بسم الله الرحمن الرحيم

حركية الدلالة الواعية في النص الديني


شيخ:عدنان الحساني

مقدمة:
إن مجموعة العلاقات الظاهرة والتي تحكم مفردات الحضارة الإنسانية كانت ولا زالت محط اهتمام الكثير من العلماء والمفكرين وأرباب الصناعات المعرفية والعلمية من ذوي التخصص ولم تكن اللغة كمفردة متأصلة من مفردات الحضارة استثناءا عن هذا الاهتمام بل ربما كانت هي المحور الأكثر استقطابا لمثل هذه الاهتمامات بحكم ما تمثله اللغة من عنصر استراتيجي في تحقيق قيم التواصل البشري باعتبارها التعبير الاتم للأفكار والمشاعر سواء كان التواصل تواصلا عرضيا بين مجمل الحضارات والدول المختلفة بالثقافات في عصر واحد أو كان هذا التواصل طوليا بين الحاضر والماضي من جهة أو بين الحاضر والطموح المستقبلي من جهة أخرى.
ولا يخفى من أن اللغة هي مجموعة نصوص تتضمن كما كبيرا من التجارب والأخبار المسرودة والملفوظة الضاربة في عمق التاريخ الحضاري للأمة ويقاس سر تقدم وتطور الأمم بما تملكه من خزين نصوصي يحمل بين طياته الكثير من عناصر الإبداع والترقي .
ولعل التراث الإسلامي واحدا من تلك الحضارات التي ساهمت في تكريس الحدود العليا للتقدم البشري وأمدت البشرية بالكثير من مديات التعاطي المعرفي الفاعل والمؤثر لما تحمله هذه الحضارة من قيم حقيقية تحاكي الواقع وتستلب منه الأدوات السليمة في تحقيق الاتصال الهادف بالوجود من خلال الوعي الكامل بمستويات هذا الواقع .
من هنا كان لا بد من الوقوف بعض الوقت على شيء يسير من أدوات هذا التراث وعناصره الثرة الغنية بالحقائق المعرفية والدلالات الواقعية وذلك من خلال متابعة بعض النصوص الشريفة وتحليل معطياتها المباشرة وغير المباشرة ولكن لا بد أولا وقبل الخوض في ذلك من دراسة عامة للواقع النصوصي الإسلامي من حيث الوظيفة تارة ومن حيث الآثار تارة أخرى ومن حيث الأنماط الدلالية تارة ثالثة لتحقيق القدر المناسب من الوضوح والترتب الموضوعي كضرورة بحثية لابد منها في مثل هذا النطاق من البحوث والدراسات .

أولا: واقعية النص الديني
إن مدى دلالة النص على الواقع هو المستوى الأهم والأبرز من مستويات الهدفية الدينية فان الدين لا يضع في بنك أهدافه خصوص أدوات النص من تماسك ودلالات لغوية واعتبارات لفظية بقدر ما يضع في ركاز أهدافه مدى محايثة هذه الدلالات للواقع وإيصال السامع إلى مراداته الواقعية ومقاصده النفس أمرية ولكن وقبل تثبيت لوائح هذه العلاقة بين الدين والواقع وتحديد مراكز التأثير فيها لابد أولا من أن نقف على تفسير شمولي واضح للواقعية من خلال ملاحقة الافهام المختلفة لحقيقة هذا الواقع من قبل مدارس الفكر البشري المتباينة وهل أن تحرير محل النزاع في هذه المسألة ممكن في ظل الأسس المتقاطعة بين أصول هذه الفلسفات .
فقد درج الإنسان منذ الأزل على محاولاته المتكررة والمتجددة في تفسير حقائق الوجود والعلاقات القائمة بين الموجودات وانبثقت تلك المحاولات عن جملة كبيرة من الاتجاهات والمدارس فشل معظمها في إثبات نظرياته المعرفية في هذا الإطار ولعل هذا الفشل هو النتيجة الطبيعية للمخاضات البحثية على اعتبار أن تلك الأبحاث كانت تفتقر لأهم عنصر من عناصر التفسير الموضوعي إلا وهو عنصر الوقوف على نظرية معرفية تؤمّن معطيات الواقع الموضوعي المستند إلى ذلك الانبثاق التاريخي الأول المتمثل بالوجود الأول للإنسان على هذه البسيطة فما لم نؤمن بان ذلك الانبثاق الأول المتمثل بخلافة آدم عليه السلام كان حضورا سماويا في التعبير عن الواقع الوجودي للإنسان والكون والعالم فسوف لن نقف بالنتيجة على نظرية معرفية موضوعية تستدعي دفائن العقول ومكنونات الضمائر للاطلاع على ذلك التفسير الآمن لتلك العلاقات الوجودية المطلوبة .
إن الذي حدا بأفلاطون الحكيم مثلا على تبنيه لنظرية الاستذكار والمثل في تفسير هذه العلاقات لم تكن قفزا على معطيات الواقع الموضوعي بقدر ما كان تعبيرا عن ضيق الخناق واستدراجا لخطوات أخرى في تفسير العلاقات الواقعية وهو بالضبط ما دعا أرسطو بعد ذلك إلى الانطلاق من نفس النقطة التي انطلق منها أفلاطون ولكن بتحير هذه النقطة من مخلفات المثل الاشراقية لصالح الفعاليات العقلية وبالتالي كان الحراك الأرسطي هو التعاطي الأبرز في تنميط الفكر الإلهي للنظرية المعرفية والتي حققت أكثر الافهام موضوعية وانسجاما في تفسير الواقع والعلاقات الوجودية بين الأشياء.

المذهب الواقعي بين الشك المنهجي واليقين المطلق
لم يكن الواقعيين على تماس واحد في تفسير الحيثيات اليقينية ففي حين كانت مدرسة اليونان تعتمد في تحصيل اليقين على البديهيات اليقينية كانت المدرسة الواقعية الحديثة والتي يترأسها ديكارت تنطلق من عنصر الشك كأهم عناصر الحصول على اليقين المعرفي والمنطقة الآمنة التي ينطلق منها ديكارت هي منطقة الفكر الشخصي بينما كانت المنطقة الآمنة عند مدرسة اليونان هي منطقة العقل الكلي .
والذي استدعى ديكارت إلى تامين هذه المنطقة هو انطلاقه من مبدأ الشك فأن هذا المبدأ هو حالة ذاتية وممارسة شخصية تختلف مناشئها من شخص الى آخر ومن ظرف موضوعي إلى آخر في خصوص الواقعة الواحدة .
فإذا كان المذهب الواقعي منقسم إلى هذا الحد في تحقيق القدر المشترك لتفسير الواقع الموضوعي فالحديث عن المدارس المثالية والنسبية بات ضربا من التحكم لأنها تمثل المنطلق الآمن في تفسير هذا الواقع إن صح تسميته بالواقع بعد أن علمنا أن هذه المدارس تتنكر للواقع أساسا ولكن مما يستدعي الالتفات في تفسير الماديين للواقع هو تلك الحيثية التي ترتبط باللغة (فقد ذهب بعض الماديين إلى أن الأفكار تتطور تبعا لتطور الظروف الاجتماعية والمادية وشيدوا هذا الرأي على أساس الفعل المنعكس الشرطي الذي اكتشفه بافلوف )[1] .
ونحن نعلم أن أهم عنصر من عناصر التواصل الاجتماعي هو عنصر اللغة وبات هذا العنصر هو الشغل الشاغل للمدارس الفكرية العالمية بل ذهب بعضها إلى اعتبار اللغة الانتقالة الأهم في أدوار التفكير الإنساني لأنها تعد الأتم عن منبهات شرطية سابقة تفترض الانسياق مع فكرة أثرت في إيجاد النظام الإشاري السيميائي من ناحية سلوكية صرفة.
ومن الواضح أن هذا التفسير للعلاقات اللغوية قائم على أساس أن اللغة هي الأداة الأكثر تحكما بمناسيب الإدراك وقنواته في حين ان اللغة في الفكر الديني لا تمثل سوى انعكاس تبعي لا شرطي للأفكار بل إن اللغة ذاتها ليست سوى فكرة اجتماعية متفق عليها بين المجتمعات من اجل التواصل وتبادل الأفكار والأخبار والانطباعات الشعورية سواء قلنا بان هذه الفكرة الاجتماعية جاءت نتيجة اقتران متكرر بين بعض الأصوات وبعض المنبهات الطبيعية أو جاءت نتيجة تعهد لا شعوري خلقته عملية التعاطي اللغوي وفق ما تعورف عليه بين المجتمعات .
ولكن يبقى التعامل مع النص الديني كأحد ابرز القنوات الموصلة إلى الواقع مثارا للجدل في ظل التشابك المحتدم بين النظريات اللغوية واللسانية المنبثقة هنا وهناك ولا تعد هذه الإثارة نقطة ضعف في التعاطي مع معطيات النص الديني بقدر ما تعطيه من زخم تطاولي يظهر مدى قوته وارتكازه على أسس واقعية ليس من حيث الاكتناه الهوهوي فحسب بل من حيث التحكم بجميع عناصر المثاقفة والتدليل لأنها أكثر العناصر انسجاما مع الميول الغريزية والذوق الفطري عد القارئ ونحن نتحدث عن القارئ دون السامع لان النص المقروء هو الذي يساير أكثر عناصر التحكم النصي بعكس المسموع والذي قد يفتقد بعض العناصر التي تحقق أعلى مستويات الرائزية في البحث النصوصي ولكي نقف على بيان المستويات المفروضة لحاكمية النص الديني لابد أولا من معرفة وظيفة النص الديني ودراسة هذه الوظيفة تاريخيا وبشريا وتحليليا .

ثانيا: وظيفة النص الديني
يمكن أن نلحظ مستويات الحمل الوظيفي للنص الديني من عدة حيثيات أهمها:
1- الوظيفة القابضة على ذات النص (الحيثية الهوهوية(
2- الوظيفة المنسدلة عن الذات (الحيثية الدلالية(
3- الوظيفة المنشغلة عن الذات (الحيثية المقاصدية)
4- الوظيفة الفانية للذات (الحيثية الواقعية(
ولعل الاعتبارات الشرعية تدور مدار الوظيفة الثالثة حيث إن الأحكام تدور مدار المقاصد إلا انه ليس من الضرورة أن تصيب هذه الأحكام صقع الواقع ما دامت تؤدي ذلك القدر المتيقن من قصود الفاعل النصي بحسب الظهورات العرفية للنص فان السياق الذي تلحظه هذه الاعتبارات هو السياق الذي يمثل الاتصال والتماثل في مقاصد المتكلم يقول السيد الشهيد محمد الصدر قدس في هذا المجال))السياق المعنوي يمثل الاتصال والتماثل في مقاصد المتكلم والمعاني التي يريد بيانها والإعراب عنها ويستعمل عادة في الاستدلال الفقهي والأصولي ))[2].
أما سياق الوظيفة الهوهوية وهي الوظيفة القابضة على ذات النص من حيث هو نص مجردا عن ظلاله وما يشير إليه من وقائع أو دلالات سواء كانت هذه الدلالات كامنة أو متكشفة فهو ذلك السياق المنطبق مع موازين الذوق العرفي للغة ويقول السيد الصدر في هذا المجال((أما السياق اللفظي فيراد منه تناسقه العرفي في الذوق واللغة بحيث لو زاد شيئا او نقص لكان ذلك إخلالا به ومن ثم يكون ذلك قرينة كافية على عدم وجوده وعدم قصده منن قبل المتكلم ))[3].
والسياق هو ذلك العنصر المتحرك بين معظم الوظائف النصية السالفة في خصوص النص الديني ونحن حينما نتحدث عن النص الديني فيجب أن لا يغيب عنا ما يلعبه السياق م ادوار تتدخل في جميع مفاصل الدلالة النصية والذي يميز النص الديني من حيث الحركة السياقية هو تأثره بنمطين من هذه الحركة الأول ما يرتبط بداخل النص من قرائن مقالية والثاني ما يرتبط بخارج النص من مواقف وقرائن حالية إلا أن النمط الداخل نصي هو الأكثر حركة مع معطيات القراءة والتحليل خصوصا وان النص الديني يتضمن بعدا ثالثا من أبعاد الحركة الدلالية إلا وهو البعد التاريخي وحتى الأحكام الشرعية المستحدثة لا يمكن أن تنفصل عن هذا البعد بالمطلق فهذه الأحكام إما أن تستند إلى قياس سلبي كما هو عند فقهاء السنة أو إلى قياس ايجابي منطقي استنباطي كما هو عند فقهاء الشيعة.




الشيخ عدنان الحساني كاتب وباحث إسلامي من العراق/حوزة قم المقدسة

ملاحظة/هناك تتمة أخرى للبحث فان أعجب إدارة الموقع فسوف نتابع القسم الثاني ودمتم مسددين





[1] -
الخلاصة الفلسفية : علي حسن مطر ,161.

[2] -
منة المنان في الدفاع عن القرآن : محمد الصدر ,88.

[3] -
المصدر السابق.