الشفاعة حقيقة إسلامية

 

السيد

خليل الشوكي


الشفاعة لغة:

m شَفَعَ شفعاً، الشيء صيّره شفعاً أي زوجاً بأن يضيف إليه مثله، يقال كان وتراً فشفعهُ بآخر laquo;أي قرنهُ بهraquo;، وتقول laquo;شُفِعَ لي الاَشخاصraquo; أي أرى الشخص شخصين لضعف بصري، وشَفَعَ شفاعةً لفلان، أو فيه إلى زيد: طلب من زيد أن يعاونه وشفعَ عليه بالعداوة: أعان عليه وضادّهُ، وتشفّع لي وإليَّ بفلان أو في فلان: طلب شفاعتي([1])n.

وقال:mهي أن تشفع فيما تطلب ، فتضمه إلى ما عندك فتشفعه ، أي : تزيدهn ([2]) .

وقال:mالشفيع : صاحب الشفاعة . قال تعالى : gt; ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منهاlt; ([3])

الشفاعة اصطلاحاً:

الشفاعة هي: laquo;السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقع الجنابة في حقهraquo;([4]) أو هي: laquo; الطلب من الله أن يعفو عن ذنب أو يرفع مقامn ([5])

الشفاعة في القرآن الكريم

ورد ذكر الشفاعة في القرآن الكريم في سوّر مختلفة لمناسبات شتى كما وقعت مورد اهتمام بليغ في الحديث النبوي وأحاديث العترة الطاهرة, والآيات القرآنية في هذا المجال على أصناف:

الصنف الأول: ما ينفي الشفاعة في بادئ الأمر, كقوله سبحانه: gt;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ lt;البقرة:الآية 254.

الصنف الثاني: ما ينفي شمول الشفاعة للكفار, يقول سبحانه - حاكياً عن الكفار في قوله تعالى: gt; وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ  حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ  فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ lt;المدثر: 46-48

الصنف الثالث: ما ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة, يقول سبحانه:

 gt; وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَlt; (الأنعام: 94).

الصنف الرابع: ما ينفي الشفاعة عن غيره تعالى, يقول سبحانه:gt;وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ lt;الأنعام: 51

الصنف الخامس: ما يثبت الشفاعة لغيره تعالى بإذنه, يقول سبحانه: gt;يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاًlt;طه: 109

الصنف السادس: ما يبين من تناله شفاعة الشافعين, يقول سبحانه: gt;َلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  lt;الأنبياء: 28

الشفاعة في السُنّة المطهّرة

إنّ مسألة الشفاعة قد تختلف عن الكثير من المسائل العقائدية الاُخرى، التي كثر الجدل والكلام حولها، في أنّها جاءت بعبارات واضحة وصريحة في القرآن الكريم كما وردت بنفس الوضوح في أحاديث الرسول 7وسلم وأئمة أهل البيت F، واليك هذه الاَحاديث:

1 ـ عن جابر بن عبدالله قال، قال رسول الله 7: mأُعطيت خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي... وأُعطيت الشفاعة ولم يعطَ نبي قبلي n([6])

2 ـ قال رسول الله 7:... laquo;فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعةraquo;([7])

3 ـ قال رسول الله 7: laquo;إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتيraquo;([8])

4 ـ قال رسول الله 7: laquo;اشفعوا تُشفَّعوا ويقضي الله عزَّ وجل على لسان نبيه ماشاء([9])

5 ـ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله 7: laquo;أنا أوّل شفيع في الجنةn([10])

6 ـ عن ابن عباس ان رسول الله 7قال: laquo;أُعطيت خمساً لم يعطهنَّ نبي قبلي ولا أقولهن فخراً بُعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لاَحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُعطيت الشفاعة فاخرتها لأُمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاًraquo;([11]) .

آراء علماء الإسلام

أجمع علماء الأُمّة الإسلاميّة على أنّ النبيّ (2) أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلّين على ذلك بقوله سبحانهgt;:وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى lt; الضحى :الآية 5، والذي أُعْطي هو حقّ الشفاعة الذي يُرضيه، وبقوله تعالى:gt; عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً lt;الإسراء :الآية 79، واتّفق المفسّرون على أنّ المقصود من المقام المحمود ، هو مقام الشفاعة .n

وهذا مما أجمع عليه علماء الإسلام،منهم:

1- قال الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري ( ت 413 هzwj; ) : mاتفقت الإمامية على أن رسول الله (2) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته ، وأن أمير المؤمنين (C) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأن أئمة آل محمد (F) كذلك، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئينn.

وقال في مكان آخر :m ويشفع المؤمن البرّ لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ويشفعه الله. وعلى هذا القول إجماع الإمامية إلا من شذn([12]) .

2- قال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( ت 460 هzwj; ) في تفسيره m التبيانn : mحقيقة الشفاعة عندنا أن تكون في إسقاط المضّار دونّ زيادة المنافع، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي (2) فيشفعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط، لما روي من قوله (2) : mادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتيn. والشفاعة ثبتت عندنا للنبي (2) وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحينn ([13]) .

3- ويقول العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ( ت 1110 هzwj; ) : m أما الشفاعة فاعلم أنه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنها من ضروريات الدين وذلك بأن الرسول يشفع لأمته يوم القيامة، بل للأمم الأخرى، غير أن الخلاف هو في معنى الشفاعة وآثارها، هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات أو إسقاط العقوبة عن المذنبين؟ والشيعة ذهبت إلى أن الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر، ويعتقدون بأن الشفاعة ليست منحصرة في النبي (2) والأئمة (F) من بعده، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله تعالى لهم بذلكn ([14])

 4ـ أبو منصور الماتريدي السمرقندي ، إمام أهل السنّة في المشرق الإسلامي ، قال بعد أن أورد قوله سبحانهgt;وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌlt; البقرة :الآية 48، وقوله تعالىgt;وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى  lt;الأنبياء :الآية 28، قال: mإنّ الآية الأُولى وإن كانت تنفي الشفاعة، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه الآيةn ([15])

5ـ تاج الإسلام أبوبكر الكلاباذي :قال:m إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ الإقرار بجملة ما ذكر الله سبحانه وجاءت به الروايات عن النبي (2) في الشفاعة واجب ، لقوله تعالى gt;وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ  فترضى  lt; الضحى:الآية 5،

وقوله تعالى:gt;عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداًlt;الإسراء 79.

gt; وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَىlt; الأنبياء :الآية 58، وقال النبي(2) mشفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتيn([16])

6 ـ الإمام أبو حفص النسفي  قالm: والشفاعة ثابتة للرسل والأخيار في حقّ الكبائر بالمستفيض من الأخبار n(([17]

7ـ ابن تيمية الحرّاني الدمشقي قال: للنبي (2) :mفي يوم القيامة ثلاث شفاعات ـ إلى أن قال: وأمّا الشفاعة الثالثة فيشفع في من استحقّ النار وهذه الشفاعة له (2)ولسائر النبيّين والصدّيقين n([18])

شفاعة الأولياء والصالحين

إن الشفاعة من الشفيع مقابل الوتر،كأن الشفيع بانضمامه إلى المتشفع به يصير زوجا ً بعد أن كاد فرداً, فيقوي على نيل ما يريده لو لم يناله وحده لنقص وسيلته وضعفها وقصورها, والشفاعة بالنسبة لأولياء الله, هي من هذا النوع, فهم الواسطة بين العبد وبين الله, وما كل ذلك إلا لقربهم من الساحة المقدسة,ويظهر من بعض الأخبار أن الشفاعة تكون لبعض المذنبين دون بعض وهذا ما رواه(الكافي) عن أمير المؤمنين(C)انه قال:m الذنب ثلاثة: ذنب مغفور, وذنب غير مغفور، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه, قال الراوي فبينها لنا يا أمير المؤمنين,قال:أما الذنب المغفور فذنب عاقب الله فاعله في الدنيا والله أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرتين,وأما الذنب الذي لا يغفره,فظلم العباد بعضهم لبعض, أن الله سبحانه إذا أبرز للخليقة أقسم قسما ً على نفسه فقال: وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفا ًبكف وأما الذنب الثالث: فذنب ستره الله على عبده, ورزقه التوبة فيه, فأصبح خائفا ًمن ذنبه, راجيا ًلربه, فنحن له كما هو لنفسه, نرجو له الرحمة ونخاف عليه العقاب ([19] )n.

أن فكرة الشفاعة كانت عند اليهود والوثنين قبل الإسلام, إلا أن الإسلام طرحها مهذبة مما علق بها من الخرافات,وغير خفي على من وقف على أراء اليهود والوثنين في أمر الشفاعة: أن الشفاعة الدارجة بينهم خصوصاً اليهود كانت مبنية على رجائهم لشفاعة أنبيائهم وآبائهم في حط ذنوبهم وغفران آثامهم، ولأجل هذا ألاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي,ويرتكبون الذنوب, تعويلاً على ذلك الرجاء, وفي هذا الموقف يرد عليهم الله سبحانه وتعالى:gt;اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُlt;([20])وفي أية أخرى يرفض الشفاعة المحررّة من كل قيد gt;ولا يشفعون إلا لمن أرتضىlt;([21]) وحاصل الآيتين أن أصل الشفاعة التي يدّعيها اليهود, ويلوذ بها الوثنيون,هي حق ثابت في الشريعة السماوية غير أن لها شروطاً,أهمها أذنه سبحانه للشافع ورضاءه للمشفوع له([22]), وذلك لأنهم كانوا يستغرقون في عبادة غيره من مواقع التأله, أو من موقع الإيحاء بالأسرار الإلهية الكامنة في ذاته, كما في قوله تعالى:gt;ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفىlt;([23]), فقد كانوا يتوجهون إلى الأوثان بالعبادة فيطلبون منها حوائجهم,ويبتهلون إليها على أساس أنهم يتقربون إليها بذلك لتقربهم إلى الله زلفى.

وأما الفارق فيما يفعله الوثنيون في عبادة الأصنام,وما يفعله المسلمون الذين يؤكدون شرعية الشفاعة والتوسل بالأنبياء والأولياء,باعتبار أن المسلمين يفعلون ذلك,من موقع التوجه إلى الله بأن يجعلهم الشفعاء لهم,ويقضي حوائجهم بحق هؤلاء فيما جعله لهم من حق,مع الأعتراف بأنهم عباد الله المكرمون, المطيعون له الخاضعون لألوهيته, الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون, وأنهم البشر الذين منحهم الله رسالته, فيما ألقاه الله إليهم من وحيه,ومنحهم ولايته, ضمن حدود فيمن يشفعون له gt;يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَlt;([24]) إذن فليست القضية تتعلق بالأسرار الذاتية المختصة في ألذات الإلهية, فتتيح لهم هذا المركز, وإنما هي نوع من الكرامة الإلهية لهم من خلال حكمته في ألطافه بأوليائه,وعلى هذا يتضح الأمر من دون الوصول إلى أي لون من ألوان الشرك بالمعنى ألعبادي, وإنما كل ما لديهم أنهم يملكون التأثير فيه بشكل وأخر, وهو من أثار لطف الله بهم في تمكنهم من ذلك بأذنه وأرادته,تماما كما في الإيحاء الذي تحدث به القرآن عن عيسىgt;Bَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَlt;([25]) فإذا كان الله قادراً على أن يحقق ذلك في حياتهم, فلا ضير أن يحققه بعد مماتهم, وهذا ما كان متعارفاً عند فقهاء المسلمين, حتى جاء (ابن تيمية) في القرن الثامن الهجري فأستنكر ذلك وحذا حذوه بثلاثة قرون تلميذه (محمد بن عبد الوهاب النجدي).فأعتمد ما جاء عن (ابن تيمية) وزادّ عليه فكان يقول:mفعلى المسلم أن لا يطلب الشفاعة من النبي(2)لأن الله وأن أعطاها محمداً(2)وغيره من الأنبياء لكنه نهى عن طلبها منهم ومن يطلب الشفاعة من محمد(2)كان كمن يطلبها من الأصنام سواء بسواء n([26]) فهو يعتقد بها من حيث المبدأ ولكن ينكر جريانها على يد النبي(2) وهذا الإنكار في واقع الحال هو إنكار لما جاء في القرآن الكريم وهو يتحدث عن شفاعة الأنبياء وبالخصوص شفاعة النبي محمد(2) في ذلك اليومn([27]).

 قال الشيخ عبـد الله الهروي الشافعي، مفتي الصومال، في كتابه المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية، في المقالة الخامسة: منكرو التوسل أتباع ابن تيمية يقولون: لماذا تجعلون واسطة بقولكم: اللّهمّ إنّي أسألك بعبدك فلان؟ الله لا يحتاج إلى واسطة.

فيقال لهم: الواسطة قد تأتي بمعنى: المعين والمساعد، وهو محال بالنسبة إلى الله تعالى، أمّا الواسطة بمعنى: السبب، فالشرع والعقل لا ينفيانه ; فالله تعالى هو خالق الأسباب ومسبّباتها، وجعل الأدوية أسباباً للشفاء، وهو خالق الأدوية وخالق الشفاء بها، كذلك جعل الله تعالى التوسّل بالأنبياء والأولياء سبباً لنفع المتوسّلين.

ولولا أنّ التوسّل سبب من أسباب الانتفاع ما علّم رسول الله (2)الأعمى التوسّل به([28]).

ثمّ إنّ الله تعالى هو خالق التوسّل، وخالق النفع الّذي يحصل به بإذن الله، فالتوسّل بالأنبياء والأولياء من باب الأخذ بالأسباب.

ولأنّ الأسباب إمّا ضرورية، كالأكل والشرب، وإمّا غير ضرورية، كالتوسّل، والمؤمن الّذي يتوسّل بالأنبياء والأولياء لا يعتقد أنّ كونهم وسطاء بينه وبين الله، بمعنى أنّ الله يستعين بهم في إيصال النفع للمتوسّل، بل يراهم أسباباً جعلها لحصول النفع بإذنه...

فقول هؤلاء المنكرون: لِمَ تجعلون وسائط بينكم وبين الله؟ لِمَ لا تطلبون حاجتكم من الله؟ كلام لا معنىً له ; لأنّ الشرع رخّص للمؤمن أن يطلب من الله حاجته من دون توسّل، وبين أن يطلب حاجته مع التوسّل.

فالّذي يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بنبيّك، أو بجاه نبيّك، أو نحو ذلك، فقد سأل الله، كما أنّ الّذي يقول: اللّهمّ إنّي أسألك كذا وكذا، قد سأل الله، فكلا الأمرين سؤال من العبد إلى ربّه، وكلاهما داخل في حديث: إذا  سألت فاسأل الله([29]).

وأمّا قوله u الوارد في وصيّته لابنه الحسن u mولم يلجئك إلى من يشفع لك إليهn([30]) فهو لا يدلّ على نفي الشفاعة أو حرمتها، كيف؟! وقد ثبتت بالأدلّة القاطعة من الكتاب والسُـنّة ، وإنّما كان u بصدد بيان أنّ الله عزّ وجلّ لم يجبر الإنسان على فعل المعاصي الّتي تضطرّه إلى طلب شفاعة الشافعين ; لأنّ اللجوء إلى طلب الشفاعة لا يكون إلاّ بعد اجتراء المعاصي الّتي تحصل بفعل الإنسان واختياره، لِما روي عن النبيّ 7 قوله: m إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتيn  ([31])،وببيان آخر لأحد شارحي النهج: إنّه لم يلجئه إلى مَن يشفع إليه ; لأنّ الشفيع إنّما يضطرّ إليه عند تعذّر المطلوب من جهة المرغوب إليه، إمّا لبخله أو جهله باستحقاق الطالب، والباري تعالى لا بخل عنده ولا منع من جهته، وإنّما يتوقّف فيضـه على استعداد الطالب له([32]) .

الشبهات المثارة حول الشفاعة

أسلفنا سابقاً أنّ الشفاعة باب من أبواب الرحمة الإلهية والتي جعلها الله سبحانه وتعالى ليرحم فيها عباده في ذلك اليوم المهول،يوم تتقطع فيه العلائق،وهذا التشريع الذي أقرته الشريعة الإسلامية السمحاء،إنما لأجل غايات تربوية تبعث جواً من الارتياح النفسي المفعم بالأمل لدى الكثير من النفوس المذنبة التي أثقلتها كثرة الذنوب، وهذا الأمل يكون مدعاة إلى الاستقامة وترك طريق السلوك الإجرامي، وإعادة النظر في منهج حياتهم. ولكن هناك من يعترض ويقول : إن الشفاعة توجب الجرأة وتحيي روح التمرد في العصاة والمجرمين . لذا قد انكرتها الكثير من النفوس وأثاروا عدة شبهات حولها منها:

أولاً: قوله تعالى:gt; وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَlt; البقرة:الآية 48.

الجواب: الجواب إنّ أمثال هذه الآيات قد وردت في مقام نفي الشفاعة الباطلة والعشوائية التي لا تخضع لضابطة بالإضافة إلى أن هذه الآيات عامّة وتخصص بتلك الآيات التي تدل على قبول الشفاعة بإذن الله،منها:قوله تعالى:gt; مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِlt; البقرة:الآية 255.وقوله تعالى:gt; وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَىlt; الأنبياء:الآية28.

كما أن هناك روايات أشارت إلى دور النبي(2) والصالحين يوم القيامة وشفاعتهم لأصحاب الكبائر ناهيك عن أصحاب الصغائر من الذنوب،منها

1 - فقد روى عن أنس : mسألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة، فقال : أنا فاعل، قال : قلت : يا رسول الله فأنى أطلبك، فقال:  اطلبني أول ما تطلبني على الصراط([33]) .

2- روى أصحاب السير والتاريخ، أنّ رجلاً من قبيلة حميّر عرف أنه سيولد في أرض مكة نبي الإسلام الأعظم (2)، ولما خاف أن لا يدركه، كتب رسالة وسلّمها لأحد أقاربه حتّى يسلّمها إلى النبي (2) حينما يبعث، وممّا جاء في تلك الرسالة قوله :  وإن لم أدرك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني، ولما وصلت الرسالة إلى يد النبي (2) قال : mمرحباً بتبع الأخ الصالح n ([34]) .

3- روى عن ابن عباس أن أمير المؤمنين (C)لما غسل النبي ( 2)وكفنه كشف عن وجهه وقال:mبأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميتاً . . . اذكرنا عند ربكn. وروى الشريف الرضي في  نهج البلاغة  : أن علياً (C) قال عندما وليّ غسل رسول الله (2) : mبأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك n ([35]) .

ثانياً: التنكر لكل من يزور قبر النبي(2) وقبور الصالحين

هذه الشبهة أظهرتها النفوس التي أمنت بعالم المادة والجسم وتنكرت لعالم الروحانيات،فحرمة زيارة القبور والصلاة والدعاء عندها؟

الجواب:

إن زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية وتربوية هامة ، لأن مشاهدة المقابر التي تضم في طياتها مجموعة كبيرة من رفاة الذين عاشوا في هذه الحياة، ثم انتقلوا إلى الآخرة، تؤدي إلى الحد من الطمع والحرص على الدنيا، وربما يغير سلوك الإنسان فيترك الظلم والمنكر ويتوجه إلى الله والآخرة. لذا يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم : m زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرةn

إن الموت ليس هو الفناء المطلق ،وحتى لو تلاشت عظام الإنسان واختلطت مع أديم الأرض فهذا لايعني انتهائه وانعدام شخصيته ، وليس الموت إلا انتقالاً من دار إلى دار، فهو كالشمس إذا غربت في علم فأنها سوف تشرق في علم آخر. كما أن هناك آيات تؤكد ذلك،منها:قوله تعالى:gt; وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ@ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ lt; آل عمران:الآية-170169.فالآية تشير إلى حال الشهداء وأنهم أحياء فرحين بما أتاهم ربهم، فكيف بحال النبي(2) الذي يعتبره القرآن شهيداً على الأمم جمعاء، يقول تعالى : gt; فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداlt; النساء:الآية41.

فالآية أشارة إلى شهادة النبي(2) على جميع الشهود الذين يشهدون على أممهم،وهذه الشهادة لايمكن لها أن تصح بدون الحياة، وبدون الاطلاع على ما يجري فيهم من الأمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟ ! ولا يمكن أن نفسرها بشهادته على من عاصروه من قومه؟! وذلك لأنه سبحانه عد النبي شاهداً في عداد كونه مبشراً ونذيراً، وهل يتصور أحد أن يختص الوصفان الأخيران بمن كان يعاصر النبي ؟ !

1-            مما يؤيد كون شهادة النبي(2) لم تقتصر على زمانه،وإنما هي في امتداد حياة الإنسان إلى ما بعد موته، قال تعالى: في حق الكافرين : gt; حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ @ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ lt; المؤمنون:الآية 99-100. فهذه الآية تصرح بامتداد الحياة الإنسانية إلى عالم البرزخ، وإن هذا العالم وعاء للإنسان يعذب فيها من يعذب وينعم فيها من ينعم . أما التنعم فقد عرفت التصريح به في الآية الواردة في حق الشهداء . وأما العقوبة ، فيقول سبحانه : gt; النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِlt; غافر:الآية46.

2-            قال تعالى: gt;قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ @ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ lt; يس:الآية27-26، وفيها أشارة واضحة إلى الجنة الدنيوية بدليل تمني قومه .

هذا بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الأحاديث الدالة على امتداد الحياة، وقد روى المحدثون عنه ( 2)

1-            : m ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله روحي حتى أرد عليه السلامn ([36]). كما نقلوا قوله : mإن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام n [37].

2-            ماجاء في قوله تعالى:gt; سلام على نوح في العالمين } ، { سلام على إبراهيم } ، { سلام على موسى وهارون } ، { سلام على إل ياسين } ، { وسلام على المرسلين } ( 3 ) . كما يأمرنا بالتسليم على نبيه والصلوات عليه ويقول بصريح القول : { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ( 4 ) ، فلو كان الأنبياء والأولياء أمواتا غير شاعرين بهذه التسليمات والصلوات فأي فائدة في التسليم عليهم وفي أمر المؤمنين في الصلاة ، بالسلام على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ والمسلمون أجمع يسلمون على النبي في صلواتهم بلفظ الخطاب ، ويقولون : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وحمل ذلك على الشعار الأجوف والتحية الجوفاء ، أمر لا يجترئ عليه من له إلمام بالقرآن والحديث .|

 



([1])  لسان العرب:ابن منظور، ج8 ص183.

([2])  القاموس المحيط ،الفيروز آبادي،3ص46.

([3])  مجمع البحرين،الطريحي،ج2ص522

([4])  التعريفات: للجرجاني:ص 56. والنهاية في غريب الحديث، لابن الاَثير،ج 2: 485ص. والكليات، لاَبي البقاء: 536.

([5]) معجم الفاظ الفقه الجعفري،ا.أحمد فتح الله،ص245.

([6]) سنن النسائي، النسائي،ج 1: ص211. صحيح البخاري،البخاري،ج 1:ص 86 ـ 113.

([7]) سنن النسائي 2: 26.

([8]) من لا يحضره الفقيه ،الصدوق،ج3:ص 376.

([9]) سنن النسائي 5: 78.

([10]) صحيح مسلم،النيسابوري،ج 1:ص 130.

([11]) مسند أحمد، ج1،ص301.

([12])أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ، للشيخ المفيد : 29 تحقيق مهدي محقق .

([13]) التبيان، للشيخ الطوسي : 213 214.

([14])  بحار الأنوار ، للشيخ المجلسي 8 : 29 - 63 .

([15])  تفسير الماتريدي المعروف بـ laquo;تأويلات أهل السنّةraquo;: ص 148 ، والمشار إليه هي الآية الثانية .

([16])   التعرّف لمذهب أهل التصوّف: ص 54 ـ 55 تحقيق د . عبد الحليم محمود ، شيخ الأزهر الأسبق .

([17])   العقائد النسفية: ص 148 .

([18])   مجموعة الرسائل الكبرى 1: 403 ـ 404 .

([19]) الكافي ،الكليني،ج8ص106.

([20]) الآية 255 من سورة البقرة.

([21]) الأنبياء آية: 28.

([22]) الشفاعة في الكتاب والسنة: الشيخ السبحاني ص44.

([23]) الأنبياء آية: 28.

([24]) الآية 28 من سورة الأنبياء.

([25]) الآية 49 من سورة آل عمران.

([26]) الهدية السنية ص124.

([27]) نفس المصدر: 18.

([28])   أنّ رجلا ضرير البصر أتى النبيّ فقال: ادعُ الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك ، قال: فادعه.،قال: فأمره أن يتوضّـأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك، نبيّ الرحمة، يا محمّـد! إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللّهمّ فشفّعه فيَّ ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قال الطبراني بعد ذكر طرق الحديث: إنّ الحديث صحيح، هذا كلام الحافظ المنذري.

وكذا نقل تصحيح الطبراني ووافقه: الحافظ الهيثمي في باب صلاة الحاجة من مجمع الزوائد.

ووافق على تصحيح الحديث أيضاً: النووي في باب أذكار صلاة الحاجة من كتب الأذكار، والحافظ في أمالي الأذكار، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى، وابن تيمية في غير موضـع من كتبه ; ونقل تصحيحه عن الترمذي والحاكم والحافظ أبي عبـد الله المقدّسي ـ صاحب المختارة ـ وغيرهم.

وبالجملة ; فالحديث صحيح بإجماع الحفّاظ، لا مطعن فيه ولا مغمز.

 

([29])    المقالات السنية: 239.

([30])   نهج البلاغة ـ تعليق الشيخ محمّـد عبـده ـ 3 / 47.

([31])   كتاب السُـنّة: 385 ; قال الألباني ـ محقّق الكتاب ـ: الحديث صحيح، ورجاله ثقات رجال البخاري غير الفضل بن عبـد الوهّاب ; فلم أعرفه، لكن الحديث صحيح بما بعده من الطرق. انتهى

([32])    شرح نهج البلاغة ـ لابن ميثم البحراني ـ 2 / 377.

([33])  صحيح الترمذي ،الترمذي،ج4 :ص 621 ، كتاب صفة القيامة ، الباب 9

([34]) مجمع الزوائد 10 : 369 ، صحيح مسلم 1 : 289 .

([35]) نهج البلاغة : الخطبة 235 .

([36])  وفاء الوفاء،الصفدي،ج4ص1349.

([37]) المصدر السابق:ص1350