الإمام الحسن وهج الثورة الحسينية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السيد خليل الشوكي


 

 

تمهيد

 يتبادر إلى الأذهان منذ أول وهلة إن الإمام الحسن (u) عندما أجرى معاهدة الصلح مع معاوية,وسلّم مقاليد الأمور بيده,فهذا موقف  ينم من حالة الضعف والوهن التي انتابت الإمام الحسن (u).

هذا التصور قد روج له معاوية ليهيء الأجواء المناسبة  لتوسيع مملكته وبسطها على كل البلاد الإسلامية, وكان من جملة ماروج له هو أن الإمام (u)رجل طالب دنيا ومتهالك عليها, وأنه يفتقر للأهلية الكاملة في قيادة الدولة الإسلامية, وقد أخذت هذه الافتراءات طريقها العاثر إلى أصحاب العقول الضحلة والبسيطة, والتي أفقدتهم للأسف الشديد العمق في استيعاب الدقة في الفهم والتصور, فأساءت في رسم الصورة الحقيقية للإمام الحسن (u) وتناست ابن من هذا الذي يروّج له معاوية ويصفه بالدعة والخنوع.

فما كان الإمام الحسن(u) في سائر مواقفه، إلا الهاشمي الشامخ المجد، الذي ركب الصعاب في معترك السياسة والقيادة,لاتخرم سيرته, سيرة أبيه (H)،فكانا أمثولة المصلحين المبدئيين في التاريخ.

إلا إنّ للأسف الشديد أنّ الناس قد جبلت أنفسهم على معرفة القادة بالمكر والخديعة في السياسة والقيادة, وهذا المبدأ ليس وليد المرحلة التي عاشها الإمام الحسن (u)وإنما تأصلت جذوره زمن الإمام أمير المؤمنين (u) وقد عانى من تلك النفوس المريضة  التي أحاطت به وأنكرت عليه الكثير من مواقفه المبدئية, فقال :mأتأمرونني أن اطلب النصر بالجور, فيمّن وليّت عليه, والله ما أطور به ماسمر سامر وما أم نجم في السماءn ([1]) .

وعلى هذا المنهج سار الأمام الحسن (u) فلم تعصف به عواصف القائلين والمضعفين, ناهيك عن حديث رسول الله (7)القائل بحقهما:mالحسن والحسين إمامان قاما أو قعداn رغم أنهما (H)ربما لم يكن عمرهما حينئذٍ قد تجاوز عدد أصابع اليد الواحدة, ونجد الإمام الحسن (u)استدل بهذا الحديث على من يعترض عليه في صلحه مع معاوية([2]) .وهذا يدل على عصمة الإمام الحسن (u) وأنه أعرف الناس بالمصلحة العامّة بقيامه وقعوده بهذا الأمر.

صحيح أن الإمام بصلحه قد فقد آلة الرئاسة, إلا أنّ هذا لايعني أنه فقد قاعدته في الأمة الواعية, بل على العكس, قد يكون ذلك يمثل حلقة من حلقات بناء القاعدة الجماهيرية العريضة التي يؤمل لها أن تلعب دوراً كبيراً في عملية الإصلاح والتغييّر ,وهذا الأسلوب نجده واضحاً في المنهج الذي أتبعه الإمام علي (u) عندما توقف عن الدخول في صراع مع الآخرين من أجل الخلافة, فهو قد حافظ على الوجود الإسلامي، وترك الأمة تختار بنفسها وتكشف الحقائق وحدها حتى عادت إليه وهي مختارة ومقتنعة بكفائته بعد أن ذاقت مرارة تولي غيره أمور الخلافة.

ولو أرجعنا البصر كرة أخرى إلى صلح الحديبية يتجلى لنا الأمر واضحاً في صلح الإمام الحسن (u)وأن هناك أبعاداً تشابه أبعاد ذلك الصلح, حيث أن الرسول (7) قد أجّل الحرب عشر سنوات وأخر فتح مكة .

كل هذه الأحداث قد تكون واعزاً مهماً للمصلحة الخاصّة التي رآها الإمام (u) في الصلح,كما وإن هناك آثاراً قد تتهيأ للأُمة في ظل فترة الصلح منها :

1- حالة الاستقرار النفسي والفكري والروحي, بعد أن كانت الأمة في حالة اللااستقرار الناجم عن الحروب، وقد يكون الإمام عنّى هذا عندما قال: mحتى يستريح بر ويستراح من فاجرn([3]) .

2- إتاحة الفرصة المناسبة في نشر الفكر التوعوي,وتهيئة الأرضية المناسبة لدى الأجيال التي نشئت في فترة اللاستقرار.

3- استخلاص قاعدة مقربة للإمام (u) تعمل على كشف المؤامرات الأموية  التي تحيق به وبالخلص من صحابته.

4- كشف الإعلام المضلل الذي نسب للإمام تهالكه على الدنيا وجمع الأموال ,وسن تلك البدعة بسب أبيه (u) على المنابر،نجد أكثر من مسلم قد تصدى لها، فقد تصدى الإمام الحسن(u) بنفسه لها, وكذلك فعل حجر وعمرو بن الحمق وعبد الله بن عباس وأمثالهم.

5- هذه البوادر قد أتت أُكلها في تهيأت الأمة للوقوف بوجه من يحيق للإسلام بمكره ,لذا نراها قد وقفت بوجه تنصيب يزيد لولاية العهد ومن ثم الحكم، وقد اتخذت حتى قبل موت معاوية، من قبل عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر والأحنف بن قيس، بل وموقف أهل المدينة([4]).

6- صنع جيل إيماني ,يمثل القاعدة الرصينة لجيش الإمام الحسين (u) بعد الفشل الذريع الذي منيّ به جيش الإمام علي والإمام الحسن (H) لوجود عناصر من الخوارج والمنافقين وأصحاب النفوس الضعيفة .

إذن هذا نزر بسيط قد استوضحناه  من معاهدة الصلح , التي تعد جزء كبير  من دور الإمام الحسن (u)والتي  استلهمها من صميم الظروف المحيطة به, وتوظيفها بصورة صحيحة في تهيئة الأرضية المناسبة  لحركة الإمام الحسين (u) وفعلاً انتهى الأمر في نهاية المطاف إلى ثورة الإمام الحسين (u) بعد أن أنكشف زيغ ومكر بني معاوية في تسليم أمر الخلافة لولدة يزيد, وقد واجه معارضة من قبل أشخاص لم يكونوا مع الإمام الحسن(u) من أمثال عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير([5]).

وبناءاً على هذا فإن الصلح كان ضرورة مرحلية ومقدمة أساسية لإعداد آلية عمل جديدة، قد تنتهي إلى استرداد الحكم أو إلى المنع من تدمير الإسلام، بعد أن يكون معاوية قد افتضح تماماً ولم يبق أي تشويش في رؤية الأمة. هذا ما يظهر من كلام للإمام الحسن والحسين (H) مع سليمان بن صرد إذ قالا له: mفإن يهلك - معاوية - ونحن وأنتم أحياء، سألنا الله العزيمة على رشدنا والمعونة على أمرناn([6]).

وعلى هذا المنهج سار الإمام الحسن(u) كما سار أبيه من قبل,فإنه احتسى الموت قتلاً بالسم حتى يهيأ الأرضية المناسبة للإمام الحسين (u) لينتقل بالأمة إلى مرحلة جديدة مغايرة تماماً عن المرحلة التي عاشتها مع الإمام الحسن (u) فاليوم لاصلح مع بني أمية ,وعلى الأُمة التي اعترضت أمر إمامها وهو يقودهم إلى الصلح,أن تتهيأ للمناجزة من جديد,لضمان حياة المبدأ، وللبرهنة على إدانة الخصوم، وهو الحل المنطقي الذي لا مهرب منه، والوسيلة المقدسة إلى اللّه تعالى.

وكانت التضحيتان: تضحية الحسين(u) بالنفس، وتضحية الحسن(u) بالسلطان، هما قصارى ما يسمّوا إليه الزعماء المبدئيون في مواقفهم الإنسانية المجاهدة.

وكانت عوامل الزمن التي صاحبت كلاً من الحسن والحسين(H) في زعامته، هي التي خلقت لكل منهما ظرفاً من أصدقائه، وظرفاً من أعدائه،لا يشبه ظرف أخيه منهما، فكان من طبيعة اختلاف الظرفين اختلاف شكل الجهادين([7]).

لقد كانت أسباب النهضة الحسينية وأهدافها كثيرة، أهمها:

1-  إحياء الدين، وإنقاذ المسلمين، وبث روح الكفاح للظلم والاستبداد، والكفر والإلحاد، والشر والفساد، ليكرس مكاسب البشرية الرائعة من نهضته المباركة الخالدة.

كل هذه المبادئ دعته (u)لأن يقدم نفسه قرباناً  لكي يسقي شجرة الإسلام الفتية ,التي كادت تذبل وتموت، فكان دمه الطاهر, ذلك المنهل العذب الذي يرويها ,فتضمحل وتموت شجرة الظلم,وتحيا شجرة العدل والصلاح ,حيث يقول (u) في وصيته التي سلمها لأخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من المدينة المنورة، معلناً نهضته ضد الحكومة المستبدة، وشارحاً أهدافه السامية، قائلاً: mإني لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد (7) أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي (7) وسيرة أبي علي بن أبي طالب (u))([8])

فكان الحسين (u) يرى سعادة البشرية وحياتها الأبدية في موته في سبيل دين الحق، وإحياء الإسلام وإنقاذه من براثن الشرك، وكذلك هدف أصحابه وآله الذين استشهدوا قبله وبين يديه.

2- فقد عرّض معاوية المسلمين للظلم والاضطهاد عندما سلط على أهل الكوفة زياداً فقتل منهم الكثير,وعندما  انتقل إلى أهل البصرة، سلط عليهم بسر بن ارطأة فقتل وفي أيام قليلة آلافاً وكذلك أهل المدينة عندما نصب عليهم يزيداً وغير ذلك فإن هذه الأعمال شكلت تصوراً جديداً للأمة تمثل في ضرورة القضاء على حكم معاوية وإعادة سيرة الإمام علي(u).

3- كما أن سبايا كربلاء عندما دخلوا الشام قد أوجدوا هناك أرضية  خصبة لفضح معاوية.

من هنا يلاحظ أن الحسن البصري في وصفه لمعاوية يقول: mأربع خصال كن في معاوية؛ لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة، انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضل، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً.. وادعاؤه زياداً.. وقتله حجراً - ويلاً له من حجر وأصحاب حجر- مرتينn([9]) .

هذا الفهم والإطلاع على حقيقة معاوية لم يكن واضحاً وكاملاً لو لم يتسلم سدة الحكم.

هذا فضلاً عن خطاب معاوية المشهور بعد الصلح في الكوفة حيث روي أنه قال: mإني لم أقاتلكم لتصوموا وتصلوا، بل قاتلتكم لأتأمر عليكمn، وروي كذلك أنه قال: mإن كل شيء أعطيته للحسن تحت قدمي هاتينn([10])

مواقف يُثني لها التأريخ

من خلال مطالعتنا لسبر الأحداث التي عاشها الإمام الحسن (u) والتي انتهت في آخر الأمر إلى الصلح,نجد أن هناك سيلاً من الروايات التي تنقل لنا تلك المواقف العظيمة والمشرّفة التي أظهرها الإمام الحسن (u) من خلال مواقفه أمام معاوية.

كل هذه المواقف لم تُضعف من عزيمته وكبريائه العلوي ,بل ظل ذلك الجبل الشامخ الذي يزداد قوة وصلابة كلما عصفت به الرياح العاتية ,كيف لا وهو هو ابن لذلك الذي وَتَرَ قريشاً، وقتل صناديدها الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله سبحانه بكل ما يملكون من حيلة ووسيلة أكثر قوة.

 فالإمام(u) سلّم الخلافة وعاد إلى مدينة جده (7) بكل فخر واعتزاز بعد أن أدى ما عليه من واجبات بحيث لم يُعطي من نفسه ما يوهن إمام شبهات خصومه التي يرومون التشبث بها لتضعيف مركزه، وزعزعة سلطانه,كما أنه اظهر مواقفاً سجد لها التاريخ وهو يستقرأ تلك المواطن البطولية التي تعكس شمم وإباء  الإمام الحسن (u) إمام خصومة من بني أمية,منها:

1- دخل الإمام الحسن (u) يوماً على معاوية وهو مضطجع عند رجليه فقال معاوية للإمام الحسن (u) ألاّ اطرفك؟ بلغني أن عائشة تقول:معاوية لايصلح للخلافة,فقال الإمام الحسن (u) :وأعجب من ذلك قعودي عند رجليك,فقام معاوية واعتذر إليه[11].

2- وقال تقي الدين الحموي: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا: يا أمير المؤمنين، ابعث لنا الحسن بن علي فقال لهم: فيم؟ فقالوا: كي نوبخه ونعرّفه أن أباه قتل عثمان، فقال لهم: إنكم لا تنتصفون منه ولا تقولون شيئاً إلا كذبكم الناس ولا يقول لكم شيئاً ببلاغته إلا صدّقه الناس، فقالوا: أرسل إليه فإنا سنكفيك أمره فأرسل إليه معاوية فلما حضر قال: يا حسن إني لم أرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجب لا تحرمني.

فقال الحسن (u): فليتكلموا ونسمع، فقام عمرو بن العاص، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع الله به؟

ثم قال الوليد بن عقبة بن أبي معبط، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفان فنعم الصهر، كان يفضلكم ويقربكم ثم بغيتم عليه فقتلتموه، ولقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا الله منه، ولو قتلناه بعثمان ما كان علينا من الله ذنب.
ثم قام عقبة، فقال: تعلم يا حسن أن أباك بغى على عثمان فقتله حسداً على الملك والدنيا فسلبها ولقد أردنا قتل أبيك حتى قتله الله تعالى zwj;!

ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كله سباً لعلي وتعظيماً لعثمان.

فقام الحسن (u) فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضاً وعداوة لجدي (7)، ثم التفت إلى الناس، وقال: أنشدكم الله أتعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله وصلى للقبلتين وأنت يا معاوية يومئذ كافر تشرك بالله وكان معه لواء النبي (7) يوم بدر ومع معاوية وأبيه لواء المشركين ثم قال: أنشدكم الله والإسلام، أتعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل لجدي (7) فأرسل إليه يوماً فرجع الرسول وقال: هو يأكل، فرد الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك وهو يقول، هو يأكل، فقال النبي (7): لا أشبع الله بطنه، أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية، ثم قال: وأنشدكم بالله، أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه، فقال رسول الله (7): لعن الله الجمل وقائده وراكبه وسائقه، هذا كله لك يا معاوية.

وأما أنت يا عمرو، فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه ألأمهم حسباً وشرهم منصباً، ثم قمت وسط قريش فقلت: إني شانئ محمداً فأنزل الله على نبيه (7) (إن شانئك هو الأبتر) ثم هجوت محمداً (7) بثلاثين بيتاً من الشعر، فقال النبي (7): اللهم إني لا أحسن الشعر ولكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة، ثم انطلقت إلى النجاشي بما علمت وعملت، فأكذبك الله وردك خائباً، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام فلم نلمك على بغضك.

وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف ألومك على سبّك لعليّ، وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطاً، وقتل أباك صبراً بأمر جدّي، وقتله جدّي بأمر ربي ولما قدّمه للقتل، قال: من للصبية يا محمد؟ فقال لهم النار، فلم يكن لكم عند النبي إلا النار ولم يكن لكم عند علي غير السيف والسوط.

وأما أنت ياعتبة، فكيف تعد أحدنا بالقتل؟ لِمَ لا قتلت الذي وجدته في فراشك مضاجعاًِ لزوجتك ثم أمسكتها بعد أن بغت.

وأما أنت يا أعور ثقيف، ففي أي ثلاث تسّب علياً أفي بعده من رسول الله (7) أم في حكم جائر، أم في رغبة في الدنيا؟ فإن قلت شيئاً من ذلك كذبت وأكذبك الناس، وإن زعمت أن علياً قتل عثمان فقد كتبت وأكذبك الناس، وأما وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها: استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت لها النخلة، ما علمت بوقوفك فكيف يشق علي طيرانك، وأنا فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبّك؟ ثم نفض ثيابه وقام، فقال لهم معاوية: خيبكم الله  ألم أقل لكم أنكم لا تنتصفون منه، فوالله لقد أظلم عليّ البيت حتى قام، فليس فيكم بعهد اليوم خير[12].

3- روي في كتاب الاحتجاج أنه وفد الحسن بن علي (u) على معاوية ، فحضر مجلسه وإذا عنده جماعة من بني أمية ، وهم مروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان لعنهم الله أجمعين ، ففخر كل واحد على بني هاشم وذكروا أشياء إساءة للحسن (u)، وبلغت منه مبلغا عظيماً فقال الحسن(u):  أنا شعبة من خير الشعب ، آبائي أكرم العرب ، لنا الفخر والنسب ، والسماحة عند الحسب ، من خير شجرة ، أنبتت فروعا نامية ، وأثمارا زاكية ، وأبدانا قائمة ، فيها أصل الإسلام ، وعلم النبوة ، فعلَونا حين شمخ بنا الفخر ، واستطلنا حين امتنع بنا العز ، بحور زاخرة لا تُنزف  وجبال شامخة لا تقهر 

فقال مروان : مدحت نفسك وشمخت بأنفك ، هيهات يا حسن ، نحن والله الملوك السادة ، والأعزة القادة ، لا تبجحنّ ، فليس لك عزّ مثل عزّنا ولا فخر كفخرنا . ثم أنشأ يقول :

شفينا أنفسنا طابت وقورا * فنالت عزّها في من يلينا

وأبناً[13] بالعدالة حيث اُبنا * وأبنـا بـالملوك مقرّنينا

ثم تكلم المغيرة بن شعبة فقال : نصحت لأبيك فلم يقبل النصح ، لولا كراهيّة قطع القرابة لكنت في جملة أهل الشام ، فكان يعلم أبوك أنّي أصدر الورّاد عن مناهلها بزعارة  [14]قيس وحلم ثقيف وتجاربها للأمور على القبائل

 فتكلم الحسن (u) فقال : يا مروان ، أجبنا وخورا ، وضعفا وعجزا ؟ أتزعم أنّي مدحت نفسي وأنا ابن رسول الله (7)، وشمخت بأنفي وأنا سيّد شباب أهل الجنة ، إنما يبذخ ويتكبر ويلك من يريد رفع نفسه ، ويتبجّح[15] من يريد الاستطالة ، فأما نحن فأهل بيت الرحمة ، ومعدن الكرامة ، وموضع الخيرة ، وكنز الإيمان ، ورُمح الإسلام ، وسيف الدين ، ألا تصمت ـ ثكلتك أمّك ـ قبل أن أرميك بالهوائل ، وأسمك بميسم تستغني به عن اسمك ؟

فأما إيابك بالنهاب والملوك ، أفي اليوم الذي ولّيت فيه مهزوما وانجحرت مذعورا فكانت غنيمتك هزيمتك ، وغدرك بطلحة حين غدوت به فقتلته ، قبحا لك ما أغلظ جلدة وجهك 

فنكّس مروان رأسه ، وبقي المغيرة مبهوتا ، فالتفت إليه الحسن (u) فقال : يا  أعور ثقيف ، ما أنت من قريش فأفاخرك ، أجهلتني ويحك وأنا ابن خير الإماء وسيدة النساء ، غذانا رسول الله (7)بعلم الله تبارك وتعالى ، فعلمنا تأويل القرآن ومشكلات الأحكام ، لنا العزة الغلبا ، والكلمة العليا ، والفخر والسنا ، وأنت من قوم لم يثبت لهم في الجاهلية نسب ، ولا لهم في الإسلام نصيب ، عبد آبق ، ماله والافتخار عند مصادمة الليوث ومجاحشة الأقران ، نحن السادة ، ونحن المذاويد القادة ، نحمي الذمار ، وننفي عن ساحاتنا العار ، وأنا ابن نجيبات الأبكار ,ثم  أشرت وزعمت  إلى  وصيّ خير الأنبياء  وكان هو بعجزك أبصر ، وبخورك[16] أعلم ، وكنت للردّ عليك منه أهلا ، لو غرك[17] في صدرك ، وبدو الغدر في عينك ، هيهات لم يكن ليتّخذ المضلين عضدا ,وزعمت  لو  أنك كنت بصفين بزعارة قيس وحلم ثقيف ، فبما ذا ثكلتك أمك بالعجز عند المقامات ؟ وفرارك عند المجاحشات ؟ أما والله لو التفّت عليك من أميرالمؤمنين (u)الأشاجع[18]  ، لعلمت أنه لم تمنعه منك الموانع ، ولقامت عليك المرنّات  الهوالع   وأما زعارة قيس ، فما أنت وقيساً ؟ إنما أنت عبد آبق  فثقف  فتسمى ثقيفا ، فاحتل لنفسك من غيرها ، فلست من رجالها ، أنت بمعالجة الشرك وموالج الزرائب[19] أعرف منك بالحروب ,فأما الحلم ، فأيّ الحلم عند العبيد القيون ، ثم تمنّيت لقاء أميرالمؤمنين (u فذاك والله من قد عرفت أسد باسل ، وسمّ قاتل ، لا تقاومه الأبالسة عند الطعن والمخالسة ، فكيف ترومه الضبعان ، وتتناوله الجعلان ، بمشيتها القهقرى ,,وأما وصلتك فمنكولة ، وقرابتك فمجهولة ، وما رحمك منه إلاّ كبنات الماء من خشفان الضبا ، بل أنت أبعد منه نسبا 

فوثب المغيرة ، والحسن (u)يقول : عذرنا من بني أمية أن تجاوزنا بعد مناطقة القيون ومفاخرة العبيد  .فقال معاوية : ارجع يا مغيرة ، هؤلاء بنو عبد مناف ، لا تقاومهم الصناديد ، ولا تفاخرهم المذاويد . ثم أقسم على الحسن (u)بالسكوت ، فسكت

إن فارقت بيضهم في يوم ملحمـة * أجفانهـا غمدت في الهـام والقمم

متى سموا صهوات الجرد حقّ بهم * مديح نظــم قديـم في نظيرهم

كأنّهم في ظهور الخيل نبت ربـى * من شدّة الحزم لا من شـدّة الحزم

من آل هاشم من سادوا الأنام ومن . شادوا عماد المعالــي في بيوتهم

أن يتركوا حقهم طوعــا لسيدهم * فصاحب الأمر قاض في حقوقهم

فسوف يولى العدا ضربا بمخدمة * ويخضب الأرب من جاري نجيعهم

فتشتفي أنفس قد مسّها نصــب * من النواصب من عرب ومن عجم[20].

4- روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات قال : اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص  والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب ، والمغيرة بن شعبة  وكان بلغهم عن الحسن بن علي (u)قوارض ، وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا : يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره ، وقال فصدق ، وأمر فأطيع ، وخفقت له النعال ، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسؤنا

قال معاوية : فماذا تريدون ؟

قالوا : ابعث عليه فليحضر لنسبه ، ونسب أباه ، ونعيره ، ونوبخه ، ونخبره أن أباه قتل عثمان ، ونقرره بذلك ، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئاً من ذلك

فقال معاوية : إني لا أرى ذلك ، ولا أفعله

قالوا : عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن

فقال : ويحكم لاتفعلوا ، فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلا خفت مقامه ، وعيبه علي قالوا : ابعث عليه على كل حال

قال : إن بعثت إليه لأنصفنه منكم

فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ، أو يربى قوله على قولنا
قال معاوية : أما إني أن أبعث إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله

قالوا : مره بذلك

قال : أما إذا عصيتموني ، وبعثتم إليه ، وأبيتم إلا ذلك ، فلا تمرضوا له في القول ، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا يلصق بهم العار ، ولكن اقذفوه بحجره ، تقولون له : إن أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من قبله

فبعث إليه معاوية ، فجاءه رسوله فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك . قال : من عنده ؟
فسماهم .

فقال الحسن (u)مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، ثم قال يا جارية ابغيني ثيابي ، اللهم إني أعوذ بك من شرورهم ، وأدرأ بك في نحورهم ، واستعين بك عليهم ، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين

ثم قام فدخل على معاوية فأعظمه ، وأكرمه ، وأجلسه إلى جانبه وقد ارتاد القوم ، وخطروا خطران الفحول ، بغياً في أنفسهم وعلواً . ثم قال : يا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني

فقال الحسن(u): سبحان الله ، الدار دارك ، والإذن فيها إليك ، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش ، وإن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحي لك من الضعف ، فأيهما تقر ، وأيهما تنكر ؟ أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب ، وما لي أن أكون مستوحشاً منك ولا منهم ، إن وليي الله وهو يتولى الصالحين

فقال معاوية : يا هذا إني كرهت أن أدعوك ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهيتي له ، وأن لك منهم النصف ومني ، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوماً ، وأن أباك قتله ، فاستمع منهم ثم أجبهم ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك

فتكلم عمرو بن العاص : فحمد الله وصلى على رسوله ، ثم ذكر علياً (u)فلم يترك شيئاُ يعيبه به إلا قاله ، وقال : انه شتم أبا بكر وكره خلافته ، وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرهاً ، وشرك في دم عمر ، وقتل عثمان ظلماً ، وادعى من الخلافة ما ليس له . ثم ذكر الفتنة يعيره بها ، وأضاف إليه مساويء وقال : إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء ، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإتيانكم ما لا يحل . ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك ، وليس عندك عقل ذلك ، ولا لبه . كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك ، وتركك أحمق قريش ، يسخر منك ، ويهزأ بك ، وذلك لسوء عمل أبيك ، وإنما دعوناك لنسبك وأباك ، فأما أباك فقد تفرد الله به ، وكفانا أمره ، وأما أنت فانك في أيدينا نختار فيك الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ، ولا عيب من الناس . فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فان كنت ترى إنا كذبنا في شيء فاردده علينا ، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان

ثم تكلم الوليد بن أبي عقبة بن أبي معيط فقال : يا بني هاشم إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم ، فعرف حقكم ، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم ، يكرمكم ، فكنتم أول من حسده ، فقتله أبوك ظلماً ، لا عذر له ولا حجة ، فكيف ترون أن الله طلب بدمه ، وأنزلكم منزلتكم . والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية ، وان معاوية خير لك من نفسك

ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان فقال : يا حسن كان أبوك شر قريش لقريش ، لسفكه لدمائها ، وقطعه لأرحامها ، طويل السيف واللسان ، يقتل الحي ويعيب الميت ، وانك ممن قتل عثمان ، ونحن قاتلوك به . وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحاً ، ولا في ميراثها راجحاً ، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان ، وإن من الحق أن نقتلك وأخاك به ، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره ، وأقاد منه ، وأما أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان أثم ولا عدوان

ثم تكلم المغيرة بن شعبة فشتم علياً وقال : والله ما أعيبه في قضية يخون ، ولا في حكم يميل ، ولكنه قتل عثمان

ثم سكتوا ، فتكلم الحسن بن علي (u)، فحمد الله وأثنى عليه  (7)، ثم قال : أما بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني ، ولكنك شتمتني ، فحشاً ألفته ، وسوء رأي عرفت به ، وخلقاً سيئاً ثبت عليه ، وبغياً علينا ، وعداوة منك لمحمد وأهله . ولكن اسمع يا معاوية واسمعوا فلأقولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم : أنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كليهما وأنت يا معاوية بهما كافر ، تراها ضلالة ، وتعبد اللات والعزى غواية ؟ وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كليهما : بيعة الفتح ، وبيعة الرضوان ، وأنت يا معاوية بأحدهما كافر ، وبالأخرى ناكث ؟ وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيماناً ؟ وإنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم ، تسترون الكفر ، وتظهرون الإسلام ، وتستمالون بالأموال

وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله (7)يوم بدر ، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه ، ثم لقيكم يوم أحد ، ويوم الأحزاب ، ومعه راية رسول الله(7)، ومعك ومع أبيك راية الشرك ، وفي كل ذلك يفتح الله عليه ، ويفلج حجته ، وينصر دعوته ، ويصدق حديثه ، ورسول الله(7)في تلك المواطن كلها عنه راض ، وعليك وعلى أبيك ساخط

وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر ، وأنت تسوقه ، وأخوك عتبة هذا يقوده ، فرآكم رسول الله (7)فقال : اللهم العن الراكب والقائد والسائق .
أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما هم أن يسلم ، تنهاه عن ذلك ؟
يا صخر لا تسلمن يوماً فتفضحنا

وعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

خالــي وعمـــي وعــم الأم ثالثهم

وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا

لاا تــركنن إلــــــــى أمـــر تكلفنـــا

والراقصات به في مكة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة لقد

حاد ابن حرب عن العزى إذا مزقا

والله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت وأنشدكم الله أيها الرهط أتعلمون أن علياً حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله (7)فأنزل الله فيه ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم )[21], وأن رسول  الله (7)بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا  فبعث علياً بالراية فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله ، وفعل في خيبر مثلها ؟

ثم قال : يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله (7 )لما أراد أن يكتب كتاباً إلى بني خزيمة ، فبعث إليك ونهمك إلى أن تموت

وأنتم أيها الرهط نشدتكم الله ألا تعلمون أن رسول  الله (7)لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها ، أولها : يوم لقي رسول الله (7)خارجاً من مكة على الطائف  يدعو ثقيفاً إلى الدين ، فوقع به ، وسبه ، وشتمه ، وكذبه ، وتوعده ، وهم أن يبطش به ن فلعنه رسول الله(7) وصرف عنه

والثانية : يوم العير ، إذ عرض لها رسول الله(7 ) ، وهي جائية من الشام فطردها أبو سفيان ، وساحل بها ، فلم يظفر المسلمون بها ، ولعنه رسول الله(7)ودعا عليه ، فكانت وقعة بدر لأجلها

والثالثة : يوم أحد ، حيث وقف تحت الجبل ، ورسول الله (7)في أعلاه وهو ينادي

أ ُعلُ هبل ، مراراً فلعنه رسول الله(7)عشر مرات ولعنه المسلمون

والرابعة : يوم جاء بالأحزاب ، وغطفان واليهود ، فلعنه رسول الله(7)، وابتهل .
والخامسة : يوم جاء أبو سفيان في قريش ، فصدوا رسول الله (7) في المسجد الحرام  والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ، وذلك يوم الحديبية . فلعن رسول الله (7)أبا سفيان ، ولعن القادة ، والأتباع وقال : ملعونون كلهم ، وليس فيهم مؤمن . فقيل : يا رسول الله أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة ؟ فقال : لا تصيب اللعنة أحداً من الأتباع ، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد

والسادسة : يوم الجمل الأحمر

والسابعة : يوم وقفوا لرسول الله (7)في العقبة ، ليستنفروا ناقته ، وكانوا أثني عشر رجلاً ، منهم أبو سفيان ,فهذا لك يا معاوية ، وأما أنت يا بن العاص فان أمرك مشترك ، وضعتك أمك مجهولاً من عهر وسفاح ، فتحاكم فيك أربعة من قريش ، فغلب عليك جزارها ، ألأمهم حسباً ، وأخبثهم منصباً ، ثم قام أبوك فقال : أنا شانيء محمد الأبتر ، فأنزل الله فيه ما أنزل، وقاتلت رسول الله(7)في جميع المشاهد ، وهجوته ، وأذيته بمكة ، وكدته كيدك كله  وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة ، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة ، فلما أخطأت ما رجوت ، ورجعك الله خائباً ، وأكذبك واشياً ، جعلت حدك على عمارة بن الوليد ، فوشيت به إلى النجاشي ، حسداً لما ارتكب من حليلته . ففضحك الله ، وفضح صاحبك ، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام ، ثم انك تعلم ، وهذا الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله(7)بسبعين بيتاً من الشعر ، فقال رسول الله(7): اللهم إني لا أقول الشعر ، ولا ينبغي لي ، اللهم العنه بكل حرف لعنة ، فعليك إذاً من الله ما لا يحصى من اللعن . وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، فأنت سعرت عليه الدنيا ناراً ، ثم لحقت بفلسطين ، فلما أتاك قتله قلت : أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها . ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه ، فلسنا نلومك على بغض ، ولا نعاتبك على ود ، وبالله ما نصرت عثمان حياً ، ولا غضبت له مقتولاً . ويحك يا ابن العاص الست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي

تقول ابنتي أين هذا الرحيل 

وما السير مني بمستنكر

فقلت ذريني فإنــــــــي امرؤ

أريد النجاشي في جعفر

لأكــــــويــــه عنــــــده كيـــة 

أقيم بها نخوة الأصعر

وشانــــــي أحمـــد من بينهم

وأقولهم فيه بالمنكر

وأجري إلى عتبة جاهداً

ولو كان كالذهب الأحمر

ولا أنثني عن بني هاشم 

وما استطعت في الغيب والمحضر

فان قبل العتب مني له 

وإلا لويت له مشفري

فهذا جوابك هل سمعته ؟

وأما أنت يا وليد فوالله ما ألومك على بغض علي ، وقد جلدك ثمانين في الخمر ، وقتل أباك بين يدي رسول الله(7)صبراً ، وأنت الذي سماه الله الفاسق ، وسمى علياً المؤمن ، حيث تفاخرتما ، فقلت له : اسكت يا علي ، فأنا أشجع منك جناناً ، وأطول منك لساناً

فقال لك علي : اسكت يا وليد فأنا مؤمن ، وأنت فاسق . فأنزل الله موافقة قوله ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ) ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضاً ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه

أنزل الله والكتاب عزيز 

في علي وفي الوليد قرانا

فتبوا الوليد إذ ذاك فسقاً

وعلي مبوأ إيمانا

ليس من كان مؤمناً عمرك الله

كمن كان فاسقاً خوانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل 

وعلي إلى الحساب عيانا

فعلي يجزى بذاك جناناً 

ووليد يجزى بذاك هوانا

رب جد لعقبة بن أبان 

لا بس في بلادنا تبانا

وما أنت وقريش ، واقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد وأسن مما تدعى إليه.

وأما أنت يا عتبة ، فوالله ما أنت حصيف فأجيبك ، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك ، وما عندك خير يرجى ، ولا شر يتقى ، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء . وما يضر علياً لو سببته على رؤوس الأشهاد ، وأما وعيدك إياي بالقتل ، فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك ، أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك

يا للرجال وحادث الأزمان 

ولسبة تخزي أبا سفيان

نبئت عتبة خانه في عرسه

جنس لئيم الأصل من لحيان

وبعد هذا ما أربا بنفسي عن ذكره لفحشه ، فكيف يخاف أحد سيفك ولم تقتل فاضحك ؟! وكيف ألومك على بغض علي وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر ، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة , وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد

وأما أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه ، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة : استمسكي فإني طائرة عنك ، فقالت النخلة : وهل علمت بك واقعة علي فاعلم بك طائرة عني . والله ما نشعر بعداوتك إيانا ، ولا اغتممنا إذا علمنا بها ، ولا يشق علينا كلامك ، وإن حد الله في الزنا لثابت عليك ، ولقد درأ عمر عنك حقاً الله سائله عنه ، ولقد سألت رسول الله(7): هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها ؟ فقال : لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا ، لعلمه بأنك زان

وأما فخركم علينا بالإمارة فان الله تعالى يقول ) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا[22] (

ثم قام الأمام الحسن (u)فنفض ثوبه فانصرف ، فتعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال : يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله وقذفه أمي بالزنا وأنا مطالب له بحد القذف .
فقال معاوية : خل عنه لا جزاك الله خيراً ، فتركه

فقال معاوية : الموضوع:علي البيت ، قوموا عني فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم ، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق ، والله المستعان[23] .

 

 

 

 

 



([1]) - دراسات في نهج البلاغة ,محمد مهدي شمس الدين ,ص41,ط/دار الزهراء للطباعة والنشر بيروت لبنان.

[2] - علل الشرايع ,الصدوق,ج1, 211

([3]) - الإمامة والسياسة: ابن قتيبة  ص186.

([4]) -  الامامة والسياسة ,ابن قتيبة ص191-200.

[5] - المصدر السابق, ص191-200.

([6]) - تاريخ الطبري: ج4 ص226، الإمامة والسياسة: ص195.

([7]) صلح الحسن ,شرف الدين ,ص371.

([8]) التوابون, الدكتور:إبراهيم بيضون,ص76.

([9]) - الغدير الشيخ الاميني,ج10 ص226,ط/دار الكتاب العربي بيروت لبنان.

([10]) - صلح الحسن ,شرف الدين ص12

[11] - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (u) ,ابن الدمشقي  ص216

[12] - جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (u) ,ابن الدمشقي  ص220

[13] - من آب يؤب : أي رجع .

[14] - الزعارة ـ بتشديد الراء ـ : شراس الخلق ، والزعرور : سيّئ الخلق . الصحاح  ج6 ص67.

[15] - البجح : الفرح ، وبجحته فتبجح : أي فرحته ففرح . مجمع البحرين.

[16] - الخور : الضعف .

[17] - الوَغَر ـ محركة ـ : الحقد والضغن ، والعداوة والتوقّد من الغيظ  مجمع البحرين

[18] - الأشاجع : هي مفاصل الأصابع ، واحدها أشجع . النهاية : 2 : 447.

[19] - الزرب والزريبة : حصيرة للغنم من خشب . الصحاح : 1 : 142

[20] - رواه الطبرسي في الاحتجاج : ج 2 ص 45 رقم 151 ، وعنه المجلسي في البحار : 44 : 93 باب 20 ح 8 .

[21] - سورة المائدة,الاية 87

[22]- سورة الاسراء الاية 16.

[23] - صور تأريخية مشرقة / 59-72.