا تخضع للمقاييس التي يرونها ، لأنها لم تكن خلافة دنيا ولكن خلافة دين, وعلموا أنها لن تقرهم على ما هم عليه من سماحة التصرفات في الشؤون العامة والاستئثار بالدنيا، وأنها ستأخذ عليهم الطريق دون آمالهم وأعمالهم ومختلف تصرفاتهم.

فكانت الفرصة مؤاتية لمعاوية في إستدراجهم إلى جبهته,وكان ذلك مبلغ مناه,إذ كان يخطط لمثل هذا اليوم الذي يُضعف من خلاله أركان الدولة الإسلامية  وفي المقابل توسيع المملكة الأموية وبسط نفوذها إلى خارج حدود الشام.

فبدأ معاوية يُغدق عليهم بما حوته خزائن الشام بالأموال, وهكذا دبّ في النفوس بريق الدينار والدرهم, فأخذت النفوس يقلبها الهوى ,وهي تتغنى بهدايا الشام وتوزّع الرأي وتداعي الخلق وتوقح الخصومة في الكثير الكثير من أهلها.

عند ذلك بدأت الثغرة تتسع في الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية,وبدأ الحديث تناقله الألسن ,وهي تتحدث عن  مكرمات وعطايا معاوية,في قبال التحرك السريع للجبهة المناؤة التي باتت تشكل طابوراً خفياً يعمل على زلزلت الاستقرار السياسي والأمن الداخلي للبلاد الإسلامية، هذا الطابور بدأ  يتسع في الكوفة والبصرة  ذات الثقل السياسي المميز,بأسلوب شيطاني يبثون من خلاله إثارة  الفتن الداخلية وخلق مناخ متقلب بهدف زعزعة الأوضاع وخلق أجواء من البلبلة وإشاعة القلاقل في الداخل,وكانوا يتلقون الخطط المرسومة من بعض الجواسيس الذي أرسلهم معاوية أمثال  الحميري في الكوفة، والقيني في البصرة ، غير أن خطة التآمر هذه لم تنجح حيث تم القبض على الجاسوسين، وأمر الإمام الحسن (u) بإعدامهما في الساحات العامة أمام الناس.. فأعدم الحميري في الكوفة، كما أعدم القيني في البصرة التي كان عبيد الله بن العباس والياً عليها.

استقراء طبقات المجتمع الكوفي

عاشت مدينة الكوفة على نظام الختل والغدر والنقض للعهود والمواثيق ,وهذه صفة اتصفت بها ووشاح توشحت بها فعرفها الداني والقاصي,ولنا معها وقفة أرخها لنا التاريخ زمان فترة حكم الإمام أمير المؤمنين(u)وكيف تجرع منها الغصص خصوصاً في معركة صفين ,حينما خضعت للتحكيم وانطلت عليها خدعة ابن العاص وهو يحمل القرآن على المصاحف فانقلبت على إمامهم وقائدها الميداني ودعته إلى مهزلة التحكيم,الذي أدى في أخر الأمر إلى انقسام الجيش, صف يدعو إلى القتال ونقض العهود التي دافعوا عن إبرامها بعد أن يعلن الإمام عن توبته لأنه كفر على حد زعمهم، وصف يدعو للسلم والرجوع إلى الكوفة .

هذه الصورة الحقيقية للكوفة ,وإفاضة أخرى يمكن لنا إستقرائها تكشف لنا ماتبقى من معالم هذه المدينة  وذلك من خلال ما نفهرسه بما يلي:

اولاً: هو ذلك المجتمع، وان طاله تغيير طفيف، فهو ذلك النسيج المتناسق من مشركي مكة والمنافقين في صلح الحديبية، ومسلميّ صفين، الاسم دون المعنى في غالبيتهم، وقلّة آثرت خط الإمام الرافض لمهزلة التحكيم.وتتأكد أكثر تداعيات هذا التحكيم حين تثاقل أهل الكوفة وتخاذلوا عن تلبية نداء الإمام دفاعاً عن مواقعهم التي يغير عليها جند معاوية ويستبيح المال والبشر، ومنهم الأفراد الطامعون في منصب أو مغنم وهم أكثر شخصيات الكوفة ، والمتحينون للفرصة وللالتحاق بالمنتصر من الفريقين, حتى أن جماعة من رؤساء القبائل كتبوا إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر، واستحثوه على المسير نحوهم، وضمّنوا له تسليم الحسن(u) إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به، هذه الفئات التي اشتمل عليها جيش الكوفة قد عانى منها(u)فخاطبها بقوله:mاحمد الله على ما قضى من أمر، وقدّر من فعل، أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تُطع، وإذا دعوت لم تجب، إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجئتم إلى مشاقة نكصتم، لا أباً لغيركم، ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقكم.. الموت أو الذل لكم، فوالله لئن جاء يومي وليأتيني ليفرقن بيني وبينكم، وأنا لصحبتكم قالٍ،وبكم غير كثير,لله أنتم: أما دين يجمعكم، ولا حمية تشحذكم، أو ليس عجباً، أن معاوية يدعو الجفاة الطغام، فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأنا أدعوكم، وأنتم تريكة الإسلام وبقية الناس، إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتتفرقون عني وتختلفون عليّn([9]).

2- الخوارج: الذين رأوا التحاقهم بجيش الإمام الحسن (u)قد يحقّق بعض من أحلامهم وأمانيهم ، وهي القضاء على الحكم في الشام ثم حكم الكوفة ، فهم استطاعوا القضاء على أمير المؤمنين (u)لكنّهم لم ينجحوا سابقاً في القضاء على معاوية.
فلعل محاربتهم مع الإمام الحسن (u)تتيح لهم فرصة القضاء على معاوية لتصل النوبة بعد ذلك إلى الإمام الحسن(u).

3- الفئة الممالئة للحكم الأموي، وهي على قسمين:

اولاً- الذين لم يجدوا في حكومة الكوفة ما يشبع نهمهم ويروي من ظمأهم فيما يحلمون به من مطامع، فأضمروا ولاءهم للشام مترقبين سنوح الفرصة للوثوب على الحكم وتسليم الأمر لمعاوية.

ثانياً - هم الذين حقدوا على حكومة الكوفة لضغائن في نفوسهم أورثتها العهود السالفة أو حسابات شخصية.

5- الفئة المهادنة التي ليس لها مسلك معين أو مهمة خاصة مستقلة، وإنما هدفها ضمان السلامة، وبعض المطامع عند الجهة التي ينعقد لها النصر.. فهي تترقب عن كثب إلى أي جهة يميل ميزان القوة لتميل معه.

6- الفئة الغوغائية، وهي الفئة التي لا تستند في موقفها إلى أساس بل هم اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح.

7- الفئة المؤمنة المخلصة، وهي القلة الخيّرة التي يذوب صوتها في زحام الأصوات الأخرى المعاكسة لها.

كيف نظر الإمام الحسن (u) إلى تلك الخارطة البشرية المتناقضة؟

من خلال هذا النص الذي يرويه ابن طاووس في كتابه (الملاحم والفتن) والذي يحمل كلاماً للإمام (u) يصف من خلاله مدى ضعف ثقته بإهل الكوفة ,وهو كلام غاية بالبلاغة والفصاحة، وكان من ابلغ ما أفضى به في هذا الصدد، وذلك في خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن، قال فيه:mوكنتم في مسيركم إلى صفين، ودينكم أمام دنياكم، أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، وأنتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون منا بثأره، وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائرn([10]).يمكن لنا أن نستقرئ ما يجول بخاطر الإمام الحسن (u) من تصورات مستقبلية مليئة بالضبابية ,يصعب من خلالها التكهن بمستقبل هذه الرقعة الجغرافية,التي آلت على نفسها عدم الانصياع لقادتها الربانيين من أهل بيت العصمة والكرامة,وذلك لسوء حضها العاثر,الذي ألقى بها في آخر المطاف في أحضان بني أُمية ,الذين نُزعت من قلوبهم الرحمة ,واستأثروا بالفئ,واحلوا حرام الله ,وحرموا حلاله,وأظهروا الفساد,وعطلوا الحدود.

فالإمام (u) سعى بكل ما أوتي من  حنكة سياسية,ورجاحة عقل,وسمّو الأخلاق التي تحتضن كل المشاعر على اختلاف أهوائها وميولها العقائدية والفكرية,فكان الحلم منهجاً سلوكياً,ومعلماً بارزاً, يختطه(u) كمنهجاً عملياً في دراسة الظروف النفسية والفكرية للمجتمع الكوفي.

تهيئة الجيش

استنفر الإمام الحسن (u) جيشه بالتهيؤ لمجابهة معاوية في الأقطار والمناطق التي يسيطر عليها من فارس وخراسان واليمن والحجاز والكوفة والعراق، فبعث بعدد من رُسله إلى حُكام هذه المناطق يطلب منهم الاستعداد للقتال  وأرسل إلى معاوية كتاباً آخر ينصحه فيه ويبصّره عواقب الأمور، ويدعوه فيه إلى الابتعاد عن الحرب والقتال لحفظ الأمة وصيانتها من التشقق والتشرذم، وقد جاء في كتابه: من الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد:m فإن الله جلّ جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين ومنّة للمؤمنينn

يذّكره فيه برسالة محمد(7) ونبوته التي يجب أن يلتزم بها، فلا يغتصب الخلافة، وهذا ما عبر عنه بكلامه:m فاليوم فليتعجب المتعجب من توبتك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول الله(7) ولكتابهn([11]).

ولما تبين إصرار معاوية على الحرب استنفر الإمام الحسن(u) الناس للقتال، وأعلن الجهاد في الناس، حيث قال: mأما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لهم: اصبروا، إن الله مع الصابرين. إنه بلغني أن معاوية بلغه أنّا كنا أزمعنا المسير إليه فتحرك، لذلك اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترونn([12]).

هذه الخطبة قالها (u) وفي النفس منها شئ مريب كان الإمام (u)يخشاه,إلا وهو الخذلان لعلمه بهناة هذا الجيش وتخاذله في أي لحظة,كما خذل أبيه أمير المؤمنين (u) من قبل، فأكثر أفراد الجيش عبارة عن المتخاذلين الغدرة الذين يميلون إلى الدعة والراحة حيث تمتلىء بهم الساحات العامّة ويقلّ عددهم تحت الرايات.

وهم الأفراد الذين وقف أمير المؤمنين (u)بينهم قائلاً :mكلّما أطلّ عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه وانجحر انجحار الضبة في جحرها ، والضبع في وجارها ، الذليل ـ والله ـ مَن نصرتموه ، ومَن رمى بكم فقد رمى بأفوَق ناصلٍ ،أف لكم لقد لقيت منكم  برما,يوم أناجيكم ويوم أناديكم فلا إخوان عند النجا,ولا أحرار عند الندا, وإنّكم والله لكثير في الباحات قليل تحت الرايات n([13]).

وفعلاً  كان ظن الإمام (u) فيهم صحيحاً,وذلك حينما أستنفرهم  بعد مبايعته فاطرق جميعهم الرؤوس ولم ينطق أحدهم ببنت شفة ، ولم يحرك أحدهم ساكناً كأنّما على رؤوسهم الطير.

 قال المفيد في الإرشاد:mوبعث الحسن حجر بن عديّ فأمر العمال - يعني أمراء الأطراف - بالمسير، واستنفر الناس للجهاد، فتثاقلوا عنه، ثم خفوا، وخف معه أخلاط من الناس، بعضهم شيعة له ولأبيه، وبعضهم محكّمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع بالغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دينn([14])

نعم بعد أن توالت الخطباء عليهم لإثارتهم وتحريك حميتهم تحركّوا كارهين غير راغبين في الحرب,لذا بادر الإمام (u) منذ أن تولى الخلافة إلى تحسين الوضع المعيشي لأفراد جيشه, فقد زاد المقاتلة مائة مائة,وبعث حجر بن عديّ إلى عماله يندبهم إلى الجهاد، ونهض معه مناطقته الأفذاذ من خطباء الناس أمثال عديّ بن حاتم، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي، وقيس بن سعد الأنصاري. فأنّبوا الناس([15])، ولاموهم على تثاقلهم، وحرضوهم على إجابة داعي اللّه، ثم تسابقوا بأنفسهم إلى صفوفهم في المعسكر العام، يغلبون الناس عليه، ونشرت ألوية الجهاد في (أسباع الكوفة) وفي مختلف مرافقها العامة، تدعو الناس إلى اللّه عزّ وجل، وتدين بالطاعة لآل محمد(E)، وانبعث في الحاضرة المتخاذلة وعي جديد يشبه أن يكون تحسّساً بالواجب، أو استعداداً له، وكان التثاقل عن الحرب حباً بالعافية أو انصهاراً بدعاوات الشام، قد اخذ حظه من أهل الكوفة وممن حولها، ولكن انبثاق الحس الثوري والتوعوي لدى بعض الأشخاص المفوهين من حواري الإمام الحسن(u)،لم يلبث أن بعث في كثير من المتثاقلين رغبة، فأثارت الرغبة نشاطاً، فانبثق من النشاط حماس، ونجحت دعاوى الشيعة إلى حد ما، في اكتساب العدد الأكبر من المتحمسين للحرب، رغم المواقف اللئيمة التي وقفها يومئذ المعارضون في الكوفة mونشط الناس للخروج إلى معسكرهمn([16])، وعلت الأصوات وبُحت الحناجر في الكوفة وأسباعها, وفي الضواحي القريبة التي لا تنقطع بمواصلاتها اليومية، عن أسواق الكوفة، وعن مراكز القضاء والإدارة فيها، فكان قصب السبق في اكتساب الرأي العام, للقلة المؤمنة المتلهفة لإعلاء كلمة الدين. الذين أحسنوا استغلال الذهنية المؤاتية في الناس، فبذلوا قصارى جهدهم في الدعوة إلى أهل البيت(G)تحت ستار الدعوة للجهاد، فكانوا يتفرقون في الأصقاع والقرى لايبخسون جهداً,في ذكر مناقب من مناقب آل محمد ومثالب أعدائهم. ومرّوا على مختلف نوادي الكوفة وأحيائها وأماكنها العامة، ينبهون الناس إلى المركز الممتاز الذي ينفرد به سيّدا شباب أهل الجنة اللذان لا يعدل بهما أحد من المسلمين، والى الصلابة الدينية المرّكزة والموروثة في أهل بيت الوحي، والمزايا التي يستأثر بها هذا الفخذ من هاشم في العلم والطهارة والزهد بالدنيا والتضحية في اللّه والعمل لإصلاح الأمة ووجوب المودة على المؤمنين، وقد أجادوا في إيصال الموعظة ,وتنبيه الناس من غفلتهم ,وإيقاظهم من سباتهم, وعرضوا في حماستهم إلى الأنساب فدبّ فيمن دبّ فيه روح الحماس والثورة,فشمّر الناس عن ساعده ,وسخّر نفسه في نصرة ابن رسول الله(7).

ثم ذكروا البيعة وما اللّه سائلهم عنه من طاعة أولي الأمر ووجوب الوفاء بالميثاق, ، فإذا هي (مقامة) ظريفة جداً وصادقة جداً ومؤثرة جداً، ملكت الألباب حتى أذهلت وأثارت الإعجاب، فذكروا الحسن ومعاوية فقالوا: أين ابن علي من ابن صخر، وابن فاطمة من ابن هند، وأين من جده رسول اللّه (7) ممن جده حرب، ومن جدته خديجة ممن جدته فتيلة  ولعنوا أخمل الرجلين ذكراً، وألأمهما حسباً، وشرَّهما قديماً وحديثاً، وأقدمهما كفراً ونفاقاً، فعج الناس قائلين آمين آمين. ثم جاءت بعدهم الأجيال، فما استعرض هذه الموازنة الظريفة مسلم من المسلمين، إلا سجّل على حسابه (آمين) جديدة، وعملت هذه الأساليب الحكيمة، والخطب الحماسية البليغة عملها وانتشرت - كما قلنا - القناعة بخذلان الشام والثقة بنصر الكوفة.

وفي الكوفة، وهي الحاضرة الجديدة الجبارة التي طاولت أهم الحواضر الإسلامية الكبرى - يومئذ - أجناس من الجاليات العربية وغير العربية ومن حمراء الناس وصفرائها وممن لم يرضهم الإسلام ولم يُجدهم اعتناقه توجيهاً جديداً، ولا أدباً إسلامياً ظاهراً، إلا أن يكونوا قد أنسوا منه وسيلته إلى منافعهم العاجلة. فكان هؤلاء لا يفهمون من الجهاد إذا نودي بالجهاد إلا دعوته للمنافع ووسيلته إلى الغنائم, ورأوا من انتشار القناعة بنجاح هذه الحرب، أن الالتحاق بجيش الحسن (u) هو الذريعة المضمونة إلى استعجال المنافع والرجوع بالغنائم، فلم لا يكونون من السابقين الأولين إلى هذا الجهاد

وبهذه اللمّة من الناس مع اختلاف أجناسها وأصنافها,وميولها القبلي والعقائدي, تكامل جيش الإمام u)) لمجابهة جيش معاوية, بعد أن اتخم بالكثرة من هؤلاء وأولئك جميعاً، وأن يفقد بهذا التلوّن المنتشر في صفوفه، روحية الجيش المؤمل لربح الوقائع, وأن يبتلي بالصريح والدخيل من كيد العدوين الداخل والخارج، وفي المكانين العراق والشام معاً. وأحر بجيش يتألف من أمثال هذه العناصر، أن يكون مهدداً لدى كل بادرة بالانقسام على نفسه، والانتقاض على رؤسائه([17]).

وmازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم لهn([18]) وتراءى له من خلال ظروفه شبح الخيبة الذي ينتظر هذه الحرب في نهاية مطافها، اذ كانت العدة المدخرة لها، هي هذا الجيش الذي لا يرجى استصلاحه بحال.وأثر عنه كلمات كثيرة في التعبير عن ضعف ثقته بجيشه.

وكان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد خطابه الذي خاطب به جيشه في المدائن.

وقال فيه:mوكنتم في مسيركم إلى صفين، ودينكم أمام دنياكم. وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم. وأنتم بين قتيلين، قتيل بصفين تبكون عليه، وقتيل بالنهروان تطلبون بثاره. فأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائرn([19])

وهذه هي خطبته الوحيدة التي تعرض فيها الإمام (u) إلى تقسيم عناصر الجيش من ناحية نزعاته واهوائه في الحرب، فيشير بالباكي الثائر إلى الكثرة من أصحابه وخاصته، وبالطالب للثأر إلى الخوارج الموجودين في معسكره [وما كان ثأرهم الذي يعنيه إلا عنده] ويشير بالخاذل إلى العناصر الأخرى من أصحاب الفتن وأتباع المطامع وعبدة الأهواء،  فقدّم للجيش مقدّمة في اثني عشر ألفاً ، وولّى عليهم عبيد الله بن العباس ثم قيس بن سعد ، والأمارة المترتّبة التي جعلها الإمام الحسن (u)كاشفة عن مدى حنكته العسكرية والسياسية. فلو أمّر عليهم واحداً فبمجرّد سقوطه ضاع الجيش وتفلل.

وأما الإمام الحسن (u)فقد نزل في بلاد ساباط ينتظر التحاق بقية الجيش من هنا وهناك ويتطلّع إلى أخبار المقدّمة المرسلة. وأبقى في الكوفة من يثير بقية من يقدر على حمل السلاح ليلتحق بجيش الإمام الحسن(u).

طلائع الفتح

الذي يلوح في الأفق إن الإمام (u) قد أعد جيشاً لمواجهة معاوية في (مسكن) كان تعدادهّ اثني عشر الفاً، والمرجّح أنها فلول الجيش الذي مات عنه أمير المؤمنين (u)، فأجاب الحسن(u) منهم من أجاب وتخلّف الباقي.

ثم علمنا من مصدر آخر أن الكوفة جاشت في صميم تثاقلها يوم الحسن(u)  فجنّدت أربعة آلاف أخرى([20]),فهذه ستة عشر الفاً، قام على إثباتها النص الذي لا يقبل النقاش.

وهناك أرقام أخرى لعدد الجيش، مرّ عليها المؤرخون وتضمنّتها بعض التصريحات ذات الشأن. ولكنها خاضعة في ثبوتها للتمحيص والمناقشة، قال العلامة المجلسي في البحار([21]):mثم وجه (يعني الحسن) إليه (يعني إلى معاوية) قائداً في أربعة آلاف، وكان من كندة، وأمره أن يعسكر بالانبار[22]، ولا يحدث شيئاً حتى يأتيه أمره. فلما توجه إلى الانبار، ونزل بها، وعلم معاوية بذلك، بعث إليه رسلاً، وكتب إليه معهم: انك إن أقبلت اليَّ، أوليك بعض كور الشام والجزيرة، غير منفس عليك. وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم. فقبض الكندي المال، وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته. فبلغ ذلك الحسن فقام خطيباً وقال: هذا الكندي توجه إلى معاوية، وغدر بي وبكم، وقد أخبرتكم مرة بعد مرة، انه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجّه رجلاً آخر مكانه، واني أعلم انه سيفعل بي وبكم، ما فعل صاحبكم، ولا يراقب اللّه فيّ ولا فيكم. فبعث إليه رجلاً من مراد في أربعة آلاف. وتقدم إليه بمشهد من الناس وتوكد عليه، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي. فحلف له بالإيمان التي لا تقوم لها الجبال انه لا يفعل. فقال الحسن: انه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار، أرسل إليه معاوية رسلاً وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسة آلاف (ولعله يريد خمسمائة ألف) درهم، ومنّاه أيّ ولاية أحب من كور الشام والجزيرة، فقلب على الحسن، وأخذ طريقه إلى معاوية، ولم يحفظ ما اخذ عليه من عهودn([23])

ثم ذكر بعد هذا العرض، اتخاذ الإمام الحسن(u) النخيلة معسكراً له، ثم خروجه إليها.

صفقة خاسرة وخذلان مبين

حل الإمام الحسن (u) ركابه في النخيلة ,فأقام فيها أياماً معدودات نظم فيها جيشه,ثم توجه إلى دير عبد الرحمن فأقام فيها ثلاثا,حتى يلتحق به المتخلفون من جنده,قال ابن أبي الحديد: وكان دير عبد الرحمن هذا مفرق الطريق بين معسكري الإمام في المدائن([24])، وخرج الناس، فعسكروا ونشطوا للخروج، وخرج الأمام الحسن (u)إلى المعسكر، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث الناس وأشخاصهم إليه. فجعل يستحثهم ويخرجهم حتى يلتئم المعسكر، فخرج الأمام الحسن(u) في  جيش مهول بالعدة والعدد، حتى نزل دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثاً حتى اجتمع الناس،  ثم دعا عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وقد اثار في نفسه روح الجهاد في سبيل الله,فازداد شكيمةً وعزماً ,و قال له:( يا ابن عم إني باعث معك اثني عشر الفاً من فرسان العرب وقراء المصر,الرجل منهم يزيد الكتيبة ,فسرّ بهم,وألن لهم جانبك,وابسط لهم وجهك,وافرش لهم جناحك,وأدنهم من مجلسك,فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين(u),وسرّ بهم على شط الفرات,ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية,فإن أنت لقيته فاحتبسه حتى آتيك,فإني على آثرك وشيكاً,وليكن خبرك عندي كل يوم,وشاور هذين-قيس بن سعد وسيعد بن قيس- mإذا لقيت معاوية فلاتقاتله حتى يقاتلك,فإن فعل فقاتله,وإن أصبت فقيس بن سعد على الناس,فإن أصيب فسعيد بن قيس على الناسn([25])، وعبيد الله بن العباس,هو القائد الميداني الأول من بني هاشم في هذه المعركة,وكان سابقاً والياً للإمام أمير المؤمنين(u) على مكة,وقد حمل في ذاكرته الكثير من الذكريات المؤلمة حينما وتر بابنيه المقتولين صبراً على يد بسرّ بن ارطاة,وقديماً قالواmليست الثكلى كالمستأجرةn.

فلما انتهى إلى(مسكن)([26]) والمفهوم إن موقع مسكن اليوم لا يعدو هذه السهول الواسعة الواقعة بين قرية (سميكة) وقرية (بلد) دون سامراء وهي النقطة التي التقى عندها الجيشان المتحاربان, وليس بين المعسكرين الهاشميين في - المدائن ومسكن - أكثر من خمسة عشر فرسخاً،  وهكذا لاحت بوادر الحرب,بعدما اكتملت الجبهة الهاشمية بالعدة والعدد,وبالقائد المحنك الذي تفنن في أساليب الحرب ,وأعطى السيف حقه,وقد اظهر حنكته العسكرية في اختيار الوقت والموقع,وفي تهيئة الجيش ووقوفه على أهبة الاستعداد،فنظر الإمام الحسن (u) عن يمينه وعن شماله، وتصفّح - ملياً - الوجوه التي كانت تدور حوله من زعماء شيعته ومن سراة أهل بيته، ليختار منهم قائد (مقدمته) التي صمم على إرسالها إلى مسكن، فلم ير في بقية السيوف من كرام العشيرة وخلاصة الأنصار، أكثر اندفاعاً للنصرة ولا اشدَّ تظاهراً بالإخلاص للموقف من ابن عمه mعبيد اللّه بن عباس بن عبد المطلبn([27]) وmقيس بن سعد بن عبادة الأنصاريn وmسعيد بن قيس الهمدانيn ،وكان عبيد اللّه بن عباس احد أولئك المرتجزين للحرب، المستهترين بالحياة، تحفزه الغيرة الدينية، وتلهبه العنعنات القبلية، فإذا هو الفولاذ المصهور في تعصّبه للعرش الهاشمي، وهل هو إلا احد سراة الهاشميين,وهو في سوابقه أمير الحج سنة 36 (على رواية الإصابة) أو سنة 39 (على رواية الطبري) أو هو أمير الحج في السنتين معاً، وهو والي البحرين، وعامل اليمن[28] وتوابعها على عهد أمير المؤمنين (u)، والجواد المطعام الذي شهد له الحجيج في مكة، ثم هو أسبق الناس دعوة إلى بيعة الإمام  الحسن (u)يوم بايعه الناس.

فكان - على ذلك - حرياً بهذه الثقة الغالية التي وضعها فيه ابن عمه الإمام (u)([29]).وسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهى ثم لزم الفرات والفالوجة حتى أتى مسكن. وبعد هذا المديح ,والثقة المتزايدة في هذه الشخصية الموترة من معاوية,فقد جاء يوم الثأر من معاوية حيث التقى الجيشان وجهاً لوجه,وأما معاوية فقد نزل في  قرية يقال لها الحيوضية بمسكن ، فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العباس فيمن معه ، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم ،ولكن بدأت ملامح الفتنة تلوح بالأفق,وبان مالا يُحمد عقباه, فإذا بباكورة دسائس معاوية تشق طريقها إلى معسكر مسكن وفي هذا المعسكر من أصحاب الإمام (u)مخلصون ومنافقون، وآخرون يؤثرون العافية ويتمنون لو صدقت الشائعة الجديدة، وكانت الشائعة الكاذبة mأن الحسن يكاتب معاوية على الصلح، فَلمَ تقتلون أنفسكمn([30]).وفي رواية أخرى:m فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إلي فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت تابع ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم ، يعجل لك في هذا الوقت النصف وإذا دخلت الكوفة النصف الآخرn([31]).

عند ذلك ظهرت  بوادر الرغبة بمطامع معاوية تشقّ طريقها إلى تلك النفس الأمارة بالسوء,التي باعت تلك الوعود والمواثيق الغليظة لإمامها,وتناست أخذ الثأر.

 هذه الشائعات فتحت لإبن عباس باباً تعسر عليه غلقه ,فتقبل تلك الرياح العاتية بإستكانةٍ مضمّونة,ورغد عيش زهيد .

فتغافل عن مواقف الإمام الحسن(u) الأصيلة والرامية إلى اجتثاث جيش الشام,وأنه في طريقه إلى مسكن, ولكنها كانت أحبولة الشيطان الرائعة الصنع,فبدأ يقنع نفسه بأوهام نرجسية حاكها خياله الموهوم,فبدأ يبحث عن مبرر للهزيمة والفرار,وأي مبرر أفضل من  سماعه لتخاذل الكوفيين عن التحرك نحو المعركة وتباطئهم عن تلبية نداء الإمام (u), فبدت  تساوره بعض التخيلات من انه في موقف لايغبط عليه,وهذه فرصة يُحسد عليها.

وأن هذه الطلائع من جيش الكوفة والتي تقف في مواجهة جيش الشام المكتظ لايمكن أن تقاوم تلك الجموع الحاشدة أو تلتحم معها في معركة مع فقدان توازن القوى بينها([32]).

وقد صدقت نبوءة معاوية في دراسته لبعض النفوس المتسافلة, التي استغويها الأطماع الدنيوية, في ساعة من ساعات الضعف الذي يطرأ على النفوس التي غلبت عليها شقوتها,وتاهت في غياهب الضعف والوهن ,فانسلت عن عقيدتها,وتنازلت عن ثأرها ,وانحنت تُقبل الأيدي التي تلطخت بدماء فلذة أكبادها,لتستجدي بريق الدينار والدرهم,فتناست تلك النصائح العظيمة من ذلك القائد الملهم أمير المؤمنين(u) وهو يحذر من شراك معاوية ومكره.

فكان يسمع تحذيره لزياد حينما قال له: : mوإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله. فاحذر ثم احذرn([33])  وهكذا صرع الشعور بالخيبة ، والاستسلام للطمع ، الفتى الأصيل،  فإذا هو من أبشع صور الخيانة المفضوحة والضعف المخذول,فلا الدين ، ولا الوتر ، ولا العنعنات القبلية ، ولا الرحم المّاسة من رسول الله (7)ومن قائده الأعلى ، ولا الميثاق الذي واثق الله عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة ، ولا الخوف من حديث الناس و نقمة التاريخ بالذي منعه عن الانحدار إلى  هذا المنحدر السحيق. ودخل حمى معاوية ليلاً ، دخول المنهزم المخذول الذي يعلم في نفسه أي إثم عظيم أتاه.

ثم أشاح عنه التاريخ بوجهه ، فلم يذكره إلا في قائمته السوداء, وكان ذلك جزاء الخائنين ، الذين يحفرون أجداثهم بأيديهم ، ثم يموتون عامدين ، قبل أن يموتوا مرغمين.

 لكن كل هذه الهواجس التي انتابت نفس القائد ,كان يقرأوها قيس بن سعد, وتوجس قلبه خيفة من قائده,فسارع إلى مكاتبة الإمام (u) يخبره بما يجرى على جيشه في مسكن  جاء فيها:m إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بإزاء مسكن، وإن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس، يرغبّه في المسير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له فيها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفةn([34]).

فلما وصل رسول قيس إلى اٌلإمام (u)  استشاط غيضاً عند سماعه الخبر ,فصعد المنبر  قائلاً: mخالفتم أبي حتى حكّم وهو كاره، ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام فأبيتم، حتى صار إلى كرامة الله، ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني، وتحاربوا من حاربني، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية وبايعوه، فحسبي منكم أن لا تغروني من ديني ونفسيn([35]).

وفعلاً تحقق مايريب قيس بن سعد من عبيد الله الذي انسل في منتصف الليل على رأس ثمانية آلاف رجل، متخفياً صوب جبهة معاوية، فسلّم نفسه إليه مؤثراً إلحاد معاوية على إيمان إمامه الحسن (u).

يقول اليعقوبي: mأنه ـ أي معاوية ـ أرسل عبيد الله بن عباس، وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس بن سعد على محاربتهn([36])  فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فقال : mأيها الناس: لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع أي الجبان إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط ، إن أباه عم رسول الله (7)خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول الله (7)، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين ، وإن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري وزعم إن ذلك له حلال وإن هذا ولاه على اليمن فهرب من بسر بن ارطاة وترك ولده حتى قتلوا وصنع الآن هذا الذي صنعn([37]).

وهكذا وقف هذا البطل الصمصام ليذود عن حياض الجبهة الهاشمية ,ويصونها عن التفكك والانهيار,فانهال على ابن عباس بسيل من الكلمات اللاذعة التي كشف من خلالها ذلك الماضي الهزيل لتاريخ هذه العائلة.

وقد أجج قيس بن سعد ثورة عارمة في نفوس سامعيه فتنادى الناس :m الحمد لله الذي أخرجه من بيننا فانهض بنا إلى عدونا فنهض بهم . وخرج إليهم بسر بن أرطاة في عشرين ألفاً فصاحوا بهم : هذا أميركم قد بايع وهذا الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم . فقال لهم قيس بن سعد بن عبادة اختاروا إحدى اثنتين : إما القتال مع غير إمام أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا : بل نقاتل بلا إمام ، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم . وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس : لا والله لا تلقاني أبداً إلا وبيني وبينك الرمحn([38]).

 فكتب إليه معاوية :m أما بعد : فإنما أنت يهودي ابن يهودي تشقى نفسك وتقتلها فيما ليس لك فان ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك ، وإن ظهر ابغضهما إليك نكل بك وقتلك وقد كان أبوك أوتر غير قوسه ، ورمى غير غرضه ، فأكثر الحز واخطأ المفصل فخذله قومه ، وأدركه يومه فمات بحوران طريداً غريباًً ، والسلام ، فكتب إليه قيس بن سعد ( رحمه الله ) : أما بعد : فإنما أنت وثن بن وثن من هذه الأوثان ، دخلت في الإسلام كرهاً وأقمت عليه فرقاً ، وخرجت منه طوعاً ولم يجعل الله لك فيه نصيباً لم يقدم إسلامك ، ولم يحدث نفاقك ولم تزل حرباً لله ورسوله وحزباً من أحزاب المشركين فأنت عدو الله ورسوله والمؤمنين من عباده . وذكرت  أبي ولعمري ما أوتر إلا قوسه ولا رمى إلا غرضه فشغب عليه من لا تشق غباره ولا تبلغ كعبه ، وكان امراً مرغوباً عنه مزهوداً فيه . وزعمت إني يهودي ابن يهودي ولقد علمت وعلم الناس أني وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منه ، وأعداء الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه والسلام ، فلما قرأ كتابه معاوية غاظه وأراد إجابته فقال له عمرو : مهلا إن كاتبته أجابك بأشد من هذا ، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنهn([39]) .

إرهاصات الجيش الهاشمي

توالت الصعقات تندك على الجبهة الهاشمية,فتارة يصل خبر استسلام عبيد الله لعدوه إلى جبهة المدائن,والتي يعوّل عليها أن ترفد جبهة مسكن بالعدة والعدد.

وكانت صدمة عنيفة لها وقع  شديد هزّ مشاعر الإمام (u) واشعرته بخيبة الأمل وهو يرى كيف يُطعن من الخلف ممن كان يعوّل عليه في هذه المعركة,وبعد أن نال شرف التقديم على خُلصّ الأصحاب في قيادة الجيش.

كما تسربت إليه أنباء مكاتبة بعض رؤوس الأجناد والقادة وطلبهم الأمان لأنفسهم وعشائرهم,ومكاتبة معاوية لبعضهم بالأمان والمواعيد)[40].ومما يذكر أن معاوية دس إلى عمرو بن حريث,والأشعث بن قيس,وحجار بن ابجر,وشبث بن ربعي,دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه:(إنك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم,وجند من أجناد الشام,وبنت من بناتي) فبلغ الإمام الحسن (u) ذلك فاستلأم (أي لبس اللاّمة) ولبس درعاً وكفرها وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة)[41].

ثم قام الإمام الحسن (u) بعد أن انتهى من صلاته خاطباً في الناس ومحذراً أقطاب

المؤامرة وبعض الفئات المتعاطفة مع معاوية فقال: (يا قوم ويلكم والله أن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمّنه في قتلي وإني إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي وإني أقدر أن أعبد الله عز وجل وحدي ولكن كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقــــونهم ويستطعــمونهم ممّا جعل الله لهم فلا يسقــــون ولا يطعــــمون فبعــــداً وسحقاً لما كسبته أيديهم gt;وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَlt;([42]).

وهكذا ترتفع أرقام الفارّين إلى معاوية بعد فرار عبيد الله بن عباس إلى ثمانية ألاف,ولو اعددنا دراسة في عدد الجيش الذي كان في مسكن الذي كان يناهز الاثنا عشر ألف ,فستكون نسبة الفارين منه إلى جيش معاوية وهي ثلثا الجيش,وفي المقابل كان عدد جيش معاوية يقارب الستين ألفاً تضاف إليه ثمانية ألاف من الفارين فيكون العدد ثمان وستون ألفاً ويزيد.

معاهدة الصلح آثارها وأبعادها

تجلّت الصورة واضحة أمام الإمام الحسن (u) بعدما لاحظ حالت التخرص والتخبط التي انتابت قادة الجيش,وهم يتقاتلون من أجل الوصول إلى جبهة معاوية,طمعاً بدنيا باليه يغدق بها معاوية عليهم,في قبال إرباك الجبهة الهاشمية وشلّ قدرتها على مناجزة الحرب ,الأمر الذي جعلهم يحلّفون بالأقسام المغلظة على نصرت الإمام (u) كذباً وزوراً,والإمام (u)يعلم بحالهم ولكن لا جدوى لذلك.

وأخيراً فقد قرر القرار الأخير والحاسم على ترجيح كفة الحل السلمي لمشكلة الأُمة,وخاصّة بعدما تزاحمت عوامل الضغط الخارجية والداخلية والتي اضطر على أثرها للقبول باتفاقية الصلح بينه وبين معاوية,وخصوصاً إن الإمام(u) قد طرح هذا الأمر على الجيش ، فقال في آخر خطابه: mألا وان معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نَصفة، فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجل بظبا السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه منه وأخذنا لكم الرضا n فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية وأمض الصلح)[43].وحفاظاً منه على البقية الباقية من أبناء الحركة الإسلامية هو التوقيع على اتفاقية الهدنة مع معاوية,وبهذه الاتفاقية استطاع أن يحقن تلك الدماء الزكية ,وأن يسعى جاهداً على الحفاظ على الميراث الرسالي ليصل إلى الأجيال القادمة خاصّة ,وأن الأوضاع الأمنية باتت شبه مهددة سواء من جانب معاوية وجلاوزته أو من جانب قطاع كبير من جماهير الأمة .

وقد أحس الإمام (u) منهم الخطر وهذا ما أفصح  به حينما دخل عليه زيد بن وهب وما زال ألم الجرح في فخذه (u)فقال زيد للإمام (u): mيا ابن رسول الله لقد اضطرب الناس وتحيروا في أمرهم ماذا تقدر لهم، فأجابه الإمام (u) قائلاً: أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي، وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني، فيضيع أهل بيتي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسيره، أو يمنّ عليّ فيكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبها على الحي منا والميت.

ثم قال زيد الجهني: وهل تترك شيعتك كأغنام غاب عنها رعاتها؟!

 فقال الإمام (u): ما أصنع يا أخا جهينة؟ وإني والله أعلم بأمر قد أدى به إلا عن تقاته، إن أمير المؤمنين قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً، يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ أو كيف بك إذا وليّ هذا الأمر بنو أمية وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد، ويطول ملكه، يسنّن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنّة رسول الله، يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذلّ في ملكه المؤمن ويقوّي في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولاً، ويتخذ عباد الله خولاً، ويدرس في سلطانه الحق ويظهر الباطل، ويلعن الصالحين، ويقتل من ناوأه على الحقّ، ويدين من والاه على الباطل فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على الأرض، حتى يدينوا له طوعاً وكرهاً، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، وطالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامهn([44]).

فاختيار الصلح كان يعبر بعمق عن نضج سياسي وبعد نظر خاصّة إذا لاحظنا إستراتيجية حركة الإمامة في الحفاظ على الخط الرسالي.

بنود الصلح

1- تسليم الخلافة على بلاد المسلمين كلها إلى معاوية على أن يعمل بالكتاب والسنة النبوية[45] وبسيرة الخلفاء الصالحين([46])،

2- وأن يكون الأمر بعده إلى الحسن (u)([47])،فإن حدث به حدث فلأخيه للحسين (u)[48].وليس لمعاوية أن يعهد به لأحد([49]).

2- أن يترك سبَّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة([50])، وأن لا يذكر علياً إلا بخير([51])

3- استثناء ما في بيت المال الكوفة، وهو خمسة آلاف ألف فلا يشمله تسليم الآمر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين كل عام ألفي ألف درهم، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين الف الف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد([52]).

4- على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّنَ الأسود والأحمر، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق باحنة([53]),وعلى أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وان لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب عليّ حيث كانوا([54]),وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول اللّه، غائلةً، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم، في أفق من الآفاق([55])

توثيق المعاهدة من قبل معاوية

قال ابن قتيبة: mثم كتب عبد اللّه بن عامر - يعني رسول معاوية إلى الحسن (u) - إلى معاوية شروط الإمام الحسن(u) كما أملاها عليه، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة، والإيمان المغلَّظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، ووجه به إلى عبد اللّه ابن عامر، فأوصله إلى الحسن(u)([56])

وذكر غيره نص الصيغة التي كتبها معاوية في ختام المعاهدة فيما واثق اللّه عليه من الوفاء بها، بما لفظه بحرفه:(وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك، عهد اللّه وميثاقه، وما أخذ اللّه على أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى اللّه من نفسهn([57]).وكان ذلك في النصف من جمادى الأولى سنة 41 - على أصح الروايات .

وأعتبر بعض الباحثين أن المادة الرابعة من موضوعات الأمويين أو العباسيين لتشويه صورة أهل البيت (u) وبالخصوص الإمام الحسن (u) باعتبار إن هذه المادة لاتمت بصلة وشأن الإمام الحسن(u) ومقامه([58]).

نقض بنود  الصلح

وبعد توقيع معاهدة الصلح، اجتمع الفريقان في مسجد الكوفة، فسبق معاوية إلى المنبر وخطب: (أما بعد، فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها، إلا غلب باطلها حقها، إلا ما كان من هذه الأمة، فإن حقها غلب باطلها([59]). ومنها (على رواية المدائني):mيا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ؟، ولكني قاتلتكم لأتآمر عليكم وألي رقابكم، وقد آتاني اللّه ذلك وانتم كارهون !. ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين !!. ولا يصلح الناس الا ثلاث: إخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدو في داره، فان لم تغزوهم غزوكمn([60]).

وروى أبو الفرج الأصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسنداً، أنه ذكر في هذه الخطبة علياً فنال منه، ثم نال من الحسن (u)وزاد أبو اسحق السبيعي ألا وإن كل شئ (عهد) أعطيته الحسن تحت قدمي هاتين لا أفي به)([61]) . قال أبو اسحق: mوكان واللّه غداراn([62]).

 فقام الإمام الحسن (u)وخطب خطبة مطولة رد فيها على معاوية بقوله: (أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول... وإن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أر نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله (عز وجل) وعلى لسان نبيه، ولم نزل - أهل البيت - مظلومين منذ قبض الله نبيه، فالله بيننا وبين من ظلمنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفئ، ومنع أمنا ما جعل لها رسول الله، وأقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي، حين فارقهم رسول لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية... فلما خرجت (الخلافة) من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء، أنت وأصحابك. وقد قال رسول الله: ما ولت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا (يقصد الجاهلية). ثم دار بوجهه إلى معاوية قائلاً: أيها الذاكر علياً، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة. فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرنا قديماً وحديثاً وأقدمنا كفراً ونفاقاً)([63]).

 قال الراوي: (فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال الفضل بن الحسن: قال يحيي بن معين: وأنا أقول آمين. قال أبو الفرج قال أبو عبيد قال الفضل: وأنا أقول آمين. ويقول علي بن الحسين الأصفهاني (أبو الفرج): آمين قال ابن أبي الحديد: قلت ويقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب (يعني شرح النهج): آمين([64]).

أقول: ونحن بدورنا نقول: آمين.



([1]) - تاريخ اليعقوبي، ج2، ص190، ابن الأثير ج3، ص16، ومقاتل الطالبين

([2]) - البداية والنهاية (ج 8 ص 41).

([3]) - صلح الحسن ,السيد عبد الحسين شرف الدين,ص58.

([4])- سورة النساء الآية 83. شرح احقاق الحق,المرعشي النجفي,ج11,ص207.

([5]) - روى هذه الخطبة هشام بن حسان. وقال: إنها بعض خطبته بعد البيعة له بالأمر، البحار، ج10، ص99 والمسعودي

([6]) - صلح الحسن,السيد شرف الدين,ص60.

([7]) - زعماء الشيعة المروعين وروى كلمته هذه المسعودي (هامش ابن الاثير ج 6 ص 118).

([8]) - بفتح اوله غلاف القوس.

([9]) - شرح النهج، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج10، ص67. 

([10]) - ترجمة الإمام الحسن ,ابن عساكر,تحقيق محمد باقر المحمودي, ص3,ط/مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر بيروت لبنان,

([11]) - كربلاء الثورة والمأساة,أحمد حسين يعقوب,ص24

([12]) - مقاتل الطالبيين,ابو الفرج الافهاني,ص39

([13]) - نهج البلاغة : خطبة 69.

([14]) - الأرشاد ,الشيخ المفيد ص169

([15]) - ابن ابي الحديد (ج 4 ص 14).

([16]) - نص عبارة ابن أبي الحديد في الموضوع,ج 4 ص 14.

([17]) - صلح الإمام الحسن,السيد شرف الدين,ص 129.

([18]) - نص عبارة المفيد في الارشاد (ص 170).

([19]) - وبرواية ابن طاووس في كتاب laquo;الملاحم والفتنraquo; (ص 142 طبع النجف سنة 1368): laquo;وقتيل بالنهروان تطلبون منا ثاره

([20]) - الخرايج والجرايح للراوندي ,ص 228.

 

([21]) - البحار,المجلسي ج 10 ص 110

([22]) - مدينة كانت على الفرات ( غربي بغداد ) تبعد عنها عشرة فراسخ سميت بذلك لانها كانت تجمع بها انابير الحنطة والشعير منذ أيام الفرس ، وأقام بها أبو العباس السفاح العباسي الى أن مات ، وجدد بها قصوراً وأبنية ، ثم اندثرت عمارتها.

([23]) - الهداية الكبرى,الحسين بن حمدان الخصيبي,ص191,ط/مؤسسة البلاغ للطبعة والنشر.

([24]) - وهي العاصمة الساسانية التي بلغت من العمر الف سنة. وكانت وريثة بابل في عظمتها ولم يبق من آثارها اليوم الا طاق كسرى، ومرقد الصحابي العظيم (سلمان الفارسي) رضي اللّه تعالى عنه. وكانت سبع مدن متقاربة تتقابل على ضفاف دجلة. فتحها المسلمون سنة 15 هجري وكانت اذ ذاك عاصمة الشرق الفارسي كله، ففي الجانب الغربي سلوقية، ودرزجان وبهرسير، وجند يسابور laquo;كوكهraquo; في ناحية (مظلم ساباط) المتصلة بنهر الملك. وفي الجانب الشرقي اسفانبر، ورومية، وطيشفون (وهي ام الطاق).

وكان لابد من مرور اكثر من مائة عام قبل ان تندثر المدائن نتيجة لانشاء بغداد سنة 150 هجري. وفي خلال تلك الفترة كانت تغذي الكوفة بصناعاتها وكنوزها ومحصولاتها، وذلك بارسالها الموالي من الفرس اليها وقد صاروا مسلمين.

وكانت المدائن منذ العهد الذي وليها فيه سلمان الفارسي تتشيع لآل محمد (7) وكانت لا تزال في القرن السابع الهجري قرية لا يسكنها الا شيعة متحمسون.

وذكرها المسعودي عند ذكره العراق فقال: laquo;ومدنه: المدائن وما والاها ولاهلها أعدل الالوان وانقى الروائح وافضل الامزجة واطوع القرائح وفيهم جوامع الفضائل وفرائد المبرات ومسكن

 

([25]) - حياة الامام الحسن ج2 ص76

([26]) - بفتح اوله وكسر ثالثه، اسم الطسوج الذي منه laquo;أواناraquo; على نهر دجيل - القرية الكثيرة البساتين والشجر - التي عناها ابو الفرج السوادي (من شعراء القرن السادس) بقوله.واجتلوها بكراً نشت laquo;بأواناraquo;حجبــت عن خطابهـا بالاواني

كان بينها وبين بغداد عشرة فراسخ.

وفي laquo;مسكنraquo; هذه، كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة 72 هجري وفيها قتل مصعب، وقتل معه ابراهيم بن مالك laquo;الاشترraquo; النخعي، ودفنا حيث قتلا. ولا يزال القبران ظاهرين وعليهما قبة متواضعة تعرف عند أعراب سميكة laquo;بقبر الشيخ ابراهيمraquo; وبينه وبين بغداد نحو من ستين كيلو متراً. وبينه وبين دجلة عشرة كيلو مترات، فمسكن هي المنطقة التي تترامى حوالي هذا القبر بما في ذلك نهر دجيل وهنالك كانت laquo;اواناraquo; ايضاً.

 

([27]) - الارشاد للشيخ المفيد (ص 170)، وابن ابي الحديد (ج 4 ص 14) واليعقوبي (ج 2 ص 191).

([28]) - وحاول بعضهم الارتياب في سوابق عبيد اللّه هذا، بحادثة خروجه من اليمن. ومن الحق ان نعترف بضعف حامية اليمن - يومئذ - عن الصمود لحملة بسر بن ارطأة، وكان من انشقاق بعض اليمانيين على الحكم الهاشمي ومكاتبتهم معاوية واخراجهم اميرهم (سعيد بن نمران) من الجند ومواقفتهم عاملهم (عبيد اللّه) ما يشهد لعبيد اللّه بالبراءة من موجبات الريب. ولو أن عبيد اللّه كان قد حاول مواقفة بسر لكان له من عثمانية اليمن من يكفي بسراً أمره، على ان الرجل لم يفعل بخروجه من اليمن أكثر مما فعله نظراؤه في مكة والمدينة، حيث فر عاملاها من وجه بسر، وأغار عامل معاوية على العواصم الثلاث فقتل فيهن زهاء ثلاثين الفاً من الآمنين. وعلمنا ان عبيد اللّه قصد في خروجه من اليمن الى الكوفة، ولو كان مريباً لما قصد الكوفة وعلمنا ان سعيد بن نمران اعتذر لامير المؤمنين (u)بقوله: laquo;اني دعوت الناس - يعني اهل اليمن - للحرب وأجابني منهم عصابة فقاتلت قتالاً ضعيفاً وتفرق الناس عني وانصرفتraquo;. اقول: افلا تكون تجربة ابن نمران تصحيحاً لمعذرة ابن عباس، فالرجل - في سوابقه - لا غمز فيه، ولا غرو اذا رضيه الحسن ثقة بسوابقه.

[29] - ابن ابي الحديد (ج 4 ص 14) والارشاد (ص 168 - 169) واليعقوبي (ج 2 ص 191).

وانفرد اليعقوبي عنهما بعدم ذكر القائد الثالث من قواد المقدمة، ثم قال: laquo;وأمر الحسن عبيد اللّه بان يعمل بامر قيس بن سعد ورأيه، فسار الى ناحية الجزيرة - يعني بين النهرين - واقبل معاوية لما انتهى اليه الخبر بقتل علي (u) فسار الى laquo;الموصلraquo; بعد قتل علي بثمانية عشر يوماً والتقى العسكران..raquo;. -

 

([30]) - شرح النهج ج16 ص42.لقد شيعني الحسين,ادريس الحسيني,ص276,ط/منشورات انوار الهدى

 

([31]) - الفصول المهمة في معرفة الائمة,ابن صباغ المالكي,ج2,هامش ص723/ط.مؤسسة دار الحديث الثقافية.

([32]) - أعلام الهداية ,ص134

([33]) - الكامل في التاريخ ,ابن الاثير,ج 5 ,ص 176

([34]) - الإرشاد، الشيخ المفيد، ص7

([35]) - شرح نهج البلاغة: ج16 ص49.

([36]) - تاريخ اليعقوبي: ج2، ص191

([37]) - مقاتل الطالييين ص35.

([38]) - شرح نهج البلاغة ج4 ص14

([39]) - الدرجات الرفيعة  في طبقات الشيعة,السيد علي خان المدني,ص347.

([40]) -  أعيان الشيعة ج4 ص22.

([41]) - علل الشرائع: نقلاً عن صلح الحسن ص69.

([42]) - معالي السبطين للحائري: ص21

([43]) - بحار الأنوار ,المجلسي,ج44 ص21.

([44]) - الكافي الكليني ط2,ح1389ج8 ص330

([45]) - المدائني - فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 4 ص 8

 

([46]) - فتح الباري في  شرح صحيح البخاري - فيما رواه عنه ابن عقيل في النصايح الكافية - (ص 156 الطبعة الاولى، والبحار,ج 10 ص 115).

 

[47] - تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194، وابن كثير ج 8 ص 41، والاصابةج 2 ص 12 و13، وابن قتيبة ص 150 ودائرة المعارف الاسلامية لفريد وجدي ج 3 ص 443 الطبعة الثانية وغيرهم.

 

[48] - عمدة الطالب لابن المهنا ص 52.

[49] - المدائني - فيما يرويه عنه في شرح النهج - ج 4 ص 8، والبحار ج 10 ص 115 والفصول المهمة لابن الصباغ وغيرهم

[50] - أعيان الشيعة ج 4 ص 43.

[51] - الاصفهاني في مقاتل الطالبيين ص 26، وشرح النهج ج 4 ص 15 وقال غيرهما: laquo;ان الحسن طلب الى معاوية أن لا يشتم علياً، فلم يجبه الى الكف عن شتمه، وأجابه على أن لا يشتم علياً وهو يسمعraquo;. قال ابن الاثير: laquo;ثم لم يف به أيضاًraquo;.

[52] - الامامة والسياسة (ص 200) والطبري (ج 6 ص 92) وعلل الشرائع لابن بابويه (ص 81) وابن كثير (ج 8 ص 14). و(دار ابجرد) ولاية بفارس على حدود الاهواز. وجرد أو جراد: هي البلد أو المدينة بالفارسية القديمة والروسية الحديثة، فتكون داراب جرد بمعنى (مدينة داراب).

([53]) - المصادر: مقاتل الطالبيين ص 26)، ابن أبي الحديد (ج 4 ص 15)، البحار (ج 10 ص 101 و115)، الدينوري ( ص 200)، ونقلنا كل فقرة من مصدرها حرفياً

([54]) - يتفق على نقل كل فقرة أو فقرتين أو أكثر، من هذه الفقرات التي تتضمن الامان لاصحاب علي عليه السلام وشيعته، كل من الطبري (ج 6 ص 97)، وابن الاثير (ج 3 ص 166)، وأبي الفرج في المقاتل (ص 26)، وشرح النهج (ج 4 ص 15)، والبحار (ج 10 ص 115)، وعلل الشرائع ص 81)، والنصائح الكافية (ص 156).

([55]) - البحار (ج 10 ص 115)، والنصائح الكافية (ص 156 - ط. ل).

([56]) - الامامة والسياسة (ص 200).

([57]) - البحار (ج 10 ص 115).

([58]) - زندكاني امام حسين,ص223.

([59]) - تاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 192).

([60]) - شرح النهج (ج 4 ص 16

([61]) - تاريخ ابن كثير ج 8 ص 131، مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 70.

([62]) - شرح النهج (ج 4 ص 16).

([63]) - راضي آل ياسين، صلح الحسن، ص 287.

([64]) - شرح النهج (ج 4 ص 16).